الرئيسية / حوارات ناصرية / جمال عبد الناصر / د. الصاوى حبيب: ماتت العدالة الاجتماعية فى مصر مع موت عبد الناصر

د. الصاوى حبيب: ماتت العدالة الاجتماعية فى مصر مع موت عبد الناصر

يتذكر..

حوار: ماهر حسن

د. الصاوى حبيب: ماتت العدالة الاجتماعية فى مصر مع موت عبد الناصر

بعد وفاة الزعيم عبدالناصر بنحو ستة عشر عامًا نقلا عن حديث أدلى به كبير أمناء الرئاسة صلاح الشاهد لمجلة “الوطن العربي”، (فى 11 يوليو 6891م) كتب صلاح منتصر فى عموده إن عبدالناصر أصيب بغيبوبة فى مطار القاهرة بعد توديعه لأمير الكويت بعد مؤتمر القمة، وذكر أن الدكتور المرافق للزعيم “الصاوى حبيب” أعطاه حقنة “أنتستين بريفين”وقد مات الزعيم على إثرها، وقال الأستاذ منتصر إن الصاوى حبيب طبيب أطفال، وقال إنه ساعة الوفاة لم يكن بين الحضور طبيب قلب فقام الدكتور الصاوى حبيب بإرسال رد على الأستاذ صلاح منتصر الذى نشر مختصرا له وعلى إثر هذا تجددت إثارة الموضوع بين الصحف فقام الدكتور الصاوى هو والدكتور منصور فايز والدكتور زكى الرملى بإرسال بيان يصحح ما أشيع من معلومات مغلوطة، كان ذلك فى 03 سبتمبر 6891 وتضمن البيان سردا تفصيليا عن وقائع وفاة الزعيم وتم تسليمه يدا بيد لمكتب إبراهيم نافع لكن الصحيفة لم تشر إليه من قريب أو بعيد، ولم تنشره أو تنشر حتى مختصرًا له، وفى إحدى القنوات الفضائية كان محمد فوزى قد أدلى بتصريح قال فيه إنه يوم وفاة الزعيم أمسك بذراع الدكتور الصاوى وقال له “استمر فى محاولات انقاذه” إحدى المجلات أيضا نشرت حديثا عن الفريق الدكتور رفاعى كامل استشارى القلب ذكرت فيه أنه كان طبيب عبدالناصر وأن عبدالناصر توفى بغيبوبة سكر وهذا يجافى الحقيقة أيضا حتى أن الدكتور رفا عى لم يحضر لمنزل الزعيم طيلة السنوات الثلاث الأخيرة من حياته، لقد أشيع أيضا أن عميد كلية العلاج الطبيعى قام بعمل تدليك لساقى الزعيم بمادة سامة أدت إلى وفاته، وهذا الرجل لم يتردد أيضا على بيت الزعيم فضلا عما أشيع عن أن المياه الطبيعية التى عولج بها الزعيم فى “تسخالطوبو” بالاتحاد السوفيتى كانت مسممة، وهذا يجافى الحقيقة أيضا فقد استخدمها بعض من مرافقيه على سبيل التجربة ولم يحدث لأحد منهم شيء. أيضا الروائية المهاجرة “أهداف سويف” كان قد تضمن أحد كتبها بالإنجليزية إشارة إلى وجود خمسة أطباء حول الرئيس ساعة الوفاة ذكرتهم بالاسم فى حين لم يكن حوله سوى ثلاثة أطباد فقط وهذا جميعه ذكرناه لطبيب الرئيس وصاحب كتاب “مذكرات طبيب عبدالناصر” الدكتور الصاوى حبيب الذى كان ملازما لعبدالناصر فى السنوات الحرجة الأخيرة من حياة الزعيم منذ عام النكسة وحتى لحظة الوفاة، بيد أنه عمل كطبيب للرئاسة منذ عام 4691.. ووقفتنا هذه مع الدكتور الصاوى لم تقتصر على مجرد تصحيح الشائع من المعلومات المغلوطة وإنما امتدت هذه الوقفة الممتعة والغنية للحديث عن الزعيم الإنسان وأبرز ملامحه وأبرز مقومات الزعامة. { نتحدث أولا عما ذكره كبير الأمناء صلاح الشاهد؟ }} فيما يتعلق بهذا الشأن، قمت بتصحيح ما ورد فى هذه التصريحات ورفعت قضية استغرقت سنوات طويلة وجاء الحكم لصالحى بتعويض لم أحصل عليه.. إلى أن توفى السيد صلاح الشاهد رحمة الله عليه. { لقد ذكر أنك طبيب أطفال؟ }} هذا خطأ من السهل إثبات صحته، فأنا لست طبيب أطفال، ومن الجائز أن يكون قد اختلط عليه الأمر لأن الطبيب الذى سبقنى فى خدمة الزعيم عبدالناصر منذ بدايات الثورة كان طبيب “باطنى وأطفال” فأنا متخصص فى الأمراض الباطنة والقلب والجراحة ولا علاقة لى بطب الأطفال وما لدى من أوراق يثبت هذا بسهولة. {وماذا عن غيبوبة السكر التى قال إنها داهمت الزعيم فى المطار إثر توديعه أمير الكويت؟ }} هذا زعم من السهل الرد عليه، فالزعيم لم تداهمه هذه الغيبوبة فى المطار، وهذا إذا كان حدث لنقلناه على الفور لأقرب مستشفى للمطار، فضلا عن عشرات من الحضور فى المطار آنذاك فى توديع أمير الكويت وجميعهم شهود، وكل ما حدث أنه شعر بإرهاق وهو فى المطار. { وماذا عن حقنة “أنتسيتين بريفين” الذى ذكر كبير الأمناء أنك أعطيتها للزعيم وقد توفى على إثرها؟ }} هو قال هذا فعلا، وهو لا يعلم أن “أنتستين بريفين” نقط للأنف وليس حقنا وما أخذه الرئيس كان حقنة للقلب كما أنه لم يتوف على الفور وإنما توفى بعد ذلك بنحو ساعتين، وعند وصولنا بيت الرئيس فحصته ثم جاء الدكتور منصور فايز ثم الدكتور زكى الرملى، كل هذا استغرق ساعتين توفى بعدهما الرئيس، روايات مغلوطة، وأظن أننى حرصت فى كتابى أن أسجل الوقائع كأخبار باليوم والشهر والسنة فلقد تحريت الدقة حتى لا يقوم أحد فى يوم من الأيام بالاجتهاد، وتلاحظ أننى حينما أردت ذكر آراء فقد خصصت فضلا عن علاقة مرض السكر بأمراض القلب.. وما أذكره عن ساعات ما قبل الوفاة أن العرق على جبهته كان باردا وكان لونه شاحبا و نبضه خيطيا وسريعا، وضغطه منخفضا جدا وما أصابنى بالخوف والهلع أن أطرافه كانت باردة وهذه كانت علامة سيئة وهى علامة وجود صدمة قلبية حيث تتعطل حوالى 04% من عضلات القلب فيضعف عمل القلب كمضخة. { وهل الرواية عن عدم وجود طبيب قلب ساعة الوفاة صحيحة؟ }} لقد كان معى دكتوراة فى الأمراض الباطنية ودبلومة أمراض قلب.. فهل أنا طبيب قلب أم لا ثانيا الدكتور زكى الرملى طبيب قلب أم لا؟ “ده كان رئيس قسم أمراض القلب”. كما أن الدكتور منصور فايز متخصص فى أمراض باطنة وقلب يعنى ثلاثتنا أطباء قلب وجميعنا كنا حاضرين وعلى هذا فإننى أفند رواية السيدة “أهداف سويف” التى أشرت إليها حيث إننا كنا ثلاثة أطباء ولم نكن خمسة وأذكر أننا بعد محاولات إنقاذ وتنشيط للقلب والتدليك خرجت بعد الوفاة. وبعد تأكدنا أنه لا فائدة من أية محاولات، وكون أن أحدا ما قد دخل الغرفة بعد ذلك أو من دخل ومن خرج فهذا ما لا أعرفه. { هذا ينفى ما تردد عن أن محمد فوزى أمسك بيدك وقال لك لابد أن تفعل شيئا لانقاذ الرئيس. }} “ولا شفته” ربما جاء بعد الوفاة لقد جاء من جاء.. مثل الأستاذ هيكل والسيد سامى شرف ولا أذكر أسماء من جاءوا بعد ذلك. { كان الزعيم عبدالناصر قبل وفاته بدقائق قد أراد سماع خبر ما عبر نشرةأخبار الخامسة وما أن سمعه.. حتى قال لك “أنا استريحت يا صاوي” وفارق الحياة كيف تستعيد هذا المشهد. }} نعم.. فبعدما حضر من ا لمطار مرهقا وفى حالة صحية سيئة.. وظللنا إلى جواره وقمنا ببعض الإسعافات تحسن قليلا ثم استند بظهره إلى السرير، وفتح الراديو وكان يتحدث مع الدكتور منصور فايز الذى طلب منه أن يذهب إلى الجبهة فقال له أن يكلم أحد الوزراء ثم استند إلى السرير وفتح الراديو فقلت له “ياريت سيادتك يا أفندم تستريح أحسن” فقال لى إنه ينتظر سماع خبر من الإذاعة وبعد أن استمع للنشرة قال لي: “أنا استريحت يا صاوي”.. ثم مالت رأسه جانبا وفارق الحياة عند الخامسة والثلث تقريبا. { وما الخبر الذى كان ينتظره؟ }} لا أعلم ولا استطيع أن أخمن. { وماذا عما قيل إن المياه الطبيعية التى تم علاجه بها فى “تسخالطوبو” أنها مسممة؟ }} هذا كلام غير دقيق لعدة أسباب أذكر منها أننى من قبيل الفضول والتجريب جربت هذه المياه أنا وشخص آخر مرافق لنا.. ثانيا لأن الأطباء الروس كانوا يحبون عبدالناصر جدا، وعلى رأسهم وزير الصحة، والدكتور شاذوف، وكانوا مهتمين به جدا وأذكر أننا كنا نحو خمسة عشر طبيبا مصريا وروسيا مجتمعين على المائدة وجميعهم من كل التخصصات حتى أن القرار بخضوع الرئيس للعلاج الطبيعى اتخذ بعد اجتماع نحو اثنى عشر طبيبا فى منزل سكرتيره السيد محمد أحمد وكان الاجتماع بقيادة محمود صلاح الدين الذى كان يتمتع بمكانة خاصة لدى الرئيس عبدالناصر، حتى أن الزعيم كان يترك له الموعد الذى يحدده كما يشاء وكان معنا الدكتور منصور فايز ووافقنا على العلاج الطبيعي { أنتم كتبتم البيان الذى يرد على مزاعم صلاح الشاهد فمن أرسله للأهرام؟ }} حاتم صادق.. وقد كتب هذا البيان كل من الدكتور منصور فايز والدكتور زكى الرملى ووقعت معهما على صحة هذا البيان لكنه لم ينشر وحاتم صادق هو الذى دفع بالبيان لمكتب إبراهيم نافع. { وماذا عما ذكره محمد على إبراهيم عن أن الرئيس عبدالناصر كان مصابا بالسكر البرونزى. } السكر نوعان، أحدهما يصيب صغار السن نتيجة عدم قدرة البنكرياس على إفراز الكمية الكافية من الأنسولين الكافية للجسم، وهذا نجده لدى الأطفال أما النوع الثانى الذى يصيب الكبار فالبنكرياس يفرز الأنسولين لكن الجسم غير قادر على الاستفادة منه استفادة جيدة وهم يصفون هذا بمقاومة الأنسولين وهذا هو النوع الذى كان عبدالناصر مصابا به، أما السكر البرونزوى فهو عبارة عن تراكم الحديد فى الجسم، فتراكمه فى البنكرياس يصيب بالسكر وفى المخ يتسبب فى العته، وفى الكبد يحدث تليفا، وفى الجلد يجعل لونه برونزيا وعبدالناصر لم يكن مصابا بهذا وهذا مثبت بالتحاليل، وهذا يتنافى مع ما ذكره محمد على إبراهيم. { وماذا عما قيل بشأن ما تعرض له عدالناصر من تدليك بمادة سامة؟ }} أنا لم أر هذا الرجل عميد معهد العلاج الطبيعى ولم يدخل أحد على الزعيم عبدالناصر دون أعرفه اعتبارا من يوليو 7691 م إلى أن توفى فكل من دخل عليه من أطباء أعرفهم جيدا كما سافرت معه فى كل السفريات خلال هذه الفترة. { هل تذكر ملابسات أول لقاء جمعك بالزعيم عبدالناصر حينما كان فى الطريق من الإسكندرية إلى مديرية التحرير عام 4691 وكان بصحبته المشير عبدالحكيم عامر؟ }} نعم. كان هذا فى شهر مايو، وكان الرئيس خروتشوف قادما فى زيارة لمصر، وكان ضمن برنامج زيارته أن يقوم بافتتاح مزرعة نموذجية فى مديرية التحرير كان قد ساهم الاتحاد السوفيتى فى استزراعها كهدية لمصر، وهذه كانت أول مرافقة لى للرئيس فى ركبه الذى تحرك من الإسكندرية عبر الطريق الصحراوى وكنت استقل سيارة الحراسة بمصاحبة بعض الضباط وكان معى المصور الخاص للرئيس الأستاذ حسن دياب ـ رحمة الله عليه ـ وكان الجو شديد الحرارة، وبعد أن قطعنا نصف المسافة تقريبا توقفت السيارات التى كانت تسبقنا فى هذا الموكب ثم نزل السيد محمد أحمد سكرتير الرئيس واتجه نحو السيارة التى أنا فيها وطلب منى مرافقته ومعى حقيبتى الطبية إلى سيارة الرئيس إذ شعر بهبوط وأصيب بغثيان وتصبب منه العرق، فقمت بالكشف عليه وأعطيته الدواء اللازم ونصحت الرئيس بأفضلية الرجوع إلى استراحة برج العرب وطلبت من محمد أحمد ابلاغ الدكتور ثروت لمقابلة الرئيس عند عودته لبرج العرب. { كيف تصف احساسك عندما قابلته وجها لوجه فى هذه المرة حينما وقعت عليه أول كشف طبي؟ }} كما قلت لك إن الركب وقف فجأة وجاء إلى السيد محمد أحمد.. وسألنى قائلا شنطتك معاك؟ قلت نعم فمال على وهمس فى أذنى قائلا: “الريس فاجأه التعب.. تعال اكشف عليه” فكان الموقف صعبا جدا بالنسبة لى، فأنا كمواطن أذكر أن شعر رأسى “وقف” حينما سمعت بطرد الملك فاروق، وأنا كمواطن عادى أقرأ فى الصحف عن “إلغاء الألقاب” وكمواطن بسيط قرأت عن صفقة السلاح التشيكية وكمواطن عادى أصبحت ذات يوم فوجدت هذا الرجل يعترف بالصين الشعبية “رغم أنى لا يسارى ولا حاجة خالص” وأنا كمواطن كاد يغمى على وأنا استمع لخطاب ناصر وهو يؤمم القناة متحديا الغرب كله ورغم أننى كنت قد أصبحت طبيبا فى رئاسة الجمهورية لكننى لم أكن أتصور أننى سأقابل هذا الرجل الاسطورة بل وسأوقع الكشف الطبى عليه فماذا سأقول له وكيف سأتعامل معه، وبعدما تأملته قليلا سألته: سيادتك حاسس بإيه” فقال لى إنه يشعر بالدوار وأن حالة غثيان انتابته فعرفت أنها أعراض نقص سكر، فأعطيته دواء لتهدئة حالته وقلت له: “سيادتك تكرم مشكورا بالرجوع إلى برج العرب فهذا أفضل لسيادتك الآن.. فإذا به يستجيب على الفور وإذا بكلمتى هذه تجعل الركب كله يقفل عائدا مستجيبا لنصيحتى. { ما الشخصيات التى مازلت تذكرها منذ فترة عملك كطبيب للرئيس } شخصيتان الأول هو السيد محمد أحمد سكرتير عبدالناصر والأستاذ حسن دياب المصور الخاص للرئيس، أما حسن دياب فأقول عنه إنه كان “رجل حقانى بطريقة متزمتة” حتى إن كل صور الرئيس كان يمد بها الصحف مجانا، وكان رجلا شديد الاستقامة وأذكر أن الرئيس عبدالناصر يلاحظ غياب حسن دياب إذا حدث ذلك، بل حدث ذلك ذات مرة بالفعل حينما سافر فى زيارة لسوريا، وفوجئ حسن دياب أنه غير مدرج فى قائمة المصاحبين للرئيس فصمت ولم يعلق ولم يشك، فلما وصل الرئيس ومرافقوه إلى سوريا لاحظ عبدالناصر غيابه فسأل عنه فقالوا إنه لن يحضر، وفورا فى أول طائرة مصرية تهبط سوريا بعد الرئيس كان حسن دياب على متنها بأمر الرئيس. وكان حسن دياب مخلصا جدا فى عمله الرسمى فقد كان متفرغا له وليس له عمل خاص آخر كمصور رغم احترافه وخبرته، وأذكر أن أحد ممثلى الوكالات الألمانية طلب منه مجموعة من الصور للرئيس فسلمها له وعندما حاول الصحفى دفع مقابل هذه الصور رفض حسن دياب إلا أن المراسل أخبره أنه تم صرفها على نحو رسمى وسويت هذه النفقات فطلب منه الأستاذ أن يرسل بقيمتها مستلزمات قسم التصوير فى الرئاسة إذا لم تكن هذه المستلزمات متوفرة فى مصر، وأذكر فى هذا المقام.. مدى اهتمام عبدالناصر بحسن دياب وتقديره له، فقد أقام حسن دياب معرضا لمجموعة من الصور التى التقطها للرئيس، ووجه الدعوة للزعيم لافتتاح المعرض إذا ما سمح له وقته بهذا، وكان المعرض مقاما فى سكرتارية الرئاسة فى مواجهة بيت الرئاسة، وإذا بحسن دياب يفاجأ بعبدالناصر يعبر الطريق ويذهب إليه ليفتتح المعرض. { لم تحدثنا عن محمد أحمد؟ }} لقد كان هذا الرجل شديد الشهامة والمروءة وكان خدوما جدا ومن أنبل من رأيت من الشخصيات ـ الله يرحمه. { كان عبدالناصر شديد الملاحظة. فهل من موقف يدلل على هذا؟ }} الحقيقة هناك أكثر من موقف أذكر أننا حينما كنا فى “تسخالطوبو” فى الاتحاد السوفيتى لاحظ أن أحد المرافقين ظل حريصا على أن يكون على مقربة منه وهو محمود الجيار فلما لاحظ هذا قال للروس: هل تعرفون لماذا يحرص الجيار على أن يكون على مقربة منى دائما؟ فسألوه عن السبب فقال لهم لأنه رشح نفسه فى الانتخابات البرلمانية المقبلة فى مصر، ويريد أن يستثمر هذه الصور فى حملته الانتخابية. وأذكر أيضا أننى حينما أردت أن ألفت نظره على مرور عام على بدء العمل معه فى 21 يوليو 8691 رد قائلا إن أول مرة قابلته فيها كانت فى مايو سنة 4691 على الطريق الصحراوى “التى ذكرتها لك”، كما كان يتمتع بذاكرة فوتوغرافية وكنت قدمت له تقريرا صحيا يتضمن توصيفا لحالته وما يتعين عليه أن يراعيه من توقف عن التدخين وغير ذلك فتصفح التقرير فى حوالى دقيقتين وبعد ثلاثة أشهر نصحه أحد الأطباء الأجانب بالإقلاع عن التدخين لأنه يضر بشرايين ساقيه فإذا بالرئيس يقول له فى حضورى “ما هو الدكتور صاوى قال لى الكلام ده فى التقرير بتاعه منذ ثلاثة أشهر” فاندهشت، وأذكر واقعة ثالثة حينما كان الدكتور منصور فايز موجودًا عنده فى بيت الرئاسة ودق جرس الهاتف فإذا به أنور السادات الذى كان يمر بوعكة صحية وتحدث معه الرئيس عبدالناصر على التليفون فقال له “الدكتور منصور فايز عندى دلوقتى خد كلمه ورتب معاه موعد ليزورك”، وأعطى الهاتف للدكتور منصور وتحدث معه السادات وعرف عبدالناصر من المكالمة أن السادات حدد موعدا مع الدكتور فايز فأخذ من الدكتور منصور الهاتف قاطعا المكالمة وتحدث مع السادات قائلا له يا أستاذ أنت مش عارف إن الدكاترة دول عندهم عيادات ولها مواعيد ومعنى إنك تطلب منه الحضور الساعة السادسة إنك بتقطم وسط العيادة حدد له موعد قبلها أو بعدها. وكان الزعيم يعرف مواعيد عيادة الدكتور منصور وهذه لماحية شديدة جدا، واقعة رابعة أذكر أنه ذات يوم حدد لى موعدا وكان فى السابعة مساء فإذا بهم يتصلون بى ويغيرون الموعد من السابعة إلى السابعة إلا الربع، فاندهشت لاهتمامهم بهذا التغيير الطفيف، فأنا بطبيعتى أذهب قبل موعدى بقليل فلما سألت الرئيس قال لى إنه كان لديه موعد مع رئيس وزراء السودان وقال لي: “لو أنت جيت الساعة 7 ووجدتنى منشغلا مع ضيف ماذا ستفعل؟” قلت له: “استني” فقال: “ولازمته إيه” هو أنت مش وراك مواعيد أنت كمان ووراك عيادة؟”. { كيف تصف لنا علاقة الأستاذ هيكل بالزعيم عبدالناصر؟ }} لن أصف لك علاقته به، لكن سأصف لك مشهدا رأيته، أننى كنت أرى الأستاذ جالسا بصحبة الزعيم على طبيعته وبحرية، يضع ساقا على ساق ويدخن سيجارة، وكان الأستاذ هيكل أكثر شخص يتحدث معه الزعيم هاتفيا، وكان الزعيم يتعامل معه كصديق وموضع ثقة. { كنت حاضرا فى موقف مهم وهو انتحار المشير عبدالحكيم عامر، بل إنك حاولت انقاذه، فما الذى تذكره عن ذلك اليوم؟ }} هذا كان موقفا صعبا بالنسبة لى وهناك يومان لا يمكننى نسيانهما وهما يوم انتحار المشير عامر، واليوم الذى اكتشف فيه الجلطة القلبية الأولى للرئيس عبدالناصر فى 11 سبتمبر 9691 وكانت بلا ألم وتأكدت منها بالتشخيص ورسم القلب وهذا يوم لا أنساه، لكننى تماسكت لأن من الممكن أن يعيش من تعرض لها عشر سنوات بعد حدوثها، أما الجلطة الثانية فهى علامة الخطر الحقيقية، وأذكر بعد اكتشافى الجلطة أن الدكتور منصور فايز قال لي: “أنا عايز دكتور قلب فقط” فرشحت مجموعة من أسماء رفضها ثم قال لى “هات الدكتور محمود صلاح الدين” فحضوره للقاهرة لن يثير الشكوك، أما عن انتحار المشير فأذكر أنه فى ذلك اليوم جاء إلى بيت الرئيس، وتم التحفظ على الحرس المرافق له، وصوت الحاضرين كان عاليا، فى الدور الأرضى فلما هممت بالانصراف من السكرتارية فإذا بالسيد محمد أحمد يقول: “تروح إيه ما تخليك معانا ما إحنا سهرانين” وهممت بالدخول لإحدى الغرف لأنام فوجئت برئيس الحرس يقول لي: “تعال قوم بسرعة.. المشير عامر انتحر” وكان عمرى ـ آنذاك ـ حوالى 53 أو 63 سنة فلما قابلنى ذكريا محيى الدين قال لى إن المشير دخل الحمام. وخرج المشير وهو يقول عبارة لا أذكرها على وجه الدقة قال تقريبا: “مفيش فايدة” فقمت بإعطائه حقنة لكى يتقيأ.. لكنه قاوم بشدة.. وكان السادات جالسا، وحسين الشافعى الذى قام وأمسك به بقوة وأعطيته حوالى ثلاث أو أربع حقن فأخذ يتقيأ، فأطمأننت بعض الشيء، خاصة حينما هدأ الموقف وأصبحت الأمور طبيعية، والمشير شكله طبيعى ووجدت السيد أمين هويدى يهبط من الطابق الثانى، حيث كان الرئيس موجودا ولم أره قال السيد أمين هويدى “أى شيء تحتاجه من أجل المشير اعمله.. إذا كان أدوية أو تستدعى له أطباء.. فطلبت نوعا من الدواء.. لكن شيئا لم يحل دون موت المشير، وكان الرئيس عبدالناصر قد سألنى فى صباح اليوم التالى عن اسم السم الذى تناوله المشير فقلت له: لا أعرف. { كيف تستدعى روح وسيرة عبدالناصر فى الظرف الذى نمر به الآن؟ }} فى هذا الظرف نحن نحتاج للأمانة فى التعامل وشيء من العدالة الاجتماعية، وأى أخطاء يمكن أن نغفرها إلا عدم الأمانة، وأرى أن أعداءنا قد تمكنوا منها، وأقدارنا أصبحت فى يد غيرنا. ولو العرب متحدون ما كان ليحدث أن يتمكن منا الأعداء، لقد كانت لمصر والعرب كرامة فى عهد عبدالناصر، وأعداؤنا قسموا العراق لثلاثة دول وفلسطين لدولتين، وحسن نصر الله هو الوحيد الذى استطاع التصدى والتحدى فى مواجهة إسرائيل، لقد غاب دور مصر فى غياب عبدالناصر وأعود لأقول إن العدالة الاجتماعية أصبحت منعدمة وبعدما كنا نقرأ إعلانات عن شقق لمتوسطى ومحدودى الدخل أصبحنا نقرأ إعلانات عن مدن سياحية. { نريد تعليقا تلغرافيا على كل طبيب على حدة ممن كانوا حول الرئيس عبدالناصر وأبدأ بالدكتور محمد الظواهري؟ }} هل تعرف.. أنا ذات مرة حصلت منه على “فلوس” ورفضت أن أنفقها وتحفظت عليها لأنها كانت مصدر بركة، الدكتور الظواهرى يكتب روشتة يمكن أن يكتب مثلها طبيب غيره لكن روشتته “فيها الشفاء” أنا طبيب وبقولك كده” لقد كان العرب يتصلون بى من بلدانهم لأحصل لهم على موعد معه. { الدكتور على المفتي؟ }} كلنا كنا نحبه وعبدالناصر كذلك؟ { منصور فايز }} رجل نبيل جدا و”جدع جدا” { زكى الرملي؟ }} عالم { ناصح أمين }} تصور أن الرئيس عبدالناصر أرسل له مالا مع محمد أحمد ورفض أن يأخذه.. وقد أرسل له الرئيس هذا المال لأنه يعلم أنه كثير السفر للخارج. { أحمد ثروت }} محبوب من الجميع.. تقدم له طبيبان للعمل فى الرئاسة أحدهما من طرف شمس بدران والآخر من طرف والد الرئيس.. فاختارنى وأصر على. { كمال الدين محمود عبيد؟ }} العمدة بتاعنا ومازلنا نعالج عنده، ولقد كان طبيب أسنان عبدالناصر والسادات والرئيس مبارك

بورتريه

رغم ميل الدكتور الصاوى لاعتزال الأضواء وتجنبه كل ما يقال ويكتب ومواجهته بالصمت إلا أنه وجد نفسه مدفوعا للرد على المزاعم المتعلقة بوفاة الزعيم عبدالناصر خاصة أن كثيرا مما يكتب عن سبب وفاة عبدالناصر قد تضمن اسمه ووجد نفسه ووجد حق الرد ملحا عليه، بمنطق جمال عبدالناصر إذا فرض علينا القتال سنقاتل، فآثر رغم محاولاته المتفرقة فى الرد شفاهة أو كتابة فوجد أنه من الأفضل أن يرد على كل الأقاويل والمزاعم دفعة واحدة فى شكل توثيقى فكان كتابه “مذكرات طبيب عبدالناصر” الصادر عن هيئة الكتاب الذى فند كل المزاعم علميا وعمليا وطبيا، ولكى يفعل هذا أراد أن يقدم أولا أوراق اعتماده لدى القارئ وهى أوراق اعتماد تمثل تراكما بيانيا لمجمل خبراته النظرية والعملية والميدانية كطبيب متخصص وجمع بين الباطنة والجراحة بين العمل الميدانى والتدريس، فجاء هذا الكتاب الذى لم يقتصر على مجرد التصحيح والتفنيد والتفسير الطبى الصحيح، وإنما جمع فى ثناياه نثارا وشذرات للسيرة الذاتية للدكتور الصاوى، منذ الميلاد وحتى وقتنا الراهن وهذه السيرة كما علمنا تبدأ بميلاد صاحبها فى طنطا لوالد يعمل تاجرا للأقمشة، ولم يقل لنا الدكتور الصاوى موعد الميلاد، لكن رغم أن طنطا كانت مدينة المنشأ فإن المنوفية كانت مقر ومقام الأسرة وفيها ورث عن أسرته قطعة أرض كان يداوم على زيارتها وتفقدها غير أن القاهرة كانت المستقر النهائى لصاحب السيرة وأصبحت الموطن منذ حصوله على الثانوية، ولأنه تمنى منذ طفولته أن يكون طبيبا لما يحظى به الطبيب من احترام اجتماعى فالتحق بالطب وأمضى إعدادى الطب فى الإسكندرية ثم حول أوراقه إلى جامعة القاهرة ولحصوله على درجات مرتفعة أمكنه أن يحصل على نصف مجانية تعليم ولما تخرج فيها عام 2591 أمضى سنة الامتياز بين الأمراض الباطنة والجراحة ثم تم تعيينه نائبا للجراحة بالشئون الاجتماعية وعمل فى قنا ثم نجح فى التحويل إلى نائب جراحة بوزارة الأوقاف فى القاهرة وتناوب عمله بين مستشفى الجلاء وأحيانا الخازندارة بشبرا وبعد نقله إلى أحد مستشفيات الدقهلية تقدم بطلب للالتحاق بالقوات المسلحة وتم قبوله فى المرة الثانية برتبة ملازم أول طبيب فى مارس 6591 ورغم التحاقه بالكلية الحربية فى مارس، وكان موعد امتحان دبلوم الجراحة فى أبريل ولأنه كان فى المستشفى آنذاك محجوزا لعلاج أنفه فكان يبيت فيها ليلا حتى مرور الأطباء فى الصباح ثم يقضى النهار كنزيل فى أحد فنادق العتبة لكى ينكب على الاستذكار وأمكنه الحصول على الدبلومة وتم نقله إلى مستشفى السويس العسكرى كجراح و لم يمض على وجوده فيها أكثر من خمسة أشهر ثم وقع العدوان الثلاثى فى 92 أكتوبر 6591 وفى الحادية عشرة صباحا تم استدعاؤه لغرفة العمليات مع وصول حالات مصابة بشظايا القنابل ولم يغادرها حتى ساعة متأخرة من الليل، وبعد قضاء عامين فى مستشفى السويس العسكرى صدرت الأوامر بنقله ليس إلى القاهرة كما هو مفروض ولكن إلى مستشفى الميدان الأول بالسويس ونفذه الدكتور الصاوى وهو مستشفى لا يعمل إلا فى حالات الحرب فكان الوقت متاحا له لكى يدرس جراحة المسالك البولية استعدادا لدخول دراسة دبلوم فيه، وكان الصاوى هو قائد ثانى المستشفى وأمكنه ـ آنذاك ـ أن يحصل على الدبلوم فى 8591 فبدأ يفكر فى الخطوة الثالثة وهى الحصول على دبلوم جراحة العظام، توطئة للحصول على كبرى شهادات التخصص فى الجراحة العامة وهو ماجستير الجراحة العامة فى ذلك الوقت، وظل عاكفا على هذه الدبلومة إلى أن انتهت فترة خدمته بالسويس بعد ثلاث سنوات نقل إلى مستشفى الحلمية العسكرى بالقاهرة، فلما علم أن أحد زملائه الذى كان يعمل طبيبا فى الحرس الجمهورى قد سافر فى بعثة لانجلترا وكان حاصلا على دبلوم جر احة، فتقدم الدكتور الصا وى للدكتور أحمد ثروت مدير القسم الطبى برئاسة الجمهورية طالبا انتدابه للعمل بدلا من الطبيب الذى سافر للبعثة، وتم انتداب الدكتور الصاوى، وكان العمل محدودا وهادئا ومتنوعا ومشوقا حيث الكشف على المرضى من جنود وضباط وموظفين يعملون بالرئاسة، ومرافقة رئيس الجمهورية فى تنقلاته الداخلية بالتناوب مع اثنين من الزملاء وبالإضافة إلى هذا العمل الروتينى كان العمل يشمل حضور المآدب والحفلات والاحتفالات الرسمية لمواجهة أى طوارئ طبية أولا، وثانيا التأكد من سلامة الأغذية والمشروبات ويدخل فى هذه الاهتمامات أيضا مرافقة كبار الزوار من ملوك ورؤساء إلى أن أصبح طبيب الرئيس.  

عن admin

شاهد أيضاً

عبد الناصر و طعام القشلاق

كتب : حسن هيكل يحكي خالد محي الدين في لقاء الاربعاء بحزب التجمع في نهايه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *