الرئيسية / حوارات ناصرية / بورسعيد المدينة الباسلة

بورسعيد المدينة الباسلة


بقلم : هشام بركة

في شهر ديسمبر من كل عام تهب علينا رياح المجد والفخار، فنتذكر على الفور هذه المدينة
الهادئة صاحبة الموقع الفريد على شاطئ البحر المتوسط، هذه المدينة التي لم يتوقع ديليسبس أو الخديوي سعيد أن سيكون لها يوماً موعد مع القدر.

ففي عام 1855 عقدت اللجنة الدولية التي تكونت من إنجلترا وفرنسا وروسيا والنمسا وأسبانيا وبيد مونت اجتماعاً قررت فيه اختيار اسم بورسعيد تيمناً باسم الخديوي سعيد ابن محمد علي حاكم مصر آن ذاك على أرض صحراوية جرداء منخفضة عن سطح البحر تغمرها المياه في زمن الفيضان ولم يكن فيها أي مقومات للحياة كانت تسمى قديماً بالفرما وتنيس.

وفي يوم الاثنين الموافق الخامس والعشرين من ابريل عام 1859 ضرب فرديناند ديليسبس أول معول معلنا بدء حفر قناة السويس في أرض الموقع الذي خطط ليكون مجرى للقناة الجديدة، لتولد مدينة تحمل اسم “بورسعيد” بين التقائي خط طول 3218 شرقا وخط عرض 3116 شمالا .

ومرت الأيام والسنوات هادئة على المدينة الحالمة على شاطئ البحر، إلى أن أرادت مصر الثورة إقامة مشروع السد العالي على نيلها في أسوان، ومارست الولايات المتحدة الأمريكية ضغوطها على البنك الدولي فرفض إقراض مصر لإقامة هذا الصرح العظيم.

وفي مساء السادس والعشرين من يوليو عام 1956 ارتدى الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ثوب العزة والكرامة، وتوجه تلقاء ميدان المنشية بالإسكندرية وأعلنها صريحة مدوية (قراراً من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية)، بهذه الكلمات أعلن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس، ونقل ملكيتها من الحكومة الفرنسية، فصرخت الجماهير صرخة سعادة اهتزت لها أركان مصر، وانخلعت لها قلوب الطواغيت في العالم الغربي، حيث تحقق حلم الشعب باسترداد قناته التي حفرها أجداده وروى بدمائهم الذكية ترابها الطاهر وأصبحت شريانا هاما للتجارة الدولية، تغيرت بعدها طرق الملاحة العالمية، فأصبحت أقصر زمنا وأكثر أمانا، لكن خيرات رسوم عبور السفن للقناة لم تكن لمصر.

وفي مؤامرة استعمارية على مصر قررت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل الانتقام من ناصر لتأميم قناة السويس، غير أنه لم تستطع الدول الثلاث ضرب مصر مباشرهً بعد التأميم لعدم وجود أي مبرر منطقي لشن حرب على مصر أمام العالم، فقانونياً كان يحق لمصر تأميم قناة السويس ما دامت مصر تحفظ حقوق الدول في عبور السفن وتعويض المساهمين في شركه القنال ولذلك بدأت مؤامرة بين الدول الثلاث للتخلص من عبد الناصر.

في يوم ‏24‏ أكتوبر ـ بعيداً عن العيون ـ وبعد رحلة سريعة تسلك الطرق والشوارع المهجورة مضي رفقاء الحرب إلى “سيفر” احدي ضواحي العاصمة الفرنسية باريس‏ يناقشون الخطوط النهائية في الخطة “موسكتير”، ثم تم توقيع ما يعرف بـ”معاهدة سيفر”‏ للحرب ضد مصر، واتفق ساسة دول العدوان الثلاثي [ أنتوني إيدن ووزير خارجيته سلوين لويد، جي موليه ووزير خارجيته كريستيان بينو، بن جوريون ووزير خارجيته جولدا مائير] على المؤامرة على مصر وليكن تنفيذها اعتباراً من 29 أكتوبر لتكون خطواتها كالآتي :
• تبدأ بهجوم الجيش الإسرائيلي على مصر من جهة الشرق من خلال صحراء سيناء التي تمثل منطقة واسعة خالية من المقاومة ويتقدم هذا الجيش نحو القناة بسرعة هائلة .
• تضطر مصر إلى مجابهة هذا الهجوم بدفع جيشها عبر صحراء سيناء.
• تقوم كل من إنجلترا وفرنسا بإنذار الدولتين المتحاربتين ويحتل جيشهما مدن القناة من بورسعيد إلي السويس في مدة أقصاها 7 نوفمبر بحجة حماية القناة من العدوان الإسرائيلي.
• بذلك يكون الجيش المصري قد حوصر في صحراء سيناء فيتم تدميره بالكامل وتصبح مصر بلا كيان.

وفي التاسع والعشرين من أكتوبر بدأت القوات الإسرائيلية عملية قاديش (الاسم الكودي لعملية الهجوم الإسرائيلية على سيناء أثناء العدوان الثلاثي) بالتعاون مع قوات بريطانية وفرنسية.

وفي المقابل كانت مصر على الجبهة وحدها إذ لم تشارك في هذه الحرب دول عربية أخرى، على الرغم من معاهدات الدفاع المشترك التي وقعت عليها مع مصر.

توجه السير إيفون كيركباتريك السكرتير الدائم في الخارجية البريطانية، في الساعة السادسة والربع بتوقيت القاهرة مساء 31 أكتوبر 1956، وفى صحبته كريستيان بينو الفرنسي إلى السفارة المصرية في لندن وسلما إلى السفير المصري إنذارا موجها من كل من فرنسا وبريطانيا (أنجلو فرنسي مشترك) توجهه كل من الدولتين إلى كل من مصر وإسرائيل، وتسلم القائم بالأعمال في السفارة الإسرائيلية نفس الإنذار بعد عشر دقائق من تسليمه للسفير المصري وأعطت الدولتين مصر وإسرائيل مهلة 12 ساعة لقبوله.

حدث هذا الإنذار في وقت كانت الملاحة فيه منتظمة في القناة لا يعوقها عائق، وحدث هذا أيضا في الوقت الذي كانت القوات المصرية منتصرة ترد العدوان والجيش الإسرائيلي على أعقابه، وكان طبيعيا أن يرفض مجلس الوزراء المصري هذا الإنذار، ورفضته مصر بشكل حاسم في حينه وان لا تقبل مصر احتلال أراضيها رغم أن الإنذار حدد مهلة نهايتها الساعة السادسة والنصف من صباح يوم 31 أكتوبر للرد عليه وتنفيذ طلبهما، مما جعل الطيران المعادى يستمر في ضرب وقذف قواتنا المصرية طوال النهار على طريق تقدمها إلى سيناء وأثناء استعمالها كوبري الفردان وعبور القناة متوجهة للحدود الشرقية للدفاع عن مصر.

كان لكل دولة من الدول التي أقدمت على العدوان أسبابها الخاصة للمشاركة فيه من هذه الأسباب:
• توقيع مصر اتفاقية مع الاتحاد السوفييتي تقضي بتزويد مصر بالأسلحة المتقدمة والمتطورة بهدف تقوية القوات المسلحة لردع إسرائيل، مع العلم أن توقيع هذه الاتفاقية لم يأت إلى بعد رفض الدول الغربية تزويد مصر بالأسلحة. الأمر الذي أثار حماسة إسرائيل للاشتراك في هذا العدوان لأنها رأت أن تزود مصر بالأسلحة المتطورة يهدد بقاءها.
• دعم مصر للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي و إمدادها بالمساعدات العسكرية مما أغضب فرنسا ودفعها إلى المشاركة في العدوان.
• تأميم قناة السويس الذي أعلنه الرئيس جمال عبد الناصر في مساء 26 يوليو، منع إنجلترا من التربح من القناة التي كانت تديرها قبل التأميم، ولذلك انضمت إنجلترا إلى دول العدوان.

بدأت الغارات يوم الاثنين 5 نوفمبر عام 1956، وفى هذه الفترة أحرقت القوات البريطانية حي المناخ بأكمله بالنابالم وكان يمثل ثلث بورسعيد كلها. وفى حي العرب دمروا بالطائرات منطقة الجمرك القديمة وبعض العمارات السكنية وفى الإنزال المظلي المزدوج البريطاني في مطار الجميل غرب المدينة والفرنسي في منطقة الرسوة جنوب بورسعيد وفي منطقة الكارانتينا جنوب بور فؤاد علاوة علي الإنزال البرمائي البحري والإنزال الرأسي بالهليوكوبتر البريطاني يوم 6 نوفمبر.

بعد تمهيد مدفعي مكثف في 6 فبراير، قامت فرنسا وبريطانيا بإنزال بحري في منطقة بورسعيد في إطار مواصلة العدوان الثلاثي على مصر، ولم تكن موازين القوى متعادلة، فأخفقت المقاومة البطولية المستميتة التي أبداها المدافعون البواسل عن المدينة. ولم يتصد للمعتدين سوى بضع كتائب مصرية وبطارية واحدة للمدفعية. ورغم ذلك بات الدفاع عن بورسعيد مفاجأة غير سارة للمعتدين الذين لم يكونوا يتوقعون مقاومة بهذه الشدة.

ولا يخفى على أحد إنه كان من أهم أهداف العدوان، التخلص من جمال عبد الناصر والثورة المصرية. وكانوا يعرفون بأن الشعب ضد الباشاوات والحكام السابقين. رغم أنهم كانوا يخططون إلي إجبار محمد نجيب، كورقة مؤقتة، لم يكن هناك أي اتصال مسبق به. ولم يكن يدرون، أن محمد نجيب، الرجل قد أبدي رغبته لجمال عبد الناصر في أن يشترك في القتال. وهو ما لم تقبله الثورة بسبب عمره المتقدم. وتم الاتفاق معه علي نقله إلي مكان آخر في جنوب مصر لتفنيد خطتهم. ولا يفهم البعض حتى الآن، أسباب نقل اللواء محمد نجيب إلي منطقة أخري في جنوب مصر، عندما بدأ العدوان الثلاثي علي مصر يوم 29 أكتوبر 1956. وتم أيضاً، إخفاء اللواء أركان حرب محمد نجيب (أول رئيس للجمهورية المصرية) بتهريبه إلي الصعيد أيام العدوان الثلاثي في 56 خوفا من استيلاء المعتدون على القاهرة ثم تعيين محمد نجيب رئيسا أو يرسلوا في استدعاء الملك فاروق لتنصيبه مرة ثانية ملكا على مصر.

في التاسع من نوفمبر 1956 توجه جمال عبد الناصر تلقاء الجامع الأزهر وقال كلمته الخالدة (أيها الإخوة: لقد فرض علينا القتال أيها الإخوة، ولكن باسم شعب مصر.. باسمكم جميعاً أعلن للعالم أجمع أنه لن يوجد من يفرض علينا الاستسلام).

وازداد العدوان الثلاثي شراسة وازدادت المقاومة الشعبية في بورسعيد ضراوة.

فماذا حدث على الصعيد الشعبي والسياسي ؟
منذ أول يوم من أيام تنفيذ بنود المؤامرة الثلاثية على مصر أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قراراً بإعلان التعبئة العامة في جميع أنحاء الجمهورية مع دعوة جميع القوات الاحتياطية إلى الخدمة العسكرية، كما تم فتح كل مخازن السلاح والذخيرة بالقاهرة وتم شحنها في مئات اللوريات التي انتشرت في أحياء القاهرة وبعض المحافظات القريبة، وتم توزيع حوالي مليوني قطعة سلاح على المقاومين، تم إعادتها بالكامل بعد جلاء قوات العدوان الثلاثي، كما قطعت مصر علاقاتها السياسية مع انجلترا وفرنسا وطلبت عقد جلسة لمجلس الأمن الدولي للنظر في أمر هذا العدوان.

في نفس اليوم تم قطع كل الطرق المؤدية إلى بورسعيد وأصبح المنفذ الوحيد للمدينة عبر بحيرة المنزلة وتم في نفس اليوم تعيين المحافظ/ محمد رياض حاكما عسكريا على المدينة، وبدأت المخابرات العامة المصرية تتخذ الإجراءات اللازمة لإنشاء تشكيلات المقاومة السرية الشعبية المسلحة وتدعيمها بالأسلحة والمعدات.

أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قراراً جمهورياً بتشكيل المقاومة السرية الشعبية وتعيين البكباشي/ عبد الفتاح أبو الفضل مسئولا عن المقاومة الشعبية في بورسعيد (نائب رئيس المخابرات العامة فيما بعد)، كما عين الرئيس جمال عبد الناصر الصاغ/ كمال الدين حسين (من أعضاء مجلس قيادة الثورة ومن الضباط الأحرار الذين قاموا بثورة 23 يوليو 1952) ليقود المقاومة الشعبية في الإسماعيلية حيث كان كمال الدين حسين مسئولا عن كافة تشكيلات الحرس الوطني، فتوجه كمال الدين حسين إلى الإسماعيلية، وبقى في موقع المسئولية هناك حتى انتهى العدوان وغادرت القوات الأنجلو فرنسية المعتدية أرض مصر فرجع إلى القاهرة.

وفي تلك الأثناء كانت إذاعة صوت العرب بجميع كوادرها وصوت مديرها أحمد سعيد المذيع الأشهر في تلك الأيام يحرضوا الشعوب العربية على الوقوف مع القضية المصرية، وبالفعل انهالت على السفارات المصرية في العواصم العربية طلبات عديدة من المواطنين العرب للتطوع للقتال إلى جانب الشعب المصري ضد العدوان الغاشم، ونظراً للتأثير القوي للإذاعة المصرية في حينه قامت طائرات العدوان بقصف هوائيات الإذاعة المصرية في أبي زعبل.

وفي يوم الجمعة ٢ نوفمبر أصدرت الأمم المتحدة قرارا بوقف إطلاق النار لم يتم تنفيذه، وقد استفادت القيادة المصرية من خطأ أحمد عرابي عام ١٨٨٢ عندما رفض إغلاق قناة السويس، فتم إغراق عدة سفن في مجرى القناة لتعطيل الملاحة فيها، وبدأت المقاومة الشعبية توزيع المنشورات ضد العدوان لتوضيح الحقائق للمواطنين وأصبحت دوريات العدو صيداً ثميناً لأبطال المقاومة، واستطاع عدد من ضباط المخابرات والصاعقة دخول المدينة للمشاركة في المقاومة، وعاش الجنود الإنجليز والفرنسيين في رعب وذعر وراحوا يبحثون عن الأسلحة والفدائيين دون جدوى، واستطاع المحافظ/ محمد رياض فتح بعض المخابز لإطعام الناس، كما رفض كل عمال المدينة التعاون مع قوات العدو رغم الإغراءات المادية الكبيرة.
وفي ٤ ديسمبر تم الإعلان عن قبول انجلترا وفرنسا للانسحاب من بورسعيد دون قيد أو شرط، ومع ذلك واصل المعتدون عدوانهم على أهل المدينة ويرد أبطال المقاومة بعنف من خلال القضاء على عدة دوريات.

وفي يوم ٥ نوفمبر ـ ورغم قرار وقف إطلاق النار ـ بدأت المرحلة الثالثة من العدوان وهي احتلال بورسعيد فقامت طائرات العدو بضرب كل دفاعات المدينة فنشبت الحرائق في كل مكان. وبدأت منذ الصباح الباكر عملية الإبرار الجوي لقوات العدو عن طريق المظلات، وخرج كل شعب بورسعيد ليقاوم هذا العدوان وتم إبادة العديد من قوات العدو، فلجأوا إلى خدعة إسقاط الهياكل الخشبية والدمى حتى تستنفذ مقاومة الناس، وحدثت حالة من الهرج بالمدينة حيث تم تهجير الكثير من النساء والشيوخ والأطفال إلى المنزلة والمطرية عبر بحيرة المنزلة بواسطة اللنشات والمراكب الشراعية، ولكن طائرات العدو ضربت هؤلاء العزل فغرق كثير من النساء والشيوخ بعد أن ضربت المراكب الشراعية.

وكان يوم ٦ نوفمبر “يوم الشهداء” حيث تعرضت بورسعيد لأعنف الغارات من كل الأسلحة من الطائرات والسفن الحربية وبدأ الأسطول الأنجلو فرنسي يدخل الميناء لإنزال الدبابات والمدافع الثقيلة والسيارات، وتمكنت قوات المظلات البحرية للعدو من السيطرة على مطار الجميل غرب بورسعيد، ومن ثم بدأت تتقدم على الساحل حتى التقت مع الدبابات.

وقد لجأت القوات المعتدية إلى خدعة لا إنسانية حيث رفعت الأعلام المصرية والروسية والجزائرية على الدبابات فقابلتها جموع الشعب بالفرح والترحاب، وفجأة اكتسحت هذه الدبابات جموع المدنيين وسارت عليهم بالجنازير فسقط العديد من الشهداء، فالتحمت قوات المقاومة الشعبية مع قوات العدو في معركة رهيبة استمرت ثماني ساعات وفي النهاية استطاعت القوات الانجلو فرنسية احتلال المدينة. وصدر الإنذار الروسي ثم الإنذار الأمريكي وبدأت ملحمة الشعب البورسعيدي في مقاومة هذا العدوان البغيض وتم تنظيم عملية المقاومة الشعبية من خلال عدة مجموعات بقيادة اليوزباشي/ مصطفى الصياد.

في صباح يوم الأربعاء 7 نوفمبر هاجمت أسراب الطائرات النفاثة البريطانية “سرى فينوم ” القادمة من الحاملتين بولوارك وإيجل، مبنى النافي هاوس بالصواريخ حتى يتمكن البريطانيين من إنزال معداتهم اللازمة للزحف جنـوبا والالتقاء بالفرنسيين.

وتم الإعلان عن وقف إطلاق النار رسميا يوم ٧ نوفمبر لكن استمرت الممارسات العدوانية البغيضة ليرد عليها أبطال المقاومة بكل البطولة والقوة، وحاولت القوات الإنجليزية جمع السلاح من المواطنين وجمعت أجهزة الراديو من المنازل والمحلات حتى لا يسمع الناس نشرات الأخبار، واستمر إطلاق النيران فردياً من العديد من أهل المدينة وعدد من وحدات الجنود البريطانيين والفرنسيين حتى الساعة الرابعة وخمسة وثلاثون دقيقة بعد ظهر يوم الأربعاء 7 نوفمبر 1956 مما يعنى يومين ونصف بعد بدية هذه المرحلة من العدوان.

وفي يوم ١١ ديسمبر استطاعت مجموعة من أبطال المقاومة خطف الضابط الإنجليزي (أنتوني مور هاوس) والذي أتضح أنه ابن عمة ملكة انجلترا مما كان له كبير الأثر في هز الروح المعنوية للمعتدين، وقد أدت عملية خطف (انتونى مور هاوس ) إلي إنهاء عملية حجز ضباط الصاعقة في عيادة الدكتور/ حسن جودة ليقوموا بعد ذلك بالعديد من العمليات الكبيرة.

وفي يوم ١٤ ديسمبر تمكن البطل سيد عسران من قتل الميجور/ جون وليامز رئيس مخابرات القوات البريطانية في بورسعيد.

وفي يوم ١٥ ديسمبر تمكن مجموعة من أبطال المقاومة الشعبية بالتنسيق مع ضباط الصاعقة تولى قيادتها الملازم/ إبراهيم الرفاعي (قائد موقع كبريت في حرب 1973) من تدمير عدة دبابات انجليزية في معسكر الدبابات البريطاني بالصواريخ، وعملية مهاجمة مقر كتيبة بريطانية في مبنى مدرسة الوصفية نهارا، بالإضافة إلى زيادة عمليات الكمائن بالقنابل اليدوية لدورياتهم الراكبة والسائرة في المدينة.

وفي هذه الأيام أصبح كل من يحمل سلاحا يضرب في الانجليز فاضطروا إلي الانسحاب إلي حي الإفرنج، كما ارتفعت معنويات الناس بعد عمليتي مورهاوس وويليامز، وقام الانجليز قبل انسحابهم بتسليم الأسري المصريين وحثي الأسري الذين أرسلوا إلي قبرص أعادوهم إلي مصر، وتوالت العمليات الفدائية ليصاب جنود العدو بالذعر ويتم انسحابهم إلى شريط صغير في منطقة القناة توازي الميناء وفصلوا هذه المنطقة بحاجز قوي من الأسلاك الشائكة.

وفي يوم ١٨ ديسمبر دخلت قوات الشرطة المصرية إلى مدينة بورسعيد، ويوم ٢٠ ديسمبر تسلمت القوات الدولية مبنى هيئة قناة السويس والذي اتخذته قوات العدو كمركز للقيادة، وفي يوم ٢٢ ديسمبر تسلمت القوات الدولية مدينة بور فؤاد، وفي يوم ٢٣ ديسمبر انسحب الإنجليز والفرنسيون من بورسعيد مهزومين لينتهي إلى الأبد الاستعمار القديم وتم رفع علم مصر على المدينة، وفي اليوم التالي ٢٤ ديسمبر قام أبطال المقاومة بنسف تمثال ديليسبس رمز الاستعمار البغيض.

هذه البسالة النادرة وهذا النضال الأسطوري كان خلفهما أسماء عظيمة وأبطال قلما يجود الزمان بمثلهم، ومن حقهم علينا أن نذكرهم ونذكر بطولاتهم بكل فخر،.

من الأدوار التي لا تنسى أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 الدور الذي قامت به الإذاعة المصرية، إذ لم يكن في الإذاعة المصرية عند بدء العدوان أغنية واحدة تعبر عن الموقف والأحداث وتلهب المشاعر وتنهض بالهمم، ولكن مبدعو مصر تجلوا ليقدموا نحو 44 أغنية ونشيداً في عشرة أيام وهى أعمال عظيمة لازالت محفورة في ذاكرتنا الوطنية وتعد من أروع ما أنتجته القريحة الإبداعية، ورغم ارتباط هذه الأعمال بحدث معين إلا أنها أصبحت أيقونة، فمن منا لا يذكر الأغنية الرائعة (والله زمان يا سلاحي) التي وضع موسيقاها كمال الطويل وكتب كلماتها صلاح جاهين وشدت بها أم كلثوم، ومن الأعمال التي تهز الفؤاد القصيدة الغنائية (دع سمائي) والتي تقول: “هذه أرضى أنا، وأبى ضحى هنا، وأبى قال لنا، مزقوا أعداءنا” ومن الأناشيد المهمة نشيد (الله أكبر) الذي كتبه عبد الله شمس الدين ولحنه المبدع محمود الشريف وغنته المجموعة، أما الرائعة التي لخصت المشاعر الإنسانية بالكلمات الدافئة جداً والتي كتبها إسماعيل حبروك ولحن البياتي الحنون لمحمد الموجى والصوت الحميم جداً شادية (أمانه عليك أمانه يا مسافر بور ســـعيد، لتبوسلي كل أيد حاربت في بور سعيد)، وكذلك أغنية الشاعر محمود حسن إسماعيل (أنا النيل مقبرة للغزاة، أنا الشعب نار تبيد الطغاة) وهي من ألحان رياض السنباطى وغناء نجاح سلام .

لن تنسى مصر كلها البطل محمد مهران ابن الثمانية عشر عاما والذي أسرته القوات البريطانية بعد إصابته أثناء دفاعه عن المدينة مع قوات المقاومة الشعبية، وطلبوا منه معلومات عن بورسعيد وعن المقاتلين في بورسعيد وعدد الكتائب والسرايا وأماكنهم وأنواع الأسلحة التي معهم، فرفض فهددوه بخلع عينيه، فلم يزده ذلك إلا إصراراً، فتم نقله إلى مطار لارناكا ثم مستشفى القوات البريطانية في قبرص.
واستمروا في تعذيبه بالمستشفى ثم طلبوا منه الحديث إلى التليفزيون البريطاني بأن شعب بورسعيد سعيد جداً بوجود القوات البريطانية فوق أرضه وإن مصر كلها تكره جمال عبد الناصر والقيادة المصرية، فرفض فاستمروا في تعذيبه بمنتهى القسوة، وعندما شعر بأنه سوف يفارق الحياة رفع يده، فعاد الضابط المسئول عن تعذيبه مسرعاً وقال: برافو عليك يا مهران إنت ها تقول كل حاجة مش كده؟ فقام بهز رأسه، وهنا تم وضعه فوق سرير وبسرعة جاءت الكاميرات التليفزيونية وقالوا له تحدث: وبالفعل تحدث، ولكنه قال: “تعيش مصر حرة كريمة ويحيا عبد الناصر سنهزمكم ونقتلكم”.
فتم تكبيله وضربه ضربًا مبرحًا، وبدأ جسده ينتفض من شدة الضرب والتعذيب وظلل يردد: “حرام عليكم أنا بحب مصر ولا يمكنني خيانتها، اتركوا لي عيناً أشوف بها مصر، أشوف الدنيا” وقاموا بعدها باقتلاع عينيه، ثم أعادوه على مصر.

ولن تنسى المدينة الباسلة العديد من أبطال وفدائيي المقاومة الشعبية اللذين سجلوا بأسمائهم وبدمائهم بأحرف من نور تاريخ بورسعيد ويجب إن يخلدهم التاريخ، ومن هؤلاء ضابط المخابرات الرائد/ سمير محمد غانم وضابط الجيش الملازم/ فرج محمد فرج عثمان ضابط اللاسلكي المسئول عن الاتصالات مع كل من رئاسة الجمهورية والمخابرات العامة، والصاغ/ محمود حسين عبد الناصر، والفدائيين الأبطال (محمد حمد الله وحسين عثمان واحمد هلال ومحمد سليمان وعلى زنجير وطاهر مسعد) الذين القوا القبض على الضابط الانجليزي (انتونى مور هاوس ) وقاموا بتسليمه إلى ضابطي الشرطة الملازم أول/ محمد سامي خضير (محافظ بورسعيد من أواخر الثمانينات إلى أوائل التسعينيات) والملازم/ عز الدين الأمير وتم وضعة في صندوق بأحد المنازل وبعد انتهاء الحصار وجدوه ميتا داخل الصندوق.

ولن ينسى التاريخ البطل يحيى الشاعر الذي قام مع السيد البوص بدفن جثة الضابط/ أنتوني مور هاوس لتفادي اكتشاف البريطانيين لجثته للتمويه علي موته، حتى لا ينفذ الجنرال/ هيوج ستوكويل تهديده بنسف حي العرب في المدينة، وكذلك قيام يحي الشاعر وشقيقه عبد المنعم الشاعر بنسف وتفجير تمثال ديليسبس وإنزاله من على قاعدته وساعدهما جاويش المظلات/ حسني عوض.

ولن ننسى البطل السيد عسران الصبي الذي لم يتجاوز السابعة عشر عاما والذي فجر رئيس مخابرات القوات البريطانية في بورسعيد (الميجور/ وليامز ) بقنبلة وضعها في رغيف خبز .

ولن ننسى الشهيد البطل/ جواد حسنى الطالب بكلية الحقوق الذي تطوع في الحرس الوطني وتم تعذيبه حتى يدلى بأي معلومات عن الفدائيين إلا أنه رفض فأطلقوا النار عليه ليخط بأخر قطرة من دمائه الطاهرة على الجدار داخل سجنه سيرته الذاتية وكتب (عاشت مصر حرة).

ولن ننسى التلميذ الشهيد البطل/ حسن سليمان حمودة الذي كان في الثانية عشر من عمره وكان طالباً بمدرسة القناة الإعدادية بنين وخرج على رأس مسيرة ضخمة حشد فيها رفاقه ليهتفوا لمصر ويسخرون من الأعداء فأطلق الجنود الفرنسيين رصاصاتهم واردوه قتيلا.

ولن تنسى بورسعيد الفدائي الوطني محمد شاكر مخلوف من حزب مصر الفتاة ببورسعيد (آنذاك) والذي اشتهر بطبع أول منشور بمطبعته بعنوان (سنقاتل ..سنقاتل ) ثم منشورات أخرى (لا تلقى سلاحك ) (وارفع راسك يا آخى ) و(العربات قادمة في الطريق )، كما أنة كان يحدد الأهداف الحيوية للفدائيين لضربها، كما اصدر العدد الأول من جريدة “الانتصار” يوم 9 ديسمبر عام 1956 وقامت القوات البريطانية بتحطيم مطبعته .

ولن ننسى أم البورسعيدية أمينه محمد الغريب وأولادها وكانت أسرة الشاعر تقطن بمنزل أبو سلامة الملاصق لسينما الكوزموجراف بشارع الثلاثيني فقامت والدتهم المرحومة/ أمينة محمد الغريب بفتح منزلها للفدائيين وضباط المخابرات الحربية وبعض المسئولين المشرفين على سير العمليات الفدائية في زمن العدوان الثلاثي أمثال محمد عبد الفتاح أبو الفضل وسعد عفره والرائدين/ سمير غانم ويحيى القاضي ( من المخابرات الحربية) وكانت تخفى بمنزلها جهاز اللاسلكي الوحيد الذي يحقق الاتصال بالقيادة المصرية بالقاهرة.

وهناك أيضا مجموعة ضباط الصاعقة جلال هريدي ومحمد احمد الجيار واحمد عبد الله ونبيل الوقاد وطاهر الأسمر وفاروق الأسمر ومدحت الدريني ومصطفى عبد الوهاب والسيد صبحي الكومي وإبراهيم الرفاعي وضابط المخابرات الصاغ/ سعد عبد الله عفره وضابطي الشرطة اليوزباشي/ مصطفى كمال الصياد واليوزباشي/ منير على الالفي.

وبعد رحيل قوات العدوان الثلاثي عن مصر وقف عبد الناصر يقول (في بورسعيد وقف الشعب المصري كتب صفحات ناصعة نفتخر بها على مر الزمن وقف الشبان 11 سنة و12 سنة فـي إيدهم البنادق وفـى إيدهم السلاح بيحاربوا واثبتوا أن هذا الشعب يستطيع أن يهزم قوى الطغيان ويستطيع أن يحول دول كبرى إلى دول من الدرجة التانية ودول من الدرجة التالتة).

عن admin

شاهد أيضاً

كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى احتفال مؤتمر الكشافة العرب : قوتنا فى عروبتنا وفى قوميتنا

١/٨/١٩٥٦ أيها الإخوة: أرحب بكم فى وطنكم مصر، مصر التى بينت فى دستورها أنها جزء …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *