الرئيسية / حوارات ناصرية / جمال عبد الناصر / كتاب ناصر .. حياته وعصره ـ لقاء الفرد واللحظة التاريخية ـ تأليف :آن الكسندر

كتاب ناصر .. حياته وعصره ـ لقاء الفرد واللحظة التاريخية ـ تأليف :آن الكسندر

عرض ومناقشة: محمد الخولي
الحلقة الاولى

قرأ بسمارك وغاريبالدي والإسكندر الأكبر في صباه، رواية «عودة الروح» خلبت لب الفتى جمال عبد الناصر

تأليف :آن الكسندر

وقد جعل الأسلوب الذي اتبعته المؤلفة في وضع الكتاب والمتسم بالإيجاز والوضوح ومنهجها المتميز بمنظور فريد هو: الفرد واللحظة التاريخية ـ جعلا منه مصدراً لا غنى عنه للغربيين في استقاء المعرفة الأساسية ليس فقط عن فترة حكم عبدالناصر وإنما أيضا عن التاريخ المعاصر لمصر والعالم العربي.

هذا الكتاب هو أحدث الكتب الصادرة عن جمال عبدالناصر، وقد تولت نشره الجامعة الأميركية في القاهرة وكأنما تؤكد أن الزعيم العربي الذي كان بالتأكيد خصماً لأميركا وللغرب بحكم انحيازه الطبيعي لمصالح وقضايا أمته العربية، لا يزال ـ رغم هذا كله ـ يستحق الكتابة عن سيرته ومنجزاته وأيضا عن اجتهاده وأخطائه شأن كل قائد وكل إنسان.

وكم أحسنت مؤلفة الكتاب عندما اعتمدت في منهج الكتابة عن الرجل منظوراً مزدوجاً، ومؤلفاً من شقين أو خطين يتوازيان أحياناً ثم يتلاقيان في كثير من الأحيان. الخط الأول هو السيرة الذاتية والملامح والسمات المتفردة لجمال عبدالناصر.الخط الثاني هو العصر الذي عاش فيه والظروف التي شهدت ورافقت مراحل تكوينه وتعليمه وتثقيفه وتدريبه ثم انخراطه في سلك العمل الوطني ومن ثم بروزه كمفجر لثورة وطنية ما لبثت أن اكتسبت ـ موضوعياً ـ أبعادها القومية لتؤثر على أمة بأسرها.

ويلخص هذا كله العنوان الفرعي لهذا الكتاب الذي اختارت له المؤلفة عبارة تقول فيها: ناصر، حياته وعصره.المؤلفة «آن الكسندر» صحافية انجليزية، وباحثة متعمقة ومتخصصة في قضايا الشرق الأوسط بعامة، وقضايا العالم العربي على وجه الخصوص، ويعينها على ذلك إجادتها للغة العربية وخبرتها وممارساتها التي تجمع فيها بين الكتابة الصحافية والأعمال الإذاعية، وهى تكتب في دورية «ميدل إيست انترناشيونال» كما عملت على مدار السنوات الثلاث الأخيرة في إعداد البرامج الثقافية الخاصة بالمنطقة لصالح هيئة الإذاعة البريطانية.

ميزتان بارزتان تتحلى بهما مؤلفة هذا الكتاب.أولاً: وعلى الرغم من أنها كاتبة وصحافية وباحثة بريطانية، إلا أن الانجليزية بوصفها لغتها ـ الأم، لم تحل بينها وبين أن تتعلم العربية، بل إنها تجيدها إلى حد مرموق من إتقان اللسان العربي وتدريب الذائقة اللغوية لدرجة كبيرة. فهي تقول على إحدى صفحات هذا الكتاب إنها قرأت فقرات من خطب ألقاها عبدالناصر أو تصريحات أدلى بها في هذه المناسبة أو تلك، قرأتها في ترجمتها الانجليزية، ولكنها لم تكن راضية عن الترجمة المنشورة، لماذا؟

لأن الترجمة في رأي مؤلفتنا لم تكن تفي عبدالناصر حقه من حيث نصاعة التعبير أو جزالة العبارة أو جاذبية الإيقاع اللغوي، قوة الأسر كما يقول العالمون بالموسيقى العربية.ولم يكن غريباً أن تبادر المؤلفة إلى إعادة ترجمة خطب أو تصريحات عبدالناصر فتضفي على تراث الرجل ما يليق به من رونق وجاذبية وتأثير. وكأنما كانت تستدعي ذكريات مرحلة عايشها الزعيم مع الملايين من جماهير أمة العرب وكان يتواصل معها من خلال ما يحكي وما يقول وعبر السدود والساحات والحدود.

ثانياً: إننا نلاحظ عبر صفحات الكتاب ذلك الحس المرهف عند المؤلفة بسياق التاريخ. إنها لا تكتب عن عبدالناصر الفرد ولا الحاكم ولا حتى رجل الدولة أو الزعيم العربي ـ الأفريقي، إنها تكتب عن ناصر في سياق عصر جاء منه وعاش فيه ثم عصر بدأ يتشكل بعد رحيله، وهى تنسج من هذا كله ضفيرة فكرية وسياسية تستند إلى خلفية التاريخ العربي الحديث ـ في مصر بالذات ـ وهى خلفية ترجع فيها المؤلفة إلى الجذور التي تتقصاها في زمن محمد علي الكبير (حكم مصر في إطار مشروع تحديثي عربي بين عامي 1805 و1848).

الملاحة في محيط عبدالناصر

بهاتين الميزتين أو بالأدق هذين المجدافين استطاعت المؤلفة «آن الكسندر» أن تمخر عباب الموضوع الذي اختارته لكتابها عن ناصر أي حياته وعصره. ومنذ الصفحات الأولى من الكتاب تتبدى لنا كقارئين تلك الوشيجة التي آثرت آن الكسندر أن تغزلها بين الرجل وزمانه وها هي تختار عنواناً لأول فصول الكتاب تربط فيه بين طفولة عبدالناصر وبين تداعي الامبراطورية البريطانية، والعنوان له دلالة تقول ببساطة: إن بداية ناصر كانت متزامنة بصورة أو بأخرى مع نهاية الامبراطورية التي لم تكن تغرب الشمس عن أرضها وممتلكاتها في قارتي آسيا وأفريقيا.

في هذا الإطار لنا أن نلاحظ مثلا أن عبدالناصر ولد بعد 70 يوماً من صدور وعد بلفور الشهير الذي أدى إلى زرع الجسم الصهيوني الغريب والمغتصب في قلب الأرض العربية وكان ـ كما هو معروف ـ بداية مأساة شعبنا الفلسطيني واندلاع شرارة الصراع التاريخي المرير بين العرب ونظام الاستيطان العنصري الصهيوني المتجسد في إسرائيل. في هذا الإطار أيضا تتوقف المؤلفة الإنجليزية عند مرحلة الشباب الأولى 18 سنة في حياة الفتى عبدالناصر، وقتها تم توقيع معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا.

وفيما حصلت مصر على استقلال سياسي وحصلت بريطانيا على وثيقة أضفت شرعية مضمونة على وجودها في مصر كدولة احتلال وطرف أصيل وفاعل وبالغ التأثير في تحريك السياسة والحكم في القاهرة التي أصبح يقال إن أقدارها تدار من الحجرات الوثيرة الفارهة في قصر عابدين حيث الملك فاروق وقصر الدوبارة (حيث السفير البريطاني المسنود بقوات الاحتلال).وفيما كان فاروق سليلاً لأسرة محمد علي التي حكمت مصر منذ عام 1805 تحت ألقاب (الوالي والخديوي والسلطان والملك) كان السفير البريطاني وممثل الدولة ـ الامبراطورية التي بدأت احتلالها لوادي النيل منذ عام 1882.

هو الحاكم الفعلي، تقول مؤلفة الكتاب: بعد أن احتلت القوات البريطانية مدينة الاسكندرية عام 1882، شغلت مصر مكانة مرموقة في الاقتصاد الامبريالي البريطاني بفضل القطن حيث كان الزراع على ضفاف النيل يزودون بالقطن الخام مصانع النسيج البريطانية في لانكشير. ومع نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين (البيئة والظروف التي ولد في ظلها الطفل جمال عبدالناصر حسين) كان قد تم تخصيص وتحويل مساحات شاسعة من أرض مصر الزراعية لخدمة اقتصاد القطن وأدى ذلك إلى تطور قطاعات الاقتصاد المصري التي عنيت بزراعة القطن ونقله وتصديره إلى إنجلترا فيما لحق الإهمال والتخلف والتقزيم سائر قطاعات الاقتصاد المصري.

ونظراً لأن حركة التاريخ ونواميس التطور لابد وأن تفرض وجودها وتضع قوانينها موضع التنفيذ، فقد حل القرن العشرون ليشهد نمواً وربما نضوجاً للطبقة الوسطى في مصر، طبقة المتعلمين والموظفين والتجار، وهى الطبقة التي أصغت إلى أصوات الزعماء الوطنيين من أمثال مصطفى كامل ثم محمد فريد، فما بالك وقد تزامن هذا كله مع تطور الصحافة وبدء ظهور ما يمكن وصفه بأنه الرأي العام فضلاً عن اندلاع الحرب العالمية الأولى التي شدت أنظار هذا الرأي العام في مصر وجذبت اهتماماته نحو متابعة وقائعها وفي مقدمتها هزيمة الدولة التركية ـ العثمانية التي ظلت تفرض سلطة رسمية.

ثم اسمية على مقاليد مصر ولمدة تقارب أربعة قرون من عمر العصر الحديث: بل أدت الحرب العظمى الأولى إلى نوع من الحراك الاجتماعي وتعزيز الوعي الشعبي بمطالب الحرية والاستقلال، وخاصة عندما رفعت شعوب شتى هذه المطالب في مؤتمر الصلح في باريس عام 1918، دع عنك أن يرتفع صوت ودرو ويلسون رئيس أميركا في تلك الفترة معلناً 14 من مبادئ الحرية والاستقلال وفي مقدمتها المبدأ المعروف بحق الشعوب في تقرير المصير.

نشوب ثورة 1919

كل هذه التطورات أفضت إلى ثورة وطنية انتصر بها الشارع والحارة والقرية والنجع فوق خريطة مصر، ودخلت التاريخ العربي المعاصر تحت اسم ثورة 1919. وسط هذا الجو المشحون كان مولد عبدالناصر في أسرة تشابه ملايين الأسر البسيطة في صعيد مصر ـ يجمع أفرادها بين حرفة الزراعة والانخراط في مستوى شديد التواضع من وظائف الحكومة.

هنا نلاحظ حرص مؤلفة الكتاب وقدرتها على المتابعة المنهجية لتطورات أحداث تلك الفترة المائجة بالحركة التي شهدت السنوات الأولى من عمر الطفل عبدالناصر. ونلاحظ أيضا كيف أنها حرصت باقتدار ملحوظ على متابعة خيط التطور الشخصي والفردي العائلي لبطل حكايتها وفي الوقت نفسه متابعة سير الأحداث الوطنية العامة ما بين بروز زعامة سعد زغلول وتشكيل حزب الوفد وصراعاته مع الملك فؤاد.

أما على المستوى الشخصي فالكتاب يوجز طفولة ناصر في عبارة موجزة تقول: عاش طفولته في حال من التنقل والترحال، ففي سن الثالثة كان يعيش مع أسرته في أسيوط وفي الخامسة تحولت العائلة حسب وظيفة الأب في مصلحة البريد من جنوب مصر الصعيدي إلى الخطاطبة شمالا عند غرب النيل.

وفي سن السابعة أرسله الوالد إلى القاهرة مقيما مع عمه الموظف بوزارة الأوقاف حيث تلاحظ المؤلفة أن إقامته جاءت في جوار قاهرة المعز العريقة ـ قاهرة نجيب محفوظ والأزهر وخان الخليلي والأزبكية، وبعدها إلى الإسكندرية بعد نقل الوالد إليها، وطبعا خلفت العاصمتان بكل تراثهما العريق آثارا لا تمحى في تكوين شخصية الفتى الذي كانت تعده الأقدار لدور بارز مشهود في تاريخ العرب مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين.

ماذا عن التكوين الثقافي بالذات؟

تقول الأستاذة آن الكسندر: كان بوسع فتى جاد يعايش أفكاره ويتأملها أن يجد الكثير مما يروي الظمأ في قاهرة الثلاثينيات فرغم القمع السياسي المتواصل (أيام إسماعيل صدقي خاصة في تحالفه ضد الشعب مع الملك)، إلا أن مصر وقتها كانت تجتاز مرحلة أقرب إلى النهضة الثقافية. لقد نشأ جيل من الكتاب الذين آلوا على أنفسهم أن يرتادوا آفاقا تكشف التناقضات التي عاشها مجتمعهم نتيجة عملية التحديث التي اجتازها، فكان أن أعادوا إلى لغتهم العربية بهاءها وطلاوتها فأصبحت أدوات طبيعية في أيديهم وبها ظهرت إبداعات جديدة وحديثة ومعاصرة في فنون الأدب والمسرح والصحافة.

تمضى المؤلفة لتقول أيضا: هكذا وجدت الحركة (النهضة) الوطنية التي تجسدت في الطبقة الوسطى تعبيرا عن نهجها وأفكارها في كتابات محدثة وعقلانية وبنائية على نحو ما تبدو مثلاً في أعمال طه حسين في تلك الفترة.ومع ذلك، ولأننا نقدم عرضا تحليليا ومن ثم نقديا لهذا الكتاب فنحن نتحفظ كثيرا ـ ربما إلى درجة الرفض ـ على ما تذهب إليه المؤلفة حين تقول إن كتاب هذه الفترة كانوا يميلون إلى تراث مصر الفرعوني ويتمثلونه وفي الوقت نفسه كانوا يرون في التمسك بالأعراف الإسلامية تخلفاً وخرافة وكبحا لمسيرة النهضة الوطنية.

ورغم أن الأستاذة الكسندر لم تورد نماذج تدلل بها على ما تذهب إليه، فقد نضيف من عندنا أنها ربما تشير مثلا إلى ما كتبه طه حسين أو علي عبدالرازق في تلك الفترة من، النصف الثاني من عشرينيات القرن الماضي.والحاصل أن طه حسين كان مبالغاً ربما إلى حد التهور أو حتى الشطط الفكري في كتابه عن «الشعر الجاهلي»، (كان عمره وقتها 37 سنة فقط) يشفع له أن كان همه الأساسي هو طرح وتعزيز وتأكيد المنهج الديكارتي في البحث العلمي، وهو منهج الشك سبيلا إلى اليقين وحين طرح على عبدالرازق كتابه الشهير والخطير بعنوان «الإسلام وأصول الحكم».

موضحا انه ليس في صحيح الدين المحمدي نظام بعينه أو وصفة بذاتها أو شكل محدد من ناحية العقيدة أو الشريعة ـ للحكم فقد كان الرجل يمارس الاجتهاد المطلوب منه كأستاذ عالم من ناحية وكان يبغي قطع الطريق على أن يعلن منافقو ذلك الزمان الملك فؤاد خليفة للمسلمين بعد أن دخلت الخلافة التركية العثمانية في ذمة التاريخ.وفي كل حال، ورغم الغلو أحيانا والشطط أحياناً أخرى وتلك سمة من سمات الرواد الذين هم أول من ترتاد أقدامهم الطريق، فقد كان هناك مجتمع ينهض، يفكر، ويحشد مواهبه وينشئ أول جامعة بمعنى الكلمة في المنطقة (جامعة فؤاد ـ القاهرة) وأول محطة إذاعة قومية تكرس اللسان العربي وتنطق به.

قراءات فترة التكوين

هذا هو بالضبط المجتمع الذي تولى تنشئة وتكوين بطل هذا الكتاب، تواصل المؤلفة حديثها في هذه النقطة فتقول: في سنوات المدرسة كان «الطالب» جمال عبدالناصر حسين قارئاً نهماً وشغوفاً، وجاءت اختياراته بين المؤلفين الإنجليز لتوضح مدى اهتمامه بسير عظماء التاريخ، وهكذا شملت قراءاته في مراحل الطلاب التعليمية سير رجال من أمثال ونستون تشرشل والاسكندر الأكبر والمستشار الألماني أوتو بسمارك وبطل الوحدة الإيطالية غاريبالدي، فضلا عن قراءة كتاب جون بوكان بعنوان «غوردون في الخرطوم».

ولنا في معرض التعليق الموجز أن نفهم الدوافع التاريخية، فنقول إن عوامل التوحد القومي ولو كانت مجرد أحلام أو أشواق غامضة وغير محددة كانت تراود وجدان الفتى الصعيدي خلال عقد الثلاثينيات من القرن الماضي. وهو ما دفعه ـ كما تشير المؤلفة ـ إلى متابعة سيرة وانجازات مؤسس الوحدة الألمانية بسمارك ومفجر الوحدة الإيطالية غاريبالدي (كلاهما كان بالمناسبة رجلا عسكريا) هذا في حين أنه كان بوسع الفتى ناصر أن يقرأ بالنسبة لحداثة عمره الروايات العاطفية أو كتب الحكايات أو حتى قصص شرلوك هولمز الإنجليزي أو مغامرات نظيره المصري في تلك المرحلة، حافظ نجيب.

تأثير توفيق الحكيم

المهم أن مؤلفة كتابنا تواصل الحديث عن قراءات ناصر الشاب الصغير في الآداب والإبداعات العربية. تقول آن الكسندر:

ثمة مؤلف مصري استأثر بخيال ناصر الطالب في المدرسة الثانوية وهذا هو المسرحي والروائي توفيق الحكيم، وكان كاتبا غزير الإنتاج عاد من أوروبا (فرنسا) وفي جعبته تأثيرات الأعراف والأساليب المتبعة في الآداب الأوروبية المحدثة، فكان أن أدخلها في إبداعات القصة القصيرة والمسرحية والرواية في الثقافة المصرية، وهذه التحولات هي التي جسدت منذ ذلك الحين واقع اليقظة السياسية التي عاشتها مصر في تلك الفترة.

وتواصل الكاتبة الحديث قائلة:هكذا التهم عبدالناصر رواية توفيق الحكيم بعنوان: «عودة الروح» التي كانت قد نشرت عام 1933 ونالت ثناء واسعا وكان أن قرن نفسه بشخصية «محسن» بطل الرواية، ذلك الشاب الذي يتمتع بحساسية فائقة، ولكنه يعيش نوعا من العزلة التي سرعان ما زالت أسوارها عندما عايش «محسن» ثورة الشعب عام 1919، ورغم أن رواية الحكيم تناولت مواضيع شتى منها الحب والحلم ونضج المشاعر، إلا أن أحداث الرواية التي خلبت لب الفتى ناصر تمثلت ـ والحديث لا يزال للمؤلفة ـ في النتائج السياسية التي استخلصها توفيق الحكيم من ثورة 19، ففي «عودة الروح» لم يكن من سبيل لتحقيق آمال الشعب سوى أ تتجسد هذه الطموحات في شخص زعيم كاريزمي رآه الحكيم وقتها في شخص زعيم الوفد سعد باشا زغلول.

بعد هذا المنعطف يتابع كتابنا تطورات حياة الفتى عبدالناصر، وكثير من هذه التطورات أصبح معروفاً في سيرة الزعيم العربي، وإن كان من الطريف أن تتوقف آن الكسندر عند صحيفة سوابق الفتى الصعيدي المسجلة طبعا لدى الشرطة، خاصة وقد حبسوه في مراكز البوليس إثر مشاركته في مظاهرات وطنية تهتف ضد الإنجليز وعملاء الإنجليز. وكانت رحلته الثانوية حافلة بتلك التظاهرات ما اختصر أيام انتظامه في سلك الدراسة في السنة التوجيهية (البكالوريا) إلى 45 يوماً فقط لا غير.

ورغم صحيفة السوابق إلا أن الأقدار ما لبثت أن أفسحت له الطريق ـ بعد معاناة وعناد ـ لكي يلتحق بالكلية الحربية في عام 1937، العام الذي شهد شابين من مصر متقاربين في السن ولكن ما أبعد المسافات بينهما يتخذان أولى الخطى التي ما لبثت أن شكلت مسار الحياة والعمل والتاريخ بالنسبة لكل منهما.

في عام 1937، دخل الشاب «جمال» ابن موظف البريد البسيط من باب الكلية الحربية (وكان عمره 19 سنة) وفي العام نفسه دخل الشاب فاروق ابن الملك الراحل فؤاد من قاعة العرش المهيبة في قصر عابدين «العامر»، (وكان عمره 17 سنة) بعدها بدأت مرحلة جديدة وفاصلة في حياة مصر وأمة العرب.

عرض ومناقشة: محمد الخولي

 

الحلقة الثانية

عجز القيادات المدنية عن الإطاحة بالنظام الملكي مهد للثورة، العدل الاجتماعي أنقذ ناصر من صورة «المتآمر الأوتوقراطي»

تأليف :آن الكسندر

تطرقت المؤلفة آن الكسندر في الحلقة الأولى لنشأة الزعيم عبدالناصر والظروف التي أحاطت بتلك النشأة وساعدت على صياغة أفكاره بالاضافة إلى الأشخاص الذين تأثر بهم وتركوا بصمة واضحة لديه.

وفي هذه الحلقة، تعرض المؤلفة الأرضية التي مهدت لثورة 23 يوليو، والحركات السياسية والاجتماعية التي شاركت فيها، والأسباب التي جعلت الضباط الأحرار يتولون القيادة ويضطلعون بالدور الطليعي في ظل عجز القيادات المدنية. وتعرّج «آن» كذلك على التحديات والصعوبات التي واجهت الثورة في أيامها الأولى وأسباب نجاحها في التغلب على الصعاب وتخطي العقبات.

في سبتمبر من عام 1939 اشتعلت نيران الحرب العالمية الثانية وبدأت أخبار الصراع الدموي الذي اندلع على خارطة العالم.. في غرب أوروبا، شمال أفريقيا وفي أصقاع الشرق الأقصى.. تترامى الى جيل الضباط، الشباب الذين كانوا قبيل اشتعال الحرب الكونية قد تخرجوا برتبة ملازم ثان في صفوف الجيش المصري.

ومن عجب أن هؤلاء الملازمين «الذين بلغوا بالكاد سن العشرين، كان تأثرهم بالحرب محدوداً».ربما يرجع ذلك الى أن قلوبهم وأفئدتهم كانت ضد بريطانيا، إذ كانت تضمر لها الكراهية التاريخية، كما قد نقول بحكم احتلالها الطويل لبلادهم الذي أربى في شهر اشتعال الحرب الثانية على 51 عاماً.

وربما يرجع ذلك أيضا الى الشعور السائد بين المصريين بأنه لا مصلحة لبلادهم في دوامة الحرب وملابساتها، وهو ما عبرت عنه أيامها عبارة اشتهرت في التاريخ المعاصر وجرت على لسان الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر حين قال: هذه الحرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل.

حادث 4 فبراير

من عجب أيضاً أن الذي ترك في نفوس الضباط الشباب أثراً بالغاً بل وجرحاً عميقا كان حدثاً آخر شهدته وقائع الحرب العالمية، ولكن على أرض مصر هذه المرة، هذا الحدث دخل بدوره تاريخ مصر المعاصر تحت مسمى شهير هو: حادث 4 فبراير عام 1942.

الحكاية باختصار هي أن الإنجليز شعروا بضعف موقفهم على الجبهة العسكرية في شمال أفريقيا (غرب الاسكندرية)، إذ كان المارشال روميل الألماني يضيق عليهم الخناق وينذر بسحق قواتهم المرابطة في المنطقة الممتدة بين طبرق في ليبيا الى العلمين في صحراء مصر الغربية.

وزاد من وطأة الموقف أخبار ومعلومات بلغت دار المندوب السامي البريطاني في قصر الدوبارة (جاردن سيتي بالقاهرة) تفيد بأن ساكن قصر عابدين (العامر) ـ الملك الشاب فاروق (22 سنة وقتها) تحدق به حاشية من الإيطاليين .

وهم أعداء بريطانيا لأنهم جزء من محور النازي ـ الفاشي (هتلر ـ موسوليني) ومن ثم فالقصر الملكي في مصر يقف من «الحليف» الإنجليزي ومصالحه موقف المناوءة والعداء ولا مفر من الإقدام على خطوة مهما بلغت فظاظتها للضغط على فاروق وربما ابتزازه أو حتى تهديده لكي يطهر قصره من أعداء بريطانيا العظمى.

ويدلل على حسن نواياه تجاه لندن من خلال تعيين حكومة جديدة وصديقة لصاحب الجلالة البريطانية ولقواته وجنوده المقاتلين فيما وراء البحار.تمت هذه الخطوة بكل فظاظتها وكل تعديها على كرامة مصر واستقلالها (المحدود) يوم 4 فبراير إياه من عام 1942.

في التاسعة من صباح ذلك اليوم.. أحاطت دبابات الجنرال الإنجليزي «ستون» قصر الملك فاروق ورابطت في ميدان عابدين في مظاهرة عسكرية معادية وتقدم السفير البريطاني «سير مايلز لامبسون» طالباً مقابلة الملك ليسلمه انذاراً فيه كل طلبات إنجلترا وبلغ من خطورة الموقف أن ملك البلاد لم يمنح سوى مهلة تنتهي في السادسة من مساء اليوم نفسه من أجل تنفيذ الطلبات وإلا فالويل والثبور.

ولم يكن أمام الملك سوى الرضوخ والتنفيذ، في حين ترامت الأخبار وتطورات ذلك اليوم في كل مكان على شكل شائعات وتكهنات ومعلومات غير رسمية، لتجعل منه علامة فارقة ونقطة تحول ـ كما تقول مؤلفة هذا الكتاب ـ «لا في حياة الضباط الشباب من جيل عبدالناصر فقط ولكن في تاريخ مصر الحديث».

على أن مفارقات هذا التاريخ الحافل ما لبثت أن تطورت وتشكلت صياغتها على مدار السنوات العشر بدأت بإنذار وانتهت أيضا بإنذار.في 1942 تسلم فاروق الشاب الواعد انذاراً من يد السفير الإنجليزي ممثل الاحتلال يهدده فيه بالرضوخ فالتنازل عن عرش أسرة محمد علي.

وفي 1952 وبعد أن مرت أمواج لا حصر لها في مياه النيل، عاد فاروق نفسه ـ ولكن بعد أن ملأ الدنيا فساداً في السلوك واستهتارا بالأعراف واستهانة بالمكانة السامية التي أولاه الشعب إياها ـ ليتسلم إنذارا آخر ـ ولكن من نوع جديد ـ هو إنذار من يد ممثلي الضباط الأحرار الذين طالبوه بالتنازل فعلا عن العرش ومغادرة البلاد تماما ورغم أن التاريخ لا يكرر نفسه، فالحاصل والعجيب أن مهلة الإنذارين الأول والثاني كانت هي نفسها: الساعة السادسة من مساء يوم الإنذار نفسه.

تقف مؤلفة الكتاب كي تتأمل تطورات ذلك العقد، الفريد من زمان مطالع الأربعينات الى مطالع الخمسينات (1942 ـ 1952) وكان في مقدمة تلك التطورات التغييرات الجذرية التي طرأت واستجدت على نسيج المجتمع المصري.

مجتمع مائج بالاضطراب

ربما أفضت بها هذه النظرة التأملية الى ملاحظة لماحة مفادها أن الجيش لم يكن خلال تلك السنوات العشر هو المؤسسة المؤهلة ولا المأمولة لكي تطلق شرارة التغيير في أوضاع ومجريات السياسة في مصر بل وفي ربوع الوطن العربي على نحو ما شهدت به أحداث المستقبل.لقد كان المجتمع مائجاً ونابضاً بحركات ودعوات التغيير، وخاصة بعد انتهاء سنوات الحرب العالمية.

في هذا السياق نحيل الى الاستاذة «آن الكسندر» حين تضيف قائلة:

أعمق التيارات السياسية تأثيرا في تلك الفترة كانت تتجاوز دوائر النخبة أو الصفوة في مجتمع مصر: كان هناك الشيوعيون والوطنيون الراديكاليون (لعلها تقصد حركات ودعوات من قبيل «مصر الفتاة») وكان هناك الإسلام السياسي.

أما القوى الاجتماعية التي كانت تشكل القواعد المناصرة لتلك الحركات والتيارات والدعوات السياسية ـ الأيديولوجية المستجدة، فكانت بدورها تقع خارج إطار الطبقة التقليدية الحاكمة في البلاد، كانت تلك قواعد العمال والفلاحين والطلاب وأفراد الطبقات الوسطى الفقيرة والضباط الشبان.

راحت إذن أيام تأثيرات ونفوذ الأرستقراطية المنحدرة من أصلاب تركية وشركسية التي كان ينتمي اليها أفراد الأجيال السابقة.. ولم يبق في الساحة.. وبانتظار دورهم ومبادراتهم سوى أبناء صغار الموظفين والمزارعين وكتبة الحكومة وموظفي مكاتب البريد.

في هذا الإطار كان الجيش ـ كمؤسسة وتكوين ـ في مؤخرة الصفوف وربما لم يبدأ الضباط الأحرار في كتابة أول منشوراتهم (السرية) إلا بعد عام 1949 وكانت معتقداتهم وطروحاتهم خليطاً من أفكار بغير نسق أو اتساق محدد.

. ومع ذلك فإن فشل (أو عجز) الأطراف الأخرى المدنية عن إنجاز الإطاحة بالنظام القديم ما لبث أن حوّل العسكريين الى حيث أصبحوا اللاعبين الرئيسيين على الساحة ومن ثم أفسح الطريق أمام صعود عبدالناصر الى مراقي الفعل والتغيير والسلطة.

الزواج والأسرة .. والسياسة

وحين تتطرق المؤلفة إلى عبدالناصر فهي ـ حسب نهجها المعتمد على صفحات الكتاب ـ تعمد إلى الإطلالة على تطورات حياته الشخصية ضمن عرضها الأوسع نطاقاً والأغنى إسهاباً لتطورات الأوضاع في المجتمع المصري بشكل عام، لهذا نراها تتابع عودة الضابط ناصر من مهمة طالت في ربوع السودان.

3 وبخاصة توليه وظيفة مدرس في الكلية الحربية في مايو 1943 ومن ثم إقدامه على الزواج في مايو 1944 من شريكة حياته، إذ كان عمره وقتئذ 22 عاماً، واستقراره في بيت صغير في ضاحية مصر الجديدة بالقاهرة ليبدأ حياة فرد ينتمي الى الطبقة الوسطى في المجتمع وهي الطبقة التي ترى المؤلفة أنها شكلت رؤية الرجل ورفاقه الضباط الى أحوال العالم.

مع ذلك فقد نجح بطل كتابنا في أن يجمع بين تكوين أسرة صغيرة وبين مزاولة النشاط السياسي في إطار تشكيل «حركة الضباط الأحرار» التي حرص على أن يكون الانتماء اليها على أساس فردي، بعيداً عن أي انتماءات حزبية أو تنظيمية أو أي طروحات أيديولوجية أخرى.. هذا رغم احتفاظ عبدالناصر شخصياً بعلاقات كان يتواصل فيها مع الناشطين في إطار حركة الإخوان من ناحية وفي إطار تجمعات الماركسيين من ناحية أخرى.

عند هذا المنعطف من الكتاب تغوص المؤلفة في مبحث شديد التركيز وجمّ الفائدة حقاً في تحليل التيارات التي كان عبدالناصر يتواصل معها خلال سنوات التحضير والإعداد بين منتصف الأربعينات ومطالع الخمسينات.. كانت هناك أيضاً فصائل الطليعة الوفدية التي كانت تطمح الى تجديد شباب حزب الوفد كي تبث في أوصاله روحاً جديدة تجتث فيها أوشاب الفساد الذي ندد به مكرم عبيد .

وهو من أبرز زعامات الحزب السياسي العتيد «الوفد» في منشوره الشهير بعنوان «الكتاب الأسود»، كان تلك الطليعة من الشباب الوطني المثقف والمتوثب تطمح الى أن تبث أفكاراً اجتماعية تقدمية ومستنيرة ـ يسارية في بعض الأحيان ـ بما يجعل الحزب مستجيباً إزاء التغييرات الاجتماعية والمطالب الحياتية والأفكار التقدمية التي طرأت واستخدمت على الساحة الداخلية والمسرح العالمي بعد انتهاء الحرب، وكان في مقدمتها مطلب العدل الاجتماعي في الداخل وظهور المعسكر الاشتراكي في الخارج.

ثم تصل بنا الأحداث الى يوم الأربعاء الثالث والعشرين من يوليو عام 1952. إنها تحيل ـ لا تملك سوى أن تحيل ـ الى بيان الثورة الذي أذاعه أنور السادات من راديو القاهرة، ومن ثم الى ما ذكره السادات في كتابه الشهير «البحث عن الذات» من أنه عاد من دار الإذاعة فإذا بالناس يقبل بعضهم بعضاً في شوارع العاصمة، إلا أنها تعترف بأن الحقيقة كانت مختلفة تماماً عما أراد السادات أن يصوره أو يتصوره تقول:

كانت السنوات الأولى للعهد الجديد حافلة بالصراعات. صحيح أن الضباط الأحرار سددوا الضربة الأخيرة الى النظام الملكي، لكنهم نجحوا لأن ركائز الدولة كانت قد تخلخلت بفعل جهود الآخرين.. الطلبة، عمال النسيج، سائقو الترام، صغار موظفي الحكومة.

ورجال الشرطة، كل هؤلاء كانوا وقوداً وعوامل شاركت في حركة التحرير الوطني وأدوا أدواراً لا يستهان بها في تلك العملية والمشكلة ـ كما تضيف المؤلفة ـ أن قيادات هذه العناصر (المدنية) ما لبثت عند إصابة الحكومة بالشلل والعجز، أن وقفت عاجزة أو مترددة بل تراجعت تلك القيادات فكان أن أفسحت بذلك الطريق أمام حركة الضباط الأحرار.

ومن ثم فلم يكن سهلاً بعد يوليو 1952 وقف التيار الذي كان سائداً قبل الثورة بل وكان تمهيداً فعلياً لتفجيرها ـ تيار الاحتجاجات والاعتصامات والتظاهرات والمصادمات، لم تكن المسألة عبارة عن زر يفتح التيار أو يغلقه، يدفع الى الحركة أو يوقف دورانها، ثم إن عبدالناصر ـ تلك الفترة لم يكن معبود الجماهير على نحو ما أصبح في سنوات جاءت من بعد بل العكس كان صحيحاً..

ها هي السيدة ـ الكسندر ـ تصفه في تلك الأيام من السنوات الأولى للثورة (1952- 1954 مثلاً) حيث كان الكثيرون ينظرون اليه على أنه «شخصية معقدة تحرك الأحداث وتستحوذ على السلطة من وراء ستار.. صورة المتآمر الأوتوقراطي.. أما الذي كان محط إعجاب الجموع ومحبتها وقتها فكان منافسه الجنرال (اللواء) محمد نجيب.

وهنا أيضا تسهب المؤلفة ـ استناداً الى مراجع شتى عن المراحل الأولى من انقلاب ثورة عبدالناصر في متابعة وتحليل العلاقات المتناقضة والخلافات التي نجمت، ومن ثم تشعبت بين ناصر والثورة من جهة وبين اليمين الديني «الإخواني» واليسار الماركسي «الشيوعي» من جهة أخرى.

. ثم تصدر حكمها على طريقتها كصحافية محترفة حين تخلص من تحليلها إلى عبارة موجزة تقول فيها:لقد انتهى الأمر بإصابة كل من الإخوان والشيوعيين بخيبة الأمل.. ففي غضون سنتين من الثورة عمد الضباط الأحرار إلى الدفع بالشيوعيين للعمل (السري) تحت الأرض والى جر (زعامات) الإخوان إلى المشنقة.

العدالة أنقذت الثورة

لقد كان مثل هذا المآل كفيلاً بأن يسوق ثورة عبدالناصر نفسها الى المصير البائس الذي طالما انتظر حركات وتمردات عسكرية شتى شهدتها بقاع وأقطار في أميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا بل وفي بعض الأقطار العربية وقامت بها جماعات «الخونتا» كما يقول المصطلح الأسباني السائد في أميركا اللاتينية أو هي «العصبة» أو «الطغمة».

كما قد نترجمه بالعربية، وبهذا ما كان لحدث مثل يوليو 1952 أن يدخل التاريخ إلا في سطر أو سطرين ولا كان لعبدالناصر أن يجتاز بوابة الزعامة التاريخية لدرجة أن تكتب عنه الدراسات والتحليلات وتعكس اهتماماً بقدر ما تعكس انتقاداً وتعبر عن الانشغال بمرحلته وتعمّق إنجازاته وتدبر سلبياته، ومنها الكتاب الذي نعيش معه في هذه السطور والذي يصدر بعد رحيل الرجل الى عالم البقاء منذ 35 عاما من عمر هذا الزمان.

نعم.. ما كانت أحداث 1952 لتستحق اسم الثورة وقد بدأت انقلابا.. مجرد انقلاب، وما كان لعبدالناصر أن يستحق لقب الزعامة وقد بدأ ـ كما ألمحنا ـ شخصية غير محببة الى جماهير الناس لولا أن عمدت الثورة الى تأكيد أهم جوانبها مجسداً في أجندة التغيير الجذري لأوضاع الظلم التي طالما عاناها الانسان الفقير البسيط في المجتمع المصري.

وكان على رأس هذه الأجندة التي بلورت الطموح الطويل نحو العدل وتكافؤ الفرص بند طرحه الضباط الأحرار في جملة بسيطة لم تكن ساذجة أيضا وهي: القضاء على الاقطاع.

وبغير تفاصيل كان المقصود هو إعادة تشكيل هيكل امتلاك الأرض الزراعية الخصيبة في شمال وادي النيل حتى لا يكون هناك مالك واحد يستأثر بآلاف الهكتارات بينما يتعايش معه آلاف بل وملايين المعدمين الذين لا يملك أحدهم شبراً من الأرض التي يرويها الفلاح المعدم بعرق العمل وكدح العمر وشظف الحياة.

 

الحلقة الثالثة

الدأب على القراءة والنقاش والتعلم من الكبار وراء بروز ناصر بين زملائه، ناصر يعمل خلف الكواليس و«روز اليوسف» و«التايمز» توضحان دوره الحقيقي

تأليف :آن الكسندر

في السطور الأولى من صفحة 54، وتحت عنوان «القضاء على الإقطاع» تقول آن الكسندر مؤلفة الكتاب:«جاءت إجراءات الإصلاح الزراعي في سبتمبر 1952 بمثابة علامة فارقة ونقطة تحول جذرية بالنسبة للضباط الأحرار كمجموعة، لأنها كانت الخطوة الأولى نحو بناء قاعدة سياسية مستقلة لهؤلاء الضباط (عبدالناصر ورفاقه).. لماذا؟.

لأن المقترحات التي انطوت عليها تدابير الإصلاح الزراعي جاءت بدورها لتؤكد الفرق بين العهد الجديد وبين ما فشل في إنجازه قدامى السياسيين الذين كانوا قد تجادلوا من قبل حول قوانين وتدابير الإصلاح الزراعي من دون أن يخطوا بها يوما نحو التنفيذ».

ولعل إشارة المؤلفة إلى هذا الجدل السابق على ثورة عبدالناصر تحيل إلى برلمانات منتصف الأربعينات وما بعده، وقد شهدت مقترحات في هذا السياق كان من أهمها مطالبة «العضو المحترم» محمد بك خطاب بإصدار قانون تحديد ملكية الأراضي الزراعية ومطالبة أعضاء آخرين كانوا شباباً طامحاً ومفعماً بالشعور الوطني والاهتمامات الاجتماعية، منهم مثلا مريت غالي .

وإبراهيم بيومي مدكور (أصبح أمينا لمجمع اللغة العربية الكلّي الاحترام) ومنهم إبراهيم شكري (السياسي المخضرم)، وكلهم ناضلوا من أجل طروحاتهم ومقترحاتهم في وجه مجالس نيابية كانت تمثل بالدرجة الأولى الفئات نفسها العينات الطبقية ذاتها التي تعارضت مصالحها تماما وربما مصائرها أيضا مع تنفيذ مثل هذه المقترحات.

ضربة معلم

«بضربة معلم» كما يقال جاءت الثورة وفي أعطافها حلم صانعيها ـ عبدالناصر بالذات ـ بتمهيد الطريق، ولو بفتح كوّه أو ثغرة صغيرة لمسيرة العدل الاجتماعي، ولصالح صغار الفلاحين.. المعدمين على وجه الخصوص.

وهكذا صدر قانون الإصلاح الزراعي، وتلك تسمية أكثر أناقة وربما أشد جاذبية من ناحية الدعاية لجوهر القانون الذي كان يتجسد أساسا في تحديد ملكية الأرض الزراعية في ساحات الدلتا وربوع الصعيد.

وبقدر ما كان القانون خطوة اقتصادية جريئة من خطوات توسيع قاعدة الملكية وزيادة أعداد حائزي الأرض الخصيبة، بوصفها أهم عوامل الإنتاج ربما بعد عنصر العمل والجهد الإنساني .

ـ وربما قبله حسب الظروف ـ بقدر ما جاء القانون من الناحية السوسيولوجية ليعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية أو يرسم من جديد صيغا وأنماطا لعلاقات المالكين والعاملين والمستأجرين والمستخدمين (بفتح الدال وكسرها أيضا) في الريف المصري. كما أن توقيت إعلان قانون الإصلاح الزراعي وإصداره بُعيد قيام الثورة.

وفي غمار الارتباكات بل والصراعات التي واكبت قيامها، جاء بدوره انعكاسا لفكر بطل هذا الكتاب بالذات، نعم، لقد كان عبدالناصر، كما تؤكد المؤلفة، قارئاً جيداً للتاريخ، بقدر ما كان الرجل ـ كما أكدت الأحداث من بعد ـ واعياً بإيقاع التاريخ، وخاصة من حيث تطور الحركة الوطنية في بلاده ما بين المطالبة بالاستقلال السياسي والمطالبة بالعدل الاجتماعي.

هذا الوعي هو الذي دفع بعبدالناصر إلى أن يختار لصدور القانون يوماً له إيقاعه الخاص في دفتر التاريخ الحديث وله موقعه المميز في وجدان الشعب الذي نشأ الضابط الشاب ناصر بين ظهرانيه، هو يوم 9 سبتمبر على وجه التحديد وهو اليوم نفسه من عام 1881 الذي شهد ضابطا فلاحا اسمه أحمد عرابي يقف في مواجهة الخديوي الحاكم، صنيعة الاحتلال الأجنبي محمد توفيق بن إسماعيل .

ومن خلف عرابي كانت جموع الناس الذين أيدوه وقتها ما بين المدنيين والعسكريين (الجهادية حسب مصطلح ذلك الزمان) فيما كان الضابط الفلاح يطرح مطالب الشعب في الإصلاح وفي العدل وفي الكرامة. وكان المكان في سبتمبر 1881 هو ميدان عابدين، الساحة نفسها التي حاصرت فيها قوات الضباط الأحرار قصر الملك فاروق الرسمي بالقاهرة آية على أن وقت التغيير قد حان.

حكاية الثورة البيضاء

على الرغم من تسليمنا بأن قانون ـ قوانين الإصلاح الزراعي وخاصة تحديد وتحجيم ملكية الأرض ـ لم يكن بالأمر المستجد على ساحات السياسة الإقليمية أو الدولية، فمازلنا نرى أن القانون كانت له أيضاً أبعاده السياسية بل والحركية كذلك، صحيح أنه صدرت قوانين مماثلة في أقطار أخرى في الشرق الأوسط وفي أميركا اللاتينية وتحت عناوين براقة منها مثلا عنوان يقول:

«نحو الثورة.. البيضاء». وصحيح أيضا أن دعوة الإصلاح الزراعي كانت تحفل بها كتابات محللين اقتصاديين ومفكرين سياسيين، كانوا يعملون على إزجاء النصائح للنظم المهددة بالخطر إلى حد الانقراض ومنها نظام الأسرة الألبانية الحاكمة في مصر (كانت حاكمة وقتها على مدى 147 سنة).

وصحيح أن كثيرا من تلك النصائح كان يقدمها ساسة ومحللون ومبعوثون أميركيون بالذات في ظل دوافع وربما شعارات غير معلنة تستهدف الإنقاذ قبل فوات الأوان، إلا أننا سنتوقف من جانبنا عند الجانب السياسي من القانون ونراه إجراء جسورا بكل المقاييس لأنه في ضربة واحدة ناجزة وحاسمة استطاع أن يجرد طبقة ملاّك الأراضي ـ الرأسمالية الزراعية الكبيرة إن شئت ـ من أخطر وأمضى أسلحتها.

وهو سلاح النفوذ المستند إلى هيبة المكانة القائمة على أساس الاقتناء المتوارث عبر أجيال تحفه وتعززه أعراف الريف، التي طالما كرَّست الأوضاع وبررت قسمة الناس إلى مالك ومعد،. أو إلى باشوات وبكوات من ناحية وتابعين وفلاحين من ناحية أخرى.

من هذا كله تبلورت رؤيتنا لتلك الأبعاد المتداخلة والمتآزرة لقانون الإصلاح الزراعي الذي أصدرته «جماعة عبدالناصر» وتحمس له شباب الضباط، فيما ظل الساسة المخضرمون ـ الذين تعاونوا أو تواصلوا معهم ـ محافظين على قدر لم يكن خافيا من التحفظ والتشكك بل والاعتراض.

في هذا السياق أيضاً، يهمنا أن نستعرض رؤية مؤلفة الكتاب، وهي رؤية متفردة وقد تكون مفيدة لقانون الإصلاح الزراعي وفي ذلك تقول آن الكسندر: لوهلة الأولى بدا البرنامج الإصلاحي وكأنه خطوة متطرفة جذرية للقطيعة مع الماضي.

وعلى الرغم من أن الشعار الذي رفعه الضباط باسم تصفية الإقطاع كان يشي بتصورات أقرب إلى المزارع الجماعية على الطريقة السوفيتية، إلا أن القانون الجديد ما لبث في الواقع أن أثبت أن ناصر وزملاءه كانت رؤيتهم للعدل الاجتماعي تتجاوز مجرد الشعارات الطنانة، لاسيما وقد صدر القانون فيما كان العهد الجديد يسوق إلى المشنقة قادة الإضرابات العمالية (الإشارة إلى محاكمة وإعدام العاملين خميس والبقرى وزعامات العمال في منطقة كفر الدوار).

وتفيدنا المؤلفة أيضا بمعلومات من كواليس الصياغة والبلورة العقائدية والفنية لبنود قانون الإصلاح الزراعي فتقول:قد شارك في هذه الصياغة الكاتب الماركسي أحمد فؤاد (كان قاضيا ومقربا من ناصر والضباط الأحرار) ومعه (الاقتصادي) الدكتور راشد البراوي الذي سبق أن ترجم إلى العربية كتاب كارل ماركس الشهير بعنوان «رأس المال» بل تمت الصياغة.

ـ كما تؤكد المؤلفة ـ بناء على مشورة أسداها أيضا دبلوماسيون أميركيون. وبالنسبة للضباط الأحرار أنفسهم أصبح المسؤول المشرف على تنفيذ عملية الإصلاح هو جمال سالم، الذي كان معروفا لمعظم الناس بأنه أكثرهم تحررية بالنسبة لقضايا السياسة الاقتصادية.

وراء الكواليس

الحاصل أن هذه التطورات الخطيرة جرت على سطح الخارطة السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية في مصر – الثورة، ولكن وسط احتدام الصراعات سواء بين الثورة البازغة وخصومها من الوفد إلى الشيوعيين، ومن أركان العهد الملكي المنقضي إلى الإخوان المسلمين.

وكان طبيعياً، حتى لا نقول كان من إملاءات الطبيعة البشرية أن تمتد هذه الخلافات فتصيب دينامو الثورة ذاتها متمثلا في تنظيم الضباط الأحرار، الذين فوجئوا بأنهم وسط فراغ سياسي نجم عن الانهيار المفاجئ للنظام القديم – العهد البائد .

كما كان يسمى وقتها ـ مطالبون باحتلال مواقع الحكم وإدارة دفة البلاد على الرغم من أنهم ـ في مجموعهم ـ لم يصدروا عن خبرة سابقة ولا عن تربية سياسية متمرسة ولا عن تكوين، دع عنك نضوج فكري، يصلح لكي يقود مسيرة بلد كبير في منطقته وفي مشكلاته وفي تاريخه وفي آماله أيضا.

أين كان عبدالناصر من هذا كله؟ هذا السؤال تجيب عليه آن الكسندر بعبارة حرصت على إثباتها كعنوان فرعي في أحد مفاصل هذا الكتاب، العبارة تقول: كان وراء الكواليس.

أما التفسير فيقول بدوره ما يلي بسطور مؤلفة هذا الكتاب: خلال الأشهر الأولى من ثورة الضباط الأحرار، لم يكن ناصر يسعى إلى أداء دور الشخصية العامة أو (الوجه الجماهيري). وعندما نُشرت الخطب التي ألقاها وجاءت على شكل مجموعة من 7 مجلدات في عام 1959 لم تضم المجموعة سوى خطاب واحد ألقاه في اجتماع عام 1952.

وعلى الرغم من أنه كان يظهر في الصور إلى جوار زملائه الضباط، فإنه لم يكن في رأي المصريين سوى وجه غير مشهور من وجوه الضباط الشباب، الذين كادت وجوههم تتوارى في ظل الشخصية الآسرة للواء محمد نجيب قائد الثورة الذي قدمه الضباط إلى جماهير الناس في مصر وفي العالم.

الدبلوماسيون والجواسيس يعرفون

مع ذلك ـ تضيف المؤلفة ـ فقد كان هناك من الدبلوماسيين والصحافيين والجواسيس، وبمعنى آخر العناصر المعنية بعلاقات القوى وهياكل السلطة ومواقع النفوذ في العهد الجديد، من بدأوا تدريجياً ينجذبون إلى دائرة ناصر، ولهذا قامت المخابرات المركزية الأميركية بوضع واحد من أهم عناصرها، هو كيرميت روزفلت، في القاهرة، وكان ذلك في أكتوبر 1952، بهدف جوهري هو: إقامة علاقات شخصية مع عبدالناصر.

وفي تلك الفترة أيضا لاحت إشارات وتلميحات في مجلة «روزاليوسف» القاهرية بالذات، وكلها تدور حول عبدالناصر بوصفه القوة التي تحرك الأحداث من خلف ستار، وسرعان ما التقط هذا الخيط مراسل جريدة «التايمز» البريطانية في القاهرة الذي نشر يوم 18/11/1952 مقالاً جاء فيه:

إن الكولونيل (عبدالناصر)، وعلى البرغم من إنكاره المتكرر، هو المهندس الحقيقي لحركة الجيش، وهو يتمتع بقدرة فائقة على الصبر والتحمّل، وبرود الأعصاب والذكاء كما أنه يحظى بثقة زملائه الضباط. والحق أنه كان ثمة عنصر من الحسابات المتعمدة من جانب ناصر.

وهو يواجه الصحافة ووسائل الإعلام بهذا النمط المتواضع من السلوك، بل كان في إحجامه عن التعرض للأضواء وعن أن ينسب إليه الفضل الأكبر في حركة الضباط، ما يعكس نوعية العلاقة بينه وبين رفاقه في الحركة، ومن هنا يصدق وصف (الكاتب السياسي الفرنسي جان لاكوتير بأن: «عبدالناصر في تلك المرحلة كان يتمتع باحترام زملائه وأصدقائه بوصفه القائد المحرك للأحداث.

أو المدبِّر للأمور، وليس بوصفه القائد أو الزعيم ـ الريّس كما أصبح يعرفه المصريون. كان وقتها مسؤولاً يحظى بالنفوذ، ولم يكن قد أصبح بعد قائدا يتمتع بمكانة الزعامة، لهذا كان يتبع وقتها أسلوب النقاش مع الزملاء في محاولة للإقناع من دون أن يتحصن وراء مكانته في حركة الضباط أو يحتمي وراء الرتبة التي كان يحملها».

وفي كل حال ـ يضيف لاكوتير ـ كان جمال عبدالناصر وسط الضباط الأحرار في موقع تصدق عليه العبارة التي تناهت إلى قاموس العصر الحديث من أيام ساسة الرومان والعبارة تقول في اللاتينية ما يلي: «بريموس أنتير بارِسْ» وقد نترجمها الى العربية على نحو يقول: البارز بين المتساويين، أو المتقدم بين الأكفاء أو المميز وسط الأقران أو النظراء.

والمعنى بشكل عام هو أن ناصر كان واحدا من مجموعة من الشباب الوطني التأم عقدها وبذلت قصارى جهدها على مستوى كل فرد منها وتحمل كل منهم مخاطر ليلة التغيير، وهي موضوعياً مخاطرة التضحية بالوظيفة والحرية والمستقبل وبالحياة والروح ذاتها.

ولكن ناصر كان واحدا وزيادة أو كان فردا نظيرا لزملائه لكن مع إضافة تميز بها أو سمة فريدة اتسمت بها شخصيته وما لبثت أن طورتها الأيام وأنضجتها التجربة وعمقتها الإنجازات بقدر ما قصمت عودها السلبيات والإنكسارات.

زعامات وصداقات

في كل حال أيضا، كانت هذه السمة القيادية أو الزعامية هي التي جسدت نضج الشخصية ونمو المواهب وتطور القدرات ومحاولات التعلم والتثقيف والتماس مهارات إدارة الصراع الداخلي أو الجهوي أو الدولي، وهي مهارات عمل عبدالناصر على امتداد سنوات العمل العام على اكتسابها في جهد دؤوب، جاد، ومشهود من جانب المؤيدين والمعارضين على السواء.

وقد توزعت مسالك هذا الجهد ما بين القراءات والمطالعات ومتابعة الإذاعات والحوارات الجادة والمفيدة مع أبرز زعامات زمانه، نهرو في آسيا، تيتو في البلقان، براون وبيفان في غرب أوروبا، سيكوتوري ونكروما في أفريقيا، وشوين لاي في الصين.

ولم يقتصر الأمر على مجرد اللقاءات أو الحوارات أو حتى الصداقات، لقد كان معظم هؤلاء من قادة حركة التحرير الوطني التي شملت موجتها العارمة أصقاعا شتى في العالم، ولاسيما في القارات النامية الثلاث.

وعلى أيديهم ولدت حركة عدم الانحياز وتشكلت دنيا العالم الثالث وارتفعت أعلام المطالبة بالحرية السياسية مقترنة بالعدل الاجتماعي وبحق الشعوب النامية، أو فلنقل الفقيرة والمتخلفة في أن تشارك في تشكيل مقاليد عالمها وفي تسيير ولو جزء من مقادير عصرها.

ومن خلال هذه الجهود الناشطة والصابرة التي بذلها عبدالناصر لكي يفهم ويتابع ويتعلم بذات تتشكل وتتبلور نظرته الى الشأن العام، وبالتحديد الى قضايا مصر التي رآها عبدالناصر جزءا لا يتجزأ من كيان أكبر وساحة أوسع وأكثر شوقا الى العدل والحرية والتنمية والاستقلال ساحة اسمها.. الوطن.. العالم.. العربي.

هنا نصل إلى المؤلفة ـ آن الكسندر ـ إلى واحد من أهم فصول هذا الكتاب، وهو الفصل الذي تتابع فيه بمنهج التحليل النقدي مراحل تشكيل رؤية عبدالناصر إلى القضايا الأساسية التي مازلنا ـ يا للمفارقة ـ نعيشها بل ونعانيها حتى كتابة هذه السطور، قضايا التحرر الوطني والبحث عن الفرصة المتكافئة وتفعيل خطط النمو على صعيد وطن أمتنا الكبير. لهذا اختارت المؤلفة لهذا الفصل عنوانا يقول: ارتفاع مد التحرر.

الحلقة الرابعة

رؤيته استندت إلى حسّ التاريخ ومعطيات الواقع وطموحات المستقبل، بعد حرب السويس بدأت أسطورة عبدالناصر

تأليف :آن الكسندر

كانت نهاية الحرب العالمية الثانية هي بداية حركة التحرير الوطني التي اجتاح مداها أصقاعاً واسعة في عالم النصف الأخير من عقد الأربعينات، ولهذا لم تكن مصر هي البلد الوحيد الذي شهد حركة تجديد أو انبعاث للروح الوطنية، وهى الحركة التي بلغت أوجها ـ كما هو معروف ـ بإلغاء معاهدة 1936 وبدء الصدامات المسلحة بين العناصر الوطنية وقوات الاحتلال المرابطة في القاعدة البريطانية في منطقة قناة السويس، وكان ذلك في خريف عام 1951.

تقول مؤلفة الكتاب: من العراق إلى مراكش، ارتفع مد الحركات الوطنية على نحو يكاد يتشابه مع ما كان يحدث في مصر حيث خرجت الجموع إلى الشوارع مطالبة بانسحاب قوات الاحتلال الأجنبي، وعبر أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط والقارة الآسيوية كانت الامبراطوريات (الكولونيالية) القديمة تتداعى، ومن الهند الصينية إلى القاهرة، ومن ماليزيا إلى كينيا كانت ركائز الحكم الأجنبي البريطاني والفرنسي تتصدع، وتبدأ في الاضمحلال بعد سنوات من الثبات والرسوخ.

هذا المد الوطني كان ـ كما توضح المؤلفة ـ يتوخى تحقيق هدفين متلازمين:

الأول: هو الاستقلال، بمعنى الاستقلال السياسي الحقيقي وليس الاستقلال المقيد أو المنقوص، دع عنك الاستقلال الشكلي الذي يهتم بالمظاهر الاحتفالية، فيما يترك مقاليد البلد والشعب الحقيقية بيد البلد الأجنبي حيث تدار مقاليد الأوطان ومصائر شعوبها من عواصم الاستعمار في غرب أوروبا.

الثاني: كان يتمثل في تحقيق آمال التقدم والتحديث والنمو الاقتصادي الذي يصب عائده في صالح الجموع من جماهير الشعب التي طال عليها القهر والحرمان طيلة عهود الاحتلال والسيطرة الأجنبية والاستغلال الاستعماري.

في هذا السياق تؤكد المؤلفة أن تحقيق الهدف الثاني ـ العدل الاجتماعي والتقدم الاقتصادي ـ كان يتوقف بالضرورة على تحقيق الهدف الأول وهو استرداد الإرادة الوطنية ـ بالاستقلال السياسي ـ من قبضة الغاصب الأجنبي المحتل. تحرص آن الكسندر كذلك على أن تضيف ملمحاً ذكياً في إطار التحليل، حين تشير إلى أن العقبات التي كانت تحول بين هذه الجماهير وبين تحقيق آمالها في الحرية والاستقلال.

لم تكن لتقتصر قط وحسب على القوى الكولونيالية الأجنبية القادمة من غرب أوروبا ـ بل كانت هذه القوى المعادية لآمال الناس تضم كذلك المصالح والطبقات والفئات الحاكمة داخل تلك الأقطار، ومن تحالف معها من الطبقات المستغلة التي خلع عليها الثوار والمعارضون ـ وشاركهم في ذلك عبدالناصر ورفاقه من الضباط الأحرار ـ مصطلح الإقطاع والإقطاعيين.

إقطاع أم رأسمالية؟

نظراً لأن الكتاب يتبع ـ كما ألمحنا كثيراً ـ منهجاً علمياً في التحليل، فها نحن نوافق المؤلفة على ما تذهب إليه في هذه النقطة (ص71) حين تقول:

إن النموذج الزراعي في مصر لم يكن يصدق عليه مصطلح «إقطاع» كما ينصرف إليه المصطلح المتعارف عليه (في علوم السياسة أو الاقتصاد أو التحليل التاريخي). كان الإقطاع في مصر يتجسد في جماعات أو فئات سريعة النمو (والنفوذ) من فئة الرأسمالية الزراعية، وهو نمط حديث للغاية، ولكن حقيقة ونوعية المظالم والفروق الاجتماعية التي قامت على أساسها ثرواتهم وامتيازاتهم بدت كما لو كانت تصل بينهم بأكثر من سبب، وبين نظرائهم إقطاعيي العصور (الأوروبية) الوسطى.

ولما كانت هذه الفئات من الإقطاعيين الجدد تمتلك وتزدهر وتستغل في الريف، كان طبيعياً أن تأتي المعارضة وتنمو المطالبة بالحرية والعدل بين أفراد الطبقة الوسطى الفقيرة في المدن، من المتعلمين وصغار الموظفين وقيادات الحرفيين والكسبة ومن في حكمهم. وهى الفئات والطبقات التي اكتوت بنيران أسعار وقيود ومعاناة فترة الحرب العالمية.

وكانت مواردها تتناقص فيما كان وعيها بالظلم يتزايد، ومعه كانت أشواقها وطموحاتها إلى العدل تتقد وتتأجج اشتعالاً.كان طبيعياً كذلك للضباط الوطنيين الشباب، وهم في اغلبهم أحفاد فلاحين وأبناء عمال أو موظفين صغار (عبدالناصر نموذجاً). أن ينضموا إلى هذا التحالف المطالب بالعدل قرينا بالحرية والعكس صحيح أيضا في كل حال.

ناصر والاختيار الحاسم

يحق لنا أن نتصور ـ من خلال سطور المؤلفة ـ منعطف الطريق أو الظرف الحاسم الذي وقف عبدالناصر عند مشارفه وكان يتعين عليه الاختيار؟ تقول مؤلفة الكتاب:

كان ذلك في أواخر عام 1954 خرج عبدالناصر ظافراً من صراعاته مع محمد نجيب ومع الإخوان المسلمين ولكن دون أن يتضح مستقبله بوصفه زعيماً للعالم العربي. والحق أن نظام الضباط الأحرار كان ينظر إليه نظرة تشكك في كثير من الأقطار العربية، فهناك من كان يرى أن نظام الضباط الأحرار (في القاهرة) يرتبط بعلاقات أكثر من وثيقة مع الولايات المتحدة.

لكن كان ثمة عوامل ثلاثة على وجه التحديد هي التي دفعت عبدالناصر دفعا ليختار الدور الذي ما لبث أن اضطلع به في سنوات المستقبل. هذه العوامل هي: ظاهرة الاستقطاب الدولي التي تلازمت مع الحرب الباردة وقسمت مناطق النفوذ في عالم الخمسينات والستينات بين قطبين أساسيين، هما المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

(2) المحاولات الدؤوبة إلى حد الاستماتة ـ بل والتآمر ـ التي كانت تبذلها قوى الاستعمار القديم من أجل استعادة نفوذها في المناطق التي احتلتها على مدار قرون، وخاصة منطقة العالم العربي في الشرق الأوسط.

وأخيرًا: الضغوط التي تعرض لها الضباط المصريون الأحرار بعد نجاح الانقلاب في 23 يوليو، 1952 لكي يتحول الانقلاب العسكري إلى فعل ثوري حقيقي وأصيل، بمعنى المبادرة إلى تنفيذ خطط التنمية الاقتصادية والعدل الاجتماعي.

ناظر المدرسة

ما أبعد الشقة في حياة وزمان عبدالناصر بين بدايات ثورته كضابط شاب متمرد على النظام القديم وبين ارتقائه أوج النضج والزعامة، بوصفه بطلاً شعبياً وتجسيداً لما كانت تطمح إليه أمة العرب في مطالع النصف الثاني من القرن العشرين. وفي هذا الصدد تنقل المؤلفة عن الكاتب الإنجليزي روبرت ستيفن، الذي أورد سطوراً في كتابه الشهير عن عبدالناصر يقول فيها: في عام 1954 كان المواطن المصري العادي يتعامل معه بنظرة احترام ومهابة يشوبها قدر من الحذر والتردد، هي تلك النظرة التي يتعامل بها تلاميذ المدارس مع ناظر المدرسة الذي يكون قد صمم على تغيير معايير الأداء أو قواعد اللعبة داخل أسوار امدرسة.

لكن مع نهاية عقد الخمسينات جمال عبدالناصر قد اكتسب شخصية ذات أهاب جديد وأبعاد غير مسبوقة تصفها مؤلفة كتابنا قائلة: إنها شخصية خليفة صلاح الدين وبطل ثورة الأمة العربية المعادية للاستعمار.وفي هذا السياق أيضا تعمد المؤلفة موضوعيا إلى إيفاء القائد العربي الراحل حقه حين تشير إلى أن تطور شخصية على النحو السالف الذكر لم يأت عفواً ولا جاء تبرعا ولا محض صدفة ولا عن غير تأهب أو استعداد.

لقد بدأ الرجل سيرته ومسيرته بأفكار استطاع أن يبلورها ومن ثم يسجلها في الكتيب ـ الوثيقة التي ما برح مؤرخو سيرته وأعماله يحيلون إليها بوصفها أهم مرجع أصيل في متابعة التطور ـ الفكري ـ العقائدي لجمال عبدالناصر. إنه كتاب «فلسفة الثورة ـ المنشور في الفترة 1953 ـ 1954 وتصفه المؤلفة (ص 176) بأنه لا يمثل وحسب مصدراً جوهرياً لأفكار ناصر السياسية، بل يستمد الكتيب أهميته أيضا لأنه يحوي مادة بيوغرافية بمعنى المادة المتعلقة بالسيرة الذاتية لجمال عبدالناصر شخصياً.

في فلسفة الثورة بدأ ناصر ـ كما أصبح معروفاً بل بديهياً ـ بالدائرة العربية التي تعامل معها بمنطق المقارنة بين ضعف النظام العربي وتجزئته وبين ضخامة ـ بل جسامة ـ الإمكانات التي تمتلكها الأمة العربية، ومن ثقافتها العريقة وكون أرضها مهد الأديان السماوية الثلاثة، إلى الورقة الرابحة التي تحمل عنوان البترول ـ شريان الحياة للحضارة المعاصرة.

إفريقيا هي الدائرة الثانية، وقد رأى فيها ناصر وسائر المصرييين مرآة تعكس ثورتهم المعادية للاستعمار والاستغلال وطموحاتهم التي ترنو إلى نيل الحرية والتطور والتحديث.أما الدائرة الثالثة عند عبدالناصر فهي العالم الإسلامي، حيث كان الضابط الشاب يرى نوعاً آخر من وشائج الوحدة، تلك هي وحدة العقيدة والرابطة الروحية التي يمكن أن تجمع ملايين المسلمين على كلمة سواء.

وتتوقف المؤلفة كي تتحول سطورها من مجال عرض الأفكار إلى مجال التعليق أو التحليل ولاسيما بالنسبة للدائرة الثالثة المتعلقة بالإسلام. وفي هذا الإطار نتعرض للعلاقة بين جمال عبدالناصر والدين، تقول الكاتبة: رغم أن جمال عبدالناصر أدرج الدائرة الإسلامية ضمن رؤيته للمستقبل (على نحو ما طرحه في كتاب «فلسفة الثورة» إلا أن موقفه من دور الدين في السياسة كان مختلفا أشد الاختلاف عن موقف منتقديه من جماعة «الإخوان المسلمين».

لقد كان جمال عبدالناصر فرداً عميق الإيمان بالدين، وقد أدى فريضة الحج مرتين: الأولى عام 1954 والثانية عام 1965، ومع ذلك فقد ظل يقاوم بثبات وصلابة مطالب منتقديه من أجل أسلمة الدولة. وفي مراحل متأخرة من حياته حاول ناصر الجمع بين الإسلام والاشتراكية (بمعنى الإنصاف والمساواة والعدل وإنهاء استغلال الإنسان للإنسان) ولم يتورع عن دعم ومؤازرة إصلاح الأزهر ـ الجامعة الإسلامية العريقة في القاهرة. بديهي أن يتطرق الحديث عن كتاب «فلسفة الثورة» إلى الحديث عن الرابطة التي جمعت بين الزعيم جمال عبدالناصر وبين الكاتب الصحافي الأستاذ محمد حسنين هيكل.

هناك من يذهب إلى أن ناصر هو الذي كتب «فلسفة الثورة»، وهناك من رأى أنه سجل الأفكار والرؤى والطروحات ثم عهد إلى هيكل بصياغتها بأسلوب صحافي جذاب وهناك من يتصور أن هيكل هو الذي كتب الملزمة بالكامل، وفي كل حال تعلق آن الكسندر قائلة في هذا المضمار:

ـ أياً كانت الصحة في أي من تلك التصورات فقد شاء القدر أن ينعم جمال عبدالناصر بفضل وجود هيكل إلى جانبه، بعلاقة عمل مثمرة وصداقة شخصية دامت طيلة سنوات عمره وهنا تحيل المؤلفة إلى الزميل محمود مراد الصحافي بالأهرام الذي كتب عن هذه النقطة يقول: اقترب هيكل من عبدالناصر كصديق وليس كصحافي يبحث عن تحقيق مثير أو عن انفراد صحافي. كلا الرجلين كان قارئا شغوفا ولذلك فقد قيض لصداقتهما أن ترقى إلى مستوى نادر من التلاقي الفكري بشأن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية.

من ناحية أخرى تحيل المؤلفة إلى الكاتب الإنجليزي لورد ترفيليان الذي كتب بعد رحيل عبدالناصر مقالاً في جريدة «التايمز» البريطانية يقول فيه: ظل عبدالناصر مهتماً بالصحافة ومتابعاً لما تنشره على نحو متواصل ودقيق. كان يقرأ الطبعات الأولى من صحف كل صباح، وكان يحرص على متابعة الصحافة الأجنبية التي كان يقرأ مقتطفات منها عند منتصف الليل إلى حين يأوي إلى فراشه كل ليلة.

رؤيتان متناقضتان

من هنا تكونت رؤية الرجل من خلال قراءات وتجارب وصداقات وتفاعلات، مما جعلها رؤية تستند إلى مزيج من حس التاريخ ومعطيات الواقع وطموحات المستقبل في آن معا في إطار هذه الرؤية كان يتعين على عبدالناصر أن يربط بين عوامل شتى من أجل تفعيل وتحقيق مشروعه الطموح على أرض العالم العربي. تلك الرؤية هدته إلى أن يربط عوامل طرد الاستعمار بعوامل تحجيم إسرائيل وإقرار حقوق الفلسطينيين، بعوامل تعزيز القوات المسلحة، بتحديث أسلحتها وكسر احتكار الغرب لعمليات التزويد بتلك الأسلحة الحديثة.

ومعها أيضا عوامل التنمية الاقتصادية والتكوين ـ التراكم الرأسمالي، ومباشرة المشاريع الطموحة التي تنطوي على تغييرات جذرية في هياكل الاقتصاد وتفضي بالضرورة إلى تغييرات راديكالية في هياكل وأعراف المجتمع. وكل ذلك في ظل إعلام تحفيزي ـ بل وتحريضي ـ جسدته إذاعة «صوت العرب» من القاهرة وبنية ثقافية استطاع رفيقه ثروت عكاشة أن يقيم مؤسساتها على أرض المجتمع المصري تبشر بالتغيير وتربط بين طموحات الغد وتراث الماضي.

وكان الناس، جموع البسطاء وصفوة المثقفين في الوطن العربي وفي العالم، يتابعون التعبير عن جوانب هذا المشروع الناصري الدينامي الطموح من خلال مقال «بصراحة» الذي كان ينشره محمد حسنين هيكل صباح كل جمعة على امتداد أكثر من عقد ونصف العقد من عمر ذلك الزمان.هذه الرؤية الطليعية بكل طموحاتها للتغيير وبكل ما كان يشوبها أحيانا من عوامل المراهقة الثورية وعوامل فجاجة الأداء ـ كانت تقف على النقيض منها رؤية مغايرة تماماً وجدت من يتبناها عند زعامات قائدة ونظم حاكمة وطروحات فكرية وأحياناً حزازات شخصية كانت في مجموعها معادية لكل ما كان يقول به.

وكل ما كان ينادي به ويرمز إليه جمال عبدالناصر. من شخصيات الرؤية المغايرة بل المناقضة كانت زعامات من أمثال نوري السعيد في العراق وكميل شمعون في لبنان ومن النظم الرافضة لتوجهات عبدالناصر ـ وقتها ـ كان نظام حميد الدين في اليمن ومن الطروحات الفكرية، التي كانت متحفظة على توجهات عبدالناصر في مجالات معاداة الغرب أو مصادقة الشرق (السوفييتي) أو التشدد في قضايا الصراع مع إسرائيل كان نظام الزعيم التونسي المخضرم الحبيب بورقيبة.

وبهذا كله كان لابد أن يكتسب ناصر عداء أطراف شتى، داخل المنطقة وخارجها. من نوري السعيد إلى شمعون، ومن فرنسا التي ساعد على حربها في معارك الاستقلال الجزائري إلى إنجلترا التي ساعد على هدم وزوال امبراطوريتها بعد حرب قناة السويس في عام 1956 إلى أميركا التي نقمت عليه بسبب ضراوة عدائه لربيبتها إسرائيل ورفضه التصالح مع الكيان الصهيوني ثم زادت نقمتها إلى حدود التآمر المؤسسي ـ المخابراتي بعدما رأته من تحيز قاهرة عبدالناصر لصالح موسكو السوفييتية.

وخاصة من خلال بناء سد أسوان العالي، بل اشتعل العداء بين ناصر وموسكو نفسها بعد أن حاكمت القاهرة أعضاء التنظيمات الشيوعية وأدخلتهم السجون فضلا عن رفض عبدالناصر ـ وتلك مأثرة تحسب له تاريخيا ـ السير في الركاب العقائدي السوفييتي معلنا أن الاشتراكية العربية تؤمن بالله وترفض الإلحاد وتعمل على تجنب دموية الصراع الطبقي ولا تطبق ديكتاتورية الطبقة العاملة الصناعية، (البروليتاريا).

وفوق هذا كله ترى اشتراكية ناصر ـ على خلاف ما تراه الشيوعية ـ الماركسية أن الدين قوة دافعة نحو التقدم والاستنارة، بقدر ما ترى أن العروبة وشيجة يستند إليها الوجود القومي للأمة العربية. ويلاحظ أن المؤلفة ـ على نحو ما فعلت جمهرة مؤرخي سيرة جمال عبدالناصر في الماضي ولعلهم سوف يفعلون الشيء نفسه في المستقبل ـ تقف عند أحداث «حرب السويس» في خريف 1956 بوصفها «نقطة التحول» الفارقة في حياة وزمان جمال عبدالناصر. لقد خرج الرجل وقد نجح رهانه في التصدي للعدوان الثلاثي على مصر، التي خرجت بدورها فائزة بقناة السويس ملكا وطنيا خالصا.

وفي عبارات موجزة تلخص «آن الكسندر» أهم معالم هذا التحول حين تقول:

ـ على المسرح العربي بدا عبدالناصر تعبيرا عن الكرامة العربية، وبعدها بدأت تنسج خيوط الأسطورة، «أسطورة الريس» كما أصبح الناس يعرفونه في كل أنحاء العالم العربي.

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الحلقة الخامسة

أسرار الدائرة الكهربائية السحرية مع الجماهير العربية، المخابرات الأميركية : كرهناه لأنه غير قابل للإفساد أو الابتزاز

تأليف :آن الكسندر

الذروة الفكرية في هذا الكتاب ـ هل نطلق عليها أيضا اسم «الحبكة الدرامية» تتمثل عند المؤلفة في كلمة «الريس» التي تربط بينها وبين ما تطلق عليه أيضا (ص 97) الوصف التالي: صنع الأسطورة وهي تسهب في هذا الوصف لتوضح أن الأمر قد انطوى ـ مع صعود سنوات النصف الأخير من عقد الخمسينات ـ على «تحول جمال عبدالناصر إلى بطل القومية العربية».

وهذا ما جعل الصحافيين والمحللين الأجانب يولون مزيداً من الاهتمام للزعيم المصري، شخصيته، شمائله، سلوكياته، اتصالاته، رؤيته للأحداث الداخلية أو العالمية في تلك الفترة، علاقاته العربية والدولية، والأهم من هذا كله جانب غاية في الأهمية، وهو: تلك الوشيجة المستجدة ـ ذلك الخيط السحري غير المرئي أشبه بالدائرة الكهربائية التي ربطت بين جمال عبدالناصر وأبسط قواعد الجماهير في الوطن العربي.

تواصل المؤلفة حديثها فتقول أيضاً: لقد افتتن الصحافيون الغربيون بطلعة الزعيم الأسمر وقامته الطويلة ذات الجبهة العريضة وقد جلّل المشيب فودية قبل الأوان، هذه القامة الطويلة التي ذكّرت (الكاتب الفرنسي) لاكوتير بتمثال من الجرانيت الصلد يشغل إحدى زوايا متحف الآثار المصري في قلب القاهرة. ثم أن أسلوب حياة عبدالناصر كان له تأثيره القوي الفعّال على وجدان المراقبين المعاصرين.

كانت مناقبه الشخصية مضرباً للأمثال، فهو يعيش حياة أبعد ما تكون عن مظاهر الفخفخة والأبهة : في بيت متواضع بضاحية منشية البكري بالقاهرة، لكنها كانت حياة أسرية سعيدة مع زوجة وخمسة أطفال، فقد كان «مسلماً يعرف دينه جيداً ولم يقرب الشراب يوماً» على نحو ما كتب جون بادو الرئيس السابق للجامعة الأميركية في القاهرة (في دراسة منشورة في مدينة بافالو بالولايات المتحدة).

ثم تضيف آن الكسندر قائلة: لم تكن صورة (شخصية) ناصر نتاجاً لأساليب العلاقات العامة ولا كان صنيعة الدعاية الإعلامية، كان قصاراه أن يكفل حياة مريحة للزوجة والأولاد. وبعدها بدا الرجل وكأنه زاهد إلى حد كبير في جوانب المتعة الشخصية التي تأتي بها السلطة وينطوي عليها نفوذ السلطان.

لهذا ـ تستطرد المؤلفة ـ كان عبدالناصر شخصية «يعقوبية» بمعنى الجمع بين الصلابة والقدرة على مقاومة المغريات ـ شخصية غير قابلة للإفساد مما أسخط عليه كثيراً من أعدائه ومما جعل عملاء المخابرات المركزية الأميركية الـ (سي. آي. إيه) في قاهرة الخمسينات يجأرون بشكوى مريرة من أن عبدالناصر هذا لا يتصف بتلك الخصائص المعهودة في من يستأثرون في أيديهم بمقاليد الأمور والشعوب.

وهنا تحيل المؤلفة مرة أخرى إلى الكاتب الفرنسي لاكوتير الذي ينقل في كتابه عن ناصر تلك العبارات التي اشتهرت على لسان عملاء المخابرات الأميركية إذ يقولون: «مشكلتنا مع عبدالناصر أنه رجل بلا رذائل فلا نحن قادرون على شرائه ولا على ابتزازه، ومن ثم لم نعد نملك سوى أن نبغض هذا الرجل من أعماق قلوبنا، لكننا لا نستطيع أن نلمسه، فهو نظيف إلى حد لا يطاق!».

العلاقة مع الجماهير

بعد هذه الإفاضة في السمات والسلوكيات الشخصية تتحول المؤلفة إلى ما ألمحنا إليه من العلاقة شديدة الخصوصية التي كانت تربط جمال عبدالناصر وجموع الجماهير، بسطاء الناس في أمة العرب، إنها في هذا السياق تنفرد برأي مفاده أن المسافة التي كانت بين عبدالناصر ورفاقه الضباط الأحرار كانت تتسع والشقة كانت تتباعد، وربما بالقدر نفسه كانت المسافة والشقة تتقلص، العلاقة كانت تزداد دفئاً وموثوقية بين ناصر وملايين العرب والمصريين.

وهو ما يصفه الكاتب المصري الراحل غالي شكري بأنه «ذلك الإيمان الميتافيزيقي في وشيجة التوحد بين عبدالناصر والجماهير بمعنى أن عبدالناصر كان يخاطب الجماهير مباشرة وقتها، باسمه، ومن خلال هذا التوحد (أيا كان الرأي فيه) كان قرار عبدالناصر ـ كما يضيف غالي شكري ـ هو الديمقراطية نفسها وكان فكره وعقيدته هو جماهير الناس في دنيا العرب، أما الوسائل التقنية (الإعلامية ـ إذاعة صوت العرب مثلاً أو جهاز الراديو الترانزستور) فهي كانت فقط في عرف «الريّس» هي البديل الحديث عن الحزب السياسي في بلد نام.

ولكن، ماذا عن الأسلوب، اللغة، والمفردات في الخطاب الناصري؟

عن هذه النقطة المهمة تطرح آن ألكسندر مجموعة من الملاحظات الفاهمة تقول فيها: في العهد الملكي في مصر كان الساسة يستخدمون في خطابهم العام لغة فصيحة منمقة من حيث البلاغة والفصاحة وأناقة التعبير، لكن عبدالناصر استثمر مهاراته الخطابية لكي يأتي بلغة الحياة اليومية التي يستخدمها الشارع العربي فيدخل بالناس إلى أرفع درجات دنيا السياسة، ولهذا فقد كانت مهاراته كخطيب تشكل جانباً جوهرياً من شخصيته كزعيم بل أنها خلفت أثراً بارزا ومستمراً على اللغة العربية ذاتها.

كيف؟ إن الطفل العربي ينمو وهو يتكلم لهجة بعينها من لهجات الأقطار العربية، وفي المدرسة يبدأ الطلاب في تعلم العربية الكلاسيكية (الفصحى) باعتبارها لغة الأدب والإعلام، والمسلمون بالذات يدخل في تكوينهم التربوي استيعاب آيات من القرآن بمعنى التعامل مع لغة العرب في القرن السابع للميلاد. وفي ظل مجتمع لم يكن تتاح فيه ميزة التعليم للجميع (قبل 23 يوليو)، كانت جماهير عبدالناصر تستمع إليه وهو يتكلم لغتها ويشاركها مشاعرها ويبلور معها طموحاتها ومن ثم كانت حساسية هذه الجماهير إزاء لغة الخطاب الناصري تتسم بشعور الجماهير بأن لها أن تتمتع بشعور المكانة الاجتماعية والأهمية وتكيد الذات.

لغة الناس

بيد أن المؤلفة تبادر ـ من باب التحوط والاحتراز العلمي ـ إلى التنبيه إلى أن عبدالناصر كان واعياً إلى أن استخدام لغة الناس لا يعني بالضرورة النزول بالأفكار السياسية والطروحات الفكرية إلى درك لا يليق بها، إنها ترصد في هذا السياق التحليلي لجوء خطابات عبدالناصر إلى الجمع بين الفكرة وتبسيطها، وتشير إلى خطاب شهير ألقاه عام 1965 حول معنى الاشتراكية وأسهب في بيان معانيها في العقائد والسياسات والدراسات بوصفها عملية إنهاء استغلال الإنسان للإنسان وكسر احتكار الثروة في يد قلة أوليجاركية في المجتمع.

لكنه في سياق الخطاب طرح أسئلة مبسطة ولمّاحة هي تلك التي تساور الجماهير العادية عن معنى الاشتراكية وتكافؤ الفرصة وإقامة مجتمع الكتابة والعدل،. الخ،. ثم فاجأ ملايين الحاضرين والمستمعين في أركان وربوع العالم العربي حين قال: إننا نهدف من خلال هذه الاشتراكية وباختصار شديد إلى كفالة الوظائف وفرص العمل للأولاد وإيجاد فرص الزواج والستر للبنات، الاشتراكية عنده كانت تعني في التحليل الأخير : تشغيل الأولاد وتستير البنات.

وكان هذا بالضبط ما يخص الجماهير البسيطة وما يعنيها في المقام الأول، أما الباقي فهو مجادلات المفكرين أو مماحكات المثقفين.وكان لهذا كله محصلة نهائية ومعنى جوهري تلمحه المؤلفة باقتدار حين ترصد أهم المفردات التي كانت تتمحور حولها خطابات ناصر (ص 99) وهذه المفردات المحورية هي: الكرامة، العزة، الحرية، المجد، الوحدة، القومية،

في بيت متواضع

لكن ماذا عن العائلة الصغيرة في البيت المتواضع في منشية البكري؟

تقول المؤلفة آن ألكسندر في حديثها عن الحياة العائلية لعبدالناصر: على الرغم من أن الأولاد الخمسة (بنتان وثلاثة من البنين) كانوا أبناء الزعيم، فلم يكن لدى الأب (جمال) ولا الزوجة (تحية) أية خطط أو تصورات بإنشاء أسرة حاكمة في مصر (دايناستي). البنتان هدى ومنى اتخذتا طريقهما إلى النشأة والنضوج بعيداً عن الأبهة والضجيج الذي يحف بأبناء رئيس، ناهيك عن أن يكون زعيماً قومياً وعالمياً لدرجة أن هدى تصف نفسها بأنها بنت عادية تنتمي إلى جيل من المصريين» .

(أما الابن الأكبر (خالد) فقد أصبح عضواً في البرلمان (هذا خطأ بالطبع من مؤلفة الكتاب والصحيح أن الدكتور خالد أستاذ بكلية الهندسة جامعة القاهرة). واتهم في قضية تنظيم ثورة مصر الذي طارد الإسرائيليين في شوارع القاهرة في النصف الثاني من الثمانينيات لكنه لم يجد حاجة ولا كان بحاجة إلى الدفع به إلى مراقي الحكم العليا في الدولة على نحو ما آلت إليه أحوال وأوضاع زعماء آخرين (ص 103 من الكتاب).

ثم تضيف المؤلفة قائلة (ص 104 وما بعدها): كان عبدالناصر يكره توريث المزايا والمناصب والنفوذ وكان يفعل قصارى جهده لكي يكفل ابتعاد أبنائه عن أن ينعموا بأوضاع أو ميزات خصوصية وكم كان يعمل على تذكيرهم بأن أصول أبيهم تعود إلى قرية صغيرة وبسيطة في صعيد مصر اسمها «بني مُر».

ومرة أخرى تحيل المؤلفة الإنجليزية إلى كتاب صادر بالإنجليزية في عام 2004 بقلم الكاتب العربي «سعيد أبو الريش» بعنوان «عبدالناصر، آخر العرب»،. وتقول: ها هو سعيد أبو الريش أحدث من أرخ لسيرة جمال عبدالناصر يروي حكاية الأب الذي أراد أن يبني مسكنين لتقيم فيهما بعد الزواج كل من هدى ومنى ـ يومها ـ يقول أبو الريش ـ اتفق زملاء عبدالناصر على أن يجمعوا سراً فيما بينهم مبلغاً من المال لاستكمال الفرق الحاصل بين مدخرات الزعيم الأب المتواضعة وبين الكلفة الحقيقية لمسكني البنات.

ذروة الصعود

سنة 1958 كانت ـ كما تصفها المؤلفة ـ سنة شروق مصر واكتمال زعامة قائدها الشاب (40 سنة وقتئذ). هي سنة اندماج مصر وسوريا في دولة واحدة، وسنة سقوط نظام نوري السعيد في العراق، وكان خصما لدوداً لناصر من ناحية الفكر والسياسة والانتماءات والتوجهات وسنة اضطرام المد الوحدوي بموجات اختلط فيها الأمل بالواقع وكاد الخط الفاصل ينجاب بل ويزول بين الحقيقة بكل معطياتها الباردة والقاسية، وبين الوهم اللذيذ المفعم بالشعر والمتطلع إلى تجسيد حلم الوحدة الذي تصوره الحالمون، والشعراء والواهمون وقد أصبح قاب قوسين أو أدنى من التجسد والتحقق.

وعندما خرج عبدالناصر إلى الجماهير، الملايين في ساحة قصر الضيافة في دمشق كاد الناس يخلطون الحاضر بالتاريخ، استعادوا صورة وسيرة صلاح الدين الأيوبي، قاهر الاستعمار الغربي المستتر وراء الصليب وشريك الزعيم جمال في لقب «ناصر» والقائد التاريخي ـ الرمز لاستعادة كرامة العرب وإعلاء شأن المسلمين خلال مراحل العصور الوسطى (وقد نضيف إلى تحليل الكتاب في هذه النقطة أن هذا المعنى بالذات هو الذي ذهبت إليه أنشودة أم كلثوم في تحية الوحدة بين القاهرة ودمشق حين رددت القول : بأن الشعب الذي رفع راية صلاح الدين أودعها يمين عبدالناصر.. الخ).

بذور الانكسار

لكن، لأن كل ما زاد ينقص وكل بدر يكتمل لا يلبث أن يؤوب إلى غروب وأفول وذلك جدل الحياة في قانونها المرسوم، فها هي مؤلفة الكتاب وبعد أن أفاضت ـ كما رأينا ـ في الحديث عن صعود أسطورة الزعامة الناصرية ووصلت بها إلى ذروة الموقف ـ التاريخي بحق ـ لحظة الظهور ربما بالمعنى الميتافيزيقي للتجلي ـ في شرفة قصر الضيافة في ربيع عام 1958 ـ ها هي آن ألكسندر، تعود وتتهيأ لكي ترصد جدل الظاهرة الناصرية بين السطوع والأفول. لهذا تعمد إلى أن تختار لواحد من الفصول قبل الختامية من هذا الكتاب العنوان التالي: «بذور الانكسار».

لقد كان صرح الوحدة المصرية ـ السورية ـ يعاني انكسارات وتصدعات من الخارج ومن الداخل على السواء: قامت ثورة العراق ولكن انفرد بمقاليدها بعد تطورات مريرة عبدالكريم قاسم فإذا به يناصب عبدالناصر ألد العداء، وإذا به يدخل في أسوأ التحالفات الشعوبية وأشدها دموية مع عناصر الشيوعيين في بلاده وإذا بطرفي القاهرة ودمشق من ناحية وبغداد من ناحية أخرى يدخلان في سجال سياسي وإعلامي شهد أخطاء لا تنكر من الجانبين، وأوصلتهما المبالغات والمزايدات إلى حال من الإنهاك والإجهاد مما استنفد قواهما إلى حد ليس بالقليل وعلى حساب المصالح العربية العليا.

أما على مستوى الداخل في الجمهورية المتحدة الوليدة فقد كانت صراعات حزب البعث مع خصومه في سوريا وأيضا مع شركائه الجدد في التجربة من المصريين، فضلا عن أخطاء سلوكية ومهنية وتحريضات بلغت حدود التآمر الممول من خارج الحدود ـ كل هذا أودى بتجربة الوحدة وأفضى بها إلى طعنة الانفصال في سبتمبر من عام 1961.

قيل الكثير عن عوامل فشل الوحدة، منها آراء متعجلة وعاطفية وأحيانا مغرضة أو جاهلة. والمؤلفة تعرض لعدد منها، وإن كانت تتوقف عند دراسة رصينة أقرب إلى الموضوعية أعدها البروفيسور ستيفن هايدمان (منشورات جامعة كورنيل الأمريكية عام 1999 ـ تأمل مواصلة الاهتمام الخارجي بالتجربة الوحدوية بعد أكثر من 40 سنة من قيامها!).

والدراسة تفيد أن المسألة لم تكن مجرد كراهية السوريين للبيروقراطية المصرية أو الروتين القاهري: المسألة في جوهرها تمحورت حول رغبة المصريين في فرض نموذج سياسي وإنمائي واضح أو جامد على أوضاع سورية وهو نموذج الحشد الشعبي والتحول نحو التصنيع وتركيز السلطات.

وعلى الرغم من الكثير من الأخطاء إلا أن البحث العلمي يفيد بأن عبدالناصر كان على استعداد لاستغلال موارد مصر نفسها من أجل تسريع عملية النمو في سوريا، وعلى الرغم من الشكوى من حكاية «الاستعمار المصري» (ص 125) فالحق كما يشهد كتابنا أن مصر في إطار تجربة الوحدة نجحت في سد العجز بالميزانية السورية وقدمت معونات مالية لا يستهان بها إلى دمشق ـ عاصمة الإقليم الشمالي سوريا في إطار تلك التجربة التي لم تعش سوى ثلاث سنوات وسبعة أشهر لا تزيد.

مع زعماء أفريقيا

كانت هناك أيضا جبهة أفريقيا التي دعمت القاهرة حركات التحرير على صعيدها، وربطت عبدالناصر مع زعمائها الوطنيين من آباء الاستقلال وصانعيه صداقات وثيقة أدت إلى مزيد من التفاهم وتوحيد الصفوف، لدرجة أن استطاع عبدالناصر بعد جهود جبارة لم تجد بعد من يكتب عنها علمياً وموضوعياً ـ استطاع أن يقنع رفاقه من الزعماء الأفارقة الكبار بعدالة قضية الشعب الفلسطيني ومن ثم بأن إسرائيل هي في التحليل الأخير إحدى ظواهر الاستعمار الجديد.

وفي هذا الإطار كانت القاهرة تتسامع بأسماء قوامي نكروما، وموديبوكيتا، وباتريس لومومبا، وأحمد سيكوتوري، في كل من غانا ومالي والكونغو وغينيا على التوالي، وتتابع نضالهم المشترك مع ناصر على جبهة معاداة الاستعمار، بل إن خطط ـ بالأدق محاولات ـ التنمية في أفريقيا نفسها كانت تحاكي أحيانا خطط التنمية في مصر ـ الناصرية. وهنا تقول المؤلفة أنه كما أنشأ عبدالناصر سداً عالياً على نهر النيل، قام نكروما بإنشاء سد على نهر الفولتا .

ثم يسجل لعبدالناصر ـ كعربي ـ أنه تدخل في اللحظة المناسبة ليسبغ الرعاية والحماية على عائلات هؤلاء الزعماء، الذين راحوا ضحية مؤامرات الاستعمار، ومن ثم كانت قاهرة عبدالناصر هي التي احتضنت عائلة نكروما بعد الإطاحة به في غانا واستقبلت عائلة لومومبا بعد مؤامرة اغتياله في الكونغو.الرحلة طويلة وحافلة إذن عبر المنعطفات العديدة التي اجتازتها سيرة جمال عبدالناصر. ولقد بقي منها الفصل ـ المنعطف الأخير الذي نتصوره مع مؤلفة هذا الكتاب حافلا بالانكسار والجروح، وأيضاً بشموخ الاصطبار ومعاودة النضال ثم لوعة الرحيل.

الحلقة الاخيرة

ما الذي يبقى منه للتاريخ؟، الجماهير أنقذت ناصر من حافة الانهيار بعد النكسة

تأليف :آن الكسندر

الفصل الأخير من هذا الكتاب يغطي السنوات الثلاث الأخيرة والأكثر أهمية في حياة بطل الكتاب، وهي تلك الفاصلة بين تاريخين لا يمكن أن ينساهما العقل والوجدان العربي المعاصر بحال من الأحوال، الأول هو الساعة التاسعة من صباح يوم الخامس من يونيو عام 1967، والثاني هو الساعة الخامسة من مساء يوم الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970م.

وبديهي أنها المسافة الفاصلة بين موعدين هما الأخطر في سيرة جمال عبد الناصر وهما موعد الانكسار وموعد الرحيل. ومن الطبيعي في حياة البشر العاديين بل وحياة القادة والزعماء – وهم بشر في كل حال – أن يدفع الانكسار هؤلاء البشر إلى حافة الهاوية. ولكن حكاية عبد الناصر كانت فريدة في بابها. لقد وصل بالضبط إلى هذه الحافة، لكنه لم يسقط فيها، ربما ترنح بفعل ضربة الهزيمة، ربما فقد القدرة على التركيز لفترة ما، ربما ضاعت ثقته في جيشه وفي سلطاته وفي معاونيه وفي أصدقاء عمره، بل وفي نفسه أيضا، لكن تلك ـ بالطبع ـ لم تكن القصة كلها.

* الهزيمة وثقة الجماهير

لم يلبث عبدالناصر أن تمالك نفسه واستجمع ما تبقى من القدرة على الاستمرار، فقد خسر معركة عسكرية لكنه لم يخسر إيمانه بإمكانية الثبات والصمود والارتفاع فوق الجراحات ومعاودة الثقة في أرضية الحق، العدل، التنمية، التقدم التي كان يقف عليها.وعندنا أن الفضل في هذا كله يرجع إلى طرف واحد، بل وحيد، يحمل بدوره اسماً واحداً، بل وحيداً وهو الجماهير، الجموع، ملايين الناس البسطاء في وطن هذه الأمة العربية.

هي التي مدت يدها إلى عبد الناصر في أحلك لحظات الهزيمة وأقساها وكان أن رفضت استقالته بل وأقالته من عثرة اليأس، وشدت ظهره وقررت أن تعيد تكليفه في موقع القيادة بهدف اتفق الطرفان عليه وهو إزالة آثار العدوان، وبعدها يمكن فتح الملفات ويتسنى مراجعة كشوف المساءلة والحساب.مؤلفة الكتاب – آن ألكسندر – ترصد في الفصل الأخير هذه الظاهرة فتبادر إلى القول: أمة أصيلة لا نظير لها لا تطير نفسها ولا تستبد بشخصيتها حسرات الخسران ولا تسيطر عليها روح الضياع بل تتلقى الضربة، وتعاني الألم الرهيب ثم لا تلبث أن تنهض وترفع هامتها كي تعيد أقدامها على مسيرة القتال من جديد.

لهذا اختارت المؤلفة عنواناً طريفاً وبالغ الدلالة لهذا الفصل الذي تتطرق إليه في هذه السطور، والعنوان يقول: إلى حافة الهاوية ثم العودة منها. العنوان في جوهره يعني أن الأمور في مصر التي تلقت ضربات الهزيمة العسكرية القاصمة في الأيام الأولى من شهر يونيو 1967 كادت تصل إلى حافة التصدع أو الانهيار، وربما كان المتوقع حسب منطق الأشياء هو أن تعرض زعامتها التسليم أو الصلح شأن كل طرف مهزوم، بيد أن الطرف الآخر في المعادلة كان له بدوره منطق آخر، هذا الطرف هو ملايين الناس في العالم العربي، وهذا المنطق الآخر هو أننا ربما خسرنا المعركة، ولكننا لم نخسر المواجهة لأننا لم نخسر أنفسنا في كل حال.

وهذا الطرف، هذه الملايين لم تسكت على رأيها هذا، ولا أودعته حبيساً في الصدور، بل خرجت عن بكرة أبيها، كما يقولون لحظة إعلان ناصر عن تنحيه عن موقع القيادة في مصر لكي تعيد تكليفه وفق ميثاق غير مكتوب وتجدد الثقة فيه، وهي ثقة لم تكن عشوائية ولا عاطفية، ولكنها كانت وليدة خبرة تاريخية ومحكات وممارسات عايشتها جماهير الناس مع زعيمها عبر سنوات وسنوات.

تقول آن ألكسندر (ص 140 وما بعدها): خلال ساعات قلائل من خطاب التنحي خرجت جموع الناس بالألوف إلى الشوارع تطالب عبد الناصر بالبقاء. هذا المفصل التاريخي يصوره الكاتب الإنجليزي «روبرت ستيفن» في كتابه عن عبد الناصر الذي تنقل إليه عنه مؤلفتنا العبارات التالية: في غبشة المساء، وفي الشوارع شبه المظلمة، خرج مئات الألوف من الناس. كان بعض الرجال وبعض النساء بملابس النوم، انطلقوا من أبواب البيوت يصرخون ويهتفون: ناصر لا تتركنا فنحن بحاجة إليك، وكانت أصواتهم أقرب إلى هدير العاصفة، وعلى مدى الساعات التالية كانت الملايين تزحف إلى القاهرة، من كل مدينة وكل بلدة وكل قرية، أمة بأملها خرجت في مسيرة تهتف بشعارات لا سبيل إلى تجاهلها ولا تجاوز معانيها شعارات من قبيل: لا للدولار، لا للاستعمار، لا زعيم إلا جمال.

* هل كانت مسرحية؟

تذهب المؤلفة إلى القول إن هناك من المراقبين الغربيين من ذهبوا إلى أن المسألة كانت «مسرحية» من تدبير عبد الناصر، الذي رجع عن قرار التنحي. لكن هناك من المحللين من يصدرون عن رأي مخالف تماماً، ولا سيما بعد رؤية وجه عبد الناصر خلال إعلان التنحي، وقد انعكست عليه كل علامات الألم والمعاناة وانكسارات الهزيمة، وكأن الرجل زاد عمره سنوات خلال دقائق الخطاب.

مرة أخرى تحيل المؤلفة إلى روبرت ستيفن، الذي يحاول فهم الثقة التي أولتها الجماهير في تلك اللحظات لزعيمها المهزوم يقول: «لم يكن المصريون يحكمون على عبد الناصر ببساطة من خلال نجاحه أو فشله كقائد عسكري. لقد عرفوا فيه الرجل الذي أطاح بالملك فاروق، وأنهى الاحتلال البريطاني (بعد 70 عاماً) وكفل لمصر سيطرتها كاملة على قناة السويس، وشرع في بناء سد أسوان العالي على نهر النيل، وعمل على تنفيذ قانون الإصلاح الزراعي وتوسيع قاعدة ملكية الأرض لصالح الفلاحين المعدمين،

وفرض السيطرة التي تحول دون ارتفاع إيجارات المساكن والمحال لصالح فقراء المستأجرين، وبنى المزيد والمزيد من المدارس والمصانع، وأدخل المياه النقية والكهرباء إلى كثير من القرى، وبدأ منظومة التأمينات الاجتماعية لصالح العمال. وعمل ضمن نطاق محدد أو محدود على أن يكون للمصريين كلمة في إدارة شؤون بلادهم» .هكذا شارفت قدما عبد الناصر حافة الانهيار، ولم ينقذه من الحافة سوى جماهير الناس.

فكان أن عاد إلى موقعه وفيما تصفه المؤلفة بأنه «تبدل الحظوظ» وهي تضيف في هذا السياق قائلة: هذا التبدل في الحظوظ ما لبث أن تأكد ليصبح حقيقة راسخة لا في القاهرة حيث دولة عبد الناصر، بل في الخرطوم حيث توجه ناصر لحضور مؤتمر قمة عربي، فكان أن شهدت في أغسطس 1967 مئات الألوف من أهل السودان يخرجون في شوارع عاصمتهم لاستقبال جمال عبد الناصر والهتاف بحياته الأمر الذي تولد عنه عنوان سوداوي ممرور نشرته مجلة (نيوزويك) يومها على غلافها وتقول فيه: أهلا أهلا بالمهزوم!.

وكانت المجلة تعبر بذلك عن استغراب عميق استبد بها إزاء الجماهير في عاصمة عربية ترحب بقائد مهزوم أو مكسور وكان معها الحق، في رأينا، لأنها كانت تصدر عن منطق وضعي، براغماتي، مصلحي، يطل على كل شيء من منظور الحسابات الباردة والمعادلات الرياضية التي تكاد تساوي بين البشر والآلات.

* منطق الثقافة العربية

أما الجماهير العربية فكان لها منطق آخر، هو ذلك الذي تصدر فيه عن ثقافة قومية إنسانية وأصيلة تقول إن الأمم العظيمة تصهرها الآلام العظيمة وان نار المحنة لا تحرقها بقدر ما تعجم عودها وتجلو أصالة معدنها فإذا بها تضمد الجراح وتنهض إلى المقاومة من جديد. على المستوى الشخصي، مستوى علاقات الزمالة ورفاق الطريق، زادت معاناة الرجل إزاء مأساة الهزيمة وعصيان ثم مصرع أقرب أصدقائه إليه عبد الحكيم عامر، وهناك من يذهب إلى أن ناصر خلال المرحلة الأولى من إعادة البناء في أعقاب الهزيمة حاول أن يستعيد صداقاته مع قدامى الضباط الأحرار.

وهناك أيضا من ينسب إلى واحد منهم هو عبد اللطيف البغدادي عبارات قالها في هذا الخصوص وهي: الأفضل بالنسبة لي أن أظل صديقاً لعبد الناصر من أن أصبح رئيسا لوزرائه، والتجربة علمتني أن لا سبيل إلى الجمع بين الحالتين. عند هذه النقطة بدورها تتوقف المؤلفة الإنجليزية (ص 146 وما بعدها) لكي تحلل علاقات عبد الناصر بزملائه، وخاصة أولئك الذين اختلفوا معه لسبب أو لآخر وآثروا الاستقالة أو الانسحاب من الشأن العام.

وفي هذا الصدد تقول آن ألكسندر: إن تاريخ الضباط الأحرار (في مصر) يوضح كيف أن النزعة الدكتاتورية في شخصية عبد الناصر كانت أبعد ما تكون عن الحماقات الملطخة بالدم التي ارتكبت في أنظمة عربية أخرى، وعلى خلاف سلوكيات رجل البعث القوي صدام حسين فإن معظم أعضاء مجلس الثورة المصري عاشوا طويلاً بعد رحيل جمال عبد الناصر.

والحاصل أن عبد الناصر، وقد تلقى أمر التفويض مجدداً من الجماهير في مصر والأمة العربية، وعلى الرغم من تركيزه كأولوية على إعادة بناء القوات المسلحة وهو جهد كان خارقاً بقدر ما كان خلاقاً، وكان ناجحاً بقدر ما لقن العدو الصهيوني درساً بعد رحيل الزعيم إلى عالم البقاء بثلاث سنوات وثمانية أيام 6-أكتوبر 1973 على وجه التحديد – إلا أن الرجل لم يشأ أن يترك الجبهة الداخلية – السياسية تعاني الفراغ أو البلبلة أو الاضطراب.

تقول المؤلفة في هذا الصدد: لقد بادر ناصر إلى إعلان سلسلة من الإصلاحات السياسية، أملاً من جانبه في أن يبث الحياة في أوصال تنظيم الاتحاد الاشتراكي العربي، وهكذا أعيد بناء التنظيم بأكمله بالانتخاب من القاعدة إلى القمة (في عام 1968) ومن ثم كان انتخاب لجنة تنفيذية عليا تضم وجوهاً جديدة في العمل السياسي وأغلبها مدنيون، بل إن عبد الناصر – تضيف المؤلفة – بدأ التفكير في التشريع لقيام أحزاب سياسية بخلاف تنظيم الدولة (الاتحاد الاشتراكي) وأتيح للصحافة مزيد من الحرية وبدأت الحكومة تتخذ خطوات محدودة نحو المزيد من الأخذ بالأسلوب الليبرالي في إدارة الاقتصاد في الوقت نفسه قدم لاتحاد السوفييتي مزيداً من القروض، وأوفد مئات من الفنيين لمساعدة مصر على إعادة قواتها المسلحة الممزقة الأوصال.

ومرة أخرى تستطرد مؤلفة الكتاب قائلة: لأن الحرب لم تأت بالسلام ولأن سيناء كانت محتلة، لم يكن أمام عبد الناصر سوى شن حرب الاستنزاف في منطقة القناة ومن ثم كان هدفه يتمثل في إعادة التسلح بأسرع وقت، وأفضى به هذا الهدف إلى طلب المزيد من الأسلحة والعتاد من موسكو – وفي الوقت نفسه كان من شأن الهدف المرسوم أن يحمل موسكو على طلب المقابل.

على شكل قاعدة عسكرية روسية أو وجود سوفييتي دائم أو مستقر على أرض مصر التي تطل على بحرين – الأبيض والأحمر – من المياه الدافئة التي طالما حلم القياصرة من آل رومانوف ومن بعدهم القياصرة من آل كارل ماركس بأن تصل قواتهم إليها. تعترف المؤلفة بأن ناصر كان وقتها هو الجانب الأضعف في معادلة التفاوض مع السوفييت ببساطة لأنه كان الجانب المهزوم، دع عنك أن يكون الجانب المحتاج.

* أبو الهول يواجه موسكو

لكن في هذا السياق ينقل الكتاب شهادة الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل الذي أودعها دراسته بعنوان «أبو الهول والقوميسار» وقد أصدرها حول العلاقات العربية – السوفييتية حين قال: كان عبد الناصر يحاول إقناع السوفييت بأن هزيمة مصر هي بمثابة هزيمة لهم ويطالبهم بالتالي بزيادة المعونات، لكنه في الوقت نفسه كان يواجههم قائلا (بحزم): لا قواعد سوفييتية في مصر ولا العلم الأحمر يرتفع فوق أرضها.

وفي غمار هذا كله ظهرت حركة المقاومة الفدائية الفلسطينية، التي ترصدها المؤلفة وترصد علاقات المد والجذر التي ربطت بينها وبين جمال عبد الناصر، وعلى الرغم من أن فصائل من حركات المقاومة هيأت نفسها (أو هيئ لها) أن تتجاوز مكانة الرجل وموقعه في مسيرة النضال العربي، إلا أن هناك من طلب بإلحاح تدخل ناصر واستخدام نفوذه لحل مشكلة خطف الطائرات التي كادت تهدد حركة الطيران الدولي، ونجح تدخل عبد الناصر وكان الطرف الذي طلب التدخل بإلحاح – وكما يقول كتابنا (ص 152) هو الولايات المتحدة الأميركية!.

ظرف آخر اقتضى تدخلاً مباشراً ومتواصلاً من جانب الزعيم، تلك هي ملابسات سبتمبر الأسود التي شهدت المصادمات الدموية بين الجيش الأردني وقوات المقاومة الفلسطينية: في أوائل سبتمبر اندلعت المصادمات، في منتصفه دعا ناصر إلى عقد قمة طارئة، ولم يكن أمام الجميع سوى تلبية الدعوة. وفي 27 سبتمبر استطاع ناصر أن يحقن دماء الأطراف المتقاتلة وكلها عربية. وفي عصر 28 سبتمبر ودع ناصر آخر رئيس دولة في مطار القاهرة.

في مساء اليوم نفسه عاد عبد الناصر إلى بيته واتجه إلى غرفة نومه وخلع ملابسه وارتدى منامته، واستوى على سريره، ثم صعدت روحه إلى بارئها. تختتم المؤلفة آن ألكسندر هذا الكتاب بصفحات شديدة التكثيف تحمل عنواناً يدور حول تراث أو ميراث عبد الناصر، أو ماذا يبقى من ناصر للتاريخ (إذا استخدمنا عبارة الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور).

سأله صحافي انجليزي يوماً:

ـ سيادة الرئيس، ما هو في رأيك أعظم منجزاتك؟

ـ هو ما تحقق يوم 23 يوليو 1952 حيث بدأ إرساء الأسس التي أقمت عليها جهودي من أجل إتاحة فرص جديدة لصالح عامة المصريين.واستطرد ناصر يقول: هل اعطيك مثلا؟، سائقي دخل ابنه أرقى كليات الجامعة لأنه استوفى شرط المجموع، في حين أن ابنتي (منى) لم تستطع تحصيل مجموع كاف يؤهلها للدخول إلى جامعة وكان أن ألحقتها بالجامعة الأميركية بمصروفات باهظة تبلغ 100 جنيه سنوياً. واختتم عبد الناصر الحديث بقوله: هناك من يشير إلى انجازات مثل تأميم قناة السويس أو قرارات تأميم الموارد والمؤسسات الاقتصادية، لكن هذا كله كان بمثابة خطوات في رأيي من أجل أن يتاح تكافؤ الفرصة أمام الجميع.

* ليس صدفة

غير خاف على المؤلفة، ولا علينا بالطبع أن كثيراً من منظومة الإنجاز أو الاجتهاد الناصري قد اعتراه التغيير إلى حد الإلغاء بل والاندثار. ومن الناحية الموضوعية، فقد تغيرت أحوال جذرية شتى في أنحاء العالم كله، وفي سياسات الداخل تحولت تأميمات المصانع في مصر إلى مخططات الخصخصة التي انطوت على بيع المصانع والمؤسسات إلى من يشتريها. وبدلا من إتاحة الفرصة لتشغيل العمال، ما زال يلوح شبح التهديد بتشتيت العمال. أما في السياسة الإقليمية فقد بلغ الصلح مع العدو الصهيوني حد التطبيع.

وفي السياسة الدولية بلغ التحالف مع الولايات المتحدة حدا من الدفء بشكل غير مسبوق. وعلى مستوى الذكريات أصدر الكاتب توفيق الحكيم في مطالع السبعينات كراسته الشهيرة بعنوان «عودة الوعي» التي كانت بمثابة شرارة بدء حملة الهجوم على عبد الناصر والتنديد بعهده وسياساته.على الرغم من هذا كله يظل عبد الناصر محلاً للاهتمام. وتبقى سيرته وصورته ماثلة في الوجدان، إن جاذبيته ـ كما تقول آن ألكسندر (ص 161) كانت تستند إلى كونه زعيماً كاريزمياً آسر الشخصية يمكن أن يعلو فوق التقسيمات الاجتماعية والتصنيفات السياسية ليصبح رمزاً للأمة بأسرها.

أكثر من هذا تضيف مؤلفة الكتاب: أن كثيراً مما كان يمثله عبد الناصر ويدعو إليه في الخمسينات والستينات ما زال على ما يبدو ينطوي على إمكانيات تلتف حولها الأجيال الجديدة.في هذا الصدد تقف المؤلفة ملياً كي تتأمل المظاهرات العارمة التي شهدتها الفترات الأخيرة، ومنها مظاهرة شهدها ميدان التحرير بالقاهرة في مارس من عام 2003 وضمت أطرافاً وعناصر ممن ينتمون إلى تيارات وفصائل ومشارب سياسية شتى.

تقول آن ألكسندر: بغير سابق تمهيد ارتفعت وسط الحشود صورة عبد الناصر! ولم يقتصر الأمر على أن حملها متظاهرون في القاهرة وحدها بل أطلت صورة جمال عبد الناصر وسط حشود المظاهرات في بيروت وعمان. ليس صدفة إذن أن تختم المؤلفة كتابها بسطور ثلاثة تقول فيها: في داخل الدولة المصرية، لم يعد تراث عبد الناصر موجوداً، ولكنك ربما تعثر في الشوارع على روح الحركة التي جاءت به إلى السلطة وجعلت منه زعيماً.

__________________

 

عن admin

شاهد أيضاً

أزاهير وبوح على ضريح المعلم

بسم الله الرحمن الرحيم سيدي أبا خالد يا حبيب الملايين لماذا تراني أكتب في ذكرى …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *