الرئيسية / حوارات ناصرية / الوثائق البريطانية تكشف [1]: خطة «معاقبة» عبدالناصر مياه النيل مقابل التنازل عن السيادة على قناة السويس

الوثائق البريطانية تكشف [1]: خطة «معاقبة» عبدالناصر مياه النيل مقابل التنازل عن السيادة على قناة السويس

يعرض الوثائق ــ مروان سلطان
 

 وزارة الدفاع فى لندن :

  • مصر قد تهاجم سد شلالات «أوين» باستخدام الطائرات القاذفة عبر السودان
  • فرض قيود على تدفق النيل سيكون له أثر نفسى قوى على المصريين 

 

الخارجية حذرت من مخاطر تقييد تدفق المياه على مصالح بريطانيا فى مشروعات الرى بوادى النيل  

 

لم يكن التخطيط للعمل العسكرى مع فرنسا وإسرائيل، فى العدوان الثلاثى هو خطة بريطانيا الوحيدة لمحاولة استرداد السيطرة على قناة السويس بعد أن أمم الزعيم جمال عبدالناصر الشركة المالكة لها فى 26 يوليو 1956.

فقد كشفت الوثائق البريطانية أنه إلى قبل العدوان الثلاثي، بحثت بريطانيا خطة لقطع مياه النيل لإجبار نظام حكم ناصر على التراجع وإشراكها فى إدارة القناة. وشملت الخطة محاولة استغلال الخلاف بين مصر والسودان بشأن مياه النيل فى حشد تأييد الحكومة السودانية لمشروعها.

فبعد 34 يوما من قرار عبدالناصر تأميم شركة القناة، تحدث رئيس وزراء بريطانيا «أنطونى إيدن»، زعيم حزب المحافظين، فى خطاب فى جلسة المساءلة الأسبوعية فى مجلس العموم ( البرلمان) عن الأزمة مع النظام الناصرى والعلاقة بين أزمة قناة السويس ومياه النيل. وحمل حكومة حزب العمال بزعامة «كليمنت أتلي» مسئولية تكبيل يد بريطانيا فى ملف مياه النيل.

صورة توصيات وزارة الخارجية البريطانية بشأن استخدام قطع المياه سلاحا ضد مصر في أزمة السويس

—————————————————————————

 

 
وبعد 4 أيام من هذا الخطاب، أرسلت وزارة الخارجية البريطانية توجيها إلى سفارات 27 دولة تطلب منها، كل فى البلد المعتمدة فيها، الترويج لالتزام بريطانيا بحق مصر فى السيطرة على سد شلالات أوين.

وقال التوجيه: إنه على الرغم من أن السد يقع على النيل الأبيض فى الأراضى الأوغندية، فإن الاتفاقات المسبقة تعطى لمصر حق السيطرة الكاملة على السد الذى أسهمت فى تمويله بهدفين أولاهما تمكين أوغندا من توليد الكهرباء وثانيهما الحفاظ على تدفق المياه إلى مجرى نهر النيل الرئيسى الواصل إلى الأراضى المصرية. ويمارس حق مصر فى السيطرة، مهندسون مصريون مقيمون فى منطقة السد ، ولا يمكن تنفيذ أى إشغالات أو أعمال فنية إلا بموافقتهم.

توجيه الخارجية البريطانية تضمن «هذا الأمر لا يزال قائما. إن السد مقام على أراض بريطانية. وهو ملك حكومة استعمارية بريطانية. ومصر مستخدم وليست ذات سيادة على السد. غير أنه، وبفعل اتفاقية سلمية، تسلم بريطانيا للمستخدم المصرى السيطرة على مشروع حيوى لمصر. وليس هناك ما يوحى بأن امتلاك مصر لهذا الوضع الخاص ينتقص بأى حال من السيادة البريطانية.»

وطرح التوجيه رغبة بريطانية فى تطبيق وضع مماثل على حالة قناة السويس بحيث يمكن أن تكون هناك سيطرة غير مصرية عليها.

يقول التوجيه الصادر من وزير الخارجية البريطانى « يبدو لى أن التشابه ( فى هذا الوضع) مع المتطلبات الغربية فيما يتعلق بالقناة كبير جدا جدا بالفعل».

صورة وثيقة قناة السويس ومياه النيل رسالة الى رئيس وزراء بريطانيا

—————————————————–

 

وطالب الوزير البعثات البريطانية فى نحو 30 دولة منها مصر وإثيوبيا وإسرائيل بالترويج العلنى لفكرة التماثل.

وأصدر توجيهات إلى كل سفير بأن «يتأكد من أن الحكومة التى أنت متعمد لديها على دراية بهذه النقطة، واستخدم ما يمكنك استخدامه بشأنها فى الإعلام».

ورغم هذا التطمين، كان «إيدن» يفكر فى مسار آخر مواز وهو البحث عن وسيلة للضغط على مصر بورقة مياه النيل لإجبارها على التراجع عن موقفها من تأميم القناة ونزع أى نفوذ للقوى الغربية عليها.

وتعززت الفكرة فى ذهن الحكومة البريطانية بعد سلسلة من الدراسات والسيناريوهات المحتملة، شاركت فى وضعها وزارة الدفاع البريطانية .

وانتهت دراسة أعدتها الخارجية البريطانية بعنوان «استخدام مياه النيل ضد ناصر» بشأن أهمية سد شلالات أوين إلى التالي:

«تأثير تقييد تدفق المياه عند شلالات أوين سيكون أوضح فى مصر خلال الشهور من يناير حتى يونيو عندما تشكل مياه النيل الأبيض معظم (83%) من مجرى النيل الرئيسى عند أسوان.. وخلال بقية العام، من يوليو إلى ديسمبر، سوف تؤدى التقييدات فقط إلى إحراج مصر لو حدثت خلال عام يتسم بمستوى قليل للغاية من الماء، مثل عام 1913».

حجة للعقوبة

وفى 15 سبتمبر 1956، بعث مكتب رئيس الوزراء ببرقية سرية موجهة فقط إلى وزير الخارجية تتضمن توجيها بإعداد ملف يساعده فى اتخاذ قرار بشأن فكرة «معاقبة مصر» بورقة مياه النيل بسبب موقفها من قناة السويس.

وقالت البرقية:

فيما يتصل بالوضع الحالى فى مصر، رئيس الوزراء متلهف لدراسة مسألة مياه النيل برمتها. تتذكر أنه فى النقاش يوم 13 سبتمبر، استفاد من نقطة أن مصر تتمتع بحقوق المستخدم فيما يتعلق بسد شلالات أوين, فى أوغندا. هذا، وربما جوانب أخرى لمياه النيل، يتيح لنا حجة مفيدة وعقوبة ممكنة».

 

صورة وثيقة قناة السويس ومياه النيل

——————————-

وفى تقييمها للموقف، قالت دراسة وزارة الخارجية البريطانية : للمملكة المتحدة أربع مصالح واضحة فى مشروعات الرى بوادى النيل. وهذه المصالح هي:

> تحكمنا فى مصادر النيل الأبيض فى شرق إفريقيا البريطانية، بما فيها سد شلالات أوين والذى هو ملمح أساسى لأى مشروع.

> مصلحتنا التقليدية فى الموضوع:

نتمتع بخبرة تفوق خبرة أى دولة أخرى. ومستشارونا لشئون الرى ما زالوا نافذين فى السودان.

> النصيب الرئيسى من العقود سوف يذهب إلى الصناعة البريطانية فيما يتعلق بمشروع سد أسوان وأى مشروعات تنموية فى السودان: ولا بد أننا سنظل قادرين على الحصول على نصيب جوهري، وخاصة فى السودان.

> مصلحتنا السياسية فى الاستقرار والتنمية الاعتيادية لوادى النيل. ودور بناء سوف يذهب إلى حد الاحتفاظ بالسودان، كما سوف يساعد أيضا فى الوقت المناسب فى استعادة مكانتنا فى مصر.

رد عدائى

وحذرت الخارجية من تأثير عقاب مصر مائيا على السودان. وقالت: «سوف تصبح الملاحة فى النيل بين جوبا ومونجالا صعبة إن لم تكن مستحيلة. وسوف تتأثر الزراعة ،والقطن بشكل رئيسي، على طول النيل الأبيض بين كوستى وجبل أولياء، كما قُيدت عملية ملء خزان جبل أولياء، وسوف يزيد التأثر بشكل أكثر خطورة لو اضطر المصريون لإفراغ الخزان مبكرا من أجل التخفيف من نقص المياه فى الشمال».

وفيما يتعلق بالمردود السياسى فى أوغندا والسودان، نبهت الخارجية إلى أنه:

«يمكن أن يكون هناك شك قليل فى أن رد الفعل من جانب سكان أوغندا والسودان على التقييد من جانب حكومة جلالتها لتدفق النيل من أجل ممارسة الضغط على مصر سيكون حادا وعدائيا. وسوف يتصاعد العداء بفعل أى صعوبات اقتصادية تنتج عن ذلك الضغط.»

وشملت التحذيرات تأثير خطة العقاب المائى البريطانية على وضع الاتفاقات الدولية بشأن نهر النيل. وقالت: «بتنظيم التدفق عند شلالات أوين بما يضر بمصر، فإننا لابد سننتهك:

(1) اتفاقية مياه النيل لعام 1929 والتى بمقتضاها تعهدنا بألا نباشر، إلا بموافقة مسبقة من الحكومة المصرية، إجراءات من شأنها خفض كمية المياه الواصلة إلى مصر أو تعديل تاريخ وصولها أو تقليل مستواها بطريقة تضر بحقوق مصر.

(2) المذكرات المتبادلة عام 1949، التى بمقتضاها يباشر مجلس الكهرباء الأوغندى تنظيم تدفق المياه المارة عبر السد بناء على تعليمات المهندس المصرى المقيم، وفقا للترتيبات المتفق عليها بين وزارة الأشغال العامة المصرية والسلطات الأوغندية.»

ونصحت الخارجية باستغلال قبول بريطانيا لسيطرة مصر على سد أوين الذى يقع فى أراض ذات سيادة بريطانيا كوسيلة للدعاية لمقترحها والغرب تدويل إدارة قناة السويس. وقالت:

«نرى أنه يجب أن نكسب باستخدام ترتيبات شلالات أوين (التى تعطى مصر حقوقا أكيدة على أراض بريطانية دون خرق السيادة البريطانية) ليس كأساس للتهديدات، بل كتعبير عن استعدادنا للتخلى عن ممارسة السيادة غير المحدودة من أجل مصلحة العلاقات المتحضرة والحساسة مع الجيران. وهذه العلاقات تمثل نموذجا عمليا للاعتماد المتبادل الذى هو أساس مطالبتنا بالسيطرة الدولية على قناة السويس.»

سرى للغاية

وخلصت وزارة الخارجية البريطانية إلى التالى:

«استخدام مياه النيل فى أوغندا وسيلة للضغط ضد مصر سيكون بطيئا للغاية من حيث التأُثير، وعلى الأرجح سيضرنا أكثر من ضرره بعبدالناصر، رغم أنه سوف يضر بالاقتصاد المصري.»

وأرسلت الوزارة الوثيقة «السرية للغاية» التى جاءت فى 8 صفحات إلى رئيس الوزراء ومعها خطاب مؤرخ فى 16 نوفمبر 1956 تخطره فيها بأنها فى انتظار تعليماته قبل الاتصال بالأمريكيين.

صورة وثيقة قناة السويس ومياه النيل2

——————-

وقال الخطاب «بناء على أى تعليمات قد يرغب رئيس الوزراء فى إعطائها، سوف نتصل قريبا بحكومة الولايات المتحدة بشأن خطوط المذكرة».

وفى 18 نوفمبر عام 1956، كتب مكتب رئيس الوزراء برقية إلى الخارجية يقول إن مذكرة الوزارة عُرضت على رئيس الوزراء. وتقول البرقية «السرية للغاية»:

يود رئيس الوزراء فرصة لبحث المذكرة مع وزير الخارجية وهو رأى أنه يحب إثارة الأمر فى مجلس الوزراء قبل التوصل إلى أى قرار بشأن ما يجب عرضه على الأمريكيين ومتى يُعرض. ويمكن أن يكون البديل هو إحالة الأمر إلى لجنة مصر. يساور رئيس الوزراء بعض الشكوك فيما إذا كان هذا هو توقيت الاتصال بالأمريكيين بالطريقة المقترحة».

خوف من القاذفات المصرية

أما وزارة الدفاع، فبحكم مهامها، حذرت من احتمال رد مصر العسكرى فضلا عن الدبلوماسي، وتوقعت بأن يستخدم الجيش المصرى قاذفاته،عبر الأراضى السودانية، لقصف سد شلالات أوين. ونصحت بدراسة موقف السودان من أى إجراء بريطانى ضد مصر.

وأجرت الوزارة دراسة لـ «بحث ما إذا كان التدخل، أو التهديد بالتدخل، فى تدفق النيل عند شلالات أوين، أداة فعالة ضد مصر.»

وأقرت النتائج بأن النيل مسألة حياة أو موت بالنسبة للمصريين. وقالت:

«بالإضافة إلى أى نتائج مادية، فإن أى اقتراح بفرض قيود على تدفق النيل سيكون لها أثر نفس قوي. يتبنى المصريون دائما أسلوبا يتسم بالأنانية التامة بشأن استخدام مياه النيل، متجاهلين حقوق شعوب الحوض الأخرى. ونظرا لأن النهر حيوى لمصر، فإنهم غير مرتاحين دائما للسيطرة البريطانية على المنابع. ونزعت الاتفاقيات المتعلقة بمياه النهر إلى قبول مصلحة مصر الأساسية.

بالتالي، فمن المؤكد أن يسبب أى اقتراح بالسيطرة على النيل دون موافقة مصر أعنف التداعيات. أى محاولة لتطبيق مثل هذا العمل سوف يُعامل يقينا من جانب مصر على أنه عمل عدائى صريح».

وأرجعت ذلك إلى التالي: احتجاز سبعة أثمان المياه عند شلالات أوين لفترة ممدة سوف سيكون لها تقريبا النتائج التالية فى مصر:

أولا: بعد 16 شهرا سيصبح هناك إمكانية لإدراك التخفيض فى المياه الواصلة إلى أسوان.

ثانيا: فى العام التالى سيكون التخفيض فى أسوان بمعدل 30 فى المائة خلال الموسم.

ثالثا: فى السنوات اللاحقة، قد يكون التخفيض أكبر، اعتمادا على سقوط الأمطار فى شرق إفريقيا.

وهذا التخفيض سوف يسبب، وفق الدراسة نفسها، «تخفيضات فى مناطق زراعة الأرز والقطن، التأُثير على محصول القطن من المحتمل أن يكون أقل من التأثير على محصول الأرز.

غير أنها قالت إنه «لم تُحسب نتائج هذه التخفيضات على الاقتصاد المصرى غير أنه رغم أنها ستكون خطيرة، فإنه من المرجح ألا تدمر، وحدها، اقتصادها أو تسبب مجاعة حقيقية.»

هل بريطانيا مستعدة للحرب؟

وعن رد فعل مصر المحتمل، قالت وزارة الدفاع البريطانية إنه «بعيدا عن العمل الدبلوماسي، يمكن لمصر أن تهاجم سد شلالات أوين فقط باستخدام الطائرات القاذفة عبر السودان. ولهذا فإن موقف السودان من أى تصرف مخطط ضد مصر سيكون مهما».

وقالت الوزارة إنه لا يجب فرض قيود على تدفق المياه إلا إذا كانت بريطانيا مستعدة للحرب مع مصر. وأشارت إلى أنه «نظرا لأنه من المرجح أن تعتبر مصر فرض قيود أو حتى التهديد بفرض قيود عملا عدائيا، فإنه يمكن استخدامه فقط لو كنا مستعدين للذهاب إلى حرب معها او لو أننا فى حرب فعلا معها».

ووفق خلاصات الوزارة، فإن الأمر يحتاج إلى 16 شهرا قبل أن تكون هناك أى نتائج. ولذا فإنه من غير المحتمل أن تكون هناك أى فائدة عسكرية فى الإقدام على فرض القيود عند اندلاع الحرب.

إلا أنها أشارت إلى أن مجرد التلويح باحتمال إعادة النظر فى الاتفاقيات المنظمة للاستفادة من مياه النيل يبقى مفيدا. وقالت «التهديد بالتدخل فى اتفاقيات مياه النيل قد يكون أداة سياسية ونفسية فعالة لمنع مصر من اتخاذ عمل ما يضر ضررا خطيرا بمصالحنا، مثل إغلاق قناة السويس.»

ونصحت الوزارة بمراعاة عامل الوقت لو أريد أن يؤتى أى تدخل فى تدفق المياه إلى مصر الآثار المرغوبة. ونبهت إلى أن مشروع السد العالى قد يجهض المساعى البريطانية.

وقالت:

«يستهدف سد أسوان العالى المزمع تخزين مياه الفيضانات من النيل الأزرق، التى تُتْرك حتى الآن لتتحول إلى فاقد بسبب محتوى الطمى الثقيل. وفى حالة استكمال المشروع سوف تحتفظ مصر بمياه مخزنة كافية لتوفير احتياجاتها خلال الموسم المناسب، بغض النظر عن تدفق النيل الأبيض. ومن غير المحتمل أن يكون للقيود التى ستفرض عند شلالات أوين عندئذ أى تأثير ذى بال على مصر.

وقدمت الوزارة التوصيات التالية:

لفت انتباه مصر والعالم للتشابه بين الموقف الذى قبلناه بالنسبة لشلالات أوين بالموقف الذى نرغب أن تتخذه مصر فى قناة السويس.

يجب أن نترك مصر تستنتج بأننا نعيد النظر فى اتفاقيات مياه النيل.

لو فكرنا فى التدخل فى تدفق المياه عند شلالات أوين، يجب أولا إجراء دراسة مفصلة للآثار المحتملة.

وبناء على ذلك دعت إلى «محاولة إقناع مصر بأن تتخذ موقفا من قناة السويس يشبه موقف بريطانيا من سد شلالات أوين».

 

عن admin

شاهد أيضاً

كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى احتفال مؤتمر الكشافة العرب : قوتنا فى عروبتنا وفى قوميتنا

١/٨/١٩٥٦ أيها الإخوة: أرحب بكم فى وطنكم مصر، مصر التى بينت فى دستورها أنها جزء …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *