الرئيسية / كتاب الوعي العربي / عودة الدولة التنموية (1ـ 2) – بقلم : سامي شرف

عودة الدولة التنموية (1ـ 2) – بقلم : سامي شرف

 

تخلت الدولة المصرية منذ ما يسمى عصر الانفتاح الساداتى، والذى أطلق عليه المفكر والصحفى الكبير أحمد بهاء الدين انفتاح السداح مداح، عن دورها فى التنمية والمشاركة فى الاقتصاد القومى، وتركت هذه المهمة لطبقة طفيلية هى أقرب للسماسرة منها إلى رجال الأعمال.

وعلى مدار أكثر من أربعين عاما، وقع المصريون بين مطرقة استبداد سياسى وسندان نهب اقتصادى، تعددت فيها المسميات من «انفتاح» إلى إصلاح إلى تكييف هيكلى إلى إعادة هيكلة إلى خصخصة إلى تعويم، وظل الفعل والأثر واحدا، ومن سداح مداح عبدالعزيز حجازى ومصطفى خليل إلى خصخصة مبارك، وتسليم الاقتصاد المصرى تسليم أهالى لطبقة جديدة هى نتاج علاقة غير شرعية بين أصحاب المال وليس الأعمال وبين أصحاب السلطة، تلك الطبقة التى لم يكن لها شاغل سوى استنزاف ودائع المصريين فى البنوك، واغتصاب الأراضى وجنى ملايين ومليارات الدولارات، وتحويلها لحسابات خارجية، وترك الفتات لهذا الشعب المسكين.

ورغم أن ثورة 25 يناير 2011 قامت بالأساس ضد هذا الظلم والفساد السياسى والتخريب الاقتصادى إلا أن انحرافها عن مسارها، واختطافها من قبل تنظيم دولى إرهابى هو تنظيم الإخوان المسلمين أديا إلى عجز الثورة عن القيام بدورها فى استعادة الشعب لدولته، وكل ما حدث فى السنة السوداء الكاشفة التى حكم فيها تنظيم الإخوان الارهابى مصر هو محاولة تهيئة الدولة المصرية لخدمة المشروع الإخوانى العثمانى فى الهيمنة على المنطقة. ولولا يقظة الشعب المصرى وانحياز جيشنا الوطنى العظيم لإرادة شعبه فى 30 يونيو 2013 للإطاحة بحكم هذه الجماعة الفاشية الإرهابية لكانت الدولة المصرية قد سقطت فى غياهب الفشل والتحلل، وهو ما كان ومازال مخططا له بالفعل.

وبعد أن استعاد الشعب دولته، وبدأ رفع أنقاض سنوات طوال متراكمة من الاستبداد السياسى والتخلف الاقتصادى، كانت المفاجأة أمام صانع القرار أكبر مما يتوقع، اقتصاد منحدر يعيش على التسول، ودولة تخلت عن دورها فى إدارة مواردها، واحتجبت عن تطوير أى شبر من أراضيها الزراعية أو الصناعية، ومستوى تعليمى غير عصرى، وخدمات صحية بالغة التردى، وانهيار فى البنية التحتية لمياه الشرب والصرف وخلافه، أضف إلى ذلك عدالة اجتماعية غائبة تسببت فى خلل وتفاوت مجتمعى يهدد بحق السلم والأمن الاجتماعى فى مصر، وفساد مُستشر فى كل ركن من أركان الدولة، مما يجعل مهمة إعادة بناء الدولة المصرية شبه مستحيلة، خاصة فى مؤامرات داخلية وخارجية تستهدف إعاقة ذلك، وبيئة إقليمية غير مناسبة لذلك. ورغم كل هذه الصعوبات التى قد تعجز دول عظمى عن التغلب عليها فى عقود، استطاعت مصر فى شهور معدودة أن تكون على المسار الصحيح، واستنهضت كافة طاقاتها كالعنقاء تحيا من رمادها، ووقفت على ساقيها من جديد، ساق يجسده شعبها النبيل، والساق الأخرى جيشها الوطنى العظيم، وبدأت ملحمة عودة الدولة المصرية التى تهب خيرها لشعبها.

وفى هذا السياق، لابد أن أؤكد أن الإنجاز التاريخى الحقيقى الذى حققه «عبدالفتاح السيسى» منذ انتخابه رئيسا للجمهورية، هو ما نطلق عليه عودة «الدولة التنموية»، والتى كان نموذجها البارز الدولة فى ظل ثورة 23 يوليو 1952 والتى قادها الزعيم «جمال عبدالناصر».

هذه الدولة هى التى رسمت الخريطة التنموية للبلاد، ليس ذلك فقط بل قامت هيئاتها، خصوصا بعد التأميم والتمصير فى عام 1956، بالتنمية بواسطة شركات القطاع العام، بالإضافة إلى قوانين الإصلاح الزراعى التى غيرت الوضع الطبقى للفلاحين، والإصلاحات فى قانون العمل والتى نهضت بأوضاع العمال بصورة غير مسبوقة.

وقد بدأ الرئيس «السيسى» هذا العصر التنموى الجديد فى مصر بمشروع «قناة السويس الجديدة»، ثم تدشين مشروع زراعة المليون ونصف المليون فدان، بالإضافة إلى مشروع بناء عاصمة جديدة، وإعادة تشغيل مصانع الدولة، وبناء أخرى لإنتاج السلع الاستراتيجية التى يحتاجها الشعب، مثل الدواء، والأغذية، ومواد البناء، وغيرها، بما يعتق هذا الشعب من استعباد واحتكار القطاع الخاص.

ويعنى ذلك أن «الدولة التنموية» عادت بقوة، ولم تعد التنمية «إقطاعاً» للنظام الخاص كما فعلت الدولة فى عهد «السادات» أو فى عصر «مبارك»، الذى تزاوجت فيه السلطة مع الثروة، ما أدى إلى استفحال الفساد وإفقار ملايين المصريين.

وهكذا عادت مصر منذ بداية عهد «السيسى» لتلعب الدور الأساسى فى التنمية، ولأول مرة فى تاريخ رؤساء الجمهورية يقود «الرئيس» مفاوضات التنمية والاستثمار مع قادة الدول الكبرى ومع كبار المديرين بها، بما يعد إعلانا جهيرا على أن الدولة الجديدة بعد 30 يونيو مهمتها الأساسية هى التنمية، والقضاء على التخلف فى كل الميادين، والتى تراكمت مشكلاته عبر عقود، فالدولة التنموية تتميز بالتدخل القوى فى مجال الاقتصاد، بالإضافة إلى سلطاتها الواسعة فى مجال التنظيم والتخطيط، دون استبعاد لرجال الأعمال، مصريين أو عربا أو أجانب، ولكن يوفر لهم حرية العمل بشروط الدولة وتحت رقابتها، وبدون الفساد الذى سبق أن نهب الثروة القومية.

عن admin

شاهد أيضاً

بريطانيا والاستحقاقات المتوجبة للشعب العربي الفلسطيني بقلم : عوني فرسخ

    في الذكرى المئوية لوعد بلفور ، وفي وقفة استعراضية مع نتنياهو ، أعلنت …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *