الرئيسية / حوارات ناصرية / خلاصة التجربة الناصرية – الدروس والعبر

خلاصة التجربة الناصرية – الدروس والعبر

بقلم : عمر ثروت

أي تجربة تاريخية ليس لها إلا أسلوب واحد صحيح في التعاطي معها، وهو تفكيكها لأخذ العبر منها، للتسلح بالمعرفة التي تساعد على تفادي تكرار أخطاءها، وتعلم الدروس من سقطاتها وإخفاقاتها، وبالتالي، الموضوعية هي المنهج الأوحد في تناول أي تجربة تاريخية، أياً كان موضعها على خريطة التجارب الإنسانية، طالما أن الهدف هو المستقبل، وبوصلة الحركة في اتجاه الغد، فالتاريخ كالقوس، كلما شُدَّ في عمق التاريخ، انطلق سهم المستقبل بقوة ودقة نحو الهدف، المستقبل الأقوى.

أما التعصب لهذه التجربة التاريخية أو عليها، واعتلاء منصة الحكم عليها وعلى رموزها بالفشل، أو إصدار صكوك الغفران لها ولمن قاموا بها، فهو فعل عبثي لا علاقة له بالتقدم نحو المستقبل، بالعكس، فهذا يعتبر فعل معطل للحركة نحو المستقبل، كمن يقود سيارة وقد استدار بالكامل وأعطى ظهره للزجاج الأمامي، بدلاً من أن يثبت نظره نحو مقدمة السيارة عبر زجاجها الأمامي – ويأخذ نظرة من حين لأخر في المرآة الخلفية.

والتجربة الناصرية كانت ضحية نوبة تعصب مجنونة استشرت بين مؤيديها ومعارضيها، وأثارت جدلاً أعمى لم تثيره التجارب التي سبقتها أو التي لحقت بها بنفس درجة الحدة، أضاع هذا التعصب فرص كثيرة للاستفادة من هذه التجربة، لتكون ذخيرة للانطلاق نحو مستقبل أفضل، ولكن الجدال الأعمى قد ضرب الطلقات في الفراغ، فأنهك القوى بلا فائدة تذكر، وكتم رحابة الصدور عن التدبر فيما وجب.

فهناك من يرى أن تجربة جمال عبد الناصر هي السبب في كل ما نعيشه من واقع سياسي اجتماعي مزري، ومن الجهة المقابلة هناك من يرى أنها هي التجربة ومن قبلها فراغ بائد ومن بعدها فراغ لا يستحق الاهتمام – اللهم إلا بالترحم على عهد ناصر، كلاهما سقط في خطيئة الخطايا، وهي تعطيل حركة المستقبل، فلا هذا ولا ذاك سيستفيد من التجربة، ولن يتسلح أحدهما بذخيرة تساعده على بلوغ المستقبل الأفضل.

المشكلة الحقيقة أن هذا الجدل الأرعن قد حفز على من يحكم للتجربة الناصرية ومن يحكم عليها على استدعاء التفاصيل، بحر من التفاصيل الذي يغرق المطل عليه في دوامة التشويش، وأشجار من التفصيلات يتوه من يقترب منها في غابات تزييف الحقائق، هذه التفاصيل قد دفنت روح التجربة الناصرية، والتي هي مقصد هذا المقال المستطرد.

لنحاول أن نقرأ تجربة جمال عبد الناصر من زاوية مختلفة، ورؤية أعمق لأبعادها، وتحليل أدق لحركتها، بعيداً عن التعصب والجدال والتفاصيل المربكة، عملاً بأن التناول السليم للتجارب التاريخية هو تفكيكها لأخذ العبر منها، من حيث استخلاص دروس لا يجب نسيانها وتفادي أخطاء لا يجوز تكرارها.

أول الأمر، هو أن قيمة أي تجربة تاريخية، ليست في بلوغ التجربة لأهدافها، بل في حركة صراع التجربة كي تحقق أهدافها، بمعنى أنه قد تحقق التجربة هدف أو أكثر من أهدافها وتفشل في بلوغ البقية، أو لا تحقق أي من أهدافها في محصلتها النهائية، ولكن تُكتب في التاريخ بحروف لا تمحى.

نابليون وتجربته مثلاً، من أعظم التجارب التاريخية من دون شك، ولكنها بمعايير من يحكم على محصلة التجارب النهائية، قد فشلت دون شك، فتجربة نابليون تم الإجهاز عليها، فقد عادت أسرة البوربون لتحكم فرنسا – الأسرة الملكية التي قامت الثورة الفرنسية عليها وأعدم ملكها لويس السادس عشر – وتم إسقاط الجمهورية الفرنسية الوليدة والإمبراطورية النابليونية القوية.

أما الثورة الفرنسية وما تمثله من قيم فتمت تصفيتها بقسوة سواء في فرنسا أو في أوروبا كلها، وتوطدت حكم الملكيات التقليدية، وجرى قمع الأفكار والحركات الليبرالية والقومية، حتى أنه حين مات نابليون في عام ١٨٢١م، بدا في أوروبا وأن إعصار الثورة الفرنسية – جيشاً وأفكاراً – قد خمد تماماً.

وتجربة محمد علي، التي يتفاخر بها الكثيرين – والمفارقة أن كثير منهم يعادي تجربة جمال عبد الناصر – قد لقيت مصيراً أسوأ من مصير التجربة الناصرية، فإذا كانت دولة عبد الناصر بعد ضربة يونيو ١٩٦٧م صمدت تقاوم بمشروعها، فقد تمت هزيمة دولة محمد علي بالكامل، وأقتلع مشروعه من جذوره، ولم يتحقق له سوى جعل حكم مصر وراثياً لأبنائه وأحفاده، كل ذلك شهد عليه محمد علي بنفسه لسنوات قبل موته.

فمن تداعيات مؤتمر لندن ١٨٤٠م كانت تكالب جيوش القوى الأوروبية لضرب الجيش المصري وقد تم ذلك بضراوة، وجرى بعد ذلك انسحاب جيش محمد علي من الأراضي التي تقدم فيها، وبدأ مد تفكيك الانتصارات.

ثم حلت بمصر المصائب وتضاعفت ديونها، وتفكك جيشها، وفي الأخير عُزل محمد علي من قبل أبناؤه وهو رجل عجوز في الشيخوخة.

هذه التجارب وغيرها ظلت حية في الذاكرة الإنسانية، لأن ديناميك صراع أي تجربة يفضي إلى احتكاكات وتفاعلات سياسية وفكرية واجتماعية تترك أثرها على حركة التاريخ وأثارها في وجدان الأمم.

وبالتالي التجربة الناصرية قيمتها الحقيقية في جولات صراعاتها من أجل بلوغ أهدافها الكبرى، ولأن أهداف التجربة الناصرية كانت هائلة في جذريتها، انعكس ذلك على حدة الصراع وعمق التحولات.

الزخم هو أهم ما يميز التجربة الناصرية.

فعهد مبارك مثلاً امتد لثلاثون سنة، ولكن عنوانه الأكبر كان تسيير الأمور، بنمط مستقر حتى الرتابة، وأفق محدود لحد الخنق، وعلى الرغم من استطالة مدى تجربة مبارك، إلا أن تجربته بلا عمق، وتجربة جمال عبد الناصر وإن كانت  تتعدى نصف مدة عصر مبارك إلا بسنوات قليلة، إلا أنها أضعافها من حيث غنى التجربة، فهي متخمة بالدروس والعبر، وزاخرة بالأحداث والحوادث.

فعلى مدى ثمانية عشر عاماً، سارت مصر الناصرية على نفس خطى دولة محمد علي، حيث سلكت نفس الطرق ضمن ثلاثة من أصل الأربعة أقواس المعهودة لتوسع الدولة المصرية – في اتجاه المشرق العربي عبر سوريا واتجاه شبة الجزيرة العربية صوب اليمن واتجاه المغرب العربي –   وإن كانت مصر عبد الناصر اعتمدت منهج القومية العربية، وكانت الوحدة العربية عنوان التواجد المصري.

وقد خاضت مصر صراعاً حاداً في سبيل ذلك، فدخلت في أربعة حروب مباشرة (العدوان الثلاثي في ١٩٥٦م، حرب اليمن في ١٩٦٢م، الحرب مع إسرائيل في ١٩٦٧م، وحرب الاستنزاف في التي بدأت أعقاب نكسة يونيو) وكانت حرب أكتوبر ١٩٧٣م هي أخر حروب التجربة الناصرية من حيث السياق، فمن يعتبر أن عصر السادات الحقيقي بدأ بعد حرب أكتوبر معه كل الحق.

أما في الداخل المصري، فقد خاضت التجربة الناصرية ثورة اجتماعية حامية الوطيس، فقد كانت قائدة لتحولات اجتماعية جذرية، قلمت أظافر الطبقات الحاكمة ودخلت في صراع مفتوح مع قواها، وفتحت الطريق لبناء طبقة وسطى قوية، ودفعت باتجاه إعادة توزيع الثروة الوطنية لصالح القوى الاجتماعية التي تمثلها ثورة ٢٣ يوليو.

ومن هنا يمكن لنا استخلاص الدرس الأول من التجربة الناصرية هو الانخراط في الصراع من أجل تحقيق أهداف اجتماعية وسياسية كبرى، وقبول تحدي القوى المضادة، لأن أي تجربة حية تعبر عنها قوى حية، لن تقبل الاستسلام أو الخضوع لأعدائها، ولن تسمح بالتفريط في أي من أهدافها.

ثاني ما يميز التجربة الناصرية هو كونها لها مرجعية، بانتمائها لمشروع، وهو المشروع القومي العربي، هذا المشروع لم يكن من اختراع جمال عبد الناصر، أو فكرة أحد معاونيه، بل هو سابق للتجربة، وأخذ في التبلور على مدى عقود طويلة، نتاج حركة التاريخ العربي وأحداثه، في شتى أرجاء الوطن العربي، من الاحتلال العثماني إلى الاستعمار الغربي وحتى حرب فلسطين، فالمشروع القومي كان حلماً جماهيرياً عاماً، عبر عنه مفكرين وسياسيين، وناضل من أجله أحرار الأمة، من طلبة إلى رجال وشيوخ، مثقفين ومهنيين وفلاحين وعمال، والعسكريين جزء من نسيج الأمة، وتفاعلهم مع القضايا العامة أمر طبيعي.

الدرس الثاني هو الانتماء لمشروع حضاري/قومي، فالحركة دون منهج هي حركة شاردة، تبدد الطاقات وتنهك القوى، والحركة دون مرجعية هي رعشة ركيكة، فاقدة الدلالة والمعنى، والمشروع الحقيقي هو المشروع الذي يعبر عن السياق التاريخي للأمة، وهو المشروع الحضاري (العربي الإسلامي) والمنهج القومي (العربي الوحدوي).

ثالث ما يميز تجربة عبد الناصر أنها تفاعلت مع مشروع يعبر عن أمتها، ويميزها أنها تبوأت موقع القيادة له، وهو ما يفسر الشعبية الجارفة لعبد الناصر وحكمه في مصر والوطن العربي، حتى مع الاخفاقات، ونحن نشهد في يومنا هذا تجارب نزفت من رصيد شعبيتها، نتيجة الحنث بالوعود أو الابتعاد عن التعبير عن الجماهير، وهذا دليل أن التجربة الناصرية كانت من أولها لأخرها تعبير عن تطلعات الجماهير، التي كانت سنداً لها حتى في الجولات الخاسرة.

الدرس الثالث هو الالتحام مع الجماهير، التعبير عن أمالهم واحلامهم، ورفع لواء قضاياهم.

الغريب في الأمر أنه لا يمكن لوطني حر أن يختلف مع أركان المشروع القومي، وكون التجربة الناصرية هي الوحيدة في العصر الحديث التي حاولت تحقيق الخمسة أركان كاملة، هذا يكشف مدى ما جرى من تجريف للوعي الجمعي، من حيث رفض قطاعات متزايدة للتجربة الناصرية من منطلق الوطنية!

أهداف التجربة الناصرية ليست السد العالي ولا مجانية التعليم كما يتفاخر مؤيديها، كما أنها ليست حرب اليمن أو نكسة يونيو كما يدعي معارضيها، هذه الغابة المربكة من التفاصيل تخلط ما بين الغايات والوسائل، فكل ما فات ما هم إلا وسائل، نختلف أو نتفق معها ممكن، وقد تنجح هذه الوسيلة أو تفشل في الاقتراب من الغاية وارد.

فتحميل الوسائل بعبء الغايات لن تتحمله أي تجربة، ولن يكون عادلاً في تقييم للقائمين عليها.

فأركان المشروع القومي التي تحولت إلى أهداف التجربة الناصرية هي (تحقيق الوحدة العربية، اقتلاع إسرائيل من الوجود العربي، التحرر من سيطرة الأجنبي السياسية والاقتصادية، سيطرة الجماهير على الموارد والثروات، استثمار موارد الأمة في خطة تنموية انتاجية طموحة – ثم يزيد عليهم الكاتب والمؤرخ عمرو صابح ركناً سادساً وهو دور مصري في القضايا العالمية).

الوحدة العربية منها تتكتل منطقة مستباحة من القوى الكبرى، وتتكامل قواها حتى تكون لها كلمة بخصوص حاضرها ومستقبلها في عالم التكتلات الكبرى والكيانات العملاقة.

ولا يمكن قيام وحدة عربية في وجود كيان معادي كإسرائيل، التي تمثل قاعدة عسكرية غربية سببها الوجودي أصلاً هو منع أي وحدة عربية وضرب أي قوة عربية صاعدة.

لا يمكن لمستقبل حر أن يكون في ظل الخضوع لسيطرة الأجنبي – السياسية والاقتصادية – القابض على مقدرات وثروات الشعب العربي، وبالتالي التحرر والاستقلال هما أول طريق المستقبل الحر.

على الجماهير أن تسيطر على مواردها وثرواتها، وليست طبقة اجتماعية أو أجنبي – وعادة الغرب أن يسيطر على الثروات عبر طبقة اجتماعية موصولة به – توظف هذه الثروات لصالح الجماهير، ويقطفون هم ثمار التنمية بعدل ومساواة.

وأخيراً تكون الفلسفة التنموية لإدارة هذه الثروات هي التنمية الإنتاجية، عبر برنامج تحديثي طموح يدخل بالأمة في عصر المعرفة، ويؤهلها للتقدم، ويسلحها بأدوات العصر.

وفي هذا السياق، وبعد استيعابنا للغايات، يمكن لنا فهم (الوسائل) حركة التجربة الناصرية باتجاه تحقيق أهدافها، فقرار تأميم شركة قناة السويس مثلاً خطوة – أو قفزة – نحو السيطرة على الموارد وفك قبضة الأجنبي عنها، وملحمة العدوان الثلاثي كانت تعبير عن قيمة الدفاع عن هذا الحق.

من زاوية أخرى قد تُقرأ أنها مغامرة مع خصوم غاية في القوة، لحاكم شاب يسعى للمجد الشخصي، وكأن السياسة الدولية لعبة مغامرات، وكأن حركة التاريخ مسرح عبثي للمغامرين، ولكن في هذه القراءة افتقار للسياق، وفقدان للمعنى والدلالة لحركة التجربة الناصرية، وهذا غير صحيح لحد الظلم.

فالتجربة الناصرية هي محاولة لتحقيق أركان المشروع القومي الخمسة، في سياق زمناها وبأدوات عصرها، نجحت مثلاً في تحقيق الوحدة مع سوريا ثم سقطت هذه الخطوة (الركن الأول : الوحدة العربية)، نجحت في دعم ثورات التحرر العربية، الجزائر مثالاً (الركن الثالث : التحرر من سيطرة الأجنبي)، نجحت في برنامج تأميم لشركة قناة السويس وتمصير شركات أجنبية أخرى (الركن الرابع : سيطرة الجماهير على الموارد والثروات)، كل هذه أمثلة على “محاولات” التجربة لبلوغ الخمسة أركان السالف ذكرهم.

الناصرية تجربة لها وعليها كأي تجربة إنسانية، جاءت في سياق تاريخي معين، من لا يخفق قلبه لها فهو بلا قلب.

الموضوع أن التجربة الناصرية هي الوحيدة التي حاولت تحقيق هذه الأركان، والتجارب التي جاءت بعدها نقضت المشروع القومي، وتناقضت مع التجربة الناصرية، ومع ذلك نرى مؤيدي هذه التجارب يتكلمون عن الوطنية وحب الوطن، على أي أساس؟

على أي أساس تكون التبعية للعدو موضع حوار؟ وبأي منطق تكون سيطرة أقلية على ثروات البلاد وإفقار الناس وجهة نظر؟ من أي زاوية يكون الاستهلاك اقتصاد ويكون التجريف سياسة؟

لو كانت هناك تجارب من بعد التجربة الناصرية حاولت بلوغ أركان المشروع القومي بأساليب مختلفة لكان الأخذ والرد، ولكن المشكلة أن هذا لم يحدث.

التجربة الناصرية كرهها أعداء الأمة وحاربوها بشراسة، ومن كرهه أعدائه .. صادق.

الدرس الرابع يكمن في أهمية الالتزام بالمشروع القومي وأركانه الخمسة، لكن بأدوات العصر وباتساق مع مفردات الزمن.

ما تم ذكره في عمق التجربة هو المعاني التي يجب أن تؤخذ في الحسبان والتي لا يجب اغفالها.

ولكن ما هي الأخطاء التي لا يجوز تكرارها ووجب تفادي شراكها؟

إذا دخلنا في معترك التفاصيل المربكة، ومتاهة الحديث في غابة الفروع، وتركنا الأهم، البحث في الجذور والغوص في عمق المسألة، يمكن أن نردد مع المرددين جمل كمثل، من أخطاء التجربة الناصرية هي الاستعانة بأهل الثقة دون أصحاب الكفاءة، وتجلى ذلك في تعيين عبد الحكيم عامر (صديق عبد الناصر المقرب) قائداً عاماً للقوات المسلحة، وهو الرجل الذي ثبت عليه مرة تلو الأخرى أنه محدود الكفاءة، وانهياره في العدوان الثلاثي دليل، وخروج المتآمرين على الوحدة ما بين مصر وسوريا من مكتبه برهان آخر، وسقوطه في إدارة المعركة في يونيو ١٩٦٧م لم يدع مجالاً للشك، والأدهى أنه سعى لزعزعة استقرار نظام الحكم، وواجه الحاكم (صديقه) لحد الانقلاب عليه.

ولكن بدلاً من سرد تفاصيل كثيرة، متداخلة ومربكة، يجب أن نضع أيدينا على جذور المسألة، وهي بنية نظام الحكم، فالتجربة الناصرية شيدت دولة وسلطة، الدولة هي صاحبة الفلسفة الاجتماعية، والرسالة الحضارية، والتوجهات القومية، والتصورات الاستراتيجية، والأحلام والرؤى المستقبلية، وفي هذا الشأن شيدت التجربة الناصرية دولة واعدة، طموحة بقيادة وطن عربي نحو وحدة حرة مستقلة، وبناء المجتمع على أسس العدل والمساواة، وتوسيع بناء الطبقة الوسطى، وسيطرة الجماهير على مواردها وثرواتها في سياق برنامج تنموي انتاجي تقدمي طموح.

أما السلطة فشيء مختلف وإن كان ضمن التركيبة الشاملة، فالسلطة هي أداة الحكم، مفاصل الإدارة، وقد بنت تجربة عبد الناصر سلطة في منتهى السوء، سلطة الفرد الحاكم، ضمن منظومة ديكتاتورية استبدادية قاسية.

وحينما سقطت الدولة الناصرية في عام ١٩٧٤م وأنشئت على أنقاضها دولة جديدة – التي تحكم مصر حتى كتابة هذه السطور [سبتمبر ٢٠١٧م] – بانت مساوئ السلطة الناصرية وسقطت كل الأقنعة عن وجهها القبيح، فهذه السلطة هي نفسها كانت الأداة في إسقاط دولة المشروع القومي، وتفكيك مكتسباتها.

فالطبقة الوسطى التي اتسعت قد جرى تجريفها وافقارها على مدار السنين، البرنامج التنموي الانتاجي قد تم تفكيكه لصالح دوامة استهلاكية جهنمية، والموارد والمقدرات التي خضعت للملكية العامة قد جرى نقلها لحيازة القطاع الخاص الأجنبي (ووكلائه في الداخل)، وغيرها من مظاهر الانقلاب على التجربة الناصرية عن طريق سلطتها نفسها.

فالاستبداد هو الاستبداد، وسيلة الانحراف عن المسار الصحيح، وصولجان قمع التقدم.

والاستبداد قبل أن يكون احتكاراً للسلطة فهو انعكاس لآلية صناعة القرار ومنظومة اتخاذ القرار.

وعلى أساس ذلك يمكن استيعاب الأخطاء المؤثرة كإدارة الوحدة مع سوريا مثلا أو الخطايا الكبرى في تعيين أهل الثقة عن أهل الكفاءة، والمشير عامر ونكسة يونيو دليل.

العبرة من ذلك تكون في الالتزام بنظام حكم متوازن، ديمقراطي، وايجاد القدرة على المحاسبة وتصحيح المسار، وتفادي السلطة الاستبدادية مهما كانت الذرائع ” الثورية، الوطنية، المؤامرة إلخ..”

معضلة أي مشروع سياسي اجتماعي، هي في تأمين استمراريته، لأن استمرارية أي المشروع ليست في وجود افراده في السلطة، فالأفراد زائلون بحسابات الزمن وبمعايير القدرة.

استمرارية أي مشروع تكمن في التجديد المستمر له، أن يستمر قلبه في الخفقان، بأن يتم تجديد شبابه وضخ دماء جديدة في شرايينه، ومن هنا يحافظ المشروع على حيويته ويتفادى عجز الشيخوخة.

هذا يتم ببناء الكوادر الشابة، قيادات المستقبل، الذين ينتمون للمستقبل بحسابات الزمن، والقادرون على تطوير المشروع – والمشروع القومي هي موضوعنا – بحكم قربهم لأدوات عصرهم، فبناء الكادر ثقافياً وفكرياً وتنظيمياً هو صمام أمان استمرارية المشروع القومي عبر تطوير مناهجه وتجديد أفكاره وابتكار أساليب جديدة لبلوغ أهداف المشروع القومي.

وبناء الكوادر لن يتحقق في الفراغ، بل ضمن إطار منظومة عمل جماعي تمثل المشروع القومي، توزع الأدوار وتسكن الكوادر على أساس الكفاءة، حتى تتكامل الطاقات وتتضافر الجهود لتحقيق أهداف المشروع القومي وتأمين استمراريته.

منظومة العمل الجماعي هي التنظيم السياسي (التنظيم القومي)، هذا الكيان الذي يعبر عن المشروع القومي، والذي يمثل القوى الاجتماعية التي يعبر عنها المشروع (الطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة).

هذا التنظيم القومي قادر على أن يرتكز عليه النظام الاجتماعي السياسي الجديد، وعليه تُنحت الدولة الجديدة بمؤسساتها الفاعلة وتُحكم بنظام حكم، وبهذا يتجسد المشروع القومي في دولة (قومية) ذات مؤسسات ونظام حكم يؤمن التوازن بين سلطاتها.

وليس بالضرورة أن التنظيم القومي الواحد يكون هو المرادف لعملية التنظيم السياسي لنظام الحكم والدولة، فالمشروع القومي يجوز أن يمثله حزبين قوميين أو أكثر، يعبروا بدورهم أجنحة يمين ووسط ويسار التيار القومي، المهم هو العمل المؤسسي الذي يضمن الحراك الفكري والسياسي، وهما منبع التجديد والتطوير لوسائل بلوغ أهداف المشروع القومي وتأمين الوصول لمقاصده.

فإذا عجز المشروع القومي عن تحقيق هدف من أهدافه، أو انحرف عن مساره، يكون ديناميك نظامه الأشمل قادر على تصويب مساره وتنشيط قدرته على بلوغ ما لم يبلغه من أهداف.

وهذا ما لم يتم في التجربة الناصرية، وإن اتخذت خطوة أو بضع خطوات في هذا الاتجاه، وإما جرى تحجيمها أو العدول عنها (كمنظمة الشباب الاشتراكي) أو أخذت هذه الخطوات متأخرة (كالطليعة العربية)، فالتنظيم السياسي للتجربة الناصرية بصفة عامة كان أداة في يد السلطة (مديرية التحرير ثم الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي)، وهو ما يفسر التغيير المستمر في بنيته، فقد بنته السلطة بغرض تطويع المجال العام، وهو ما أفسح الطريق لترسيخ قواعد سلطة الفرد الحاكم (جمال عبد الناصر).

فالمشروع القومي ربطته التجربة الناصرية بشخص جمال عبد الناصر، فحين تعرض المشروع لضربة يونيو ١٩٦٧م القاصمة، استمرت التجربة رغم الشروخ العميقة، ولكن المشروع تم الإجهاز عليه حينما قرر الفرد الحاكم (السادات) الذي خلف عبد الناصر نقض التجربة الناصرية، ولم يجد للمشروع القومي تنظيم يحمي أو مؤسسات تردع، وتمت تصفية دولة الناصرية (١٩٥٢-١٩٧٤) دون صعوبة تُذكر.

فالعبرة الثانية من التجربة الناصرية هي تجاوز تجسيد المشروع القومي في أفراد السلطة لأنهم زائلون بطبيعة البشر، أو معرضون لتغيير مواقفهم بحسابات ما هو إنساني، والتوجه لتأمين استمرارية المشروع بتنظيم قومي يمثله، يبني الكوادر ويعد قادة المستقبل، ليطوروا أساليبه ويجددوا فكره، حتى يكون هذا التنظيم نواة دولة المشروع القومي ذات المؤسسات ونظام الحكم المتوازن.

إذاً فهم أربعة دروس وعبرتين، هما ما يمكن أخذهم من دراسة التجربة الناصرية بعمق، واعتبارهم أداة تفسيرية لنقاط قوتها ومواطن ضعفها، وأدوات تحليلية لتفاصيلها الكثيرة وأحداثها المتداخلة، هذا إن تعاملنا مع حركة التاريخ بمسؤولية بناة المستقبل، وحنكة حماة الحاضر، وحكمة دارسي التاريخ الوطني.

وفي كل الأحوال، التجربة الناصرية ابنة زمانها، لا يمكن استدعاء أدواتها لحل مشكلات الحاضر، ولكن في الوقت ذاته، أثبتت التجارب وبرهنت السنوات، أن المشروع القومي وأهدافه الخمسة، هما السبيل الوحيد لأي عربي حر – بل عاقل – في أي بلد عربي، وأن قيمة التجربة الناصرية، أنها كانت التجربة الوطنية الأصدق، التي سارت على الطريق الصحيح.

عن admin

شاهد أيضاً

النصر الذى ظلمناه – فى ذكرى العدوان الثلاثى

هيام محيى الدين حين فشلت الولايات المتحدة فى الحلول محل إنجلترا فى مصر، بعد إزاحة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *