الرئيسية / كتاب الوعي العربي / بريطانيا والاستحقاقات المتوجبة للشعب العربي الفلسطيني بقلم : عوني فرسخ

بريطانيا والاستحقاقات المتوجبة للشعب العربي الفلسطيني بقلم : عوني فرسخ

 

 

في الذكرى المئوية لوعد بلفور ، وفي وقفة استعراضية مع نتنياهو ، أعلنت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي افتخارها بدور بريطانيا بإقامة إسرائيل . ولم تكن رئيسة وزراء بريطانيا مدعية بما افتخرت به ، وإنما عبرت عما هو ثابت تاريخيا من أن استراتيجيي الاستعمار البريطاني تبنوا ودعموا المشروع الصهيوني الذي رأوا فيه الأداة المثلى لخدمة طموحاتهم الامبراطورية في إحدى أهم المناطق الاستراتيجية في العالم . ويذكر أنه فيما كان عدد من اللوردات الانجليز شديدي الحماس لترويج فكرة استعمار فلسطين باليهود ، يشاركهم حماسهم بعض اثرياء اليهود ، كانت الغالبية الساحقة من نخب اليهود وجمهورهم يعارضون فكرة الهجرة الى فلسطين مؤثرين الاندماج في المجتمعات الأوروبية التي ألفوا العيش فيها . بل ويعتبرون أن أرض صهيون الجديدة إنما هي أمريكا لا فلسطين .

 

ويقرر الأب د. جوزيف حجار أن سنوات إبراهيم باشا التسع في بلاد الشام أخطر سنوات القرن التاسع عشر في حياة الأمة العربية . وذلك لأن مصر وقد نمت قدراتها الذاتية تحت قيادة محمد علي استعادت دورها التاريخي في استنهاض وتوحيد المشرق العربي . ولقد استفزت قوى الاستعمار الأوروبي تجاه ما بدا من إمكانية قيام إمبراطورية عربية بقيادة مصر . وتحسبا لتنامي فعالية مصر وتجاوب المشرق العربي معها مستقبلا ،  تبنى بالمرستون – وزير خارجية بريطانيا في اربعينات القرن التاسع عشر – فكرة إقامة كيان صهيوني في فلسطين . وكانت بريطانيا قد تقاضت ثمن دعمها الامبراطورية العثمانية حينها ، بالاعتراف لها بحق حماية يهود الولايات العثمانية ، خاصة في بلاد الشام . وكانت قد افتتحت سنة 1838 قنصلية في القدس . ويذكر الاب د. حجار أنه كان على نائب القنصل اعتبار حماية اليهود في فلسطين واجبا من واجبات الدولة ، وتزويد وزارة الخارجية البريطانية بأسرع وقت ممكن بمعلومات دقيقة عن حالة السكان اليهود في فلسطين .

 

وبضغط إنكليزي مدعوم بمداخلات المصرفيين اليهود اصدر السلطان عبدالمجيد سنة 1949 فرمانا يجيز لليهود شراء الأراضي في الديار المقدسة ، منهيا بذلك الحظر الذي تواصل منذ القضاء على ثورة المكابيين سنة 135م ، وأكدته “العهدة العمرية ” أستجابة لطلب بطريرك القدس صفرونيس من الخليفة عمر بن الخطاب .

 

وفور صدور “فرمان” السماح بشراء الاراضي قام العقيد تشارلز تشرشل – جد ونستون تشرشل – بجولة واسعة في البلاد العربية ، كان خلالها يجتمع بزعماء اليهود فيها ليطلعهم على “الفرمان ” وليحثهم على الهجرة الى فلسطين . وفي تلك السنة زار فلسطين المليونير اليهودي الانجليزي موسى منتيفيوري بصحبة العقيد البريطاني جولز ، الذي قام بدراسة وافية لأحوال الجالية اليهودية ، وقدم بذلك مذكرة الى الحكومة البريطانية . وفي سنة 1852 أسس القنصل البريطاني في القدس جيمس فين “جمعية تشجيع العمل الزراعي اليهودي في الأراضي المقدسة ” من أجل تمكين الاستيطان اليهودي .

 

وكان منتيفيوري قد اشترى سنة 1854 قطعة ارض في القدس اقام عليها مستعمرة في الحي السكني المعروف باسمه في القدس الغربية ، لتكون المستعمرة الصهيونية الثانية في فلسطين ، بعد أن كان القنصل الأمريكي بالقدس واردور كرستون قد أنشا في العام 1852 أول مستوطنة زراعية يهودية ، معتبرا إياها البداية الأولى لـ “فلسطين الجديدة ” حيث ستقيم الأمة اليهودية وتزدهر ” . وبهذا يتضح أن المستعمرة الصهيونية الأولى في فلسطين أقيمت قبل خمسة وأربعين عاما من عقد هرتزل المؤتمر الصهيوني الأول سنة 1897 .

 

وفي مطلع 1918 ، وقبل انتهاء المعارك في شمال فلسطين مع الجيش التركي ، بعث مارك سايكس بمذكرة من الخارجية البريطانية الى المندوب السامي في مصر وينغيت يعلمه بتشكيل “لجنة صهيونية” برئاسة حاييم وايزمان ستتوجه إلى فلسطين يصحبها الكابتن اورمسي غور – وزير المستعمرات فيما بعد – كضابط اتصال ، للعمل تحت إشراف الجنرال اللنبي كهيئة استشارية لاتخاذ الاجراءات التي يتطلبها تنفيذ وعد بلفور .

 

ولدى تعيين هربرت صموئيل مندوبا ساميا في فلسطين سنة 1920 أعطي سلطات واسعة ، إذ أُسند اليه منصب الحاكم العام ، ورئيس السلطتين التنفيذية والتشريعية ، وفي بعض الحالات شغل منصب القائد العام للقوات البريطانية في فلسطين . ومنذ اليوم الأول لتوليه منصبه أعتمد سياسة ذات بعدين متكاملين : إسناد الوظائف الرئيسية لمديرين انجليز يهودا في غالبيتهم ، وضباط الجيش ، وجميعهم ومن دون استئناء شديدو التعصب للمشروع الصهيوني ، والعمل بكل الوسائل لارساء قاعدة مادية لقيام الوطن القومي اليهودي ، مقابل العمل بكل الوسائل الممكنة للحيلولة دون أن يكون لمن يجري توظيفهم من العرب دور مؤثر .

 

ومنذ بداية عهد الانتداب اعُتمدت سياسة الفصل العنصري ” في المدارس ، وإقامة نظامين تعليميين منفصلين ، وبحيث لا يكونان متساويين في الكفاءة والنوعية . وبالتالي قُصد منذ البداية ألا يستطيع النظام العربي للتربية والتعليم الوفاء بحاجة مجتمعه للعلم ولمعرفة ومجاراة ما هو قائم لدى التجمع الاستيطاني الصهيوني ، وبحيث غدا نظام التعليم في عهد الانتداب جزءا من الصراع .

 

ولتأسيس قاعدة اقتصادية للمشروع الصهيوني اعترفت إدارة الانتداب بالصندوق القومي اليهودي “الكيرين كايمت ” كجمعية ذات نفع عام . ومنحت التجمع الاستيطاني الصهيوني جملة امتيازات أهمها : امتياز كهرباء روتنبرغ ، كهرباء عموم فلسطين ، وامتياز استغلال أملاح البحر الميت . وسنت القوانين والانظمة المشجعة والحامية للصناعات الصهيونية ، إلى جانب منحها إعفاءات جمركية وضريبية . وبالدعم المالي من المؤسسات اليهودية العالمية ، وبالخبرة الفنية المتوفرة لدى قطاع واسع من المستوطنين ، توالى قيام عدة صناعات أغرقت السوق المحلية والأسواق العربية المجاورة بسلع جديدة ، وبحيث نافست السلع المستوردة الاوروبية ، بما في ذلك البريطانية منها .

 

وعلى مدى سنوات الانتداب البريطاني توالى دعم تطور المؤسسات الصهيونية : السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعسكرية . بتضافر جهود بريطانيا والولايات المتحدة . بحيث أنه غداة عرض قضية فلسطين على الأمم المتحدة سنة 1947 كان الصهاينة يمتلكون دولة عصرية وجيشا نظاميا .

 

ومما سبق يتضح تماما أن بريطانيا صاحبة الدور الأول في إقامة اسرائيل . كما يمكن القول بأنها صاحبة الدور الأول كذلك في نكبة شعب فلسطين وأمته العربية سنة 1948  مما يرتب على بريطانيا استحقاقات للشعب العربي الفلسطيني لعدوانها على حقه في تقرير مصيره ، وتنكر لهويته القومية ، وممارستها العنصرية ضده طوال سنوات الانتداب ، والتآمر عليه في حرب 1948/1949 بحيث فرضت عليه النكبة ، ودمرت مجتمعه . وتحقيق الاعتذار البريطاني لشعب فلسطيني ممكن ومستطاع بالضغط على المجتمع البريطاني بكل الوسائل المتاحة ، خاصة وسائل التواصل الاجتماعي . وهذا هو التحدي الذي يواجه الشباب العرب عموما والفلسطينيين منهم خصوصا .

 

 

 

عن admin

شاهد أيضاً

اصطفاف النجوم – بقلم :د. ​كمال خلف الطويل

      17 نوفمبر 2017​       لطالما عجت مدارات المحاور الأربعة -الإيراني …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *