الرئيسية / حوارات ناصرية / مصر.. من دعم المقاومة إلى تجريمها

مصر.. من دعم المقاومة إلى تجريمها

يرتبط مصطلح المقاومة في الأذهان بمقاومة العدو الصهيوني، فيما يحيط بحيثية ربط المقاومة بالدولة المصرية تشوش مبرر له علاقة بالمفاهيم التي قامت عليها هذه الدولة في تأسيسها المعاصر والذي يُصطلح على بدايته منذ ثورة 23 يوليو 1952، والذي أعطى ملامح مختلفة عن ما قبل هذا التاريخ، أهمها فيما يخص السياق هنا هو معاداة المشروع الصهيوني، لا لأسباب عقائدية أو ثأرية أو غيرها، بل لأنه لن توجد نهضة ولن يكون تقدم في وجود هذا المشروع الدخيل الذي أنشئ وعزز وجوده وازدهاره على تخريب أي محاولة للنهوض في الدول المجاورة له وعلى رأسها مصر، والتي ترتهن استمراريته ووجوده بمواصلة هذا النهج، أي بعبارة مختصرة تقوم الدولة المصرية المعاصرة على مجابهة هذا الخطر الوجودي بمعادلة مفادها إما أو؛ إما أن تعمل الدولة على مقاومة الكيان الصهيوني وتتصدى لأطماعه لتحقيق نهضتها التي لا تتحقق إلا بمشروع عابر لحدودها التي رسمها الاستعمار، يجعل منها دولة مؤثرة ومحورية بالمنطقة، أو أن يستمر هذا السرطان المسمى بـ”إسرائيل” على حساب زعزعة ومحاولات تفتيت وإجهاض أي نهوض للدولة المصرية.

وبين هذا وذاك، تأتي مسألة علاقة الدولة المصرية المعاصرة بالمقاومة ضد المشروع الصهيوني كمسألة حيوية لفهم مسارات التغير والتبدل في المعادلة سابقة الذكر على مدى ما يفوق الستة عقود، هي عمر الكيان الصهيوني، والمدى الزمني للدولة المصرية المعاصرة، التي هي في غنى عن ذكر أن نقطة بدايتها ثورة يوليو 1952، كانت إحدى دوافعها الأساسية هزيمة الجيش المصري في حرب 1948، وبالتالي لم يكن من الغريب أن تشهد سنة 1953 إرهاصات دعم وتنظيم القاهرة لبذور المقاومة الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني عقب نكبة 1948، والتي كان أول تفاعلاتها في العام التالي إنشاء الكتيبة 101، التي تكونت من فدائيين فلسطينيين دربوا على أيدي ضباط الجيش المصري، وتحت قيادة وإشراف العقيد مصطفى حافظ، الذي جعل همّ بن جورين، الأساسي في الفترة ما بين 1953 إلى 1955 إنهاء مقاومة هذه الكتيبة التي تسببت بمقتل عدد من الصهاينة أكبر من عدد الذي قتلوا في 1948 و1956 و1967، على حد قوله في مذكراته، وهو ما جعل مصطفى حافظ، هدفا حتى استشهاده عام 1955 بعبوة ناسفة من جانب عناصر الاستخبارات الإسرائيلية، أي أن هذا الضابط المصري كان من أوائل -إن لم يكن أول- المقاومين الذين أقدمت إسرائيل على اغتيالهم لتفتتح مسلسل الاغتيالات الخسيس المستمر حتى يومنا هذا ضد المقاومين على اختلاف جنسياتهم.

 بالطبع النموذج السابق لم يكن من قبيل الصدفة أو وليد الحاجة اللحظية، وطبعا لم يكن الوحيد والاستثناء، بل يمكن القول إنه كان النموذج المبكر لدعم مصر للمقاومة الفلسطينية كجزء من المعركة ضد الكيان الصهيوني، سواء بتسليح وتدريب الفلسطينيين على مختلف انتماءاتهم الأيدلوجية، وتجاوز ذلك حتى في تنظيم الأطر السياسية لهم تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية التي أنشئت بإيعاز من الزعيم جمال عبد الناصر، على يد أحمد الشقيري، كممثل سياسي للشعب الفلسطيني، وهنا نستطيع تحديد ما يمكن تسميته بالعصر الذهبي لمقاومة الدولة المصرية للكيان الصهيوني-بما تتضمن من دعم وإنشاء أولى الأطر المسلحة والسياسية الفلسطينية- من عام 1953 وحتى عام 1974، الذي شهد وقف إطلاق النار وفصل القوات بعد حرب أكتوبر 1973، وتحول رئيسي في مسار مقاومة إسرائيل أو بالأحرى استبداله بالمهادنة التي دشنت بمعاهدة السلام 1979.

 الجدير بالذكر هنا أن تحول مسار الدولة المصرية من مقاومة الكيان إلى مهادنته لم يكن هو السبب الوحيد لتحول رفض كل دول المنطقة لوجود هذا الكيان إلى قبول معظمهم بوجوده بل والتعامل معه تحت أي مسمى ومبرر، وإن كان هذا التحول على مستوى المنطقة قد نفذ من باب معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية، وهنا نرصد في الفترة التي أعقبت هذه المعاهدة مسارين رئيسيين بالنسبة لعلاقة مصر كدولة بالمقاومة وتحديدا المقاومة الفلسطينية، فبعد محاولات الرئيس الأسبق، أنور السادات، توسعة هامش المهادنة مع إسرائيل ليشمل الفلسطينيين وقيادتهم في هذه الفترة متمثلة في منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات، وهو ما كان سيعني حال قبوله تصفية القضية وقتها، لكن التباين ما بين سلوك السادات ونهجه الارتجالي المتسرع في إنجاز المعاهدة تقربا للولايات المتحدة، وبين تمسك عرفات بتحقيق حد أدنى من حق الشعب الفلسطيني وهو الانسحاب لحدود 1967 والذي رفضته تل أبيب وواشنطن، لتبدأ مفاوضات كامب ديفيد في إطار ثنائي بين مصر وإسرائيل -وهو ما أعطى لأول مرة اعترافا عربيا بالكيان ومن أكبر دولة وهي مصر- وليس العرب ومصر، أي تحول الأمر من صراع عربي- إسرائيلي، إلى صراع فلسطيني- إسرائيلي، بعدما ذهب السادات إلى مسار قُطري- وطني، وليس قوميا في مهادنته مع الكيان.

 من جهة أخرى لم يكن موقف منظمة التحرير تحت قيادة عرفات سوى تلكؤ لتحسين شروط التفاوض والوصول لحد أدنى معقول وهو دولة فلسطينية على حدود 1967 وحل الدولتين -والذي هو سقف معظم الفصائل والقوى الفلسطينية حتى الآن- وهو ما تلقفه حسني مبارك، وعمل على تسويقه لدى الأمريكيين والإسرائيليين، بإعطاء عرفات كرسي سلطة مقابل اعترافه بوجود إسرائيل ومن خلفه منظمة التحرير، وبذلك تحولت المقاومة الفلسطينية تحت قيادة ياسر عرفات وحركة فتح بسبب اتفاق أوسلو وما تلاه إلى سلطة انحدر بها الأمر إلى التنسيق الأمني مع الإسرائيليين، وهو عنوان أنيق لملاحقة المقاومين وتسليمهم للاحتلال، وتجريم المقاومة حتى بإلقاء حجر، بحسب قول رئيس السلطة الفلسطينية الحالي محمود عباس أبو مازن.

 على أن السابق لا يعني انطفاء شعلة المقاومة في فلسطين، وكذلك لم يُنه دعم مصر لهذه المقاومة، وهنا نعني الأطر الشعبية لا إدارة الدولة في عهد مبارك، التي ناهضت مقاومة إسرائيل؛ فمع ذهاب القيادة في مصر وفلسطين إلى مهادنة العدو، كانت إرهاصات ظهور أطر مقاومة في فلسطين منذ انتفاضة 1987، أبرزها حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، وتبلورها في عِقد التسعينيات وصولا إلى انتفاضة الأقصى وتبلور عدد أخر من الأطر المقاومة، وما صاحبه من تفاعل متبادل بين الأطر الشعبية المصرية وخاصة المعارضة لنظام مبارك والمقاومة في فلسطين بعد اتفاق أوسلو، أبرزها أن حركات الاحتجاج المصرية التي شكلت نواة الانتفاضة الشعبية ضد نظام مبارك كانت قد ظهرت مع انتفاضة الأقصى، وكانت أولى فعالياتها في الشارع تحت شعارات دعم المقاومة في فلسطين والعراق إبان الغزو الأمريكي، وكذلك في لبنان في حرب 2006 وما لبثت أن تضخمت هذه النواة إلى حركات ضفرت هذه الشعارات بمطالب اجتماعية وسياسية داخلية مثل حركة كفاية وغيرها، وحملات رفع الحصار عن غزة، وصولا إلى الثورة المصرية في 2011.

 وغني عن الذكر أن أسوأ مرحلة في مسألة الدولة المصرية ومقاومة الكيان الصهيوني كانت مرحلة حكم مبارك، وهو ما يفسر أن آخر أيام هذا النظام شهدت عداء صريحا للمقاومة في فلسطين أو غيرها، وإعلان استبدال العدو المفترض أنه الكيان الصهيوني بالمقاومة والشعب الفلسطيني بشكل عام، وهو ما كان متوقعا أن يتغير بعد ثورة يناير، التي شهدت الشهور القليلة بعدها بوادر رفض الشكل الحالي في العلاقات بين مصر وإسرائيل، بلغ ذروته في منتصف 2011 باقتحام السفارة الإسرائيلية وانسحاب السفير الإسرائيلي، إلا أن ذلك وقف عند هذا الحد لعاملين، أولهما سيادة خطاب أولويات داخل معسكر الثورة بأطرها وأحزابها انسحبت فيه مسألة دعم المقاومة إلى مقام متأخر، والثاني التقدير الخاطئ لحركة حماس في استعداء مطالب المصريين في 2013 الخاصة بالإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين، الذين وصلوا إلى الحكم ولم يقدموا الكثير المنتظر تجاه المقاومة في فلسطين، وخاصة عام 2012 الذي شهد عدوانا على غزة كبلت فيه المنظومة الإخوانية في مصر بندقية حماس، وفتحت الأولى باب الهدنة طويلة الأمد وربما التسوية النهائية برعاية مثلث قطر وتركيا والجماعة، أي أن ما حدث منذ 2011 إلى 2013 كان إعادة تجديد لنهج التسوية الذي فُرض في التسعينات بين مبارك وعرفات، ولكن لاعتبارات ومتغيرات إقليمية ودولية، وقف الأمر عند هذا الحد ولم يسعف الوقت جماعة الإخوان في السير في هذا المخطط المهادن للمصالح الأميركية الذي رمى لتصفية المقاومة المسلحة ضد إسرائيل بتصعيد جماعة الإخوان التي تمثل للإدارة الأميركية الحالية “الإسلام السياسي المعتدل” الذي استخدم بعد “الربيع العربي” ليكون حليفا للولايات المتحدة متجذرا في المجتمعات العربية وفي نفس الوقت إسلامي الطابع ينفي ويدحض دواعي استخدام السلاح للوصول إلى السلطة التي كان يروجها تنظيم القاعدة، ومن ناحية أخرى يدجن المقاومة في غزة ويخضعها لمعادلات سياسية تمهيدا لتوريطها في قبول تسوية.

 هنا كان الثلاثون من يونيو والإطاحة بالجماعة عاملا فارقا ليس فقط على مستوى المسألة قيد البحث، ولكن أيضا على مستوى المنطقة، فبالنسبة لعلاقة مصر بالمقاومة حُصر الأمر في متاهات سياسية وخطاب دعائي معادٍ وجد بيئة داخلية حاضنة في مصر تجمع بين الإرهاب وحركة حماس في كفة واحدة، بسبب موقف الأخيرة من الثلاثين من يونيو وانحيازها الأيدلوجي للجماعة على حساب الاعتبارات الوطنية الفلسطينية، وهو ما اضطرها إلى التعامل في النهاية مع نظام الثلاثين من يونيو سواء في عدوان العام الماضي، أو التنسيق معه فيما يخص تأمين الحدود والأنفاق إزاء متغير جديد هو الجماعات الإرهابية في سيناء وغزة، والتي يوازي خطرها على الحركة الخطر الذي يمثله للدولة المصرية وربما يفوقه.

 الخلاصة في مسألة الدولة المصرية ومقاومة الكيان الصهيوني أنها لم ترتبط فقط في بدايتها بأسباب سياسية مرحلية ناتجة عن مشروع سياسي ما أو نظام له توجهات معينة، إنما  ارتبطت بدواع وجودية متعلقة بما يمثله هذا الكيان من عقبة أمام أي نهوض لمصر، وبتحول مسار المقاومة إلى المهادنة من جانب نظام السادات- مبارك، لم يجلب سوى تراجع دور مصر خارجيا وداخليا، وفي هذه المرحلة لم يكن هناك جدية فيما يتعلق بالمقاومة في فلسطين وهذا النظام، ولكن كان هناك تماهٍ متفاوت وصل إلى حد التذيل أمام رغبات الإدارة الأميركية ومصلحتها هي وإسرائيل، وهذا كان له ردود فعل بلورت تنظيمات وأطر شعبية وسياسية رافضة لمسار المهادنة طيلة عقدي التسعينات والألفين، بشكل تفاعلي مطرد سواء في فلسطين أو في مصر، ثم بعد ذلك إلى تراجع هذه الهَبة الشعبية وخاصة في مصر بعد 2011 إلى مربع التسعينيات ومرحلة المهادنة.

واختصارا ترتبط المسألة حاليا بمعاملين: الأول هو غياب القضية الفلسطينية -التي هي أحد مفاعيل مقاومة مصر للكيان الصهيوني- عن أجندة الدولة المصرية حكومة ومعارضة وأطرا شعبية، والثاني هو تفاعل المعامل السابق مع إرادة المقاومة لدى الفصائل الفلسطينية على اختلافها وعلى رأسها السلطة الفلسطينية، أو حركة حماس المسيطرة على قطاع غزة، وهو ما يفسر أن دعم القضية الفلسطينية والمقاومة أصبح حتى على المستوى الشعبي في مصر يتم فقط وقت شن الكيان الصهيوني عدوانا على غزة وبشكل لحظي ولاعتبارات إنسانية فقط.

عن admin

شاهد أيضاً

كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى احتفال مؤتمر الكشافة العرب : قوتنا فى عروبتنا وفى قوميتنا

١/٨/١٩٥٦ أيها الإخوة: أرحب بكم فى وطنكم مصر، مصر التى بينت فى دستورها أنها جزء …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *