الرئيسية / أخــبار / ندوة : قدم نموذجاً رفيعاً فى الاهتمام بالثقافة وعلاقة الصحفى بالدولة مؤلفات هيكل مصادر أساسية لقراءة تاريخ مصر

ندوة : قدم نموذجاً رفيعاً فى الاهتمام بالثقافة وعلاقة الصحفى بالدولة مؤلفات هيكل مصادر أساسية لقراءة تاريخ مصر

متابعة : محمود القيعى – دعاء جلال – إبراهيم فهمى
هل يعتبر هيكل مؤرخا ؟ وهل تصلح كتابات الصحفى ذى الخبرة والمصداقية المهنية والوثائق تحت يده ان تجعله مؤرخا وهو يسرد الحوادث بانتقاء أو بانحياز ما ؟هل يمكن الوثوق فى كتابات مؤرخ يعلن انحيازه قبل الكتابة وبعدها؟

كان هذا السؤال بدء الحوار ومنتهاه فى الصالون الثقافى الذى نظم ندوة عن الراحل الكبير محمد حسنين هيكل بين الثقافة والتاريخ وهو سؤال يصح أن يستمر مفتوحا لفترة طويلة فقد كانت كتابات هيكل فى الأهرام تأريخا -على الهواء إن صح التعبير لمجريات الاحداث فى مصر خاصة فى فترتى الستينيات والسبعينات من القرن الماضى والتى شارك فيها هيكل كصانع وقارىء للأحداث ومحلل لها كما أن كتاباته التى بدأها بخزيف الغضب كانت إعادة قراءة ترتيب أوراق التاريخ الذى جرى بعنفوان وارتباك حاول فيها هيكل اعادة ترتيب أوراق التاريخ المبعثر ة وكشف ما غمض من احداث ما جرى بمصر .. هل يمكن الوقوف أمام كتابات هيكل موثائق تاريخية بالمعنى العلمى للوثيقة ام اننا كنا امام كاتب لا يخفى قناعاته وانحيازاته وتوجهاته ولا يطالب أحدا باخفائها

……………………………………………………………………

الأمر يستحق المحاولة فلا يصح ان يترك هيكل كل هذا الإرث من الكتابه ولا يتم درسه علمياونكتفى فى تذكرة بالإشادة او الهجوم ثمة لون حائر بين الابيض والاسود يمكننا ان نبدأ به فإعادة قراءة هيكل او الدعوة لإعادة قراءته الندوة رفعت شعارا أساسيا أو تساؤلا حول الدور الثقافى للأهرام فى عهد هيكل وكيف يمكن استعادته فكان ضروريا التوقف أمام إيجابيات الخطاب الثقافى الهيكلى – إن صح التعبير – أكثر من التوقف أمام سلبيات الفترة او إيجابيتها التى تصدر فيها الراحل الكبير المشهد الصحفى فى مصر

وهنا قدم الدكتور جابر عصفور -المشرف على الصالون ومدير الندوة – احترازا مهنيا ومنهجيا أساسيا فقال: «إننا لا نحتفل بهيكل لنمجد الشخص بل نحتفل بالقيمة لنواصل عملية التراكم المعرفى الضرورية لتصحيح المسار، ونقدم هيكل كقيمة ثقافية ومهنية دون أن نغفل عن أنه بشر يصيب ويخطيء فلا تمجيد ولا تقديس لأحد».

أدار الندوة الدكتور جابر عصفور وشارك فيها الكاتب مرسى عطا الله رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام السابق و الكاتب محمد سلماوى والدكتور عماد أبو غازى وزير الثقافة الأسبق والدكتور توفيق أكليمندوس أستاذ العلاقات الدولية بجامعة باريس و عزت ابراهيم رئيس تحرير الأهرام ويكلى .

أولاد حارتنا

فى بداية اللقاء قال الدكتور جابر عصفور ، إنه عرف «هيكل» مثقفاً رفيع القدر نادر الوجود، «فهو صانع هذه الجريدة فى تجليها الحديث، أضاف إلى ميراثها القديم ميراثاً جديداً، ما جعلها منارة وقلعة للاستنارة بحق، فلولاها ما وُجد عظماء على الساحة الثقافية».

وأشار عصفور إلى أن هيكل كان يرى المعرفة قوة، ليس فقط للجريدة التى يترأس تحريرها ، بل قوة للأمة كلها، «كان هيكل يتردد على الدور السادس بالجريدة، ويلتقى بعمالقة الأدب مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ولويس عوض وبنت الشاطئ ولطفى الخولى ويوسف إدريس.. «أسماء لا يزال لها قوة الأثر الذى تركوه فى المجتمع المصرى والعربي، فقد كان هذا المجتمع يتعلم من جريدة الأهرام ومن كُتابها ومن الآفاق التى تفتحها، ولذلك لم يكن من المصادفة أن تصبح الأهرام الجريدة العربية الأولى بلا منازع”.

ويستطرد عصفور عن ذكرياته مع هيكل فيقول إنه عندما كان يتولى منصب الأمين العام للثقافة قرر إطلاق المشروع القومى للترجمة، ليتيح للقارئ المصرى روائع التراث العالمى فى ترجمة جيدة وبأسعار معقولة، «وتم طبع الكتب الأولي، وأرسلنا عينة منها إلى الأستاذ هيكل، ولم يكن وقتها يتقلد أى منصب رسمى وإنما تقديراً له ولثقافته ولدوره العظيم. وجاءنى منه خطاب يشكرنى فيه، مع نقد لاذع لمستوى طباعة الكتب وإخراجها».

ولم يكتف هيكل بذلك بل قدم لعصفور-شيكا بثلاثين ألف جنيه باسم المشروع القومى للترجمة، وكان هذا الفعل بمثابة تشجيع لم يقم به أحد من قبله، ولذلك يرى جابر عصفور أن هذا المشروع يدين لهيكل فى مراحله الأولي، «وبعد عدة شهور عندما احتفل مشروع الترجمة بإصدار الكتاب رقم ألف، أرسل هيكل شيكاً آخر بمبلغ 35 ألف جنيه، بعدها تنبهت الدولة إلى أهمية المشروع فرصدت له الملايين بعد إشارة هيكل».

وتابع عصفور :ولم يكن هيكل من رؤساء التحرير التقليديين الذين ينحصر دورهم فى إدارة جريدة تصدر أخبارا وتنشر مقالات فقط، «بل كان صاحب رؤية حقيقية، منفتحا واسع الأفق. وكان يعرف أن قوة الدولة فى ائتلافها القومى أو الوطنى وفى التعددية الفكرية والثقافية لجميع كتابها ومبدعيها ومفكريها، بمختلف انتماءاتهم الفكرية والفلسفية والدينية. ولذلك كانت الأهرام تضم من الماركسى إلى الإسلامي، فكان يضم لويس عوض مثلا مع بنت الشاطئ مع لطفى الخولي. ومن ذلك التكوين القائم على التنوع الخلاق صنعت جريدة الأهرام مجدها”.

كما أن هيكل بحسب عصفور قدم نموذجا فذا فى علاقة رئيس التحرير بالدولة، وهو – أى هيكل – لا يراها علاقة إذعان وتبعية مطلقة. «فعندما نشرت الأهرام رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ فى العام ١٩٥٩، بدأت الأصوات الرجعية فى الاحتجاج، وطالبوا بوقف نشر الرواية إلا أن هيكل قرر الاستمرار ونشر الرواية كاملة مسجلا موقفا ثقافيا وسياسيا رفيعا فى فهم رئيس التحرير لموقف الجريدة من الدولة والمجتمع ، والطبعة الكاملة التى يعتمد عليها هى التى تم نشرها على صفحات جريدة الأهرام».

ولم يكن نموذج رواية أولاد حارتنا هو الموقف الوحيد لهيكل فى هذه الزاوية، «فقد نشر يوسف إدريس رواية بعنوان «العملية الكبري»، من يقرؤها يجد أنها اعتراض رمزى على ما كان يتصوره إدريس من ديكتاتورية عبد الناصر.

ذكريات لم تعبر

الكاتب مرسى عطا الله أشار فى مداخلته إلى أن هيكل كان يحتوى كل أطراف القوة الناعمة التى تملكها مصر، وذلك هو الكنز الذى بنت عليه الأهرام رسالتها. وتذكر عطا الله واقعتين له مع هيكل: الأولى عندما قامت حرب أكتوبر، «وكان وقتها على اتصال بالقيادة العسكرية بصورة يومية. ودخل يوماً على هيكل فوجده متهللاً قائلاً: عثرت اليوم على الكنز على لسان توفيق الحكيم، الذى لم يقل عبرنا القناة وإنما قال مقولته الشهيرة «عبرنا الهزيمة»، وهنا يقدم هيكل درسا فى إنكار الذات لصحفى عرف عنه ابتكار العناوين، ولكنه عندما وجد عنوانا جيدا لغيره تبناه واحتفى به لأنه عنوان ثقافى أكثر منه سياسيا ويعطى عمقا رمزيا لعملية العبور ودلالتها.. وهذا هو هيكل الذى كان مؤمنا بأهمية الثقافة فى العمل الصحفى كله وليس فقط فى القسم الثقافى أو فى صفحات الثقافة، ولذلك جمع كتاب مصر فى صفحات الرأى بمختلف مشاربهم، وهم من أسهم فى القوة الناعمة لمصر. والواقعة الثانية عندما حدث الغزو العراقى للكويت، اخترت عنوانا من ثلاث كلمات هو كارثة عربية مفزعة، ففرح به الأستاذ هيكل لأنه يلخص المسألة بعيدا عن لغة التحالفات ويجعل موقف مصر واضحا من رفض الغزو بكل المعاني».

ويشير عطا الله إلى أن هيكل كان يضع الرجل المناسب فى المكان المناسب وليس مجرد حشد لقدرات مهنية فقط، وهذا خطاب ثقافي. فقد كان أول من جعل قسم المعلومات فى الجريدة جزءا من الديسك المركزى الذى يقوم بمراجعة كل صفحات الجريدة، لأن ثقافة الدقة كانت منهجه كما أنه كان يرفض أن يتم تكذيب الأهرام وهذا سر نجاح الجريدة وخطابها الأساس: المصداقية

سلماوى

أما الكاتب الصحفى محمد سلماوى فتذكر لقاءه الأول بهيكل عندما بدأ العمل بالأهرام وكان متهيبا اللقاء، وفوجيء بالأستاذ يسأله عن دراسته فى الأدب الإنجليزى، وهل كانت مسرحية هاملت مسرحية غير مكتملة كما يقول بعض نقاد الأدب الإنجليزي، واكتشف سلماوى أن هيكل يعرف الأدب الانجليزى معرفة دقيقة كالمتخصصين فيه .

«ولم يكن اختياره لى للعمل فى القسم الخارجى إلا لأن نظرته للعمل الصحفى كانت شاملة لما ينبغى أن تكون عليه الصحافة. فقد اختار للعمل فى هذا القسم من يجيد الانجليزية ومن يجيد الفرنسية ومن يتخصص فى السياسة ومن يعرف الثقافة، لأن المتابعة الخبرية للأحداث تتطلب التنوع وقد حرص على مد القسم الخارجى بكل التخصصات العلمية والفكرية والثقافية”.

معظم النقاد يتعاملون مع مقالات هيكل باعتبارها مقالات سياسية فحسب وهذا غير دقيق فى رأى سلماوي، إذ من الضرورى النظر إليها من الناحية الأدبية والأسلوبية إذ لم تكن مقالات سياسية فحسب، فقد كان لها بناء أدبى مميز، كما فى الشعر ،واهتمام بالتفاصيل الدقيقة لاستخدامات علامات الترقيم التى كان يتميز بها.

«كان الأستاذ هيكل يحفظ عن ظهر قلب عددا هائلا من الأشعار العربية يرددها فى مناسبات مختلفة تلخيصا لما يريد أن يقوله سواء فى مقالاته أو حواراته التليفزيونية الأخيرة. كذلك كان هيكل مولعا بالموسيقى من خلال متابعته لبرنامج الدكتور حسين فوزى عن الموسيقى العالمية الذى كان يحلل فيها السيمفونيات الشهيرة لبيتهوفن وغيره.

ومما ساهم فى سعة الأفق لدى هيكل تمتعه بقدرات عالية فى سرعة القراءة، وأذكر أن لندون جونسون نشر مذكراته فى النيويورك تايمز فقام هيكل بشراء حق نشر هذه المذكرات كسبق صحفي،

وقال سلماوى إن وجود هيكل كان له دخل كبير فى جعل الأهرام منارة ثقافية وتنويرية وذلك بسبب تكوين هيكل الشخصى ورؤيته للثقافة الواسعة، كما كان لقربه من الرئيس عبد الناصر دور كبير فى الدعم غير المسبوق وغير الملحوق للثقافة لأهميتها ودورها فى المجتمع، وبسببهما رأينا النهضة الفنية والأدبية والفكرية فى الستينيات”.

هيكل مؤرخا

وفى مداخلته قال الدكتور عماد أبو غازى وزير الثقافة الأسبق: «بوصفى باحثا فى الوثائق والتاريخ عندما طرح على منظمو الندوة سؤالا يقول: هل كتابات هيكل تصلح لأن تكون تأريخا للعصر الحديث؟ قلت لهم وسأضيف من عندي، وهل يمكن التعامل مع هيكل بوصفه مؤرخا؟

ولكى أجيب على السؤالين المهمين أحب أن أؤكد أن فكرة تعريف المؤرخ تغيرت عبر الزمان فبينما كان تعريف المؤرخ فى الماضى أنه من يسجل ويكتب الأحداث من حوله أى أنه ناقل لما يحدث حوله، ولكن المؤرخ فى عصرنا الحاضر اصبح هو الباحث والمحلل فى أحداث الماضى والتاريخ لإعادة بناء صورة لما كانت عليه الأوضاع فى العصور الماضية، وكان سائدا فى الماضى أنه لا يمكن كتابة التاريخ إلا بعد توافر الوثائق ومرور خمسين عاما على الاقل لكتابة التاريخ. تغيرت مفاهيم الكتابة التاريخية الآن وأمكن كتابة تاريخ الحاضر والمستقبل أيضا مع سقوط فكرة الحياد العلمى عن المؤرخ أو لمن يعمل فى مجال البحث التاريخي، وتغيرت فكرة تقييمنا للباحث فى التاريخ.

وإذا سحبنا هذا التوضيح لمعنى المؤرخ وعمله على الأستاذ هيكل فإننى أقول بثقة إنه واحد – كما فى تقييمى – من صناع التاريخ المصري، وليس مجرد كاتب أو مسجل للأحداث، على الأقل فى الفترة من منتصف الخمسينيات حتى منتصف السبعينيات، أى تلك الفترة التى كان قريبا فيها من رأس السلطة فى مصر مع ناصر ومن بعده السادات قبل أن يختلفا. وحتى خلال الأحداث الأخيرة من الثورة وحتى وفاته، كان له دور فى صناعة الحدث فى مصر وفى المنطقة العربية، سواء اتفقنا أو اختلفنا معه.

وقد اختار هيكل منذ بداية عمله الصحفى من بداية عقد الأربعينيات من القرن الماضي، الاشتباك مع الأحداث فى تاريخ مصر و المنطقة العربية وشرق البحر المتوسط، وكما نعلم فقد كانت أول جائزة حصل عليها عن تغطيته لانتشار مرض الكوليرا فى مصر أثناء حكومة النقراشي.

وقد أتاح اقتراب هيكل من السلطة أن يحصل على كثير من صور وثائق ومستندات وصلت إليه بحكم صلته بالرئيسين عبد الناصر و السادات، وقد اقترب الرجل من مواقع السلطة فى مرحلة حاسمة فى تاريخنا، وكان فاعلا فيها بدرجة كبيرة دون أن يتطابق معها.

وإذا كانت شهادة هيكل على العصر تعد وثيقة حية عن مرحلة غابت وثائقها عن أرشيفنا القومي، فإن هيكل فى كتاباته المتعددة يعتبر بحق مؤرخا ممتلكا لمنهج تحليلى نقدى يتعامل مع الوثائق كمصدر رئيسى للتأريخ، إلى جانب اعتماده على ذاكرته الحية كمشارك فى الأحداث أو شاهد عليها”.

كان هيكل مطلعا على وثائق لم تكن متاحة إلا على مستوى قمة الدولة وهنا تثار قضية وثائق هيكل وكيف حصل عليها وأين هى الآن؟

وأشار أبو غازى إلى أن هيكل حصل على الوثائق النادرة بشكل طبيعى بسبب علاقته برأس النظام مما أتاح له الاطلاع على ما لا يوجد فى أرشيفنا القومى إلا من خلال كتابات هيكل سواء مقالاته أو كتبه المختلفة.

«فى هذه الكتب قدم هيكل رؤية الكاتب السياسى والمحلل والمستشار لرئيس الدولة لفترة طويلة ولذلك فهى تعبير عن رؤية لجزء من النخبة السياسية للمجتمع ورغم أن هيكل كان ينفى عن نفسه دائما صفة المؤرخ ويصف نفسه بأنه محلل سياسى وله انحيازاته، لكنى لا أعتقد أن الانحيازات يمكن أن تقلل من دوره ككاتب للتاريخ.

ورغم أن كتابات محمد حسنين هيكل وأحاديثه فى مجملها تعد مصدرًا تاريخيًا، إلا أن من بينها ما يمكن أن نعتبره دراسة تاريخية منهجية بحق، فضلا عن كونها كتابة سياسية تحليلية، فقد كتب هيكل العديد من الكتب التى تناول فيها تاريخنا بعين المحلل السياسى والمشارك فى الأحداث فى آن. ولعل من أهمها ثلاثيته «ملفات السويس» و»سنوات الغليان» و»الانفجار»، تلك الثلاثية التى تناولت حرب الثلاثين عاما من أجل السيطرة على المنطقة العربية، والتى اكتمل صدورها فى عام 1990، ومن هذه الأعمال كذلك «أكتوبر 73 السلاح والسياسة»، ثم كتابه عن حرب فلسطين سنة 1948 «العروش والجيوش» بجزءيه.

ورغم أن هيكل يقول فى مقدمة 1967 الانفجار إن العمل يتضمن «قراءة التاريخ وليست كتابته، وتنشيط الذاكرة وليس إصدار الأحكام»، وإذا كان هيكل يرى -كما يقول هو- «أن الصحفى ليس فى مقدوره أن يكتب التاريخ، فتلك مهمة أكبر من طاقته، وأوسع من أى تحقيق يقوم به فى حدث بذاته، ولعلها أبعد من عمر أى إنسان فرد، ثم إنها أعقد من أن تحتويها دفتا كتاب واحد. وحتى وإن كان أحد شهود الحدث الذى يكتب عنه يستطيع أن يقدم شهادة تاريخية لكن الشهادة التاريخية ليست تاريخا، وإنما هى إن صدقت تصلح لأن تكون مادة تاريخية، أى عنصرا من العناصر وزاوية من زوايا النظر حين يكتب التاريخ.

من المؤكد أن هذه العبارة صادقة جدا لكن أيضا فى تقديرى أن كتابات هيكل تصلح أن تكون نموذجا للكتابة التاريخية، رغم ما فيها من انحيازاته التاريخية والسياسية والتعاطف حتى الإنساني، لأنه لم يكن فيها مجرد شاهد أو كاتب تحقيق صحفي، لكنه كان محللا للحدث بمنهج تاريخى واضح قد نتفق أو نختلف معه، لكن هذا حال كل من يكتبون فى التاريخ. وهذا لا ينتقص من هذه الأعمال ككتابة تاريخية”.

توفيق اكلمندوس

أما الدكتور توفيق أكلمندوس فقال فى مداخلته عن دور هيكل كمؤرخ ولاعب فى السياسة الدولية المصرية: «علاقتى مع كتابات هيكل معقدة جدا لأنى باحث متخصص منذ عشرين عاما فى الفترة الناصرية وتنظيم الضباط الأحرار. وأعتقد أن هيكل كان مفتاح شخصية عبد الناصر، لكنه فى الوقت نفسه منعنا من رؤية جوانب كثيرة فى ناصر. فقد منعتنا كتاباته المنحازة والمنتقاة من معرفة واضحة لشخصية عبد الناصر. وقد كان هيكل أكثر ليبرالية من عبد الناصر وأقل اشتراكية وأكثر تحررا، وهو ما منعنا من معرفة علاقة عبد الناصر بالدين مثلا، بشكل واضح من خلال ما كتب”.

وأشار اكلمندوس إلى أن هيكل كان أول المدافعين عن مشروع الدولة الحديثة أو العلمانية أو المشروع الحداثى والتنويري، ولعب دورا محوريا ليس نظريا فقط، وإنما عمليا أيضا، بعرض ما يمكن أن ينتجه المشروع التنويرى للجمهور حتى لا يصبح مشروعا نخبويا سواء فى الأهرام أو بعدما تركها من خلال كتاباته.

«وفى تصورى أن العدو الأساسى لهذا الجيل لم يكن مشروع الدولة الدينية الذى لم يكن موجودا، أو كان يمر بأزمة شديدة جدا، لكن كان العدو الأول هو ما يطلق عليه العقل الغيبي. وقد خاض جيل عبد الناصر وهيكل معركة صامتة مع هذا العدو والذى يعتقد أن النصر بالمعجزة حليف القضية العادلة، لكن جيل هيكل كان يدعو إلى إعداد العدة بأن تكون جاهزا بحساب موازين القوى بدقة. وقد نجح هيكل فى خلق نوع من التوازن داخل الأهرام وفقا لما تتطلبه مرحلة الاصطفاف الوطنى فى دولة عبد الناصر، وحشد المثقفين داخل الأهرام، وخلق مجالا عاما للحوار يجمع ما بين الإسلامى والعلمانى والماركسى والليبرالي. كما عمل على الدفاع عن الجناح المدنى ضد الجناح العسكرى فى نظام يوليو نسبيا. ولعب هيكل دورا مهما فى الدفاع عن حرية الصحافة وفى بناء الأهرام ، وخاض معارك شرسة بنظرة ثاقبة وفكر مثقف فى ذلك حيث كان مستشارا لعبد الناصر فيما يتعلق بالنخب المدنية.

وهناك جانب فى شخصية هيكل لا يعرفه الكثيرون وهو أنه كان محاورا دبلوماسيا رفيع المستوي. ففى فترة الخمسينات استطاع أن يكون ندا فى حواراته مع مسئولى المركزية الغربية، وقام بعرض سياسة الدولة المصرية جيدا. كما كان قادرا على عولمة السياسة المصرية وتمصير الخطاب العالمى بحرفية وموهبة نادرة كما شهد بذلك الأخضر الإبراهيمي، الذى أكد أن الخطاب المصرى الناصرى يكون مفهوما فقط عندما يتحدث عنه هيكل، وربما نعرف السر فى ذلك بأن هيكل لم يكن فقط مصدر ثقة ناصر بل مصدر معلوماته. فقد سئل مرة لماذا تمد هيكل وحده بالاخبار فقال بل هيكل هو من يمدنى بالأخبار. وما ساعد هيكل فى ذلك أنه كان على دراية كبيرة بالقيادات العالمية والبواعث والدوافع النفسية لعبد الناصر، فكان يعرف ماذا يريد ناصر أن يعرف من مجريات الاحداث فى العالم ويقدمه له ولذلك كان بنكا للمعلومات بالنسبة لناصر.

أما بخصوص الشق الخاص بالتاريخ فإننى أقول إنه مؤرخ كبير فيما يخص العلاقات الدولية مع بعض الملاحظات عليه وعلى منهجيته وموضوعيته. فهو مؤسس مدرسة مصرية فى تاريخ العلاقات الخارجية وفى الاستراتيجية المصرية مع الراحل أمين هويدي، فقد لعب هيكل دورا كبيرا فى متابعة الجمهور للسياسة الخارجية من خلال كتاباته وهذا كان مرتبطا بالشق التنويرى فى قضيته. وهناك أمر لابد من ذكره فى نقد تاريخية هيكل وهو أن شخصية عبد الناصر تغيرت مع الزمن. فعبد الناصر كان دائم القراءة وشخصيته فى 1952 غير شخصيته فى 1970، وهيكل أغفل توضيح هذا الفارق على الرغم من اقترابه الكبير من ناصر، ربما لاهتمامه بالتركيز على التصادم بين مصر والمجتمع الدولي.

أما ما يتعلق بعام 67 فقد فهم هيكل أن السياسة الخارجية لعبد الناصر ستؤدى إلى الحرب لسوء علاقته مع الولايات المتحدة وتوتر علاقاته مع السعودية ومحيطه العربي، ولكنه لم يحذره بشكل كاف وأنا أرفض المقولات التاريخية التى تتكلم عن وجود مؤامرة عالمية ضد مصر فى هذه الحرب.”

هيكل فى عيون الاجانب

وتحدث عزت ابراهيم (رئيس تحرير الأهرام ويكلي) فأشار إلى أنه فى آخر لقاءاته مع الأستاذ هيكل، فوجئ به يسأله عن أطروحته للماجستير، فلما أخبره بأن الرسالة تمت مناقشتها فى بريطانيا عن «تأثير الإسلام على الهيمنة الأمريكية فى الشرق الأوسط بعد الحرب الباردة»، طلب منه أن يرسل إليه نسخة من الرسالة فى صباح اليوم التالى ، فأرسلتها إليه. وبعد ثلاثة أسابيع أرسل الاستاذ هيكل لعزت ابراهيم ردا مع الأستاذ محمد عبد الهادى متضمنا رأيه فى الرسالة، مشيرا إلى إن أهم ملاحظات هيكل على رسالته أن الجانب الأكاديمى فيها طغى على الجانب الصحفى.

وتابع ابراهيم : « كان لى عمل منذ عشرة أعوام عن الشرق الأوسط فى الصحافة الامريكية، فاطلعت على بعض الدراسات، وكان منها دراسة عن الاستاذ هيكل ودوره فى صناعة صورة الولايات المتحدة فى العالم العربي، وكيف أنه( هيكل) هو الذى وضع بعد الحرب العالمية الثانية إطارا لصورة أمريكا فى العالم العربى من خلال كتاباته فى الاهرام ، وكيف أنه كان أكثر من تواصل مع المجتمع السياسى الأمريكى بشكل مباشر».

وأشار ابراهيم إلى أن ثمة كتابات جديرة بالترجمة إلى العربية عن الاستاذ هيكل فى العالم، موضحا أن المجتمع الامريكى – قبل الحرب العالمية – لم يكن منفتحا على العالم العربى بشكل كبير، ولا يزال..رأى هيكل فى قادة الولايات المتحدة وانهم لا يفهمون العالم العربى ولا توجهات الراى العام وان موقفهم من القضية الفلسطينية مشوش وليس صحيحا الى حد كبير.

مداخلات الحضور

فى البداية قدم الكاتب والمترجم المعروف محمد الخولى مداخلة، فأكد أن الأستاذ هيكل يمكن أن يجسد بامتياز فكرة المثقف العضوى بحسب تعريف جرامشي، فقد كان مهتما بقضايا وطنه مرتبطا بالجماعة الوطنية المصرية ارتباطا كبيرا وفاعلا.

وقال الخولى إن هيكل هو الصحفى المصرى العربى الوحيد الذى دعته جامعة « أكسفورد « ليلقى فيها محاضرة، وعندما وقدمه المسئولون فى «أكسفورد « وصفوه بأنه أسطورة الصحافة فى العالم. وأضاف أن هيكل كان حريصا على الاطلاع على العالم الخارجى حرصه على الارتباط بأصالة التراث العربي، ما يجعل الاحتفال بذكراه أمرا مهما لتعرف الأجيال المقبلة أهمية الرجل فى سياق التاريخ المصرى الحديث.

مؤرخ عظيم

وتحدث بعد ذلك د. سيد العشماوى أستاذ التاريخ الحديث، فذهب إلى أن هيكل كان بحق مؤرخا عظيما مستشهدا بما كتبه ابن خلدون فى مقدمته عن « المؤرخ « وسماته، وإن كان لا يمكن الارتكان الى ان البعض ينتقد روايات هيكل التاريخية بان هيكل نفسه أنكر وصفه كتاباته بالتآريخ لكن علينا ايضا ان نمارس قراءة نقدية لما كتب تقديرا لدوره الكبير

لكم أسئلتكم ولى إجاباتى

وتحدث الكاتب أنور عبد اللطيف المشرف على ملحق الجمعة بالأهرام فقال إن الاستاذ هيكل قال له ذات مرة إنه «أسلم الأهرام ومصرها»، مشيرا إلى أنه أرسى المفهوم الصحيح للإسلام فى الأهرام ولولاه ما كانت لتجرؤ نشر رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ وخلص الأهرام من الحساسية النى سيطرت على أصحابه طوال الوقت فى تناول القضايا الإسلامية والمصرية كونهم كانوا مسيحيين وشوام .

وأشاد عبد اللطيف بما صنعه الاستاذ هيكل من جعل الأحاديث الصحفية وثيقة تاريخية، نظرا لما كان يقوم به من رقابة صارمة تحول بين الصحفى كاتب الحوار ونفسه وأهوائه وتوجهاته، مذكرا بمقولة هيكل عن حواراته : « أنتم مسؤولون عن الأسئلة ، وأنا مسئول عن إجاباتي».

وطالب عبد اللطيف بتجميع كل حوارت هيكل فى كتب وان يتم التعامل معها المعاملة نفسها التى تتم مع كتبه، لخضوع هذه الحوارات لمراجعة دقيقة توثيقية من جانبه قبل ان يتم الدفع بها الى المطبعة وفيها اثراء كبير لتوسيع معرفة القراء بخطاب هيكل من زاوية اخرى هى الحوارات الصحفية ، مشيرا إلى أن هيكل كان يتحمل بشجاعة تبعة إجاباته..

«للأستاذ هيكل تعبيرات لافتة يجب أن تخضع للدراسة، منها مقولته إن ثورات مصر كلها ثورة واحدة، هدفها تحديث مصر وتحقيق العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطنى والكرامة الوطنية»

وتحدث الصحافى محمد حربى مدير التحرير لقطاع الثقافة مستهلا كلمته بتأكيد أنه من معارضى هيكل سياسيا، ولكنه أكد فى الوقت نفسه أن هيكل كان قيمة مهنية كبري، مشيرا إلى أن الكبار أخطاؤهم كبيرة وحسناتهم أيضا.

وأضاف حربى أن جوهر الندوة كان من المفترض أن يكون قراءة نقدية لما قدمه هيكل سواء فيما يتعلق بتأريخه للعصر الناصرى وما بعده وتنقد مروياته التاريخية أو مواقفه السياسية، لكن الندوة تحولت – بحسب حربى – إلى مديح الظل العالى لهيكل «مع أن أهم هدية نقدمها لروح هيكل أن ننتقد خطابه»، مشيرا إلى أن وفاءنا الحقيقى لهيكل أن ننقد خطابه، وننقد أسلوبه فى الكتابة وفى التأريخ .

وخلص حربى الى أن «الاستاذ هيكل كان مؤرخا عظيما، ولكنه كان حارس بوابة، وهى مهمة خطيرة حالت بيننا وبين جزء كبير من التاريخ.

واختتم حربى كلمته مؤكدا أن المسكوت عنه فى الندوة ليس هو نقد هيكل فقط، وإنما الأهم هو النظر لما قام به هيكل من إرساء المؤسسية فى الأهرام.. «فهل لا تزال الأهرام تسير وفق عمل مؤسسى كما كان أيام هيكل لا سيما فى قسم الثقافة؟»

مؤرخ أم صانع للتاريخ؟

وتحدث الروائى محسن عبد العزيز، فقال إنه يميل إلى أن الأستاذ هيكل هو صانع للتاريخ أكثر منه مؤرخا ولكن أى تاريخ ذلك الذى صنعه؟, وتساءل عبد العزيز :

«أى تاريخ صنعه هيكل؟ هل هو تاريخ الديمقراطية والحرية والعدل والدولة المدنية؟»

وأشار عبد العزيز الى أن الاهرام عقب 67 مباشرة نشر تقريرا عن ظهور « العذراء» فى المطرية كنوع من الإيمان بالغيبيات والاشياء التى تخالف الدولة المدنية.

وعقب مرسى عطال الله على مقولات محسن عبد العزيز الخاصة بمدرسة هيكل قائلا ان كل الصحف المصريه الان او معظمها يديرها ابناء الاهرام وتلاميذه هيكل .

فيما اكد الدكتور اكليمنوس فى تعقيبه ان روايات هيكل التاريخية بها بعض النقص الذى يلزم الباحث ان يبحث عن مصادر اخرى لتاكيدها لكن علينا الا ننسى ان الرجل لم يخف انحيازه السياسى والايديولوجى وتحدثت د. ليلى منتصر أستاذ بكلية الطب جامعة المنوفية فوجهت الشكر للأهرام على وفائها للراحل الكبير، واصفة اياه بأعظم أساطين الصحافة ، مطالبة بإخراج كتاب سيرة ذاتية عن هيكل .

وقالت زينب عبد الرزاق «رئيس تحرير ديوان» إن ثمة سرعات ضوئية بين هيكل وصحفيين آخر ين جاءوا من بعده واصفة اياه بالعبقرية .

وأضافت عبد الرزاق أن لهيكل تلاميذ كثيرين فى الاهرام وعددت منهم سناء البيسى ويوسف فرنسيس ومحمد سلماوى وحسنى جندى وآخرين، مطالبة بالحفاظ على الاهرام ذات التاريخ العريق أكثر من 141 عاما شكلا وموضوعا، مؤكدة أن مشهد « الأهرام « فى 2017 مختلف عن أيام هيكل تماما .

واختتم د. جابر عصفور الندوة مؤكدا أن الهدف من تلك اللقاءات ليس تقديس أحد، «وإنما لوضع الشخصية التى نتحدث عنها موضع المساءلة، والتى تعنى التحدث عن الإيجابيات والقدوة وتمنى عصفور أن يجد من رؤساء التحرير المصريين من هم فى ثقافة هيكل وموسوعيته، لوضع الأمة على طريق التقدم

عن admin

شاهد أيضاً

هدى عبدالناصر لـ«موسى»: ما كتبته «اختلاق للوقائع»

خالد الشامي | حصلت «المصرى اليوم» على نص رسالة أرسلتها هدى عبدالناصر إلى عمرو موسى، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *