الرئيسية / كتاب الوعي العربي / اصطفاف النجوم – بقلم :د. ​كمال خلف الطويل

اصطفاف النجوم – بقلم :د. ​كمال خلف الطويل

 

 

 

17 نوفمبر 2017​

 

 

 

لطالما عجت مدارات المحاور الأربعة -الإيراني والسعودي والتركي والاسرائيلي -في الإقليم بزحامٍ لا يدع موطأً​ لقدم، يتدافع معه نفرٌ الى درجة الصدام، ويتساكن فيه بعضٌ الى حد المعاشرة، ثم تنحني مساراتها وتتعرج ليصبح من كان خصم الأمس شريك اليوم، ومن عهْد الناس به سلَسُ التعامل وقد وقرَ في فئة الجوارح.

​​

شيءٌ ما قد تغيّر في حركة الأفلاك منذ عام، هو وصول دونالد ترامب الى الرئاسة في الولايات المتحدة؛ وبما عناه من صعود مدرسة اليمين البديل، والتي لم تكن تُحتسب من ملاك المؤسسة الحاكمة، لتزاحم المؤسسة نهجاً ورؤية، وفِي الصميم قراءتها للعلاقات الكونية وخيارات العدو والصديق. بكلمةْ، عندها خصمان لدودان: الصين والإسلام، والأخير بطبعتيه السنية والشيعية، والاثنتان بشعبتيهما الجهادية والسياسية.

 

بناءً عليهِ ففيما هي​ تفرِغ من أولوية عدائها: الجهادية السلفية نراها تجيل البصر بحثاً عن أقل السبل كلفةً للانقضاض على إيران وما تدعوه امتداداتها الإقليمية. صحيحٌ ان إضعاف إيران في غرب آسيا غرضٌ تجتمع عليه المدرسة الترامبية مع دولة الأمن القومي التقليدية لكن الوسائط والمديّات فوارق تتجاوز التكتيك الى تحت-الاستراتيجيا ، ومثال الاتفاق النووي بيّن.

النيزك الترامبي خلخل انتظام مدارات المحاور، فوجدنا الإيراني وقد تقارب مع التركي لحدّ الشراكة، بل وبجوامع تعلو منسوباً عن تاريخية ناتوية تركيا التي تكاد ان تمسي فعل ماضٍ، ورأينا السعودي والاسرائيلي وقد خلعا برقع ادعاء العداء ولبسا ثوب تظهير القواسم، حتى لكادت المحاور الأربعة أن تضحي اثْنَين.

 

أسارع هنا لأقول ان تراصّ مكونات كلٍ من ذينك الاثنَين ليس صلداً ولا نهائياً ، ففي المحور السعودي شريك إسرائيلي يتحرك وفق محض نواميسه ، مضبوطةً على ساعة ترامب ، وليس على هوى شريكه المستجد ، وعضو مصري يرتاع من مدى عداوة راعيه لإيران وتطبيقات ذلك في بر الشام ، وطرف فلسطيني – السلطة – يستعيذ من فرط جموح ذاك الراعي ، مجسداً بسعيه وضع مخيمات لبنان الفلسطينية في وجه حزب الله وفي إضرام نار مواجهة جديدة مع حماس … كما هناك في المحور الإيراني شريك سوري ما فتىء يرى في تركيا- أردوغان شراً شبه مستطير ، رغم تشاطر الهمّ الكردي بل والقاعدي معه ، وفي حماس فصيلاً مارقاً سعى ، مع حليفه التركي ، لتقويضه في حمأة صراع المحورين: ٢٠١١-٢٠١٦ ، ثم هناك في المحور التركي طرف فلسطيني – حماس – يرى في مداهنة ذاك السعودي ضرورةً عنده ، سيما وربيبه المصري يطبق خناقه على مليوني فلسطيني في قطاع غزة حصاراً وهواناً ، وباعتبار خلفية العداء المشترك لجهادية سيناء السلفية ، وتمددها الغزّي.

 

​الأكيد أن سرعة إيقاع الحوادث فوق مسرح مضطرم تفاقم من قوتي الجذب والطرد معاً داخل بنيان الخيمتين، سيما في ضوء انحسار المشروع الجهادي-ذو الأقنومين في سوراقيا العربية.

 

والحاصل أن لهاث واشنطن لوضع اليد على شرق الفرات السوري هو أهم خميرة تفعيل تأخذ الصراع في وعلى سوريا الى مداه ، وتحفز  مكونات الخيمتين الإقليميتين على تغليب المشتركات بينها ؛ فما تسعى اليه واشنطن (هنا دولة الأمن القومي تحديداً) هو حرمان خصمها الروسي وحليفه السوري وشريكه الإيراني من نِعم خيرات شرق الفرات ، وتلواً من إطلاق عملية إعادة إعمار جدية في سوريا ، هذا أولاً ، وثانياً استزراع ذراعين محليين هما الكردية المسلحة وعشائر “عربية” لتكونا ممثلَين لها في ما تبغيه من سوريا جديدة ، ينضاف عليهما في لاحقٍ منظمات “أنجزه” – NGOs – وجماعات كومبرادور.

 

سعيٌ كهذا يقرّب، ولو بالسلب، المحورين التركي والإيراني من بعضهما البعض، ويقرّب الاثنين معاً من شريكٍ يرى في سوريا امتحان كونيته ، وخط دفاعه الأول: روسيا. الثالوث هذا منكبّ على الاشتغال، سلماً وحرباً، على تبصير الكرد بسوء خيارهم، وتوهين اندفاعة العشائر الى حضنٍ لم يُعرف بدوام دفئه، وعلى منازلة الجهادية حتى خط النهاية.

 

أمرٌ آخر تتلمظ عليه واشنطن في “الشام”، هو تأمين اسرائيل عملانياً واستراتيجياً، وترجمته إخراج إيران من شرق المتوسط، أو أقلّه إضعافها فيه، هذا في العملاني؛ وأما في الاستراتيجي فاتفاق سلام هزيل، هو في أقصاه إتمام تنفيذ اتفاقات الحكم الذاتي (التي كان ينبغي ان تكتمل عام ١٩٩٩، ولم)، لقاء تطبيع رسمي عربي يشرعن للسعودية وأخواتها الخروج من دولاب الخفاء الى رحاب العلن في قصة وئام صهيونية.

هنا أيضاً، فلا حماس ماضيةٌ في هكذا درب، ولا إيران طاويةٌ بيارقها نزولاً عند​ رغبة أحد، ولا موسكو مضحيةٌ بشريك ميدان تحتاجه ويحتاجها حتى يدفعا بواشنطن غرب شرق الفرات.

من يعرف ذلك خير معرفة هي دولة الأمن القومي، وفي خطاب جون كيري الأخير -قبل تسلّم ترامب -كفاية.

 

في أوقات التحولات التكونية الكبرى يصبح مشعر الوزن النوعي للدول، كبرت أم صغرت، شديد الحساسية وسريع النَوس إلى أن يستقر الحال على استدامة … لكن الظاهرة الأهم، وما يجري الآن في السعودية وحولها رجع صدىً لها، هي التباين المتسع لحدّ التفارق بين الترامبيين والدولتيين، والذي بدوره واحدٌ من أهم علامات أفول جديد للإمبراطورية (كانت قد برئت بالكاد من واحدٍ عصف بها في ٢٠٠٨، بعدها بنصف دزينة سنين) ليس من ضمانٍ ان يكون مؤقتاً كسالفه.

 

كل هذا التهويل بحربٍ تُعزّ أصحابها وتذّل من يشاؤون كان له ان يكون صدقياً لو أن الحديث هو عن ٢٠١٢ مثلاً، أما وموازين القوى هي ما هي عليه الآن فحسبانه واقعياً عسيرْ.

 

نطق ناتانياهو مؤخراً بعبارةٍ مفادها أن نجوم السماء قد اصطفت في منظومة إعجاز تشكلت من ترامب ومنه ومن MbS ، وأن أعالي السماء هي أفق قدرتها، لا أخفض.

هو فيها عبّر بدقّة عن طبيعة الاصطفاف، صحيح … لكن استنتاجه هو بدقّة ما لا تعكسه موازين القوى.

 

أحتكم مجدداً لرأي “الدولة” في هذا الإعجاز!

 

عن admin

شاهد أيضاً

عبد الناصر وجماعة الاخوان بقلم سامى شرف

أسست جماعة الأخوان المسلمين سنة 1926 بواسطة حسن البنا (مدرس ) وشهدت الأربعينات عنف وعنف …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *