الرئيسية / حوارات ناصرية / كتاب عبد الله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»

كتاب عبد الله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»

«أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»: وديعة هيكل «1 – 10»

– أوصى أن يوضع على قبره مسجل بصوت الشيخ رفعت يتلو آيات من الذكر الحكيم.. وقال: «لو أن صوتًا لا يتقن التلاوة أو به نشاز قرأ القرآن على قبرى فإننى قد أموت فيها»
– كان على عادته حتى وهو على فراش المرض يريد أن يسمع ويريد أن يحاور حتى النفس الأخير
– أراد أن يرحل على الصورة التى حرص عليها طوال حياته ورسم بدأب أدق تفاصيلها
– لم يكن يريد أن تكون نهايته كـ«تشرشل» رجلًا يثير الشفقة وبدا أقرب إلى تفكير صديقه «ميتران» رجلًا يقرر ألا يعاند الطبيعة
– معنى الحياة عنده أن يتابع حركة الأحداث وما خلفها ويقرأ المستقبل وما قد يحدث فيه
فى يومين عاصفين، أحدهما بكتل النار والآخر بغضب الطبيعة، فارقت الحوادث ما كان يجده فى «برقاش» من سكينة يأنس إليها وألفة اعتادها لعقود طويلة.
لكل يوم قصة أقرب إلى التراجيديات الإغريقية حين تداهم المآسى أصحابها بغير انتظار ولا يملكون صدها.
اليوم الأول، (14) أغسطس (2013) بعد فض اعتصامى «رابعة العدوية» و«النهضة» بساعات.
واليوم الثانى، (7) يناير (2016) قبل رحيله بأسابيع.
مستعيدا بيت شعر «أبى فراس الحمدانى» عن الشوق، الذى «لا يذاع له سر»، جاء صوته من الشاطئ الإيطالى فى «سردينيا»: «أنا قادم إليكم غدا».
كان ذلك قبل فض الاعتصامين.
بدا فى صوته شوق قلق لا شوق اطمئنان على مصر وأهلها، ونذر الصدام تتجمع فى الأفق السياسى، كأنها دقات «القدر» فى سيمفونية «بيتهوفن» الشهيرة.
كانت أنباء وصلته عن حملة تحريض تستعدى بقوائم سوداء ضمت اسمه وكلام عن أدوار قام بها، أو وساطات تولاها بين الفرقاء، بينما كان بعيدا يقضى إجازته الصيفية.
سألته فيما يشبه الإلحاح أن يتمهل بعض الوقت قبل الوصول إلى القاهرة ويدير دفة عودته إلى اتجاه آخر عند الساحل الشمالى بالقرب من الإسكندرية.. فـ«عند انفلات الأعصاب لا أحد بوسعه أن يتوقع ما قد يحدث».
كعادته أخذ وقته فى التفكير قبل أن يستقر قراره على أنه من الأوفق أن يكون قريبا من الأحداث يتابعها من الساحل الشمالى بعيدا عن العاصمة وكمائن الخطر فيها.
فى تلك اللحظة، التى بدت خيارا اعتياديا بين طريقى سفر، حفظ الله حياته.. فقد كان تخطيطه الأصلى أن يصل القاهرة يوم الإثنين (12) أغسطس، وأن يقضى الثلاثاء كاملا فى لقاءات مع مقربين وأصدقاء قبل أن يتوجه فى اليوم التالى إلى بيته الريفى بـ«برقاش» على ترعة المنصورية.
فى صباح الأربعاء (14) أغسطس بدأ فض الاعتصامين.
قرب الظهيرة اقتحمت مجموعات مسلحة الباب الرئيسى لبيته، الذى لا يوجد عليه ما يشير إلى صاحبه، بعد أن أحرقت بزجاجات المولوتوف حديقته الأمامية.
أخذت تدمر كل ما فيه من أثاث ولوحات وذكريات، أحرقت حدائقه بأشجارها ونباتاتها، واستحال البيت أطلالا تساقطت جدرانه بتفجيرات أنابيب غاز.
لم تكن هناك شرطة تردع، فمقراتها تعرضت لاعتداءات فى موجة عنف شملت دور عبادة وعدالة ومنشآت عامة ومبانى حكومية.
وسط أطلال الحرائق أبت صخور أحضرها إليه العالم الجيولوجى الدكتور «رشدى سعيد» على التدمير، بعضها من الصحراء الشرقية، وبعضها الآخر من أرض السد العالى، وظلت شاهدة على ذاكرة المكان.
«أول ضربات الكوارث أن الكتلة الرئيسية من الكتب النادرة والوثائق التاريخية، التى لا سبيل لتعويضها راحت» ــ على ما قال واصفا النتائج المروعة.
فى التعبير نفس تراجيدى تكرر فى اليوم الثانى، حيث سادت القاهرة عواصف متربة منذ ساعاته الأولى.
كنت أعرف أنه سوف يذهب إلى «برقاش» فى صباح هذا اليوم.
رجوته أن يؤجل زيارته لوقت آخر خشية أن يتعرض لنزلة برد فى جوها المفتوح.
كانت الساعة التاسعة صباحا.
قال ضاحكا:
«أنا الآن على مقربة من القرية الذكية وبعد دقائق سوف أكون فى برقاش».
وكانت برفقته السيدة قرينته.
فى المساء أخبرنى:
«كان عندك حق، فالطقس سيئ للغاية».
بعد ساعات انتابته أزمة فى الرئة استدعت نقله إلى أحد مستشفيات مدينة أكتوبر.
لم يكن مرتاحا للبقاء فى المستشفى، وطلب العودة إلى منزله فى الجيزة.
غير أن مصاعب صحية استدعت نقله مجددا لمستشفى آخر فى حى الدقى.
مرة ثانية طلب سرعة العودة للمنزل.
مانع فى أى فكرة لعودة ثالثة إلى أى مستشفى.
مانع بصورة مطلقة لم يكن ممكنا المساجلة فيها.
بدا متأهبا نفسيا للرحيل.
أراد أن يموت على سريره، أن يواجه قدره بلا وسائل اصطناعية للحياة.
لم يكن يريد أن تكون نهايته كـ«ونستون تشرشل»، الزعيم البريطانى الذى قاد بلاده إلى النصر فى الحرب العالمية الثانية، رجلا يثير الشفقة على ما وصل إليه بأثر تقدم العمر وأمراضه.
بدا أقرب إلى تفكير صديقه «فرانسوا ميتران»، الرئيس الفرنسى الاشتراكى الذى حكم بلاده أربعة عشر عاما متصلة، رجلا يقرر ألا يعاند الطبيعة عندما تعجز طاقته وتفتر همته..

 

(١)

وهو على سرير المرض الشديد حاول أن يستدعى أسلحته التقليدية فى مقاومته.
معنى الحياة عنده أن يتابع حركة الأحداث وما خلفها، ويقرأ المستقبل وما قد يحدث فيه.
بادرنى بسؤال واحد: «قل لى ما الذى يحدث؟».
جلست على مقعد بجوار سريره أروى وأتحدث، وهو نصف ممدد منتبه للمعانى من وراء الأخبار ولا يخفى قلقه على مستقبل البلد ومصيره.
كانت الجلسة الأولى لمجلس النواب الجديد محبطة بما جرى فيها من تجاوزات فادحة وانفلاتات لسان ضد أية قيم أخلاقية ودستورية بصورة فاقت أية توقعات ومخاوف.
بصوت متعب قال: «مش معقول».
على مقربة من سريره كتب غربية صدرت حديثا كان قد بدأ فى قراءتها، وبعض الجرائد اليومية المصرية، وشاشة التليفزيون مفتوحة على محطة الـ«C.N.N» الأمريكية الإخبارية.
فى غرفة نومه تبدت شخصيته، فكل شىء بسيط وذوقه خاص واللون الأبيض سيد المكان.
من حين لآخر تدخل السيدة قرينته «هدايت تيمور» تطمئن على تناوله الدواء وتسأل عما إذا كان هناك شىء يطلبه.
قلت: «إنها ملاكك الحارس يا أستاذ محمد».
(لم أكن عادة أخاطبه باسمه العائلى الذى اشتهر به فى الحياة العامة.. فيما بيننا هو الأستاذ محمد وأمام الآخرين فهو الأستاذ هيكل).
كانت تخشى من إنهاك الحديث، وهو يريد أن يدقق فى المعلومات، يسأل فى الخلفيات ويستقصى الأبعاد.
لم يكن بوسعه، وهو على ذلك الحال، أن يتذكر ما كتبه عن لقاء أخير مع الزعيم الهندى التاريخى «جواهر لال نهرو»: «كان على عادته، حتى وهو على فراش المرض، يريد أن يسمع ويريد أن يحاور».
كان هو نفس الرجل، يريد أن يسمع ويريد أن يحاور حتى النفس الأخير.
استأذنته أن الوقت حان للتفكير فى «تنظيم الطاقة الإنسانية».
أن يتخفف من بعض الأعباء واللقاءات وشواغل العمل اليومى دون أن يغيب عن الساحة وإبداء الرأى فيما يجرى عليها من تفاعلات وحوادث.
لم أشر إلى معاناته فى علاج الفشل الكلوى، الذى ألم به قبل الرحيل، ولا لما يستنزفه العلاج من طاقة العمل التى اعتادها.
علت ابتسامة خفيفة على وجهه المتعب: «لماذا التنظيم؟».. «سوف أمتنع عن أى نشاط وكل حضور حفاظا على صورتى».
قبل آخر إطلالة تليفزيونية على شبكة (cbc) قرب نهاية (٢٠١٥) لم يكن متحمسا لأى حديث جديد.
تساءل: «ألم يحن الوقت للتوقف النهائى عن مثل هذه الحوارات؟».
بدا أن هناك شيئا ما يضايقه لكنه لم يفصح عنه، أراد أن ينسحب بهدوء من المجال العام كله.
قلت: «أرجوك ألا تفعل ذلك، طالما أعطاك الله الصحة والهمة فلا تتوقف».
سأل مرة أخرى: «لماذا؟».
قلت: «معنى الحياة».
ردد الجملة مرتين، ثم صمت كأنه فى حوار داخلى لا شأن له بما حوله.
فى مرضه الأخير اتصل به الرئيس «عبدالفتاح السيسى» لمرات عديدة كلما كان بقدرة «الأستاذ» أن يتحدث.
طلب نقله إلى المركز الطبى العالمى على طريق الإسماعيلية لتلقى العلاج.
وهو لم يكن يريد أى علاج على نفقة الدولة، أو فى أحد مستشفياتها.
بذات القدر فإنه لم يكن يريد أن تكون جنازته عسكرية على ما أخبر الرئيس فى لقاء ضمهما فى قصر «الاتحادية» قبل أن يداهمه المرض الأخير.
قال بما هو نصه: «أنت لا تملك لى إلا أن تأمر بجنازة عسكرية، وأنا لا أريد مثل هذه الجنازات».
قبل أن يداهمه المرض بيوم واحد استنكر بكل وجدانه ما بث على إحدى الفضائيات من أنه اخترع زعيم ثورة يوليو، ولم يأبه بكلام آخر على نفس الفضائية يستعجل رحيله هو.
قال: «جمال عبدالناصر؟!».
أردف استنكاره ببيت شعر، وهو رجل يحفظ الشعر ويستدعيه فى كل مقام: «هانت حتى بالت عليها الثعالب».
قرب النهاية تبدت كبرياؤه الإنسانية على الرغم من شدة المرض، أراد أن يعتمد على نفسه ولا يطلب مساعدة من أحد، لا يشتكى ويواجه قدره رافعا رأسه.
بعد طول ممانعة تقبل مساعدتى فى تناول كوب ماء على «كومودينو» بجوار سريره لم يستطع من فرط التعب الوصول إليه.
أراد أن يرحل على الصورة التى حرص عليها طوال حياته ورسم بدأب أدق تفاصيلها.

(2)

كتب وصيته فى ثمانى صفحات وديعة مغلقة عند رفيقة حياته.
كان قد انتهى من كتابتها قبل أن يدلف إلى عامه السابع والسبعين فى (23) سبتمبر عام (2000).
ربما يكون قد أدخل عليها تعديلات فيما بعد.
قال: «لنكن واقعيين، بعدد السنين فأنا قرب النهاية ومستقبلى ورائى».
بحسب ما جرى فى ست عشرة سنة تالية لم يكن ذلك صحيحا، فمستقبله كان أمامه، ومد الله فى عمره ومنحه الهمة ليؤثر فى حركة الحوادث بحضور الأفكار لا نفوذ السلطة.
غلبت قوة الحياة روح الوصية.
فيما أودع بوصيته نعيا مقتضبا وبسيطا كتبه بنفسه، بلا أى ادعاء ولا مبالغة، لينشر فى صفحات الوفيات بجريدة «الأهرام» عند رحيله.
تعامل مع نفسه كواحد من عامة الناس، فمن يدرى كيف تكون الظروف السياسية عند رحيله؟
كما أوصى أن يوضع على قبره مسجل بصوت الشيخ «محمد رفعت» يتلو آيات من الذكر الحكيم، الذى يحفظه عن ظهر قلب منذ أن كان صبيا صغيرا، ويرى فى صوت الشيخ الجليل نفحة من السماء.
قال: «لو أن صوتا لا يتقن التلاوة أو به نشاز قرأ القرآن على قبرى فإننى قد أموت فيها».
التفت إلى المفارقة التى لم يكن يقصدها وعلت ابتسامة على وجهه بددت كآبة الحديث عن الموت.
لم يتوقع أحد أن يوصى بالصلاة على جثمانه فى مسجد «الحسين» حتى فتحت وصيته.
فى اختيار المسجد نزعة صوفية على الرغم من ثقافته المدنية.
وفى اختيار الحى انحياز لعراقة التاريخ والمكان الذى ولد فيه.
من مفارقات الحياة والموت أنه على مدى النظر من المكان، الذى دفن فيه، مقابر أخرى لجنود دول الكومنولث، التى حاربت تحت العلم البريطانى فى الحرب العالمية الثانية، فقد كانت بدايته المهنية تغطية وقائع المواجهات العسكرية فى صحراء العلمين عام (١٩٤٢) لـ«الإيجيبشيان جازيت» أول صحيفة عمل بها.
فيما تضمنته وصيته ألا يقام له عزاء فى دار مناسبات.
راجعته فيما استقر عليه رأيه لمرات عديدة على مدى سنوات.
قلت: «ليس من حقك يا أستاذ محمد أيا ما تكون أسبابك أن تصادر المشاعر الطبيعية عندما يحين الفراق، أو أن تحجب حق أسرتك فى التعزى».
لم يعلق مرة واحدة، وترك ذلك ــ على الرغم من نص الوصية ــ لتقدير أسرته والظروف التى تطرأ.
قرب النهاية لم يأبه بالقيود المفروضة على حركته بعد عملية جراحية فى عنق فخذه اليمنى إثر سقوط من فوق درج فى «الغردقة» أثناء إجازة عيد أضحى.
طلبت قرينته ألا يقترب منه أحد حتى تأتى سيارة إسعاف تنقله لأقرب مستشفى، خشية أن تؤدى أية حركة خاطئة لمضاعفات لا يمكن السيطرة عليها.
حاول بقدر ما يستطيع أن تمضى الحياة على وتيرتها السابقة رغم مصاعب الحركة بـ«الووكرز»، الذى استعان به حتى يأمن أية مفاجآت.
كان واضحا أمام نفسه قبل الآخرين وهو يقول: «لا يهمنى إن ظهرت صورى وأنا أمشى بالووكرز».
تمنيت عليه أن أراه واقفا على قدميه، أن يتحرك بحرية ويذهب إلى حيث يشاء دون أية وسائل مساعدة.
قال: «أنا أستطيع الآن، لكن لا تنس إننى فى سن السقوط فيه محتمل بأية لحظة ولأى سبب طارئ».
كان اعتقاده أنه مادام يجلس على مكتبه، يقرأ ويعمل ويحاور ويساهم فى السجال العام وتخفيف أعباء التحول إلى المستقبل، فإنه لا شىء يهم.
فى تلك الظروف خطر له أن يطل على الأندلس بعد ثلاثين سنة من آخر زيارة وذكرياته فيها لا تغادر مخيلته.
كانت أجراس الزمن تدق فى المكان مرحبة باقتراب عام (2016).
بدا مسحورا بجمال الأندلس وإرثه الحضارى كأنه يراه لأول مرة.
فى كل مكان أثر جليل من تاريخ أمة عريقة ارتبكت هويتها وضاعت بوصلتها وجرفت نظرية أمنها القومى.
هل كانت مصادفة أن يختار الأندلس رحلة أخيرة؟
فكر فى اليونان وأماكن أخرى لكن شيئا ما دعاه إلى الأندلس، كأنها رحلة وداع لكل معنى أهدرناه.
من وداع فى الأندلس إلى الوداع فى القاهرة تداعى كالجبال فى أيام قليلة.
عندما بدأت نذر النهاية اتصلت بى السيدة قرينته قائلة: «الأستاذ هيكل طلب أن يراك مرتين لكن حالته لا تسمح بأى لقاء.. أردت أن أقول لك ذلك حتى أبرئ ذمتى أمام الله وأمامه».
لم أكن أعرف وأنا أنحنى على جبينه مقبلا، وهو على سرير مرضه الشديد، أنه اللقاء الأخير.

(3)

عندما بلغ الثمانين من عمره عام (2003) كشف فى مقاله الأشهر «استئذان فى الانصراف» أن «السرطان» قد زاره.
وكانت تلك شجاعة اعتراف أمام الرأى العام.
زيارة «السرطان» استدعت تدخلا جراحيا خريف (1999) فى «كليفلاند كلينك» بالولايات المتحدة استؤصلت فيها كلية وحالب وقمة المثانة على الجانب الأيسر.
فى فبراير (2008) زاره «السرطان» مرة أخرى أثناء إجازة عيد أضحى فى الغردقة.
من المفارقات أن المكان نفسه ــ الغردقة، فى المناسبة نفسها ــ إجازة عيد أضحى، شهد واقعة السقوط من فوق درج بعد ست سنوات.
بدأت الأزمة بظواهر قصور فى الدورة الدموية «كدت أروح فيها» ــ على ما قال لى مساء ذات اليوم الذى عاد فيه إلى القاهرة قاطعا إجازته فى الغردقة.
طال الحديث فى صالون بيته بأكثر مما تحتمل حالته الصحية، حتى دخل «عبدالمنعم» ساعيه الخاص برسالة قرأها مبتسما ووضعها أمامى.
كانت قرينته تدرك أن مثل تلك الأحاديث فى الصحافة والسياسة تساعده على مقاومة المرض، وتدرك فى الوقت نفسه أن طول مدتها يؤثر على صحته.
بكلمتين لخصت الموقف الصعب بين ما يهوى وما يضر: «محمد.. لقد وعدتنى».
ثم كان رأيه بعد التحكم فى الأزمة أن ينتظر قدوم الربيع للسفر للولايات المتحدة لإجراء فحوص أخرى، ومقابلة طبيبه المعالج فى «بوسطن»، غير أن ذلك الطبيب أبلغه أنه مستعد للقائه الآن، وإذا لم يكن ذلك ممكنا فإن الموعد سوف يتأجل إلى مايو، وهكذا كان القرار إجباريا.. السفر الآن.
فى «بوسطن» تردد يوميا على أحد مستشفياتها لكنه لم يضطر إلى المبيت فيها يوما واحدا.
وقد استبقاه الأطباء، وهو يتأهب للعودة، لإجراء اختبار إضافى للحساسية والتأكد من سلامة الفحوص الأخيرة.
كلما كان بوسعه أن يتحدث فالأحوال المصرية هى شاغله الأول.
عندما أخضع لتدخل جراحى بالأذن فى أحد مستشفيات مدينة «فرايبرج» الألمانية فى مارس (2009) بادر فور تعافيه النسبى بالسؤال عما يحدث فى مصر خشية أن يكون فاته حدث جوهرى، أو تطور طارئ.
لم يكن يميل للإفراط فى المجاملات ولا المراثى.
أين القيمة؟
ذلك سؤاله وتلك أولويته.
الإفراط بغير منطق يأخذ من المعنى حرمته ومن الكلام احترامه.
أحد مصادر قوته أن الماضى لم يكن يقيد نظرته إلى المستقبل.
«لا يمكن أن تنظر إلى المستقبل وتفكيرك مقيد بالماضى».
«للماضى أهميته بقدر ما يشير إلى معنى لا يصح إهداره وخطأ لا يجوز تكراره».
«عزيزى عبدالله..
دعنى أصارحك بأمانة أن مأزق مصر الراهنة ومن جميع الاتجاهات السياسية الظاهرة ــ أن الجميع فيها يحاربون معارك أزمنة مضت ــ بعضها فيه ما يستحق طول الذكر، وبعضها الآخر فيه ما يستحق سرعة النسيان، وبعضها ترك مبادئ أساسية لها قيمتها واحترامها، لكنه من الضرورى أن يختلف تعبيرها عن نفسها بحركة الحقائق والظروف. والمشكلة أن الكل منهمك فى حروب الماضى، مقبل عليها كطلقات رصاص من فوهة سلاح مصوب لسوء الحظ إلى وراء وكان يجب أن يكون إلى أمام» ــ ديسمبر (2000).
من هذا المنظور حاور أكثر من أى أحد آخر فى هذا البلد الأجيال الجديدة.
كل الأسماء التى برزت بعد «يناير» وأثناء «يونيو» التقته فى مكتبه.
استمع بلا وصاية لأحلام تولد وأفكار تبحث عن تجربتها، أراد أن يرى الصورة التى يمكن أن يكون عليها المستقبل بعده.
قبل أن يدخل فى تعقيدات المرض الأخير طلب من الرئيس الإفراج عن الشباب الموقوفين وفق قانون التظاهر.
فى الطلب انحياز إلى المستقبل ودعوة إلى فتح صفحة جديدة لا تحجب حركة إلى الأمام.
إرث«هيكل» ــ هنا بالضبط ــ فى اتساع نظرته إلى المستقبل، وفيما خلفه وراءه من رؤى فى الأمن القومى والفكر السياسى والتأريخ للصراع على مصائر المنطقة، هو نفسه لخص تجربته بـ«عمر من الكتب».
وديعته فى كتبه وإرثه فى مدرسته.
لم يكتب سيرة ذاتية، ولا كان واردا فى تفكيره أن يكتبها، فكل ما أراد أن يتركه أشار إليه فى كتاباته وكتبه، أو أودعه على شرائط مسجلة بثتها محطة «الجزيرة» فى برنامجه «سيرة حياة»، ونصوصها فُرغت على ورق وضبطت صياغتها لتكون صالحة للنشر، وقد راجعها بنفسه.
على عكس ما اعتقد كثيرون أنه سوف يخلف وراءه سيرة مكتوبة بأسلوبه لـ«جمال عبدالناصر» ــ فإنه كان على يقين طوال الوقت بأن هناك قضية واحدة تستحق أن تترك وديعة عند أصحاب الحق فى المستقبل، أن يعرفوا ماذا جرى فى مصر وحولها، وأين كانت معاركها ولماذا يراد أن تتكرس فيها ثقافة الهزيمة؟
قبل رحيله بثلاث سنوات عرضت عليه دار«هاربر كولينز» البريطانية، التى تتولى نشر الطبعات الدولية من كتبه، أن يكتب كتابا جديدا عن «الربيع العربى» مقابل مليون جنيه إسترلينى.
شرع فى زيارات خارجية ابتدأها بلبنان للحصول على وثائق يؤكد بها روايته للحوادث العاصفة التى جرت، وكان لديه ما يقوله جديدا وموثقا.
أثناء تلك الزيارة ظن الإعلام العربى كله أنه قدم إلى بيروت للتوفيق بين الفرقاء اللبنانيين حيث التقى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس المجلس النيابى وقادة التيارات والأحزاب الرئيسية بلا استثناء تقريبا.
سألنى: «ما رأيك؟».
قلت: «إن الكتاب سوف يستغرق وقتا طويلا وجهدا مضنيا وزيارات إلى عواصم بحثا عن وثائق ولقاءات مع مصادر تستقصى خلفيات ضرورية لفهم ما جرى، وذلك كله مرهق وسوف يعطل حضورك العام فى لحظة تحول مصيرية».
قال: «هذا أيضا رأى هدايت» ــ قاصدا السيدة قرينته التى خشيت عليه من أى جهد زائد.
«لا أعرف كيف يمكن للأجيال السابقة واللاحقة أن تعرف كثيرا من الحقائق التى حجبت، أو أخفيت عمدا، أو نتيجة عدم الاكتراث، لولا ما نشره هيكل؟!».
.. هكذا كتب الأستاذ «سلامة أحمد سلامة»، الذى تميز بعقلانيته وموضوعيته فى الاقتراب من الظواهر السياسية، وقد كان «هيكل» ظاهرة فريدة يصعب كتابة تاريخ مصر المعاصر دون التطرق إليها والتوقف عندها، فقد كان دائما هناك حيث التاريخ يتحرك

حلقات من كتاب عبد الله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»: هل مات عبدالناصر مسمومًا؟ «2-10»

هل مات عبدالناصر مسموما؟

هل مات عبدالناصر مسموما؟

– التسجيلات كشفت مناقشات بين «جولدا مائير» و«ديان» و«إيجال ألون» و«ياريف» عن أن بقاء إسرائيل رهن بالقضاء على ناصر.. وأنه يجب الوصول إليه بالسم
– مبارك قال إن أنيس منصور أخبره بأن عبدالناصر كان «حجر».. فرد «هيكل»: «أنت الآن تجلس على مقعد ناصر فلا تسمح لأحد فى حضورك أن يتحدث عنه بهذه الطريقة»
– اقترب من «السادات« وساعده فى الوصول إلى السلطة قبل أن تتفرق بهما الطرق ويجد نفسه داخل زنزانة
كانت الصدمة صاعقة.. مات «جمال عبدالناصر»
مات فى الثانية والخمسين من عمره فى ذروة الصراع على المنطقة، ومصر تتأهب لتحرير أراضيها المحتلة بقوة السلاح بعد أن تمكنت بتضحيات هائلة من إعادة بناء قواتها المسلحة بعد الهزيمة المروعة التى تلقتها فى (٥) يونيو (١٩٦٧).

هل مات «عبدالناصر» مسموما؟
تواترت روايات وقصص، ثبت أنها لم تكن صحيحة، ولا تستند إلى أساس يعتد به، حتى تكشفت وثائق جديدة أعادت طرح السؤال بصورة أكثر جدية وخطورة.
فالكلام عن ضرورة الوصول إلى «ناصر» ـ هذه المرة ـ استند إلى تسجيلات وتقارير مؤكدة.
وكان هو الرجل الذى تولى الكشف عن هذه التسجيلات والتقارير، بعضها للمخابرات العامة المصرية، وبعضها الآخر وثائق أمريكية لم يكن الاطلاع عليها متاحا من قبل.
أشار إلى تلك الوثائق فى معرض حديثه التليفزيونى المسهب عن «الطريق إلى أكتوبر.. فى صحبة جمال عبدالناصر».
أزاح الستار فى سبتمبر (٢٠١٠) عن تسجيلات صوتية حصلت عليها المخابرات من داخل السفارة الأمريكية بالقاهرة فى عملية أطلق عليها «الدكتور عصفور».
حركة العصافير، التى تتناقل بين الأشجار الشاهقة، أوحت باسم العملية والتسجيلات احتوت كنزا معلوماتيا احتاجته مصر بشدة فى ذلك الوقت.
سألته إن كان ممكنا أن أطل معه على النصوص الكاملة لتلك التسجيلات؟
قال: «أنت صحفى وسوف تنشر ما تجده من أسرار على درجة عالية من الخطورة، وبعضها لشخصيات ما زالت موجودة ولها دور».
وقد راحت تلك التسجيلات ضمن ما راح فى حرائق «برقاش».
فى عملية «الدكتور عصفور» تمكن المصريون من زرع ميكروفونات حديثة فى مدخل السفارة وصالونها وغرفة الطعام والبهو الأعلى فى مبناها، التى تدور فيها جميعا حوارات طوال الوقت.
فى التسجيلات بدت فكرة الوصول إلى «عبدالناصر»، بالسم أو بأية وسيلة أخرى، الأخطر على الإطلاق.
استدعت المعلومات فائقة الخطورة أن يذهب رئيس المخابرات المصرية فى ذلك الوقت «أمين هويدى» على وجه العجل إلى منشية البكرى.
استمع «عبدالناصر» إلى ما احتواه التسجيل من توجه للوصول إليه والتخلص منه، وكتب نصه على ورقة أمامه.
انطوى التسجيل على حوار بين السفير الأمريكى «دونالد بيرجس» والوزير المفوض فى السفارة الأمريكية بتل أبيب ومساعدته تبادلوا فيه ما توصل إليه قبل أيام اجتماع ضم «جولدا مائير» و«موشى ديان» و«إيجال ألون» و«ياريف» من قيادات الدولة العبرية من أن «بقاء إسرائيل رهن بالقضاء على ناصر.. وأنه يجب الوصول إليه بالسم، أو بالمرض».
بذات الوقت كان هناك تقرير للمخابرات المصرية من روما نقل كلاما منسوبا لـ«على أمين» من أنه سوف يجرى التخلص من «عبدالناصر» فى هذا العام (١٩٧٠).
كشف «هيكل» عن وثائق خطيرة أخرى لاستهداف حياة «ناصر».
ترجم بنفسه فقرات منها، وعرض صورها بالإنجليزية على الشاشة.
وفق نصوص ما هو مسجل فإن السبب الإسرائيلى المباشر لاستهداف حياة «عبدالناصر» هو خشية قياداتها من أن يفضى أى إنجاز عسكرى للقوات المصرية فى أية مواجهات متوقعة إلى مد جديد لحركة التحرر الوطنى فى العالم العربى لا تقدر على صده.
هل مات «عبدالناصر» مسمومًا؟
سجله الطبى معروف ومنشور، فهو كان يشكو منذ أوائل عام (١٩٦٨) من آلام فى ساقه اليمنى إثر ضعف فى الدورة الدموية، وهى إحدى المضاعفات المعروفة للسكر.. وفى سبتمبر (١٩٦٩) أصيب بالأزمة القلبية الأولى إثر إغارة إسرائيلية على منطقة الزعفرانة قتل فيها خمسة جنود وبعض المدنيين المصريين.. وأثبت الفحص الإكلينيكى ورسومات القلب المتكررة تعرض الرئيس لجلطة بالشريان التاجى.. وعندما نصحه طبيبه الدكتور «منصور فايز» بالراحة.. رد عليه: «يعنى إيه راحة؟».
الاعتقاد الراجح أن الرئيس توفى بصورة طبيعية فى أزمة القلب الثانية بعد عام واحد من الأولى، ولكن هناك شكوك وظنون لا يمكن تجاهلها، أو غض الطرف عنها، فى أنهم تمكنوا من الوصول إليه.
سألته: «هل تعتقد أن عبدالناصر مات مسموما؟»
قال: «ليس عندى يقين، والجزم فى مثل هذه الأحوال خطأ فادح، الوثائق تقول إنهم كانوا يريدون الوصول إليه بالسم، ولكن ذلك لا يعنى بالضرورة أنهم نالوا منه فعلا».
فى حالة عدم اليقين لم يستطع أن يتجاهل إشارات خطرة ولها مغزى.
فقد رحل «عبدالناصر» بعد عشرة شهور من ذلك اليوم الذى استمع فيه لما يرتب لإنهاء حياته، ووضع نص ما استمع إليه على ورقة أمامه.
«ظللت أفكر فى الورقة طوال الوقت، فى غرفة نومه بعد أن رحل، وفى جنازته التى لم أتحمل استكمالها».
«هل وصلوا إليه؟.. لا أجزم بشىء فلا يوجد دليل قطعى».
وسط الإشارات الخطرة تذكر واقعة جرت فى الجناح الذى كان يقيم فيه الرئيس بفندق «هيلتون النيل» والعالم العربى ينتظر ما تسفر عنه القمة العربية الطارئة، التى عقدت لوقف حمامات الدم فى عَمان فيما عرف بـ«أيلول الأسود».
احتد «عبدالناصر» على رئيس منظمة التحرير الفلسطينية «ياسر عرفات»، فى حضور «هيكل» و«السادات» قائلا: «إما أن ننزل متفقين، أو أعلن فشل مؤتمر القمة فى التوصل إلى حل».
لم يكن مستعدا لأى فشل، أو مماطلة فى التوصل إلى حل ينهى المأساة.
عند ذلك اقترح «السادات» أن يعد بنفسه فنجانا من القهوة للرئيس.
دخل إلى المطبخ وصرف العامل المختص واسمه «محمد داود».
سألته: «هل يمكن أن يكون السادات فعلها؟».
أجاب: «والله لا أعرف».
ـ أين الحقيقة؟
قال: «هناك أسباب أخلاقية وسياسية وعملية تمنع تورطه فى مثل هذا العمل.. لكنى رويت ما رأيت».
(١)
فى شتاء عام (١٩٥٣) خطر لرئيس تحرير «آخر ساعة»، وهو يقارب الثلاثين من عمره، إجراء «حوار فى العمق» مع رجل يوليو القوى، وهو فى الخامسة والثلاثين.
كان معتقدا أنه زعيم الثورة وقائدها الحقيقى، وأراد ـ بالحوار المعمق ـ أن يكشف عن شخصيته وأفكاره وتجاربه فى «فلسطين» و«السودان» و«منقباد»، وخلفياته الاجتماعية.
وافق «عبدالناصر» على ما فكر فيه ودعاه إلى منزله بشارع الجلالى فى حى الوايلى، وكان منزلا شديد التواضع.
«فى اللقاء تلاقت أفكار وتصورات».
فى هذا اليوم الفارق فى العلاقة بين الرجلين، وبينما الحوار يستفيض ويسهب فى الوقائع والتفاصيل.. متطرقا إلى حرب فلسطين، توقف «عبدالناصر» فجأة عن الكلام، وطلب من ضيفه الانتظار قليلا، غادر حجرة الاستقبال ليعود بعد قليل ومعه صور ومتعلقات شخصية ورزمة خطابات، بعضها تلقاها بعد العودة من الحرب من أهالى الفالوجة، وبعضها من زوجته تحية ووالده وعمه، وبرطمان مملوء برمل المنطقة التى حارب فيها، معتقدا أنه سوف يعود إليها ليقاتل مرة أخرى.
غير أن أهم ما أحضره دفتر مذكرات شخصية على غلافه الخارجى بقعة من دمه.
سأله «هيكل»: «هل هذه إصابة حرب..؟».
أجاب: «لا».. وأخذ يروى قصة بقعة الدم على غلاف دفتر اليوميات، فأثناء كتابته اليومية مسجلا وقائع القتال وانتقاداته ومشاعره، حدث أن قصفت القوات اليهودية مقر رئاسة الكتيبة المصرية السادسة، وأدى الارتجاج الشديد، الذى نتج عن القصف، إلى سقوط لمبة الجاز، خشى أن يؤدى سقوطها على أرضية الغرفة إلى حريق، حاول أن يمسك بها دون جدوى، فأدى ذلك إلى جرح فى يده، وسقطت قطرات من دمه على الدفتر.
بدت القصة الإنسانية البسيطة التى رواها «عبدالناصر» مثيرة للالتفات من الصحفى الشاب، الذى غطى العمليات العسكرية فى فلسطين، وتعرف على أعداد كبيرة من أبطال هذه الحرب، ويعرف ـ باليقين ـ أن البطولات فيها بلا حصر، وأنها حقيقية، ولكنه يعرف ـ باليقين أيضا ـ أن عددا آخر ادعوا الإصابات فيها، وحصلوا على أنواط ونياشين. ثم إنه يعرف بالتفاصيل قصة الصمود الأسطورى للكتيبة السادسة فى حصار الفالوجة، وكان «عبدالناصر» أحد أبطالها، وأنه دخل المستشفى الميدانى أكثر من مرة بإصابات خطرة أحدها بالقرب من قلبه، وقاد عمليات كاد يستشهد فيها.
بدا أمام محاوره واثقا من قدرته على حسم صراع السلطة، وتجاهل الحديث فى هذا الموضوع، وأخذ يتحدث عن «فلسفة الثورة»، وكانت المفاوضات مع الإنجليز للجلاء عن مصر على رأس مشاغله.
كان يرغب فى تأسيس فكرة جوهرية لثورة يوليو ومستقبلها، ووجد فيما كتبه «هيكل» تعبيرا حقيقيا عنه، فأفسح المجال لحوار مفتوح بغير تكلف رسمى.. وفى بيته، وأن يسأل كما يشاء.
فى تلك اللحظة تجسرت العلاقة بين الرجلين وذاب الجليد، فقبلها كان «إحسان عبدالقدوس»، و«أحمد أبو الفتح»، و«حسين فهمي»، و«حلمى سلام» هم الأقرب إلى يوليو ورجالها.
رغم أن «هيكل» التقى «عبدالناصر» قبل الثورة وبعدها عدة مرات، بعضها مثير، إلا أنه لم يكن الأقرب.. حتى هذا اليوم من مطلع عام (١٩٥٣).
كان رأى «عبدالناصر» أن اليوميات، التى كتبها أثناء حرب فلسطين، قد تساعد على استدعاء الوقائع وإدارة الحوار بصورة أفضل، وأودعها أمانة عند «هيكل»، الذى استند إلى الجو العام لليوميات فى اكتشاف ملامح شخصية رجل يوليو القوى.
كانت تلك الأحاديث، مضافا إليها يومياته فى حرب فلسطين، هى الأساس الذى صيغت عليه «فلسفة الثورة».
بعد نحو سنتين استند «هيكل» إلى ذات اليوميات فى كتابة «مذكرات الرئيس عن حرب فلسطين»، لكن الأصول ـ ذاتها ـ لم يطلع عليها أحد حتى قمت بنشرها مطلع عام (٢٠٠٨) فى كتاب أهديته إليه «أستاذا ومعلما وأبا».
(٢)
كان الحوار طويلا ومثيرا بين الصحفى الكبير، الذى خرج للتو من المعتقل، والرئيس الجديد، الذى تولى مهامه عقب اغتيال سلفه «أنور السادات» فى حادث المنصة خريف عام (١٩٨١).
كل منهما أراد استكشاف الآخر، وكانت النتيجة قطيعة مبكرة.
لم يلتقيا مرة أخرى على مدى ثلاثين سنة.
فى الحوار جرى التطرق إلى طبيعة العلاقة التى جمعت «محمد حسنين هيكل» مع الرئيسين «جمال عبدالناصر» و«أنور السادات».
قال «حسنى مبارك»: «كنت أعتقد طوال الوقت من كلام أنور السادات أنك رجل جمال عبدالناصر، حتى أخبرنى أنيس منصور أن عبدالناصر كان رجلك».
رد «هيكل»: «أرجو يا سيادة الرئيس، وأنت الآن تجلس على مقعد جمال عبدالناصر، ألا تسمح لأحد فى حضورك أن يتحدث عنه بهذه الطريقة».
هكذا كانت القصة بحروفها ومغزاها كما نشرتها مطلع القرن الجديد.
من جانب تاريخى كان الرد حاسما حتى لا تختلط الأوهام بالحقائق، كما أن الكلام لا يليق بحجم دور زعيم يوليو فى التاريخ الحديث، ولا كان الصمت عليه جائزا وإلا فإنه إقرار بالفِرية.
ومن جانب إنسانى فإن الألفاظ التى جرت على لسان الرئيس الجديد بدت على درجة غير متصورة من السوقية، حيث استخدم تعبيرا آخر فى وصف العلاقة بين «عبدالناصر» و«هيكل» بحروف قريبة من «رجلك»، فقد كانت «على حجرك».
لم يكن لذلك أى ظل من حقيقة لا فى التاريخ ولا فى رأيه.
كان يرى «عبدالناصر»: «ثائرا عظيما وإنسانا بديعا».
«لقد رأيناه رؤية عين لا بخيال رواة السير الشعبية».
«عشنا تجربته ولم نستمع إليها كسيرة الظاهر بيبرس».
فى الجانب الآخر من تجربته السياسية ثمة شيء عميق ربطه بـ«عبدالناصر» يتجاوز كل ما هو معتاد بين رئيس وصحفى إلى شراكة فكر أقرب إلى «التوأمة» ـ بتعبير مؤسس صوت العرب «أحمد سعيد».
سألته: «هل أعدت اكتشاف جمال عبدالناصر من جديد بعد كل ما جرى فى مصر وعالمها العربى من تحولات وانقلابات على خياراته الرئيسية؟».
قال: «لا، فقد كنت أعرف قدر دوره، ما جرى بعده يؤكد ويثبت أنه رجل استثنائى، وما طالعته من وثائق غربية لم تكن متاحة فى أيام يوليو تؤكد وتثبت ما تعرضت له تجربته من مؤامرات».
«تعرف أن التاريخ ليس مؤامرة ولكن المؤامرة موجودة فيه».
«وتعرف أن بعض الرجال يتحولون إلى عقد مستحكمة تقلق وتطارد من يخلفونهم».
وقد شاءت أقداره أن يعاصر عهودا متوالية، وأن يكون طرفا رئيسيا فى صناعة القرار، أو الجدل من حوله، ولعله ـ دون أن يقصد أو يطلب ـ تحوّل إلى عقدة مستحكمة ثانية بتصور أنه «مخرج ثورة ٢٣ يوليو» ـ والتعبير للرئيس «السادات».
لم تكن ثورة يوليو شريطا سينمائيا يبحث عمن يكتب مشاهده ويخرجها، فـ«هذا هزل فى رؤية التاريخ غير جدير بأى اعتبار».
اقترب من «عبدالناصر» من قلبه وفكره كما لم يقترب أحد آخر، كان الوحيد الذى يمكنه دخول غرفة نوم الرئيس بالطابق الثانى فى بيت منشية البكرى، وكان «عبدالناصر» يقول دائما «إنه الوحيد الذى يفهمنى بسرعة».
واقترب من «السادات»، ساعده فى الوصول إلى السلطة وحسم الصراع عليها، قبل أن تفترق الطرق ويجد نفسه فى بداية الثمانينيات داخل زنزانة معتقل ضمت نحو ألف وخمسمائة شخصية معارضة من جميع أطياف السياسة المصرية.
لماذا اقترب من «عبدالناصر» إلى درجة التماهى؟
ولماذا ابتعد عن «السادات» إلى درجة الصدام؟
سؤالان فى التاريخ إجابتهما فى السياسات والتوجهات والخيارات الرئيسية.
لمرة نادرة ألمح فى حوار صحفى إلى أسباب إلحاحه فى معارضة «السادات»: «هو ظنى بأننى قمت بدور أساسى فى مجىء السادات رئيسا بعد رحيل عبدالناصر، وبدور كذلك فى تأييده بظروف أحاطت بمصر أيامها» ـ قاصدا أحداث (١٥) مايو التى تردد أنه مهندسها.
اختلف ـ أولا ـ على الإدارة السياسية لحرب أكتوبر.
واختلف ـ ثانيا ـ على التوجهات الاجتماعية الجديدة.
وقد كانت هناك صلة عند الجذور بين السلام مع إسرائيل والانفتاح الاقتصادى بالطريقة التى جرى بها.
«حاول السادات أن ينشئ طبقة جديدة تساند فكرة السلام».
«كان سؤال هنرى كيسنجر: أين الطبقة الاجتماعية التى يمكن أن تسند أى تحول استراتيجى؟».
«وقد أسفر الانقلاب الاجتماعى عن خلق طبقة أكثر تدينا وأقل أخلاقا».
«فى سنة ١٩٧٥ كنت أمام وضع اجتماعى يتغير دون أن يقول لنا أحد من أين جاءت القطط السمان، ولا كيف حصلت على ثرواتها؟».
كان ذلك هو المشروع النقيض لما دعا إليه «عبدالناصر»، وشارك هو فى صناعة حلمه.
فى الجانب الآخر من تجربة يوليو التزامات لم يتخل عنها تحت أى ظرف تجاه ما يعتقده من أفكار، فالوفاء للأفكار قبل الرجال.
على الجانب الأيمن من غرفة مكتبه تمثال صغير، ربما لنحات يوغوسلافى، نصف الوجه لـ«عبدالناصر» والنصف الآخر لـ«هيكل»، كأنهما واحد.
شيء من ذلك التصور الفنى هو صلب رؤيته لدوره فى تجربة يوليو.
هو ابن الحرب العالمية الثانية، التى كانت الخلفية والصورة العامة، نشأ فيها جيله وبدأ حياته العملية، وكان أبرز أبناء هذا الجيل رجل ولد قبله بخمس سنوات فى عام (١٩١٨).
ظلت فى مخيلته حتى لحظاته الأخيرة قصة ذلك المساء من عام (١٩٥٢)، قبل ثورة يوليو بأيام، عندما زاره البكباشى «جمال عبدالناصر»، ومعه الصاغ «عبدالحكيم عامر» بالمنزل الذى كان يقطنه بشارع «شجرة الدر» فى حى «الزمالك».
أرسل ساعيه الخاص «عبدالرسول» لشراء عشاء خفيف للضيفين عبارة عن علب من «السيمون فيميه».
«قال عبدالناصر: أنت طلعت ارستقراطى؟».
«أجبته: أبدا أنا من أسرة بسيطة، وما صنعته من مستوى حياة بعملى وحده».
«كان عبدالناصر زاهدا فى متع الحياة، لا يأكل وهو رئيس ما لم يكن يأكله وهو ضابط، ولا يلبس ما لم يلبسه من قبل السلطة، عازفا عن مغريات النساء والمال».
«السادات اقترح ذات مرة على عبدالناصر أن يجرب طباخا آخر يعرف فى فنون الطهى الحديثة، بعد يومين أو ثلاثة أعاد الطباخ، فلم يكن يأكل سوى الأرز والخضار، كأى مواطن عادى».
عندما توفى «عبدالرسول» بكاه من القلب.
بدا مكتبه كمأتم صامت، لفتنى بعض العاملين قبل أن أدخل إليه أنه فى حالة صعبة لم يروه عليها من قبل.
رأيت فى عينيه بقايا دموع، لم يحاول أن يكتم مشاعره كما تعود، «عبدالرسول» قضية أخرى فهو ظله المرافق منذ بواكير الشباب.
(٣)
تجربة «عبدالناصر» عنده لم تكن «دروشة» فى الماضى بقدر ما كانت إلهاما للمستقبل، فكل ما له قيمة يبقى، وأية أخطاء شابتها لا تسحب منها جدارتها حين غيّر جمالها وأحقيتها حين واجهت.
«عبدالناصر هو الحقيقة الأساسية فى التاريخ المصرى الحديث».
كان يرى أن «هناك ناصريين ولا توجد ناصرية».
ربما أراد نفى الصفة الأيديولوجية، التى ترتبط بالضرورة مع مثل تلك الانتماءات، خشية الجمود بعدوى الصور النمطية، وربما أراد أن يؤكد اتساع رؤيته لمجمل الحركة السياسية العامة، دون انحياز إلى فريق أو آخر، غير أن أحدا لم يقتنع بالعمق، فهو شريك بالتجربة والكاتب الرئيسى لوثائقها.
«لم أصدق يوما أن هيكل ليس ناصريا، باعتقاد أن ما يكتبه من رؤى وأفكار تنتسب بصورة مباشرة لمشروع جمال عبدالناصر، الذى هو ـ كما يرى ـ المشروع القومى المتجدد.
قال هيكل: أنا ناصرى بهذا المعنى وحده.
قلت له على الفور: وأنا ناصرى بهذا المعنى وحده.
نشر ذلك فى يناير (٢٠٠٤).
كانت قضيته المشروع باتساع حركة فعله، لا الأيديولوجيا بانغلاقها على مقولاتها.
لم يكن معنيا بالتصنيف الأيديولوجى بقدر ما كان متنبها إذا ما كان هناك فيما يسمع ويقرأ ويتابع شيئا له قيمة أو فكرة لها أثر.
سألته: «كيف تصنف نفسك فكريا وسياسيا؟».
أجاب: «يسار وسط».
قلت: «لماذا يعتقد كثيرون أنك أقرب إلى اليمين؟».
قال: «إنهم يظنون أن تجربتى فى أخبار اليوم أثرت على تكوينى الفكرى والسياسى».
«كيف أكون يمينيا وأنا من صاغ فلسفة الثورة والميثاق الوطنى وبيان ٣٠ مارس والخطب التأسيسية للتجربة الاشتراكية، التى أعلن فيها عبدالناصر التأميمات».
«أنت تعرف أننى لا أكتب شيئا لا أقتنع به».
«ثم لا تنس أننى أول من كتبت عن زوار الفجر واستخدمت مصطلحات مراكز القوى والدولة داخل الدولة ودولة المخابرات لإدانة أسلوب فى الحكم بعد نكسة يونيو، وتلك كلها اختيارات فكرية وسياسية أؤمن بها».
«ثم إن انتمائى العروبى هو حصاد تجربة جيل بأكمله شاهد وتأثر بحرب فلسطين، واكتشف هويته تحت وهج النيران وصدمة النكبة».
ما إن بدأت علاقته تتوطد مع «جمال عبدالناصر» حتى فرض على نفسه، وعلى حياته العامة والخاصة ستارا كثيفا من الصمت والكتمان.
قال لى: «ما كان يجرى بينى وبين الرئيس ملكه وحده، وما يصل إليه من قرارات بعد حوارات معى ومع غيرى، ملكه وحده، يعلنها فى الوقت الذى يشاء وبالطريقة التى يراها مناسبة، لا أنقل عنه ولا أسمح لأحد بأن ينقل عنى».
سألته: «ما تفسيرك أن بعض الذين عاصروا حقبة الستينيات قالوا لى إن ما أنشره عنك من قصص سياسية تشوبها روح إنسانية ظاهرة تختلف مع صورتك التى يعرفونها؟».
قال: «عندهم حق.. فقد كنت أعمل وأحيا من خلف ستائر كثيفة».
فى فيض ذكرياته عن «عبدالناصر» واستهداف مشروعه ظل السؤال يلح عليه: هل وصلوا إليه بالسم؟ ولم تكن هناك إجابة حاسمة.

 

حلقات من كتاب عبدالله السناوى «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»: نظرة أخيرة على برقاش «3 – 10»

محمد حسنين هيكل

• راهن «عبدالناصر» على أنه المؤهل وحده لكتابة تاريخ الثورة والصراع على المنطقة وكان رهانه فى محله

• حرائق يوم فض اعتصامى «رابعة» و«النهضة» قضت على منزل برقاش بأثاثه ولوحاته وتركت حديقته خرابا كاملا

• بيت الورد استقبل جيفارا وعرفات وميتران وخاتمى.. وعبدالناصر طلب من مصطفى خليل تركيب خط هاتفى فى بيت برقاش حتى يمكن استدعاء هيكل إن اقتضت الظروف كل شىء فى بيت «برقاش» اتسق مع شخصيته.

أثاثه على ذوق رفيع واللوحات التشكيلية على الجدران، وحديقته بدت كـ«صومعة خضراء» ــ على ما وصفها الرئيس الأسبق «أنور السادات»، وشبه عزلته من وقت لآخر للقراءة والكتابة أضفى شيئا من الهيبة على المكان.

غير أن الحرائق، التى أشعلت يوم فض اعتصامى «رابعة العدوية» و«النهضة»، قضت عليه بأثاثه ولوحاته وتركت حديقته خرابا كاملا.

بعد الحرائق بأيام أرسل فريقا صور كل شىء تهدم وخرب، وكانت الصور مفزعة غير أنها لم تعكس حجم الخسارة الفادحة التى تتجاوز الرجل إلى الذاكرة العامة.

راحت فى الحرائق مكتبة ضمت (14) ألف كتاب من الذخائر العربية والدولية فى الاستراتيجية والتاريخ والفلسفة والعلوم الإنسانية الأخرى والآداب والفنون، كل كتاب له قيمته التاريخية والفكرية، بعضها نادر يصعب الوصول إليه، أو الحصول على نسخ منه، كان قد قرر أن يودعها فى مكتبة عامة، مع كتب أخرى لم تنلها يد التخريب والحرق، ضمن مؤسسة تحمل اسمه.. بينها نسخة أصلية مرقمة من (800) نسخة من موسوعة «وصف مصر» طبعت فى باريس على عهد «نابليون بونابرت» وجد جزآن منها فى مصرف!

 

من بين ما راح مجموعات الوثائق الدولية والإقليمية حول مصر وتاريخها المعاصر مرتبة بطريقة علمية، لكل وثيقة ثبت يحدد موقعها وموضوعها، نشر أغلبها فى كتبه، أو استخدمها فى سياقات ما روى.

بدأب شديد لنحو سبعين عاما متصلة عمل على تجميع الوثائق، بعضها لم يكن من اليسير الوصول إليها، وبعضها الآخر لم يكن ممكنا لغيره أن يحصل عليها.

كتاب «السلاح والسياسة» وحده كتب من أوله إلى آخره فى نحو ألف وثيقة تركها تتحدث وتروى، تسلم كل واحدة للأخرى سياقها وتسلسلها وموضوعها، تضيف إليها وتنير ما غمض فيها، كأنه روائى يتقن حركة الحوادث فى سياقها دون أن يقحم انحيازاته بلا دليل عليها، أو خروج عن مقتضيات الحقيقة التاريخية.

بقية المجموعة استندت على نحو عشرة آلاف وثيقة أخرى وضعها فى سياق روايته للحوادث وتدافعها ليؤكد ما يريد أن يصل إليه.

«عندما تتاح الوثائق أمام الباحثين والمؤرخين والصحفيين فإنه قد تكون لهم وجهات نظر أخرى فى قصة ما جرى من صراع على المنطقة بقدر ما تتيحه العصور الجديدة من معلومات ورؤى لم تكن متوافرة فى وقتها».

لم يعد ذلك ممكنا ولا متاحا، فقد التهمت النيران عشرات الآلاف من الوثائق والمحاضر والأوراق بينها مجموعات الوثائق المصرية، التى تستغرق بالأساس الفترة ما بين ثورة يوليو (1952) وحرب أكتوبر (1973)، وهذه لا يمكن تعويضها على أى نحو وتحرم الباحثين والمؤرخين من فرصة الإطلال على التاريخ المصرى الحديث عبر وثائقه المؤكدة.

«الخسارة أكبر من أن يتصورها أحد» ــ هكذا قال وهو ينظر أمامه محاولا أن يخفى أحزانه القاسية.

كان الألم باديا على وجهه، لكنه لا يفصح ولا يشكو.. عود نفسه على مدى عقود أن يكون عقلانيا، أن ينظر إلى الحدث من خارجه، حتى لو كان متعلقا بأعز ما يملك.

حاول بقدر ما يستطيع إنسانيا أن يعتبر ما حدث قد حدث، أن ينسى أنه فى لحظة واحدة نجحت حالة بربرية فى حرق تراث هو بطبيعته ملك لأجيال قادمة من حقها أن تعرف بالوثائق قصة ما جرى، وأن تكون لها قراءاتها الخاصة.

فيما دمر وراح فى حرائق «برقاش» مجموعة تسجيلات نادرة لشخصيات لعبت أدوارا جوهرية فى التاريخ المعاصر، ولم يسبق أن نظر أحد فى نصوصها المثيرة.

من بينها (15) ساعة بصوت «حسن يوسف» (باشا)، الذى كان وكيلا ثم رئيسا للديوان الملكى على عهد الملك «فاروق» أودع فيها شهادته على ما رأى وعاين، طالبا ألا تنشر وهو على قيد الحياة، ولا تخرج لأحد إلا بعد عدد من السنين، وفق اتفاق أبرم بينهما عام (1977) بحضور «عبدالفتاح عمرو» (باشا)، سفير العهد الملكى فى لندن.

أعلن أكثر من مرة أنه سيترك تلك التسجيلات لأجيال تأتى بعده لتطل من خلالها على ما قبل يوليو وما كان يجرى فيه بلا تدخل فى صياغة، أو حذف لرأى.

ومن بينها تسجيلات أخرى تولاها القصر الملكى وحاول أن يستخدمها للإساءة إلى سمعة زعيم الوفد «مصطفى النحاس» (باشا)، قال إنه سوف يحرقها ولن يتركها بعده.

وبعضها تحفظ مناقشات مستفيضة مع الفيلسوف الفرنسى «جان بول سارتر» وصديقته الروائية «سيمون دى بوفوار» لم يتسن نشر فحواها ونصوصها من قبل، فكر فى ترجمتها عن الفرنسية فربما تجد الأجيال الجديدة إطلالة مختلفة على الأفكار التى سادت العالم فى ستينيات القرن الماضى بأحلامها الكبيرة وتراجعاتها المدوية.

وفيما حرقت وراحت نصوص أصلية بخط يد «جمال عبدالناصر»، ونصوص خطية أخرى لمراسلات «مصطفى كامل» إلى السلطان العثمانى والخديو «عباس حلمى»، ومراسلات للورد «كرومر» المعتمد البريطانى إلى أهله، ومراسلات من نوع آخر تبادلها مع الفيلسوف «برتراند رسل»، والفيلد مارشال «مونتجمرى» بطل معركة «العلمين»، والرئيس الإيرانى الأسبق «محمد خاتمى» حول حوار الحضارات، ومراسلات متبادلة لها طبيعة مختلفة مهنيا وإنسانيا مع ألمع نجوم الصحافة العالمية فى القرن العشرين، على رأسهم كاتب الـ«نيويورك تايمز» الأكبر «والتر ليبمان»، ورئيس مجلس إدارة «التايمز» البريطانية «دينيس هاميلتون»، ورئيس التحرير المؤسس لـ«لوموند» الفرنسية «بف ميرى».. ومراسلات بين أستاذه «محمد التابعى»، وزميله «مصطفى أمين» أودعها الأول لديه لربما يحتاج إليها، لكنه لم يستخدمها أبدا.

فضلا عن وثائق لم ينشرها فى كتابه «بين السياسة والصحافة» قرر باختياره ألا يدرجها فى جزء ثان، لم يكن يريد لمعارك الماضى مع «مصطفى أمين» أن تستغرقه والعلاقات بينهما لا يمكن تلخيصها بجمل مبتسرة، أو مشاهد مقتطعة.

من بين ما كان يحتفظ به دفتر يوميات بخط يد «مصطفى أمين»، لكنه لم يشر إليه، فلم يكن بوارد التشهير الشخصى.

«لن أتركه بعدى».

كما كانت فى حوزته مراسلات من شخصية صحفية شهيرة هاجمته بأقسى النعوت، لم يكن يريد أن يذكرها بالاسم حتى لا تتساوى الرءوس، وكان نشرها ينسف جوهر التهجمات المتكررة عليه.

وفوق ذلك كله ملفات موثقة عن قصة الإعلام العربى من بعد الحرب العالمية الثانية إلى الآن، قال ذات مرة: «أريدك أن تأخذها كاملة»، لكنها راحت ضمن ما راح.

(1)

بعد رحلة طويلة استقرت الكتلة الرئيسية من كتبه ووثائقه وتسجيلاته وأوراقه الخاصة فى «بيت الورد»، وهو مبنى قديم يعود إلى خمسينيات القرن الماضى، ويطل عليك وأنت قادم على طريق معبد برمال حمراء تحيطه خضرة من على جانبيه إلى حيث كان يجلس فى حديقته الواسعة، أو ينتظرك على مدخل مكتبه، والكتب الحديثة التى ترده فى مواقيت نشرها بجوار مقعده تنتظر دورها فى القراءة، ومعها صحف اليوم يطل عليها واحدة إثر أخرى.

البيت على صورته القديمة أقرب إلى الطرز المعمارية للأكواخ السويسرية أطلق العاملون فى المزرعة عليه هذا الاسم لقربه من حديقة صغيرة تظللها «بيرجولا» تحتها مقاعد خشبية يحيطها الورد من كل جانب.

المبنى الذى قضى عليه بالكامل، بما يحتويه من ذخائر لا تعوض، هو نفسه له تاريخ، فقد استضاف بأوقات متقاربة فى الستينيات الزعيمين اللاتينى «تشى جيفارا»، والفلسطينى «ياسر عرفات»، كلاهما بدا محتاجا لوقت يخلو فيه إلى نفسه ليتأمل أفكاره وخطواته التالية.

«جيفارا» مر بالقاهرة، واطلع على التجربة المصرية وبدا منبهرا بما رأى من التفاف الجماهير حول «ناصر».

وكان قد عقد عزمه على الاستقالة من منصبه الوزارى فى الحكومة الكوبية، فهو لا يجد نفسه فيه.

شىء ما قلق داخله دعاه إلى مغادرة السلطة إلى الثورة والنفوذ إلى السلاح، فكر أن يذهب إلى إفريقيا، ولم يتحمس «عبدالناصر» للفكرة وقال له: «سوف يظنونك طرزانا جديدا».

ذهب إلى دول أخرى فى أمريكا اللاتينية حتى لقى مصرعه فى أحراش بوليفيا.

قصة مصرع «جيفارا» تحولت إلى أسطورة ووجهه صريعا بدا قريبا من المسيح مصلوبا.

قصة «عرفات» فى «بيت الورد» تختلف وطبيعة الرجلين تختلف.

كان التقى للتو «عبدالناصر»، وصاحب البيت هو الذى فتح الأبواب المصرية أمامه وقدمه للرئيس فى أجواء ما بعد النكسة وصعود منظمات الكفاح المسلح الفلسطينية، وكانت «فتح» أكبرها وأقواها.

أبلغ ثلاثة من قيادات «فتح» هم «ياسر عرفات»، و«أبوإياد»، و«فاروق قدومى»، طلبوا أن يساعدهم فى مد الجسور مع القاهرة، إنه سوف يصحبهم بسيارته الخاصة للقاء شخصية مهمة.

كانت المفاجأة أنه «عبدالناصر»، الذى لخص موقفه فى جملة واحدة: «أريد أن أسمع طلقة واحدة تدوى كل يوم فى الأرض المحتلة».

فى تلك الأيام من أكتوبر (1967)، بأجوائها الملبدة، تبدت حسابات جديدة على الساحة الفلسطينية، وكان قائد «فتح» فى حاجة لوقت يبتعد فيه عن صخب التحولات والصراعات ليحسم بدوره خطواته التالية وقيادة منظمة «التحرير الفلسطينية» توشك أن تؤول إليه.

فى ذاكرة المكان حوارات مسهبة بمواقيت مختلفة مع الرجلين، «جيفارا» و«عرفات»، اللذين أقاما فيه لأيام فى لحظة حسم مصير سجلها كعادته على ورق حفظها مع ذخائره فى «بيت الورد»، الذى دمرته النيران الجهولة.

فى المكان ذاته تحاور مع الرئيسين «عبدالناصر» و«السادات»، وكلاهما ــ على ما كان يروى دائما لضيوفه ــ له مكان يفضل أن يجلس فيه.

«عبدالناصر» فى «تراس بيت الورد»، أو على سور منخفض أمامه.

و«السادات» فى الحديقة المفتوحة.

كانت تضايق «عبدالناصر» الفترات الطويلة، التى يقضيها فى «برقاش»، حيث لا يمكن الوصول إليه، فلم تكن الاتصالات قد شهدت ثورتها الكبرى التى عليها الآن.

طلب «عبدالناصر» من وزير الاتصالات فى ذلك الوقت الدكتور «مصطفى خليل» تركيب خط هاتفى فى بيت «برقاش» حتى يمكن استدعاؤه إن اقتضت الظروف.

سألته: «ممن تعلم السادات عادته فى الجلوس بالحديقة وأن يجرى لقاءاته ومقابلاته فيها؟».

قال: «علمته خبراته ومشاهداته وتجاربه، ولا تنس السجن حيث كانت الزنازين تغلق عليه، الجلوس فى الهواء المفتوح طريقه لنسيان تجربته القاسية».

وفى ذاكرة المكان لقاءات مع رؤساء وملوك وأمراء وقادة فكر وصحفيين وفنانين من أجيال مختلفة، من بينهم الرئيس الفرنسى الأسبق «فرانسوا ميتران»، الذى خاطب «السادات» للإفراج عنه بعد اعتقاله فى حملة سبتمبر (١٩٨١)، التى أفضت تداعياتها إلى حادث المنصة.

عندما التقاه أمين عام الأمم المتحدة الأسبق «كوفى عنان» بادره قائلا: «لا يمكن أن تتذكر لقاءنا الأول، لكننى لا أنسى زيارتك لغانا المستقلة حديثا بزعامة كوامى نكروما، وقد كنت دبلوماسيا شابا فى الوفد المرافق لك».

للمكان أسراره، والأسرار أودعت على ورق، بعضها نشر، وبعضها الآخر قرر أن يحفظه للأجيال القادمة، لعلها ترى فيها ما يستحق قراءة التاريخ من جديد، لكن كانت للأقدار كلمة أخرى.

(2)

لسنوات طويلة ساورته مخاوفه وشكوكه من أن تصل يد التخريب المتعمد إلى الوثائق، حفظها فى مأمنها الأوروبى مرتبة بصورة تسهل استدعاء ما يريد منها إلى القاهرة عند الحاجة إليها، فكل وثيقة مرقمة فى مجموعتها، وكل قائمة محفوظات تشير إلى ما فيها.

قال: «ليست فى لندن».. «هذا كلام شائع لكنه ليس صحيحا».

اتجه تفكيره مرة بعد أخرى، عقدا بعد آخر، أن يكون مستقرها فى مؤسسة مصرية مثل «جامعة القاهرة»، أو «مكتبة الإسكندرية»، أو «دار الكتب»، لكنه لم يكن مطمئنا إلى أنها سوف تكون بعيدة عن انتقام السلطات، أو محاولات تخريبها بصورة أو أخرى.

ما أن بدأ فى تسجيل حلقات «سيرة حياة» على قناة «الجزيرة» أخذ يستدعى ما يحتاجه من وثائق وتراكمت مجموعات الأوراق والوثائق فى مكتبه بالجيزة عن حروب مصر والصراعات عليها وحولها، بعضها كشف النقاب عنها لأول مرة، وبعضها الآخر حصل عليها بعد أن أصدر مجموعة كتبه عن حرب الثلاثين سنة.

فكر فى الاستجابة لدعوة من مؤسسة «الأهرام» لاستضافة ذخائره من وثائق وأوراق، وجرت اتفاقات عصفت بها تغييرات فى رئاسة المؤسسة العريقة، ولم يكن يريد أن يضع ما لديه فى مهب التحولات.

مع أسبابه للقلق على سلامة الأوراق والوثائق مال إلى أن تظل فى مأمنها الأوروبى، وكتب وصية سجل فيها بالتفاصيل ما يتعين فعله عند نقلها والضمانات الضرورية لحفظ أمانتها إلى أجيال جديدة.. غير أن ضغوطا تصاعدت عليه من مقربين وأصدقاء وداخل أسرته دعته أن يحسم موقع مؤسسته ومستقر أوراقه ووثائقه فى حياته ولا يحيل عبء مسئوليتها لمن بعده.

فى نوفمبر (2005) تصور أن هناك فرصة ما لعودة أوراقه ووثائقه إلى مقرها الطبيعى فى القاهرة.

خفتت مخاوفه رغم انتقاداته المطردة للحكم، التى زادت درجة حدتها منذ محاضرة الجامعة الأمريكية الشهيرة فى أكتوبر (2002)، إذ بدت السلطة مشغولة بما بعد رئيسها وهاجسها مشروع التوريث والتاريخ بوثائقه لا يعنيها.

بصياغته: «لم أعد معتقدا أن ورقى مطارد».

استقر تفكيره على إيداعها فى مؤسسة تحمل اسمه وذهب إلى نقابة الصحفيين لاستئجار دور كامل يخصصه لوثائقه وأوراقه وظنه أنها سوف تكون متاحة أمام الأجيال الجديدة من الصحفيين عند ترددهم على نقابتهم، لكنه بعد أن قام بتسديد قيمة التعاقد تنازل عنها للنقابة التى ينتسب إليها وتراجع عن الفكرة، خشية أن يجد أوراقه ووثائقه وكتبه فى مرمى الاشتباكات المتكررة بمحيط شارع «عبدالخالق ثروت»، الذى يضم إلى نقابة الصحفيين نقابة المحامين ونادى القضاة.

أخذت الفكرة تبحث عن مكان آخر أكثر أمنا لسلامة وديعته للأجيال القادمة.

فى ذلك الوقت كتب على ورق تصوراته لـ«مؤسسة محمد حسنين هيكل للصحافة العربية»، التى قرر أن تضم كل ما لديه من وثائق ومحاضر وأوراق وكتب.

أودع نسخة من المذكرة لدى نقابة الصحفيين، كما أودع نسخا أخرى لدى أصدقاء ومقربين.

هناك ثلاث علامات رئيسية فى تلك المذكرة، الانفتاح على العصر وحقائقه، عروبة الرؤية فى طبيعة عمل المؤسسة، والتركيز على الأجيال الجديدة من الصحفيين.

ما لم يشر إليه فى مذكرته أن قيمة الوقفية، التى خصصها للصرف على أوجه نشاط المؤسسة، بلغت (٥) ملايين دولار قابلة للزيادة وفق الاحتياجات.

بعد ثورة «يناير 2011» طرحت عليه أسرته أن تكون «برقاش» مقرا لمؤسسته، استمع لما عرض عليه من «أصحاب الحق فى الإرث»، مدركا «أن المسألة أكبر من أن تكون تركة أو إرثا»، لكن العرض دعاه أن يحسم موضع الوثائق متصورا أن «المكتبة ينبغى أن تظل فى مكانها ببيت الورد لا تنقل لمكان آخر».

بدأ يخضع المكان لتخطيط جديد، يكون فيه «بيت الورد» مستقرا للكتب والوثائق وتشرف عليه نخبه تتوافر فيها القدرة على إدارة المؤسسات الدولية من هذا النوع، وأن يخصص الدور الأول فى البيت الأحدث والأوسع لزوار المؤسسة ويحتضن الدور الثانى الخبراء والباحثين.

أعدت التصميمات لإحالة مزرعة «برقاش» كلها إلى الخدمة العامة ووضعت الوقفية تحت تصرف المؤسسة والقائمين عليها.

رغم ذلك انتابه قلق من المكان عندما طلب أن ينظر فى صور «جوجل إرث» للمنطقة المحيطة.

«لم تكن الصور مطمئنة وحزام القلق الاجتماعى ظاهر عليها».

لكنه طمأن نفسه بأن «المنارات الفكرية فى أحزمة القلق الاجتماعى تكسبها شيئا من التنوير وإطلالا مختلفا على عوالم جديدة».

ما إن بدأ يطمئن إلى اختياره الأخير الذى قطع فيه زمنا طويلا، حتى فاجأته جحافل الظلام تنقض بقسوة لم يتحسبها ولا خطرت على باله فى أكثر الاحتمالات سوداوية وتشاؤما.

تصدق فى قصة وثائقه وأوراقه الحكمة العربية المتوارثة «الحذر لا يمنع قدر».

(3)

كان يدرك أن الذاكرة الإنسانية، مهما بلغت من قدرة على استعادة الأحداث والوقائع، لها حدود، ثم أن الزمن يلعب دوره بما يؤثر على صدق الرواية، وكان تقديره أن أهم ما عنده هو مجموعة أوراقه الشخصية التى سجل فيها بخط يده ما رأى وما سمع.

بصياغته: «كتبتها كى لا أنسى حين الحاجة إليها لتوثيق السجل، أو حين يحين أوان الكتابة والنشر، وفى كل الأحوال فإن هذه الأوراق الشخصية ذاكرة رجل وليس ذاكرة وطن».

«شبه مفكرات وليست مذكرات».

على هذا النحو الدقيق والصارم فى العمل، الذى ألزم به نفسه على مدى عقود طويلة ومتصلة، أخذ يسجل وقائع الحياة السياسية المصرية، وينشد وثائقها، تمنيا ــ فى ذروة صعود «عبدالناصر» والصراع على المنطقة ومقاديرها ــ أن يروى ذات يوم قصة ما جرى.

وبصياغته: «لم أترك ما مر أمامى يضيع وإنما حاولت أن أسجله موثقا».

«لا أتصور أن ذلك يحمل مظنة أى نوع من أنواع الاحتكار للحقيقة، فما أتيح لى كان متاحا لغيرى، فى مثل ظروفى، وكان الفارق الوحيد أن الكتابة فى يوم من الأيام كانت ــ بحكم المهنة ــ فى خواطرى ولم يكن الأمر كذلك لغيرى، وإنما طرأ فيما بعد لسبب أو لآخر».

كان يعرف ماذا يفعل، وماذا يقول، وكيف يتكلم، ومتى يتكلم، ثم أن يكون ذلك كله موثقا ودقيقا.

«الكلام المرسل لا قيمة له فى كتابة التاريخ».

راهن «عبدالناصر» على أنه المؤهل ــ وحده ــ لكتابة تاريخ الثورة والصراع على المنطقة، وكان رهانه فى محله.

طوال الوقت طاردته الأسئلة عن مصير ما لديه من وثائق، كتب وألح كثيرون على عودتها إلى مصر، وهو نفسه فى مقدمات مجموعة كتبه عن حرب الثلاثين عاما فى طبعاتها الجديدة أخذ يتحدث عن الوثائق بمداخلات مختلفة، قبل أن يعترف أخيرا بأنها باتت عبئا على مشاعره.

فى ذلك الوقت عرضت جامعة «أوكسفورد» البريطانية شراء مجموعة أوراقه الخاصة، التى تضم وثائق مهمة للدولة المصرية فى عهدى «عبدالناصر» و«السادات» لتضمها إلى مكتبتها، ومن تقاليدها السعى وراء مجموعات الوثائق والأوراق الخاصة لشخصيات دولية لعبت أدوارا بارزة فى التاريخ الإنسانى المعاصر، بما يضفى قيمة مضافة على تلك المكتبة.

جرت العادة فى الجامعة العريقة أن تقدر القيمة المالية لمجموعات الوثائق والأوراق بما تحتويه من معلومات غير متوافرة وبما تغطيه من فترات تاريخية واسعة.

وقد قدرت «أوكسفورد» قيمتها بـ(3) ملايين جنيه إسترلينى، غير أنه اعتذر عن قبول هذا العرض شاكرا لأصحابه: «فضل الاهتمام والتقدير بما لديه من وثائق وأوراق شخصية».

وكان اعتقاده أن مصر، وليس بلدا آخر غير مصر، المكان الطبيعى والمستقر النهائى لوثائقه وأوراقه، التى احتفظ بها لسنوات محفوظة ومصانة خارجها خشية أن تتدخل تعقيدات السياسة بما قد يحرم أجيالا قادمة من حق الاطلاع على وثائق حقبة تاريخية مهمة ومفعمة بالتحولات والحروب والأحلام والكوابيس.

غير أن حرائق «برقاش» ــ فى نهاية القصة الطويلة ــ أودت بكتلتها الرئيسية.

 

هيكل الآخر «4 – 10»

– مديرة كلية الصحافة بجامعة أوكسفورد وصفته بـ«الأسطورة الحية»

– أبدى استغرابه من اقتراح كسينجر لقاء شيمون بيريز فى مطعم بلندن على ضوء الشموع

– شخصيته مزيج من تقاليد التهذب البريطانى وخفة الظل المصرية

– فى تسعينيات القرن الماضى رسمه الفنان جورج بهجورى كـ«آلة للتفكير بأسلاك متداخلة تنتج رؤى وسياسات»

– حفظ نحو 10 آلاف بيت من التراث العربى القديم والحديث وكان يستعيدها فى أحاديثه العادية كأنه يتنفسها

– فى لحظاته الأخيرة ردد أبيات شعر أمام أبنائه تؤكد أنه لا فائدة من معاندة الطبيعة والقدر

تتلمذ على يد الشاعر «على الجارم».. وتأثر بـ«كامل الشناوى» بحياته الصاخبة البوهيمية و«محمود عزمى» بثقافته الموسوعية وعمق رؤيته

كان منضبطًا فى علاقاته وإبداعه الروائى.. وللقاءاته قواعد وأصول لا تعرف المفاجآت

رأى أن الفن هو الأب الحقيقى للثقافة فى جميع مجالاتها.. وكان يذهب للنمسا سنويًا للاستماع لأعمال «موتسارت»

كتب رسالة خاصة للروائى بهاء طاهر لحصده «البوكر»: الجائزة سعت إليك كما يسعى حق لصاحبه

اعتذر عن عدم قبول الدكتوراه الفخرية فى العلوم الإنسانية من الجامعة الأمريكية: تكريم الصحفى من حق جمهور قرائه

والده وهبه للأزهر.. ووالدته أصرت على إلحاقه بالتعليم المدنى

استمع إلى قراء العصر فى رحاب «الحسين».. وجلال صوت «محمد رفعت» لم يفارق مخيلته أبدًا

حفظ القرآن فى الخامسة.. وتحدى ظروف عائلته القاسية التى منعته من التقدم فى التعليم لآخر مراحله

فى منتصف السبعينيات رفض تعيينه مستشارًا لرئيس الجمهورية للعودة لمقاعد الدرس

زوجته «هدايت تيمور» لعبت دورًا محوريًا فى صياغة ظاهرته الفريدة

بدت «سارميللا بوز»، مديرة كلية الصحافة فى جامعة أوكسفورد، مأخوذة بحضور الأستاذ «محمد حسنين هيكل» المشهد الافتتاحى لأول كلية تنتمى إلى صناعة الإعلام فى أعرق الجامعات البريطانية.

بأثر مما قرأت وسمعت وتابعت غلبتها مشاعرها، كأنها لا تكاد تصدق أنه أمامها الآن.

عندما طلبت منه التقدم لإلقاء أول محاضرة تذكارية فى الكلية الوليدة، التى نشأت بالتوافق بين«أوكسفورد» و«رويترز»، وصفته بـ«الأسطورة الحية».

قبل أن يصعد على منصة أوكسفورد وصفه اللورد «كريستوفر باتن»، رئيس الجامعة، المفوض الأوروبى الأسبق، آخر الحكام البريطانيين لجزيرة «هونج كونج»، وأحد الأركان الوزارية فى حكومة «مارجريت تاتشر» بـ«أنه من عظماء الصحافة فى نصف القرن الأخير»، ثم التفت إلى «سارميللا بوز» قائلا: «لم يسبق لأحد أن وصفنى بالأسطورة الحية، على الرغم من المناصب الكثيرة التى توليتها والأدوار التى قمت بها، لكننى الآن يمكننى أن أترك المنصة لأسطورة حية لتتحدث إليكم».

المشهد بمعانيه ورسائله محفوظ على شرائط.

كان ذلك فى أكتوبر (٢٠٠٧).
مساء ذلك اليوم ضم عشاء على الشموع فى مطعم لندنى ثلاثة رجال: «اللورد باتن» و«هيكل» و«هنرى كيسنجر».

لم يكن من عادته تناول طعام عشاء.

وقد دار حوار طويل بين الماضى والمستقبل فى الشرق الأوسط، ما جرى وما قد يجرى.

فى ذلك العشاء تساءل «كيسنجر» إذا كان ممكنا أن يضمهما مع الرئيس الإسرائيلى «شيمون بيريز» لقاء مماثل على ضوء الشموع، فالثلاثة من مواليد العام نفسه (١٩٢٣).

استغرب «هيكل» اقتراح «كيسنجر»، فمن القواعد الصارمة التى التزم بها ألا يلتقى إسرائيليين، على الرغم من أنه منفتح على أى اتجاهات فى العالم ولا توجد له عداوة مع اليهود كأصحاب ديانة سماوية.

(١)
لم تكن صورته من بعيد تضاهى حقيقته الإنسانية.

هناك من تصوره إلها إغريقيا فوق جبال الأوليمب ينظر من فوق، يستكفى بإرث تاريخه ويستغنى عن جديد عالمه، وأن ثقته فيما يكتب ويقول أقرب إلى النصوص المقدسة، وهذه أوهام لاحقت تاريخه، وكأى أوهام فإنها لم تكن صحيحة فى أية لحظة.

فى تسعينيات القرن الماضى رسمه الفنان «جورج بهجورى» كـ«آلة للتفكير بأسلاك متداخلة تنتج رؤى وسياسات».

الصورة ــ أحيانا ــ أقوى من الحقيقة بالاعتياد، أو بالتقادم، لكن حسه الإنسانى كان أكثر رهافة من صور أسلاك متداخلة لعقل يفكر طوال الوقت دون توقف أو راحة.

لم يكن عصيا على الذين اقتربوا منه أن يلحظوا دون عناء ذلك المزيج فى شخصيته من تقاليد التهذب البريطانى وخفة الظل المصرية، لا تند عنه كلمة خارجة، ولا يتصرف بطريقة جارحة مع أحد.

فى أحاديثه الشخصية هو حكّاء عظيم، والحكى بإمتاع المعرفة غير الثرثرة باستهلاك الوقت.

كان مغرما بالطقوس مثل غرامه بالشعر والقوافى، لكل فعل طقس.. العمل والرياضة والصداقات حتى فى الصيف على شاطئ الساحل الشمالى يجلس يوميا يتابع الغروب على دكة خشبية خضراء، وربما أدى غرامه بالطقوس إلى شيوع صورة العقل المجرد عنه.

سألته عن رأيه فيما رسمه «بهجورى»؟

قال: «عقل إيه، ومبرمج إيه، ده نصف الذى أكتبه أدب»، وهذه حقيقة، فبعض كتاباته ــ بشهادة روائيين كبار أهمهم «نجيب محفوظ» ــ ترتقى بصورها الدرامية والإنسانية إلى مصاف الأعمال الروائية الرفيعة، لكنه لم يكن يعتبر نفسه روائيا ولا كانت كتابة الرواية من أحلام الشباب التى راودته.

الشعر هو عشقه الأول، كان يحفظ نحو عشرة آلاف بيت من التراث العربى القديم والحديث خاصة لـ«المتنبى» و«شوقى» ويستعيدها فى أحاديثه العادية كأنه يتنفسها، فلكل موقف بيت شعر يستدعيه من الذاكرة يعلق عليه ويبدى رأيه فيه.. واستعادة محفوظاته الشعرية كانت من وسائله لتدريب الذاكرة أن تأبى نسيان ما جرى.

فى لحظاته الأخيرة، وهو ينازع الروح، أخذ يردد أمام أبنائه بعض أبيات شعر تؤكد أنه لا فائدة من معاندة الطبيعة والقدر.

من عباراته: «أنا شاعر مقموع».

فى سنوات التكوين الأولى بالمدارس الابتدائية تتلمذ على يد شاعر كبير هو «على الجارم»، ساعدته تلك المصادفة على تنمية ذائقته الشعرية.

«كنت قريبا من الأدب والشعر والمسرح، ولم تخطر الصحافة ببالى فى البدايات».

فى سنوات تكوينه الأساسى تأثر برجلين لكل منهما شخصية تناقض الآخر.

الأول ــ «كامل الشناوى» بحياته الصاخبة البوهيمية وطباعه الحلوة والمشاكسة.

«فى كل يوم قصة حب جديدة وإحباط آخر وقصيدة مبدعة«.

كلما ورد اسم «الشناوى» تبدت على وجهه ابتسامة رائقة وتدفقت عليه الذكريات المحببة، ولا يستدعى اسمه فى جلساته الحميمة إلا على النحو الذى كان يخاطبه به: «كمولة».. بينما لا يذكر اسم «محمد التابعى»، ولم تكن هناك حواجز بينهما، إلا مسبوقا بلقب «الأستاذ».

التناقض ما بين شخصيته الانضباطية فى مواقيتها وعملها وتصرفاتها وما بين شخصية «الشناوى» بكل جموحها وعفويتها وليلها الممتد حتى ساعات الفجر سر عمق ذكرياته، فـ«التناقضات تصنع جمال علاقاتها وخصوصيتها».

والثانى ــ الدكتور«محمود عزمى» بثقافته الموسوعية وعمق رؤيته، وقد أفضت حواراته المنتظمة معه قبل ثورة يوليو إلى توسيع مدى نظرته إلى حقائق الأشياء والعصور، كان يعتبره: «من بقايا الرعيل الأول لكُتاب مصر العظام».

فيما بعد يوليو قدمه إلى «جمال عبدالناصر»، الذى عينه ممثلا دائما لمصر فى الأمم المتحدة وفارق الحياة شهيدا على منبر مجلس الأمن.

كان وفيا لأساتذته بأكثر مما هو معروف ومعلن، كان بوسع «التابعى» و«الشناوى» أن يطلبا ما شاءا فى ذروة صعوده الستينى وأن يمشى ما يطلبان على الرقاب.

«لم يكن ممكنا أن أمانع فى طلب حتى لو كان فيه خرق لأصول ونظم وقواعد».

صداقته الخاصة مع «الشناوى» تبدو غريبة على صورته النمطية.

فـ«الشناوى» أحد الصعاليك العظام فى حياتنا الأدبية والشعرية والسياسية، بينما هو لم يجلس فى حياته على مقهى، رغم أنه ابن منطقة «الحسين»، ولا تعود السهر لبعد التاسعة إلا لظروف طارئة.

«قلت له يا كمولة يا ريت تسجل ما تقوله على ورق، فالأحاديث الشفهية مهما تكن روعتها وسحرها تنسى مع الوقت ولا يبقى منها شىء».

«بروح الفنان البوهيمى كان يحب فكرة الحب ذاتها أكثر من أن تكون شخوصا وقصص حياة».

بدا كل أمله أن يأخذ «الشناوى» منه شيئا من الانضباط، لكنه لم يتغير.

وربما آمل هو أن يأخذ شيئا من حرية أمير الساخرين، لكنه لم يتغير.

كان منضبطا فى علاقاته، فللقاءات قواعد وأصول لا تعرف المفاجآت، أو ضيوفا لا يعرف أنهم قادمون إليه.

فوجئ ذات مساء أن «الشناوى» دعا إلى منزله المطربة «فايزة أحمد» على حفل عشاء.

طرقت الباب ودخلت إلى صالون البيت، وهو وقرينته لا يعرفان من هى، ليكتشفا بعد عشر دقائق أنها «فايزة أحمد»، وأنها جاءت بدعوة من «الشناوى»، الذى تأخر بالحضور.

«هيكل» و«الشناوى» شخصيتان على طرفى نقيض، لكن جمع بينهما شىء ما، ربما رغبة المتناقضات فى التلاقى.

«الانضباط شرط ضرورى للإبداع حتى فى الفن».

لعله ــ من هذه الزاوية ــ كان أقرب ما يكون إلى انضباط «نجيب محفوظ» فى الإبداع الروائى.

كما هو معروف فقد كتب رواياته فى مواقيت محددة لا يغيرها، وفى فصول معينة من العام لا يبدلها.

كان «محفوظ» يميل فى شبابه إلى حياة الصعاليك، بمعناها الذى عرفته الحياة الأدبية والفنية المصرية، غير أنه لم ينقل هذا النمط من الحياة إلى مواعيده فى كتابة الأدب الروائى.

أما «هيكل» فكل شىء فى حياته منضبط بمواعيد لا تتغير، وبتقاليد فى كتابة مقالاته وكتبه أقرب إلى الاستغراق الكامل، لا اتصالات هاتفية ولا أحد يدخل إليه.

وحده مع أقلامه وأوراقه وسيجاره، الذى دعاه الأطباء مرة بعد أخرى للامتناع عنه دون جدوى.

(٢)

«لماذا أنا الآن هنا ــ داخل إطار يبدو بعيدا عن موطنى الطبيعى باعتبارى كائنا عاش عمره، ومارس عمله وسط مواقع الصحافة ــ وقرب مواقع السياسة».

هكذا طرح السؤال على نفسه، وهو يلقى كلمة نادرة بموضوعها ومجهولة بنصها، فى افتتاح معرض للفنانة «تحية حليم».

«لاختصار الطريق إلى إجابة واضحة فقد أقول من البداية إننى واحد من الذين يعتقدون أن الفن هو الأب الحقيقى للثقافة فى جميع مجالاتها، ثم إن الفنون التشكيلية هى الحلقة الرئيسية فى قصة الصعود المدهش ــ على سلم الحضارة الإنسانية».

هذا المقال النادر ينير بعض ما خفى فى الجانب الآخر من حياته، حيث الفن بلغة الخطوط والألوان، كما الأدب بلغة الحروف والكلمات، من ضمن تكوينه الأساسى.

بناء الصور فى مقالاته وكتبه تعود إلى ذلك النوع من الثقافة.

كما كان الاستماع إلى السيمفونيات الكلاسيكية داعيا لترقية متعة السمع.

فى كل عام كان يذهب إلى النمسا للاستماع لأعمال «موتسارت» فى مهرجانه السنوى.

إعجابه بـ«موتسارت» الجامح فى مشاعره، وهو المنضبط على قواعد صارمة، مثير بذاته.

كان ذلك أقرب إلى زواج المتناقضات فى كيمياء البشر على الجانب الآخر من الحياة.

بتكوينه العقلانى لم يكن يتعجل إصدار أية أحكام قبل استبيان الحقائق، أو يأخذ الزمن حقه.

عندما حصد الروائى «بهاء طاهر» جائزة «البوكر» الدولية فى أول إطلالة لها على الرواية العربية عام (٢٠٠٨)، ولم يكن التقاه حتى ذلك الوقت، كتب رسالة خاصة إليه قال فيها: «أردت أن أحضر احتفال أصدقائك بك مع حصولك على جائرة البوكر، التى سعت إليك كما يسعى حق إلى صاحبه، وذلك شىء نادر فى زمان فرض فيه على الحق أن يخلف موعده أغلب الأحيان».

فى تلك الرسالة الخاصة جملة لافتة تضىء جانبا من شخصيته والمنطق الذى يحكمه فى النظر إلى معايير التكريم:

«إن الدائرة الواسعة للقراء هى الجائزة الأهم والصحبة الأبقى لأى كاتب أعطى نفسه حرية الاختيار فمنحه قراؤه نعمة الرضا».

قبل سنة من تلك الجملة المنيرة جاءته رسالة موقعة من «دافيد أرنولد»، رئيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة، تبلغه أن: «مجلس الجامعة صوت بالإجماع على أن يقدم لكم درجة الدكتوراه الفخرية فى العلوم الإنسانية».. فـ«إنجازاتكم طوال تاريخكم العملى تعكس مستوى عاليا من الأمانة والامتياز فى توثيق تاريخ مصر السياسى، وإسهاما له قيمته المؤثرة والمستمرة والحيوية فى تطور الشرق الأوسط» ــ (١٩) فبراير (٢٠٠٧).

وهكذا رد فى (٥) مارس التالى على تلك الرسالة:

«إننى شديد التأثر ـ راضٍ وممتن، لكن لدى مسألة أرى أهمية وضعها أمامكم، وتلك هى أننى التزمت أمام الرأى العام من بداية عملى على أن تكريم الصحفى من حق جمهور قرائه بحكم سلطتهم الأدبية والمعنوية عليه، ثم إنه مطالب طوال حياته المهنية بأن يلتزم بهذا الحق للرأى العام دون بديل أيا كان شكل تعبيره: وساما أو لقبا أو تقديرا من أى جهة أو من أى نوع».

«إننى حاولت مراعاة هذا المبدأ إزاء دول شاءت أن تهدينى أوسمتها بما فى ذلك وطنى مصر ــ كذلك راعيته إزاء هيئات تفضلت وأرادت أن تحتفى بى، بما فى ذلك جامعات عربية وغير عربية رأت أن تهدينى أرفع درجاتها العلمية».

«ولقد وضعت التزاما ــ مصيبا فيه أو مخطئا ــ أمام جميع المبادرين بالفضل، وأسعدنى أنهم ــ فى الغالب الأعم ــ تفهموا دواعيه، حتى وإن رآه بعضهم تعسفا لا ضرورة له».

فى (٢١) مارس كتب «دافيد أرنولد» رسالة ثانية سجل فيها تفهمه لـ«الأسباب التى بنيت عليها موقفك فى هذا الاعتذار عن قبول عرض الجامعة الأمريكية بالقاهرة».. رغم «خيبة أمل مجلس الأمناء والهيئة الأكاديمية بالجامعة لأنهم لم يستطيعوا أن يقدموا لك تقديرهم لإسهامك فى قضايا الشرق الأوسط على شكل دكتوراه فخرية».

(٣)

ولد فى (٢٣) سبتمبر (١٩٢٣) لأسرة متوسطة الحال أصولها من صعيد مصر، ثم وهبه والده للأزهر، كما وهب أخويه الكبيرين للتجارة، غير أن والدته، وهى الزوجة الثانية، أصرت على إلحاق ابنها بالتعليم المدنى وإعطائه فرصة أوسع للحياة.

للآن توجد صورة لـ«هيكل» الصغير بزى الأزهر الشهير لدى إحدى شقيقاته.

استرق السمع لأمه وهى تقرأ لأبيه نصوصا مكتوبة من السير الشعبية، التى بهره سحر خيالها.

لم تتصور الأم، ولا الأب، أنه كان يسمع ويتأثر وأن الحكايات سيطرت على وجدانه بالكامل، أو أنها سوف تلهم مستقبله.

كان الجد يصحب حفيده للاستماع إلى قراء العصر فى رحاب «الحسين»، من بينهم الشيخ «على محمود»، والشيخ «الشعشاعى»، والشيخ «محمد رفعت»، الذى لم يفارق جلال صوته مخيلته أبدا.

حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب فى الخامسة، أو السادسة من عمره، على يد الشيخ «قاسم»، وقرأ ما تيسر له من كتب فى مكتبة جده.

تحدى ظروفا قاسية داهمت عائلته منعته من التقدم فى التعليم إلى آخر مراحله، علم نفسه بدأب، التحق بالقسم الحر فى الجامعة الأمريكية لتعلم الإنجليزية، ومر على القسم الحر فى مدرسة الليسيه لتعلم الفرنسية، التى أتقنها مثل الإنجليزية وقرأ بها، كما حضر دورة دراسية فى كلية الصحافة بجامعة فى نيويورك، ودورات مماثلة فى جامعات غربية أخرى، بل إنه حضر دورة دراسية فى الجامعة الأمريكية فى علم الاجتماع السياسى بعد خروجه من «الأهرام».

لم يستنكف منتصف سبعينيات القرن الماضى أن يجلس على مقاعد الدرس من جديد بالوقت الذى رفض فيه تعيينه مستشارا لرئيس الجمهورية، أو نائبا لرئيس الوزراء فى حكومة «ممدوح سالم».

بأى قياس اعتيادى فإن رفض المنصب الرسمى الرفيع والجلوس مجددا على مقاعد الدرس، وهو أقوى وأشهر صحفى فى الشرق الأوسط دون منازع، خارج كل ما يمكن تقبله، أو تعقله، أو تفهمه.

بمنطقه هو فإنه تأهب بزاد إضافى من العلم لدخول مرحلة جديدة من عطائه العام أسفرت عن مجموعات كتبه التى أرخت ووثقت للصراع على مصر.

ما لم يكن متقبلا، أو متعقلا، أو متفهما ساعده على الوصول إلى آفاق لم يصلها أحد قبله.

«فى كل مراحل حياتنا هناك أستاذ يعلم ويؤثر بأكثر مما نتصور وحياتنا تتوقف على الطريقة التى نستقبل بها المقادير، نشيطين فى التفاعل معها أو بليدين».

هكذا قال بعد أن استكملت تجربته مقوماتها كلها.

كان ممن يعتقدون أن المشاعر تخص أصحابها.

تزوج عام (١٩٥٥) بالسيدة «هدايت تيمور»، وشهد «جمال عبدالناصر» على عقد الزواج، ولم يكن يفضل التطرق إلى حياته الأسرية فى الصحف.

لمرات عديدة أبدى ضيقه من بعض ما ينشر عن حياته الشخصية، معتقدا أنها ملكه وحده.

وقد اختار لأبنائه وأحفاده مهنا أخرى غير الصحافة حتى لا يظن أحد أن ما يحصدونه من فرص فى المهنة مجاملة لأب، أو جد.

سألت كبرى حفيداته «هدايت على هيكل» عندما كانت فى سنتها الأولى بالجامعة الأمريكية: «لماذا لم تدرسى الإعلام؟».

رد جدها بالنيابة: «يكفى واحد من عائلة هيكل».

على الرغم من حرصه البالغ على خصوصية حياته العائلية، إلا أن كل من اقترب منه يكتشف دون عناء الدور المحورى الذى لعبته السيدة «هدايت تيمور» فى صياغة ظاهرته الفريدة.

ذات مرة وصف علاقة «جمال عبدالناصر» بحرمه«تحية كاظم» بـ«الولاء».

«عنده ولاء لها»، يضايقه أن تحزن ويرضيه ما يسعدها.

ذلك معنى أعمق وأهم وأجمل من عبارات الحب الاعتيادية.

نفس الوصف ينطبق على علاقته هو بحرمه.

عندما أُخضعت لتدخل جراحى حساس فى لندن، واضطر أن يعود للقاهرة لفترة قصيرة بسبب ارتباطات لا تحتمل تأجيلا، كان قلقا بصورة أفقدته رغبة الحديث، يسمع ولا يتكلم، فمشاعره هناك حيث ترقد مريضة.

سألته: «هل تعرف أنك تحبها إلى هذا الحد؟».

كانت تعرف بأكثر مما قدرت.

لم يكن يخفى عنها شيئا لكنه أبعد أولاده «على» و«أحمد» و«حسن» بقدر ما يستطيع عن شواغله وأزماته، وبعضها مزعجة.

ولم يكن يخفى ضيقه البالغ من الخلط بين دوره العام وطبيعة عمل أولاده، فإذا ما اعترضت أحدهم أزمة ما فإنه يتم تعريفه فى العناوين الصحفية بـ«نجل هيكل»، على الرغم من أنه يستطيع أن يتحمل مسئولية تصرفاته.

هو رجل عوّد نفسه على احترام حقائق الحياة، لكن مشاعره غلبته على نحو فادح عند رحيل شقيقه الأصغر الدكتور «فوزى هيكل» الأستاذ بالجامعات الأمريكية.

لم يكن الدكتور «فوزى» يذكر اسم شقيقه الأكبر إلا مسبوقا بـ«الأستاذ» حتى فى أحاديثه الخاصة على ما أكد لى أصدقاؤه، ومن بينهم الدكتور«أشرف البيومى»، والدكتور «كمال خلف الطويل».

سألته: «لماذا اتسعت المسافة مع شقيقك الوحيد إلى هذا الحد؟».

قال: «لا تنس فارق السن، خمسة عشر عاما، وقد تكفلت برعايته وتعليمه بعد أن توفى والدنا، فهو ابنى بكل معنى إنسانى، لا أخى كما تقول شهادة الميلاد».

وقد بكاه بحرقة أب على ابن.

بالإضافة إلى «فوزى» فهناك ثلاث شقيقات ارتبطن به، وكان مثيرا أنهن تزوجن من ثلاثة أشقاء، بعضهم سفراء.

تحدث كثيرا وطويلا عن والدته ودورها فى حياته، لكنه لم يكن يتطرق إلى والده.

فى سنواته الأخيرة، وتجربته فى الحياة اكتملت، بدأ يستعيد شيئا من ذكرياته القديمة، وتوقف عند واقعة عابرة لكن كان صداها عميقا فى ذاكرته.

التفت قاضيا يقف أمامه الحاج «حسنين هيكل» إلى اسمه.

سأله: «هل لك صلة يا حاج بالأستاذ محمد حسنين هيكل؟».

كان اسم الابن قد بدأ فى الذيوع.

أجاب الأب: «إنه ابنى».

فى تلك اللحظة استشعر والده بأن نجله لم يكن مخطئا فى اختيار مهنة الصحافة على عكس إرادته.

كأى ابن، مهما طال الزمن وتقادمت العقود، فإنه يحب أن يرى نجاحه فى عين أبيه قبل أى عين أخرى.

لم يكن اسمه الذى يعنيه، بقدر رضا والده عنه.

فى مرة ثانية، سألته شخصية بريطانية عما إذا كان هو «محمد هيكل» الصحفى المصرى المعروف، أم أن هناك تشابها فى الأسماء.

أجابه: «هو نفس الشخص».

لم يضايقه أن شخصا ما لا يعرف شكله بينما هو يقرأ له.

تذكر ما قاله له صديقه وطبيبه الدكتور «محمد عبدالوهاب» من أن سيدة تونسية أقدمت على زوجته «فاتن حمامة» متهللة ومرحبة: «كيف أحوالك يا ست نعيمة عاكف؟».

كانت تلك مفارقة مدهشة لأشهر وجه سينمائى عربى.

«لست من هواة الأفلام.. ولا أنا ناقد سينمائى، وإنما أحسست بروح جديدة وأنا أشاهد فيلما مصريا لأول مرة منذ سنوات».. «ولقد رأيت فاتن حمامة بعد أن كبرت فإن آخر مرة رأيتها عندما ظهرت مع عبدالوهاب فى فيلمه القديم دموع الحب منذ ما يقارب خمسة عشر عاما».

هكذا كتب فى يومياته بـ«أخبار اليوم» يوم (١١) فبراير (١٩٥٦) عن فيلم «صراع فى الميناء»، الذى رآه «قطعة من صميم الحياة.. قطعة فيها فكرة.. ولها روح.. ووراءها هدف».

لم يعرف «فاتن» ولا اقترب منها حتى تزوجت من صديقه، غير أن ما كتبه متأثرا بـ«صراع فى الميناء» عن «أهمية دعم الدولة لصناعة السينما حتى لا تضمحل» تحوّل بدعوات أخرى مماثلة إلى خيار رئيسى لثورة (٢٣) يوليو.

عبد الناصر والسادات.. أوراق ووثائق «5 – 10»

عبدالناصر والسادات.. أوراق وثائق
تأثر فى بداية حياته المهنية بعقلانية «هارولد إيريل» ورومانسية «سكوت واطسون» وسحر أسلوب «محمد التابعى»
استوعب الدرس جيدا فى علاقته مع السلطة من تجربته فى «الإجيبشيان جازيت»
عبدالناصر كان يرتاد السينما فى السنوات الأولى لثورة 1952 وشاهد معه فيلم «فيفا زاباتا»
زكريا عزمى طلب منه التدخل لعرض موضوع حساس على السادات عقب حرب أكتوبر
كيف أقنعه عبدالناصر بقبول وزارة الإعلام بعد تحفظه على التعيين؟
ساهم فى معركة نقل حائط الصواريخ إعلاميا ودبلوماسيا إلى الجبهة الأمامية
النقراشى باشا لم يقتنع بتحقيقاته «النار فوق الأرض المقدسة» عام 1948 وقال له: «الكلام ده جبته منين؟»
ضرورات حواره مع عبدالناصر فرضت لغة الوثائق والاستناد إليها.. والسادات لم تكن لديه خبرة يعتد بها فى الدولة
حصل على وثائق فائقة السرية من أرشيف «السفارة الأمريكية» فى طهران عند اقتحامها.. والخمينى أصدر تعليماته بفتح مكتب الشاه أمامه لأخذ ما يريد من وثائق
اكتشف ضلوع دبلوماسى أمريكى التقاه ودعاه للغداء أكثر من مرة فى خطة لاغتيال «عبدالناصر»
فى تجارب السياسة والصحافة والحياة فإن للمرة الأولى أثرا لا يمحى، قد لا تكون ناضجة تماما لكنها تنطوى على سحر الاكتشاف الأول.

 

التحق بجريدة «الإجيبشيان جازيت» للتدرب.. وكانت فى ذلك الوقت أكبر الصحف الأجنبية، التى تصدر باللغة الإنجليزية عن شركة الإعلانات الشرقية المملوكة لأسرة «فينى».
وقد تأثر بـ«سكوت واطسون» المثقف اليسارى، الذى صاغته تجربة الحرب الأهلية فى إسبانيا بكل عناصرها الفكرية والإنسانية العظيمة، «وهارولد إيريل» رئيس تحرير الجريدة.
بمجازفات سن الصبا فى سبتمبر (١٩٤٢)، قبل أيام من بدء حرب العلمين، قرر أن يدخل تجربة تغطيتها عند الخطوط الفاصلة ما بين الحياة والموت.
جازف بقراره دون موافقة والده وتمكن بطريقة ما من إقناع خاله أن يوقع على موافقة خطية بالسفر إلى مواطن الحرب.
قبل أن يسافر مباشرة جلس إليه رئيس تحرير «الجازيت».. وكان ما تلقاه من إرشادات حاسما فى مسيرته المهنية.
قال «إيريل» باقتضاب: «لا ترسل أخبارا، حاول أن تستقصيها وتكتشف خباياها بقدر ما تستطيع، لا نتوقع منك أن تنافس مراسلى الصحف والوكالات الدولية، الظروف لن تمكنك من أن ترسل ما تحصل عليه فى برقيات، والحل الوحيد أمامك، وهذا ما نطلبه منك ونكلفك به، أن تدون ملاحظاتك على ما ترى فى ميادين الحرب وسير معاركها، وأن تسجل انطباعاتك على ورق أولا بأول على وقع ما يجرى أمامك.. وعندما تعود حاول أن تضبط صياغاتها دون أن تفقدها حيويتها وطزاجتها التى كانت عليها، فالمادة المكتوبة على صياغتها الأولى فى وقتها أكثر حياة مما يكتب بعدها».
بعد سبعين سنة، وتجاربه المهنية اتسعت إلى آفاق مفتوحة، قال: «ثبت بالتجارب أن هذه القاعدة سليمة، وسليمة تماما».
ذات يوم كان مقررا للصحفى الشاب أن يلتقى «مصطفى باشا النحاس»، زعيم الوفد وزعيم الأمة ورئيس الحكومة.
بدا مرتبكا من فكرة اللقاء فى حد ذاتها، فنهره «هارولد إيريل» ووجه إليه نظرة مخيفة بعين فيها حول، قائلا: «أنت تمثل جريدة تطبع عشرات الآلاف من النسخ، وتأثيرها نافذ فى مجتمع النخبة المصرية، لا بد أن تدرك منذ الآن أن الصحفى ند لرئيس الحكومة».
استوعب الدرس جيدا فى علاقته مع السلطة، اقترب كثيرا واختلف أحيانا، وحاول طوال الوقت أن يحافظ على مساحة ندية، ولم يقبل أبدا بأقل من ذلك.
كان الدرس الثانى، الذى تلقاه فى «الجازيت» من «هارولد إيريل»، أن يدرس موضوعه قبل أن يسأل مصادره، فـ«إذا ما اكتشفت أنك لا تعرف موضوعك لن تقول لك شيئا جديدا».
لم تطل رحلته مع «الجازيت» أكثر من عامين، فقد انتقل بدعوة من الأستاذ «محمد التابعى» ــ الرجل الذى صنع ثورة كاملة فى الأسلوب الصحفى وحول لغة الصحافة إلى ما يسمى اليوم سلاسة الكتابة الصحفية ــ إلى مجلة «آخر ساعة».
هكذا قدر له فى بداية حياته المهنية أن يتأثر بعقلانية «هارولد إيريل»، ورومانسية «سكوت واطسون»، ثم سحر أسلوب «التابعى».
دروسه الأولى فى الصحافة، بالذات من «واطسون»، دفعته للذهاب بعد ذلك إلى المناطق المتفجرة بالحروب والأزمات فى اليونان وفلسطين وإيران وسوريا وكوريا وفيتنام، حيث صنع الحروف الأولى من اسمه فى بؤر الموت والخطر، لكن لم يخطر بباله أنه بعد سنوات طويلة عندما يخرج من السلطة و«الأهرام» معا، فإن أصدقاءه الصحفيين، الذين تعرف عليهم فى ميادين القتال، و«كبر وكبروا معه»، سوف يمدون له يد المساندة ويفتحون أمامه أبواب الصحافة البريطانية والفرص الواسعة لاحتلال مكانة مرموقة فى الصحافة العالمية.
(١)
فى الأوراق الخاصة ما يكشف عن طرائق التفكير، وفيها أسرار أخفاها كاتبها وأحكام لم يفصح عنها، وكان قد قرر أن يترك أوراقه الخاصة على النحو الذى كتبت به أول مرة لمن يأتى بعده من باحثين ومؤرخين وصحفيين يدققون فى الأصول الخام ويطابقونها بما نشر فعلا فى مقالات وكتب.
تلك مسألة ليست باليسر التى تبدو عليها، فالأوراق الخاصة سر صاحبها، وقد تستخدم ضده: لماذا أغفل نشر معلومات وردت فيها.. وكيف تباينت الصياغات الأولية مع ما هو منشور.. ومدى تأثير الانحيازات الشخصية على الصياغات والرؤى والرواية كلها؟
كان يدرك ذلك تماما، لكنه قرر أن يترك كل شىء للتاريخ يحكم بما يحكم به، قبل أن تحرق الكتلة الرئيسية من تلك الأوراق الخاصة.
فى وقت لاحق التفت إلى سجالات صاخبة حول «أوراق بوب وودورد»، ألمع الصحفيين الأمريكيين المعاصرين، نالت على نحو فادح من صدقيته المهنية.
كان «وودورد» قد باع بـ(٥) ملايين دولار أوراقه، التى صاغ على أساسها كتابه الأشهر «كل رجال الرئيس» عن سقوط الرئيس الأمريكى «ريتشادر نيكسون» بتداعيات فضيحة «ووتر جيت».
بدا لباحثين فى الأوراق ومنقبين فيها أن ثمة تناقضات ومعلومات جرى التلاعب بها انتهكت سلامة روايته وقوضت أسطورته الخاصة.
كل ما نشر فى الصحافة الغربية عن «أسطورة وودورد التى تهاوت» أودعه داخل «دوسيه أحمر».
لم يكن مرتاحا لفكرة «بيع الأوراق الخاصة»، لكنه بدا مستعدا أن يواجه الاختبار ذاته.. بلا إغراء مال، أو إغواء بيع، واثقا أن التنقيب فى أوراقه وأصول تفكيره ينصفه فى التاريخ.. غير أن الأوراق راحت فى «حرائق برقاش».
(٢)
سألنى ذات مرة: «ما العبقرية؟»، لم يكن يتحدث عن نفسه، والحوار الذى قطع سياقه بسؤال العبقرية كان عن شخصيات صحفية وسياسية لها أدوارها المقدرة.
أجاب عن سؤاله بنفسه معتمدا تعريفا للمؤرخ الهولندى «هنريك فان لون»: «كمال التقنيات وشىء ما آخر»، أن يكون كل شىء دقيقا ومتقنا يتوخى الكمال بقدر الاستطاعة الإنسانية، لكن التقنية المكتملة وحدها ليست عبقرية، فـ«التكنوقراطى» عنده التوجه ذاته للوصول إلى أعلى ما يستطيع من تقنية مكتملة. هى ضرورية بذاتها وملازمة للإبداع الذى يتجاوز المألوف والمعتاد، لكن العبقرية تستند بالإضافة إلى اكتمال الصنعة إلى شىء آخر، لا تستطيع أن تعرفه، أو أن تمسكه، أو أن تحيط بأسراره، ولكل شخصية استثنائية «شىء ما» يتخطى تقنياتها غير قابل للاستدعاء المعلب وغير صالح للنظريات الجاهزة.
عبقريته فى أسلوبه، تقنياته «تعب عليها» وطورها من مرحلة إلى أخرى، حاول بقدر ما يستطيع أن يصل بها إلى شىء من الكمال، أو أن يكون مستوى إنتاجه المهنى والفكرى متسقا مع حجم ما بذل فيه من جهد، فهو رجل لم يكن يدخر جهدا فى عمله، يكرس وقته كله لاستقصاء المعلومات والتدقيق فيها قبل أن يضعها فى سياق.. وغريزة التدوين عنده القاعدة الأساس لكل ما كتب وأنتج على مدى عقود، بالإضافة إلى تقنياته فى قراءة الوثائق والخرائط والصور، لكن شيئا ما آخر صنع عبقريته.
بتراكم الخبرات والتجارب بدأ يرتب أوراقه الخاصة فى مجموعات نوعية لكل مجموعة سماتها وطبائعها.
الأولى ــ تضم مواعيده الأسبوعية يوما بعد آخر.. وقد وافقت شخصيته واحتياجاته أوراقا مطوية ألوانها زرقاء رآها فى إحدى المكتبات اللندنية لـ«التذكر» عليها ثبت بأيام الأسبوع لتسجيل مواعيد اللقاءات عليها، فهو منضبط فى مواعيده، ولا يلتقى عادة إلا بمن يعتقد أن له قيمة، أو لديه ما يشهد به فى خلفيات حركة الحوادث.
فيما بعد طلب من إحدى المطابع المصرية الكبرى أن تطبع أوراقا مماثلة دون حاجة إلى جلبها من العاصمة البريطانية.
فى كل سنة (٥٢) أسبوعا، ولكل أسبوع مواعيده المسجلة على ورقة «تذكر»، تودع كل مجموعة سنوية فى «رابطة واحدة».
من طبائع الأمور أن تمزق أوراقا سجلت عليها مواعيدك بعد أن تنقضى فى نفس اليوم، أو اليوم التالى، وأن تلقى بقاياها فى أقرب سلة مهملات.. إلا هو لم يفعل ذلك أبدا.
سألته ذات مرة إن كان ممكنا أن نراجع سويا عدد المرات التى التقينا فيها على مدى السنوات المتصلة، وفيما تحاورنا، وماذا سجل من ملاحظات استرعت انتباهه أجاب واثقا: «نعم.. باستثناء المرات التى التقينا فيها ببرقاش فأنا أعتبر نفسى هناك فى إجازة لا أسجل مواعيد لقاءات، أو أودع ورقا فى أرشيف».
فى أوراق مواعيده إشارات لافتة إلى حجوزات فى سينما «راديو» كفيلم «فيفازاباتا»، الذى شاهده مع «جمال عبدالناصر» عندما كان يمكنه أن يرتاد دور العرض السينمائى فى السنوات الأولى لثورة يوليو (١٩٥٢).. وإشارات أخرى اكتسبت قيمتها من الزمن الذى يليها، ففى أوراق مواعيده أسماء كبر اسمها فيما بعد ولم يكن لها شأن عندما التقاها لأول مرة، تقريبا نساها، لكن مراجعة الورق تكشف وتبين وتدعو لتذكر شيئا من لقاءات عابرة.
قال لى ذات مرة فى نهايات عصر «حسنى مبارك»: «لقد اكتشفت اليوم أن زكريا عزمى ــ رئيس ديوان رئيس الجمهورية ــ عندما كان رائدا فى الحرس الجمهورى حضر فى الشهور التى تلت حرب أكتوبر لمكتبى فى الأهرام طالبا تدخلى لدى الرئيس السادات فى موضوع ما رآه حساسا، نسيت القصة كلها، فقد كانت عابرة، لم أسجل موضوعها على الورق، لكننى كتبت اسمه عليها».
«للورق ذاكرة أخرى قد تكتسب من الزمن معانى لم تكن لها فى وقتها».
الثانية ــ مجموعة أوراقه الشخصية التى يسجل عليها ملاحظاته وأفكاره وملخصات للقاءات أجرها مع شخصيات فاعلة فى الأحداث ومتداخلة فيها، كل ما له قيمة يسجله على ورق بعد انتهاء اللقاءات مباشرة، يعود إليها ويفحصها ويتأكد من مصادر أخرى دقة ما ورد فيها من معلومات.. ومجموعة الأوراق الشخصية تضم دفاتر سفر سجل فيها لقاءات جمعته مع مصادر من الدرجة الأولى ملوك ورؤساء حكومات وشخصيات نافذة فى صناعة القرارات ببلادها.. والمعلومات تتفاوت قيمتها من مصدر لآخر بحسب ما يتوافر له من اطلاع، أو بحسب ما يرغب فى التطرق إلى ملفات حساسة.
«لا أحد يبادرك بمعلومات جدية إلا إذا كنت فى صلب الصورة فى بلدك، غير ذلك فلن تجد غير المودة والاحترام والكلام السياسى العام»، وبشكل أو آخر فإن حواراته مع رؤساء دول وحكومات أوروبية تعمد لسنوات، ألا يشير إليها لا فى كتاباته ولا فى إطلالاته التليفزيونية حتى لا يثير حفيظة «مبارك»، الذى لم يكن يتردد فى إعلان ضيقه بسعة اتصالاته الدولية.
الثالثة ــ مجموعة محاضر كتبها لنفسه تضمنت اجتماعات لمجلس الوزراء تحت رئاسة «عبدالناصر» واجتماعات أخرى على درجة عالية من الأهمية.
كل ما له قيمة كان يكتبه على ورق، أو يضعه فى محضر بعد أن يخلو إلى نفسه.
«لو أمسكت ورقة وأخذت تكتب عليها أمام أى مصدر تحاوره فإنه سوف يتوقف عن التدفق فى البوح بأية أسرار وخفايا اطلع عليها، وسيخطر بباله على الفور أنه يعترف أمام الرأى العام».
«سوف يأخذ حذره ويخاطب الرأى العام عبرك ولا يخاطبك أنت».
«وأنت تستقصى مصادرك فمن الطبيعى أن تركز على السياق أساسا، عندما تتذكره فإن ما يرتبط به من معلومات وتفاصيل ترد بدقة إليك».
غريزة التدوين من غرائزه المهنية، والإخلاص لمهنته يفوق أى تصور، فعالمه يبدأ من الصحافة ويعود إليها.
«هل تعرف كيف أقنعنى عبدالناصر بقبول أن أكون وزيرا للإعلام؟».
«كان يعرف تعلقى بالأوراق والوثائق وما خلف الأحداث من قصص صحفية.. فى البداية تحفظت على قرار تعيينى دون استشارتى فى أمر يخصنى، وذهبت إليه فى منشية البكرى، لكنه خاطب ما يعرفه فى تكوينى، عارفا أن نقطة ضعفى الأساسية الصحافة وإغواءات أخبارها».
«قال لى عبدالناصر: عندك فرصة الآن أن ترى بنفسك ما يجرى فى الاجتماعات الوزارية من حوارات وأن تكون طرفا فى حوارات رسمية توفر لك خلفيات إضافية لما تعرف».
كعادته سجل محضرا بما قاله الرئيس، وصدى صوته لازمه: «نحن مقبلون على مرحلة فيها قتال وسياسة، وأنت لست فى حاجة إلى تعليمات يومية منى، وعليك أن تتصرف حتى نغطى موضوع نقل حائط الصواريخ إعلاميا ودبلوماسيا إلى الجبهة الأمامية، وسوف يرسل إليك الفريق أول محمد فوزى القائد العام والفريق محمد على فهمى قائد الدفاع الجوى كل ما له صلة بالملف».
«هكذا دخلت الوزارة وساهمت من موقعى فى معركة نقل الصواريخ من باب الصحافة وبسببها».
قال «هيكل» فجأة، كأننى لم أكن أمامه أسأل وأحاور: «كنت أشعر عندما أتكلم مع عبدالناصر كأننى أكلم نفسى».
(٣)
غريزة التدوين قادته إلى الولع بالوثائق، وقصته معها طويلة.
راح يتذكر ذلك اليوم من شهر مارس عام (١٩٤٨) عندما دلف إلى «أخبار اليوم»، وكل من قابله يخبره بأن الأستاذ «مصطفى أمين» يسأل من وقت لآخر عما إذا كان وصل الجريدة.
ما إن أطل عليه بادره: «أين أنت؟.. النقراشى باشا يطلب أن يراك الآن».
حامت تصورات وتوقعات وتساؤلات غير أن ما جرى لم يرد فى تصور، أو توقع.. فقد كان رئيس الحكومة «محمود فهمى النقراشى» مشغولا بما يجرى فى فلسطين ونذر الحرب تقترب، أراد أن يستقصى من الصحفى الشاب العائد توا من مسارحها الملتهبة خلفيات فيها.
سأل مستفهما عن المستعمرات اليهودية وما رآه من استعدادات للحرب كان قد وصفها بأنها «نذر شر».
وسأل متشككا إذا ما كان صحيحا أنه شاهد بنفسه فى إحدى المستعمرات «أكثر من ستين مدرعة» على ما روى فى سلسلة تحقيقاته «النار فوق الأرض المقدسة».
لم يكن رئيس الحكومة مقتنعا بما قرأ وسمع: «أنت يا ابنى الكلام ده جبته منين؟».. «أنت تبالغ فيما تقول والأمور ليست بالخطورة التى تتحدث عنها!».
لم تكن مصر قررت دخول الحرب.. والرجل الذى أرسلت قواته إلى فلسطين بعد أسابيع قليلة يتصور أن ما قرأه وسمعه مبالغات صحفى فى الرابعة والعشرين من عمره يصوغ مشاهداته بتوابل إثارة تتطلبها مهنته.
فى مواقيت تالية دعاه رجال دولة وسياسيون تقليديون إلى لقاءات مماثلة للاستماع إلى ما عنده من شهادات إضافية على ما نشره من تغطيات لصراعات وصدامات فى المنطقة، كل واحد منهم لديه ما يريد أن يستقصيه، ففلسطين ونارها تضغط على «النقراشى باشا»، وإيران وبركانها تلح على «إسماعيل صدقى باشا».. و«نجيب الهلالى باشا»، و«حافظ عفيفى باشا»، و«محمد حسين هيكل باشا»، لديهم أسئلة أخرى.
تبدت هنا مسألة حاسمة حكمت مسيرته فى الصحافة والسياسة على مدى عقود تناقضت فى طبائع رجالها وحقائق زمانها «أن أحدا فى السلطة، أو بقربها، لن يسعى إليك ما لم يكن لديك ما تقوله وأن يكون ما تقول عاينته بنفسك فى مواقع الأحداث».
فى انشغال «عبدالناصر» بقضية العلاقات الدولية مطلع الخمسينيات وما بعدها أفضت تجربته إلى التفات آخر إلى الوثائق وما تكشف عنه من خفايا الصراع على المنطقة وتوازنات القوى الحرجة على مسارحها الملتهبة.
«تتطلب حواراتك مع الرئيس أن تكون فى صورة ما يجرى، أن تكون مطلعا على تقارير الخارجية المصرية وأية تقارير أخرى تدخل فى الملف تكتبها جهات سيادية».
فيما بين أغسطس وسبتمبر (١٩٧١) جرت واقعة أمدته بغير انتظار بوثائق إضافية من أرشيف رئاسة الجمهورية على عهد «عبدالناصر».
فى حديقة بيت «السادات» على نيل الجيزة أخذا يتحاوران فى المواقف السياسية المستجدة، لم يكن هناك ما هو عاجل، أو خطير، على الأجندة الرئاسية، والحوار كان تقليديا ومعتادا بين صديقين.
على غير توقع، أو موعد مسبق، حضر «أشرف مروان» سكرتير الرئيس للمعلومات، ومعه حقيبتان من حجمين مختلفين معبئتان بأوراق ووثائق جلبها من مكتب «سامى شرف» وزير شئون الرئاسة فى «منشية البكرى» بعد اعتقاله فى أحداث مايو.
تصور «مروان» أن وثائق الرئاسة فى «منشية البكرى» قد تغرى الرئيس الجديد بقراءتها، أو اعتبارها «هدية ثمينة» تستوجب الامتنان والشكر، لكن «السادات» قال ساخطا: «لن أقرأ البلاوى دى.. أقرأها أنت يا محمد وإن كان فيها حاجة مهمة قل لى».
لم تكن الأوراق كلها جديدة عليه، لكنها احتوت على وثائق مهمة لم يطلع عليها من قبل أضيفت إلى مجموعاته.
طوال السنوات ما بين صعود «السادات» إلى رئاسة الجمهورية والفراق السياسى بينهما تدفقت إلى مجموعات وثائقه تسجيلات وتقارير وبرقيات ومراسلات دارت مع «هنرى كيسنجر» وزير الخارجية الأمريكى طوال عام (١٩٧٣).. أكثر من ذلك أرسلت إلى مكتبه بانتظام طوال تلك الفترة «مسيرات الرئاسة»، وهو تعبير مستقى من العهد الملكى ويقصد به كل ما يصل إلى الديوان الرئاسى، أو الملكى، أو ما يصدر عنه.. بينما كتب هو التوجيه الاستراتيجى لحرب أكتوبر وخطاب «الدرع والسيف» الذى ألقاه «السادات» فى مجلس الشعب قرب انتهاء معاركها.
بدا أن هناك اختلافا فى طبيعة العلاقة مع رئيسين.
أولهما ــ «عبدالناصر» يرسل ما يراه ضروريا لكى يكون فى صورة الدولة ويكون الحوار معه مستندا على حقائق.
«ضرورات الحوار فرضت لغة الوثائق والاستناد إليها».
وثانيهما ــ «السادات»، ضرورات أخرى حكمت الحوار، فلم تكن لديه خبرة فى الدولة يعتد بها، كأنه يقرأ كتابا لا يتقن لغته.
«أنا موصول بالجارى فى الدولة وهو كان بعيدا ويريد أن يعرف».
وقد ساعدته ظروفه أن يحصل على وثائق فائقة السرية من أرشيف «السفارة الأمريكية» فى طهران عند اقتحامها بعد وقت قصير من سقوط الشاه.
«كنت هناك فى لحظة التحولات الكبرى، عدت إلى إيران فى ظروف جديدة تختلف عن الظروف التى كانت عليها مطلع الخمسينيات، كانت طهران على موعد مع إطاحة الشاه وصعود آية الله الخمينى فى نهاية السبعينيات».
«اطلعت على جانب من وثائق السفارة الأمريكية لكن الشباب الذين احتلوها هم الذين حددوا الوثائق التى أحصل عليها بينما آية الله الخمينى أصدر تعليماته بفتح مكتب الشاه أمامى لأطلع على ما فيه وآخذ ما أريد من وثائق».
«عندما تجد اسمك منصوصا عليه فى وثيقة كتبها دبلوماسى بسفارة غربية بالقاهرة فإنك تجد نفسك فى حاجة لمراجعة أوراقك، وأن تبحث فى دقة الوثيقة التى تطالعها».
«قرأت تقارير لسفارتى أمريكا وبريطانيا سجلت خلافى مع الرئيس السادات وخروجى من الأهرام، أتأمل ما كتب وأفكر فى دلالاته، التى لم تخطر ببالى وقت الحدث».
«كاتب التقرير تتحكم فيه قضيتان.. أولاهما ــ المعلومات التى وصلت إليه ومدى دقته فى روايتها والتحقق منها.. وثانيتهما ــ قدرته على قراءة المشهد بتعقيداته ودقة استنتاجاته لكيفية تصرف أطرافه المختلفة».
«عندما تطالع وثيقة أنت طرف فيها فأنت تقرأها من الداخل ولديك شهادتك، بينما أى مؤرخ أيا كان حجمه فإنه يقرأ الوثيقة ذاتها لكن من خارجها، أدواته الأكاديمية حاضرة وثقافته التاريخية تسعفه لكنه لم يكن فى قلب الحدث، أو رآه من داخله».
وقد فوجئ، وهو يقرأ وثيقة أمريكية ورد فيها اسمه، بما يشبه صاعقة هبطت عليه، فـ«كاتب التقرير دبلوماسى أمريكى عمل فى القاهرة التقيته أكثر من مرة بمكتبى فى الأهرام ودعوته للغداء فى برقاش أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات دون أن يخطر لى على بال أن الرجل خطير فى عوالم المخابرات والاغتيالات السياسية.. وضالع فى خطة لاغتيال عبدالناصر».
صاعقة الوثيقة التى تكشفت أمامه حقائقها بعد سنوات طويلة أضاءت عنده مساحة غامضة جديدة، وسدت ثغرة ما فى روايته للصراع الضارى على المنطقة.

الخرائط تتكلم والصور تحكي «6 ـ 10»

الأستاذ محمد حسنين هيكل مع كوكب الشرق أم كلثوم
الأستاذ محمد حسنين هيكل مع كوكب الشرق أم كلثوم

• «ديجول» لـ«هيكل» عن نكسة 1967: الهزيمة التى لحقت بكم مؤقتة.. ومن ينظر عندكم إلى الخريطة لا بد أن يستشعر ثقة فى مسار المستقبل

• طرق باب شقة «جمال حمدان» ولما لم يفتح أحد التقط حجرا صغيرا وقذفه على شرفة الشقة

• «حمدان» لـ«هيكل»: تتصرف كلورد إنجليزى رغم صداقتك لجمال عبدالناصر؟

• عندما شاع أن قرارا جمهوريا يوشك أن يسند منصب نائب رئيس الوزراء لـ«هيكل» اتصل به «عبدالوهاب» قائلا: «نهنئ أنفسنا يا أستاذنا».. فرد «الأستاذ»: «لكنى اعتذرت».. فلم يتصل مرة أخرى

• فى كل مرة تكتب على ورق أو تطل على شاشة لا بد أن يكون لديك شىء جديد تقوله لا يكرر ما اجتهد فيه غيرك

لم يكن الرئيس الفرنسى «شارل ديجول» بخلفيته العسكرية مستعدا أن يستمع لمداخلات دبلوماسية معتادة ومطولة تمهد للحوار وأهدافه. وكان ضيفه القادم من القاهرة، مقدرا دوره التاريخى فى الحرب العالمية الثانية كأحد أبطالها الكبار، قد هيأ نفسه فى طريقه لـ«قصر الإليزيه» لسيناريو يسجل فيه ــ أولا ــ ما رأى أن الرجل يستحقه بأدواره الاستثنائية فى تحرير بلاده من الاحتلال الألمانى من تحية ينقلها إليه باسم الرئيس المصرى «جمال عبدالناصر».. ثم ينتقل ــ ثانيا ــ إلى العلاقات التاريخية والتقليدية بين فرنسا ومصر، ويؤكد على استمرارها.. قبل أن يصل ــ ثالثا ــ إلى رسالته وموضوعها.

«عال يا مسيو هيكل.. قل لى ماذا تريد بالضبط؟».

«سقطت كل التمهيدات التى هيأت نفسى لها ذات صباح من سبتمبر عام ١٩٦٧».

«التفت إلى أن الرجل التاريخى يجلس خلف مكتبه على فوتيل، كبير لكنه ثابت، لا يتحرك يمينا أو يسارا على ما اعتاد زعماء آخرون، وأن المباشرة من مقومات شخصيته وطبائع تجربته».

«دخلت إلى موضوعى وفيه رهان لجمال عبدالناصر على دور لديجول بعد نكسة يونيو يخفف من وطأة الانحيازات الغربية لإسرائيل».

أكثر ما استلفت انتباهه فى ذلك اللقاء عناية «ديجول» بالخرائط، «وهذه من طبائع العمل العسكرى فالمعارك تجرى على مواقع وخطوط الاشتباك تتداخل وتمتد والتخطيط يتصل بالخريطة وتضاريسها والحقائق الإنسانية فوقها».

طلب «ديجول» خريطة وضعها أمام ضيفه: «انظر أمامك يا مسيو هيكل.. هذه مساحة العالم العربى.. وهذه مساحة إسرائيل، الهزيمة التى لحقت بكم مؤقتة بطبيعة الجغرافيا والحقائق السكانية فوقها، الوضع لا ينبغى أن يخيف، ومن ينظر عندكم إلى الخريطة لا بد أن يستشعر ثقة فى مسار المستقبل».

بلغة الخرائط أجاب «ديجول» على رسالة «عبدالناصر»: «اطمئن».. وكان ذلك أكثر مما توقعت القاهرة من باريس فى أحوال ما بعد (٥) يونيو.

فى ذلك الصباح ترسخ لديه «أن الصحفى بدوره لا يقدر على قراءة المشاهد المتحركة بتفاعلاتها وتعقيداتها ما لم تكن الخريطة ماثلة أمامه».

فى حواراته المطولة مع صديق «ديجول» ووزير ثقافته «أندريه مالرو»، صاحب رواية «الأمل»، تبدت نقطة تنوير جديدة لدوره هو فى تجربة أخرى على الجانب الآخر من المتوسط.

كلاهما ارتبط برجل تاريخى، أحدهما اقترب برؤية المثقف والآخر بموهبة الصحفى.

ذات صباح آخر على مائدة إفطار فى بيته دار حوار مثير فى موضوعه وتفاصيله مع الدكتور «إدوارد سعيد» صاحب «الاستشراق» حول المثقف والسلطة.

كان رأى «سعيد»، وقد نشرته ضمن حوار معه منتصف تسعينيات القرن الماضى: «المثقف يكف أن يكون مثقفا عندما يقترب من السلطة».

سألته: «حتى أندريه مالرو؟!».

أجاب «سعيد» بتحدى المثقف الكبير، الذى يعتقد فى سلامة أطروحته: «نعم».

وكان رأى «هيكل»: «أن التعريف على استقامته فيه تعسف، فماذا يفعل مالرو وصديقه الجنرال الذى أعلن المقاومة بعد هزيمة بلاده واحتلال عاصمتها أصبح رئيسا لفرنسا؟.. هل تقترح أن يقطع علاقته به وأن يعترض على تولى وزارة الثقافة الفرنسية حتى يكون بالتعريف مثقفا؟».

فى نهاية مساجلة بين صديقين أبدى «سعيد» تفهمه أن هناك حالات فى التاريخ تستعصى على التعريف الذى اعتمده تدخل فيها علاقة «محمد حسنين هيكل» بـ«جمال عبدالناصر».

فى التجربة الفرنسية تجلت أمامه حقيقة جديدة هى أن قراءة الخرائط وتفاعلات الحوادث فوقها تتخطى خطوط الجغرافيا الصامتة إلى سؤال الثقافة بين سكانها.

وبدت إيماءة «ديجول» إلهاما جديدا لعناية أكبر بالخرائط أخذت بالوقت تتسع حتى احتلت نسخا نادرة لثلاث خرائط مصرية قديمة حائطا خلف مكتبه وأزاحت لوحات تشكيلية لفنانين كبار عالميين ومصريين.

كانت الخرائط سيدة المكان بلا منازع.

(1)

فى قصته مع الخرائط احتفظت ذاكرته بحواراته مع المفكر المصرى الدكتور «جمال حمدان»، وهى مثيرة فى وقائعها ومجهولة فى أسرارها.

كلاهما كان شاغله الرئيسى «الجغرافيا والتاريخ».

أحدهما، قضيته الجغرافيا وعبقرية المكان فيها يقرأ ثوابتها من نافذة التاريخ وتحولاته.

والآخر، قضيته التاريخ ووثائقه فى رواية الصراع على مصر والمنطقة يطل على وقائعه من فوق تضاريس الجغرافيا وثوابتها.

«قرأت له قبل أن أعرفه، درس فى جامعة ريدنج البريطانية لكنه انتمى إلى المدرسة الألمانية الأكثر جدية فى دراسة الجغرافيا، وهى مدرسة تنتمى إلى إمبراطورية متشوقة لمستعمرات لم تحصل عليها باستثناءات سبقت الحرب العالمية الأولى.. الاستكشاف عندها سبق معرفى دون أن يكون مرتبطا بمصالح محققة».

«استمعت إلى قصص تروى عن عزلته فى محراب فكر، لا يتصل بالعالم حوله، يخرج من منزله قليلا ولا يفتح بابه لأحد إلا بإجراءات واتفاقات مسبقة، وتقصر الزيارات على من يطمئن إليه وعددهم يحصى على أصابع يد».

طرأت فكرة اللقاء الأول مع «جمال حمدان» فى حوار بمكتبه مع الكاتب الصحفى «مصطفى نبيل»، وهو من أبرز المثقفين المصريين والعرب فى ربع القرن الأخير، تولى لسنوات طويلة رئاسة تحرير مجلة «الهلال».

فى ذلك الصباح تطرق الحوار بينهما إلى صاحب عبقرية مصر، شخصيته وعزلته، إسهاماته وكتاباته، وهل يمكن أن يقنعه أحد بالخروج من العزلة التى طالت إلى رحابة الحياة.

أسهب «مصطفى» فى الحديث عن «راهب الجغرافيا»، وكل حرف يقوله مصدق، فلا أحد غيره تفتح له الصومعة المغلقة على صاحبها باستثناء أسرته تأتى إليه لتوفر احتياجاته.

«قال مصطفى: جمال يريد أن يراك.. ولم أكن فى حاجة إلى تفكير فأنا كنت أتطلع بدورى إلى رؤيته».

فى الموعد المحدد وصلا معا إلى شقة «جمال حمدان» فى حى الدقى.

مرة بعد أخرى طرق «مصطفى» باب الشقة على الطريقة المتفق عليها حتى يعرف من بالخارج، لكن لا أحد يستجيب.

بدأ بدوره يطرق الباب على نفس الطريقة، ولا أحد يفتح بابا، أو يصدر صوتا أن خلفه حياة.

اقترح «مصطفى» أن يعودا إليه فى يوم آخر بعد التأكيد على صاحب البيت حتى يفتح بابه، لكن «هيكل» أبَى، فقد كان مهيأ تماما للقاء تطلع إليه مع رجل بدا أمامه عبقريا وغامضا.

«عبقريته فى كتاباته وغموضه فى حياته».

الصحفى فيه تحرك على نحو لم يكن ممكنا معه أى انتظار لموعد جديد.

خرج إلى الشارع وبصحبته «مصطفى».

التقط حجرا صغيرا وقذفه على شرفة الشقة، التى تقع بالطابق الأرضى، لعل ضجيجا يوقظه من نوم، أو يذكره بأن هناك موعدا ــ على ما روى لى بعد سنوات طويلة رفيقه فى الزيارة المثيرة لمفكر الجغرافيا والخرائط.

سألت الأستاذ: «هل قذفت حجرا على شرفة شقة جمال حمدان؟!».

ضحك قائلا: «دع القصة يرويها لك صديقك مصطفى نبيل».

كيف كان اللقاء الأول؟

«من خلف باب موارب رأيته مرتديا روب أحمر فوق ملابس البيت».

«كان الرجل يعد الطعام لنفسه فى مطبخه وغرفة الاستقبال لم تخضع لعناية منذ فترة».

«لم يكن المشهد يليق بمفكر من حجمه أثرت كتاباته فى مجرى التفكير العام، ولفتت إلى دور الجغرافيا فى حياة المصريين».

«سألته: ليه كل ده؟».

«بدا رجلا تعرض لصدمة إنسانية فاقت طاقته على احتمالها لدرجة أنه أخذ يعاقب نفسه».

«سألته: لماذا هذه العزلة وإسهاماتك مراجع كبرى للباحثين والمثقفين والمعنيين بالشأن العام.. لماذا تفعل ذلك بنفسك وأنت الآن مؤثر لحدود لا تتصورها فى التفكير العام».

«أنت تعيد فكرة الرهبنة المصرية بالعزلة فى الخلاء لكنك منعزل فى فوضى».

«طالبته بأن ننتقل إلى مكان آخر يصلح للحوار فيه، أن يرى الحياة الطبيعية فربما تغريه بالعودة إليها».

بعد قليل ذهب الرجال الثلاثة إلى فندق شهير بحى الدقى يطل على النيل.

فى الحوار لطف إنسانى بدأه «حمدان»: «إنك تتصرف كلورد إنجليزى رغم صداقتك لجمال عبدالناصر؟».. مشيرا إلى سيجار فى يده يشعله بثقاب.

ابتسم لملاحظته سائلا عما إذا كان يريد أن يدخن سيجارا آخر يحتفظ به.

أخذ «حمدان» ينفث دخانه فى الهواء ناظرا إلى جريان نهر النيل والحوار يتدفق بعمق.

تدفقت تساؤلات «هيكل» على صاحب «عبقرية المكان»: «ما الذى جرى للمكان وعبقريته وكيف وصلنا إلى هنا؟».

«إلى أين حركة التاريخ ذاهبة فى هذا الموقع من العالم؟».

أجاب «حمدان» عن فيض تساؤلاته بكبرياء حزنه: «حركة التاريخ الدائمة قد تكون أحيانا إلى أسفل.. شهدنا انقلابا لأنه كان بين السكان من لم يقدِر ولم يرع حرمة وحق المكان».

شىء مما دار بينهما سجله فى مقدمة كتابه «أكتوبر ٧٣ ــ السلاح والسياسة»، الذى أهداه إلى «ذلك العالم المصرى الفذ»، غير أنه لم يدخل فى جو الحوار، ولا تطرق إلى بعض الأسئلة التى طرحها عليه الدكتور «جمال حمدان» فى حضور «مصطفى نبيل»، التى سجلها كتابة كما طلبت وألححت.

كيف تسكت يا أستاذ هيكل على ما يجرى فى مصر؟

أجاب الأستاذ: وماذا تريد أن أفعل؟

قال حمدان: لا تقل لى ما تردده أنك مجرد كاتب صحفى، فهذا غير صحيح، أنت زعيم سياسى يسلم بزعامته الكثيرون، فكيف لا تقود الشعب فى ثورة لإسقاط المعاهدة المصرية الإسرائيلية، خاصة أنك تتمتع بالثقة وبميزات لا يتمتع بها سواك، ولديك تجارب ومعرفة عميقة بالمسرح الدولى والأوضاع المحلية، عادة لا يتقن الحديث من يحترف الكتابة، ولكنك تتقن بالوقت نفسه الكتابة الراقية والحديث المقنع، وعادة لا يعرف التفاصيل من هو غارق فى الكليات، لكنك تجمع بين المعرفة الدقيقة بالتفاصيل والكليات معا، وعادة لا يعرف الفيلسوف المسائل العملية ولا يتقنها، وأنت تعرف الفلسفة ولديك قدرة عملية كبيرة، وعادة ما يكون المفكر السياسى غير محترف السياسة وممارساتها، لكنك مفكر سياسى فى ذات الوقت.

فلماذا لا تقود أهل مصر فى طريق الخلاص؟

أجاب هيكل عن فيض تساؤلاته: لقد جئت إليك حتى أسمع منك، ما تفسيرك لتدهور موقف مصر السياسى؟ ولماذا رحب البعض بهذه الاتفاقية؟

قال حمدان فى كلمة كالرصاص: إنه الطغيان.

قرب نهاية ذلك اللقاء الأول اتفقا على طريقة للاتصال المباشر لتحديد موعد لحوار آخر، أن تكون هناك رنة هاتف واحدة تتبعها رنتان بينهما فاصل.

وفى اللقاء الثانى بمكتب «هيكل» تبادلا الأدوار، «حمدان» يسأل وهو يجيب.

كانت لدى المفكر الجغرافى أسئلته عن رؤية «عبدالناصر» للصراع فى المنطقة، وأخذ أستاذ الصحافة يشرحها باستفاضة.

وهو يدخل إلى مكتب «هيكل» حمل الدكتور «جمال حمدان» معه نسخة من أثره الجليل «شخصية مصر» عليه إهداء يصفه بـ«أهم كاتب سياسى فى العالم وأعظم مفكر سياسى أنجبته مصر».

«قلت له: يا جمال هذه مبالغة».

(2)

على حائط فى ممر داخل مكتبه عشرات الصور.

لكل صورة قصة وتاريخ.

فكر لبعض الوقت أن يستلهم الصور وخلفياتها التاريخية والإنسانية واختار عنوانا مؤقتا: «صور على جدار».

غير أنه لم يتسن لهذا المشروع أن يكتب، فقد استأذن فى الانصراف عندما وصل إلى الثمانين من عمره.

الفكرة العامة لـ«صور على جدار» أقرب إلى ما كتبه فى «زيارة جديدة للتاريخ» حيث تطرق بتوسع لشخصيات نافذة فى عصرها مثل الملك الإسبانى السابق «خوان كارلوس»، والزعيم السوفيتى «يورى أندروبوف»، والفيلد مارشال «مونتجمرى»، و«ألبرت أينشتين»، و«جواهر لال نهرو»، و«محمد رضا بهلوى» الذى أطيح به من فوق عرش الطاووس.

لم تتح له ظروفه أن يكتب عن شخصيات كثيرة أخرى، صورها على جدار مثل بطل حرب فلسطين الشهيد «أحمد عبدالعزيز» ــ الذى تعرف عليه فى ميادين القتال، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق «محمود فوزى» ــ وكان يراه الأفضل فى تاريخ الدبلوماسية المصرية، والرئيس الفرنسى «فرنسوا ميتران» ــ الذى ارتبط معه بصداقة قبل صعوده إلى الإليزيه، والزعيم اليوغسلافى «جوزيب بروز تيتو» ــ وقد حاوره كثيرا، والثائر اللاتينى «أرنستو تشى جيفارا» ــ الذى حاوره مطولا فى القاهرة، والزعيم السوفيتى «نيكيتا خرتشوف» ــ وقصتهما معا مثيرة وقد أورد بعضها فى متن بعض كتبه، ورئيس الوزراء الصينى التاريخى «شواين لاى» ــ وهو الشخصية الدولية الوحيدة التى أعلن كتابة أنه منحاز إليه ومعجب به، وزعيمة المليار هندى «أنديرا غاندى» ــ وكانت صلته بعائلة «نهرو» طويلة وممتدة، والمستشار الألمانى إبان الحرب الباردة «فيلى برانت» ــ أحد أهم الذين تولوا هذا المنصب فى التاريخ الألمانى المعاصر، ورئيس الوزراء الباكستانى «ذو الفقار على بوتو»، أبرز من تولى هذا المنصب فى بلاده وجرى إعدامه بعد انقلاب عسكرى، وأول رئيس للجزائر المستقلة «أحمد بن بيللا» ــ والرجلين ينتميان لفكرة واحدة جسدها «جمال عبدالناصر»، وأول رئيس لتونس بعد الاستقلال «الحبيب بورقيبة» ــ والصورة تكشف شيئا من المودة تحاول أن تردم الجفوة بين نظامين عربيين، والأديبين الكبيرين «توفيق الحكيم» و«نجيب محفوظ» و«أم كلثوم» و«عبدالحليم حافظ» وآخرين من عوالم مختلفة.

عندما خطرت له فكرة كتابة «بورتريهات» إنسانية وتاريخية مماثلة لـ«زيارة جديدة للتاريخ» استدعته العواصف السياسية إلى الحاضر وقلقه.

(3)

خلف كل صورة قصة، وفى بعض القصص مناطق مجهولة لم يتطرق إليها.

قصته مع «توفيق الحكيم» مثيرة بذاتها، وأحيانا بدورسها.

فى منتصف ستينيات القرن الماضى سأله «الحكيم» أن يبدى رأيه فى مقال انتهى من كتابته للتو، ومقالاته تمزج ما بين الأدب ونقده والحياة وتأملاتها.

فاجأه السؤال لكنه أجاب على الفور: «يا أستاذ توفيق أنا أقرأ ما تكتب كأى قارئ آخر، أرسله إلى المطبعة أيا ما كتبت ولا تراجع أحدا».. وفى يقينه قاعدة استقرت: «عندما يكون لصاحب الرأى تجربة عريضة واسمه يزكيه فهو وحده من يتحمل مسئوليته أمام الرأى العام ولا شأن لأى رئيس تحرير بما يكتب».

ألح عليه رائد المسرح العربى، وصاحب رواية «عودة الروح»، التى ألهمت «جمال عبدالناصر» وجيله فى مطالع الشباب، أن يقرأ ما كتب وأن يسمع ملاحظاته عليه.

لم يكد يطالع النص ويشرع فى القول: «هناك بعض ملاحظات» حتى استوقفه «الحكيم» طالبا إعادة المقال إليه ومزقه بلا تردد ملقيا أوراقه فى سلة مهملات.

لم يكن «الحكيم» مستريحا لما كتب واستبد به قلقه.. أراد أن يتأكد بنظرة أخرى يطمئن إليها أن أسبابه فى محلها.

القلق من طبائع الإبداع، فما هو رتيب ومألوف ومتوقع لا يلهم إبداعا يبقى، أو يفضى إلى رؤية تختلف.

فى القلق سعى إلى شىء من الكمال لا يُدرك لكنه يُطلب.

كان هو نفسه ذات الرجل.

«تقول لى إن تاريخى يشفع أمام مشاهدى لكن التاريخ وحده لا يقنع أحدا بأنه يسمع ما يستحق الاستماع إليه، وإن لم يكن الكلام مقنعا فسوف يكون من العبث أن تذكر الناس بالتاريخ».

«فى كل مرة تكتب على ورق، أو تطل على شاشة، لا بد أن يكون لديك شىء جديد تقوله لا يكرر ما اجتهد فيه غيرك».

فى مسرحية «الحكيم» «بنك القلق» شىء من شخصية ونوازع المثقفين والفنانين الكبار.

تلك النوازع تملكت سيدة الغناء العربى «أم كلثوم»، وجلال صوتها يهز الوجدان العربى من محيطه إلى خليجه، حتى تكاد أن تهوى من فرط قلقها قبل أن تقف على خشبة المسرح، كأنها تدخل اختبارا جديدا قد تخفق فيه، أو كأنها تعلمت للتو أبجديات الغناء، لكنها ما أن تبدأ فى الشدو فهى ملكة على عرشها.

باستثناء إشارات عابرة لـ«أم كلثوم» فإنه لم يكتب، أو يروِ عنها بقدر ما اقترب منها.

إذا جاز لى أن أحدد فنانا باسمه هو الأقرب إليه فإنها «أم كلثوم»، ولا أحد آخر قبلها.

كان رأيه أن فيها «شهامة أهل الريف»، بينما لم يحظ الموسيقار «محمد عبدالوهاب» بنفس المكانة ففيه «براجماتية الحارة الشعبية».

عندما كانت تزور سيدة الغناء العربى السيدة «تحية عبدالناصر» ويتصادف أن يراها الرئيس، كان يدعوها للغناء بمقاطع يحفظها، ويدندن خلفها، وكان من عادته أن يغنى لـ«عبدالوهاب» كلما سنحت فرصة للاختلاء بنفسه.

قلت: «لكنك لم تشر أبدا إلى وصلات الغناء المشتركة بين عبدالناصر وأم كلثوم، رغم أنها بدلالاتها الإنسانية أكثر أهمية من بعض القصص السياسية؟».

قال: «لا تقل لى ذلك، فأنا متأكد بالخبرة والتجربة من أهمية تلك القصص فى كشف ما غمض من جوانب خفية لرجال التاريخ».

«دعها لى فسوف أكشف عنها فى الحوارات التليفزيونية المقبلة».

غير أن الشواغل السياسية الضاغطة أخذته بعيدا عن تلك الإشارة الإنسانية الموحية.

كان حديثه عن «أم كلثوم» دافئا، فيما لم يكن متحمسا لـ«عبدالوهاب»، يعرف قدره الفنى لكن طباعه الشخصية لا توافقه.

عندما شاع فى منتصف السبعينيات أن قرارا جمهوريا يوشك أن يسند منصب نائب رئيس الوزراء لـ«هيكل»، اتصل به «عبدالوهاب» قائلا: «نهنئ أنفسنا يا أستاذنا».

رد «هيكل»: «لكنى اعتذرت».

.. ولم يتصل مرة أخرى.

سألته: «لماذا غاب عن الدور السادس فى الأهرام عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين؟».

«إن الجو فى مكتبة الدكتور طه حسين غريب مثير.. إن المكتبة أشبه ما تكون بصومعة.. صومعة عقل».

«غرفة لا تبين جدرانها لأن رفوف الكتب ارتفعت إلى السقف، غرفة فيها آثار أشبه ما تكون باللمسات السحرية. تمثال هنا للدكتور طه حسين.. وتمثال على الناحية الأخرى لملاك نشر أجنحته ولكنه بلا رأس.. رأسه مكسور!».

«فى وسط ذلك كله.. جلس على مقعد كبير الرجل الذى مزق حجب الظلام الكثيفة المحيطة به لكى يستقبل النور الخالد.. ويعكسه إلى الملايين بعد أن يضفى عليه شيئا آخر.. شيئا من ذات نفسه!».

هكذا كتب عنه فى أول يومياته عام (١٩٥٥) بصحيفة «أخبار اليوم».

بعد سنوات سأله أن يأخذ موقعه على رأس كبار المفكرين والمثقفين والأدباء فى «الأهرام».

قال الدكتور «طه»: «لماذا.. وأنت عندك الأخ توفيق؟».

عندما وصلت إلى مسامع «توفيق الحكيم» قصة ذلك اللقاء سأل «هيكل«: «لماذا لم تبلغنى؟».

ــ «بأية صفة؟!».

أجابه «الحكيم»: «بصفتى رئيس الدور السادس».

كان عميد الأدب العربى يدرك حساسيات كبار المثقفين فهو كبير وهم كبار، فنأى بنفسه عن أية منازعات من هذا النوع.

بالنسبة لـ«هيكل» «طه حسين» أستاذ ملهم، و«الحكيم» صديق مقرب.

وقد كان «طه حسين» أول من استخدم كلمة «ثورة» لوصف ما حدث فى (٢٣) يوليو.

و«توفيق الحكيم» أول من هاجمها فى «عودة الوعى» بعد رحيل «عبدالناصر».

غير أن قيمة الأدباء لا تحددها مواقفهم السياسية المتغيرة وإن كانت تضفى، أو تسحب، من أوزانهم العامة.

عودة إلى عبدالمنعم رياض «7 – 10»

هيكل والشاذلي والمشير أحمد إسماعيل وزير الحربية أثناء حرب أكتوبر

• عبدالناصر لم يناور فى تنحيه عام 1967 واعتقد أنه خذل أمة أولته ثقتها

• مصطلح النكسة ساعدنا على لملمة جراحنا ودخلت قواتنا المسلحة بعد أيام إحدى ملاحمها الكبرى فى معركة رأس العش

• الفريق عبدالمنعم رياض تبنى نفس النظرة الاستراتيجية بأن النكسة وضع مؤقت والهزيمة استسلام نهائى

• صعود رياض لرئاسة أركان القوات المسلحة بعد نكسة 67 تعبير عن ضرورة إسناد المناصب العسكرية للكفاءات القادرة على تحمل مسئولية القتال

• رياض قال لعبدالناصر: «الغرور هو الثغرة التى ستمكننا من النيل من الإسرائليين بشرط المفاجأة»

• الفريق رياض وضع الخطوط الرئيسية لخطة عبور قناة السويس وتحرير سيناء.. وطورها الشاذلى فى حرب أكتوبر

• عبدالناصر تلقى صدمة هائلة باستشهاد رياض.. وذاب فى الجموع الحزينة بجنازته فى ميدان التحرير

• كانت أمام عبدالناصر منذ نهاية ١٩٦٨ بداية خطوط لعمل واسع على الجبهة وضعها الفريق رياض والجنرال السوفييتى لاشنكو

• مصر كانت مستعدة لخوض الحرب فى ربيع ١٩٧١ وعبدالناصر صدق على خطة جرانيت (١) ووقع السادات على جرانيت (٢) و(الخطة ٢٠٠٠)

عندما شرع فى كتابة خطاب تنحى الرئيس «جمال عبدالناصر» فى يونيو (١٩٦٧) لم يكن قد استقر تفكيره على وصف الهزيمة العسكرية بـ«النكسة».

سألته: «كيف طرأ التعبير إلى ذهنك فى تلك اللحظة القاسية؟».

«تسألنى بعد كل تلك السنوات والعقود كيف طرأ مصطلح النكسة، وأنا أقول لك أمينا أننى لا أعرف، أظنها مشاعر مواطن لم يكن يقدر على إغلاق أبواب الأمل فى المستقبل أمام شعبه».

«انفردت بنفسى لأكتب خطابه الأخير، وكنت أجلس فى ذلك الركن من الغرفة التى نجلس فيها الآن، وفى خاطرى أن أحلامنا الكبرى انهارت.. فكرت فى عبدالناصر وآلامه فوق طاقة بشر وكأنه كبر مرة واحدة عشر سنوات، كان صادقا فى مشاعره وتصرفاته، معتقدا أنه خذل أمة أولته ثقتها كما لم تفعل مع أحد آخر، قرر أن يتنحى، وطلب منى أن أكتب ما اتفقنا عليه من خطوط عريضة، وكنت الوحيد الذى التقاه فى ذلك اليوم الطويل.. لم يكن يناور، ففى اعتقاده أن النظم التى تعجز عن حماية حدودها تفقد شرعيتها.. وفكرت فى الشعب الذى سوف تصدمه نتائج المواجهات العسكرية فى سيناء، لم أكن مستعدا لكتابة كلمة الهزيمة، ومازلت معتقدا أننى كنت على صواب، كيف أكتب أنها هزيمة والجبهة السورية تقاتل والعراق يرسل قوات عسكرية إليك والجيش المصرى مازالت بعض قواته فى سيناء، كان اعتقادى أننا أمام عثرة مؤقتة، وإن كان عبدالناصر لا يستطيع أن يستكمل دوره فى القتال فإن أحدا آخر يستطيع، لكن شعبه خرج يومى (٩) و(١٠) يونيو إلى الشوارع يطالبه بالبقاء ويعرض المقاومة ومواصلة القتال».

 

«للتعبيرات قوة تأثيرها فى حركة الأحداث، عندما تقول هزيمة فإن كل شىء قد انتهى، وعليك أن تقر بما جرى وتستسلم له، بينما تعبير النكسة ساعدنا على لملمة جراحنا ودخلت قواتنا المسلحة بعد أيام أحد ملاحمها الكبرى فى معركة رأس العش».

«كل ما فكرت فيه أن النكسة وضع مؤقت والهزيمة استسلام نهائى».

نفس النظرة الاستراتيجية تبناها الفريق «عبدالمنعم رياض»، مستندا إلى خبرة شعوب أخرى تعرضت لهزائم فادحة، لكن روحها العامة لم تنكسر وأعلنت المقاومة مجددا.

كان صعود «رياض» لرئاسة أركان حرب القوات المسلحة المصرية بعد النكسة مباشرة تعبيرا عن ضرورات إسناد المناصب العسكرية للكفاءات القادرة على تحمل مسئولية القتال.

وقد وضع «عبدالناصر» نفس الثقة فى رجل آخر، الفريق أول «محمد فوزى» قائدا عاما برهان أن شخصيته الحازمة تعيد الانضباط المفقود إلى القوات المسلحة، وتساعد فى إعادة بنائها على أسس حديثة.

(1)

بتلك الأيام القاسية طلب «عبدالناصر» من اللواء «حسن البدرى» أن يتقدم بعرض ما لديه من تسجيلات للجنرالات الإسرائيليين بأصواتهم وصورهم على شاشة فى قاعة ببيت منشية البكرى.

فى جلسة التقييم وجد «رياض»، وقادة آخرون، و«محمد حسنين هيكل».

قال «رياض»: «سيادة الرئيس.. إننا فى هذا الذى رأيناه لهم.. رأينا مقتلهم».

سأله «عبدالناصر»: «أين ذلك؟».

أجاب: «الغرور!».

«أقول وقد تابعت التاريخ العسكرى بشكل أو آخر: هذا الذى سمعناه فيه درجة من الغرور أكبر بكثير مما تسمح به حقائق القوة.. سوف نستطيع أن نفاجئهم وأن نضربهم دون أن يتصوروا ودون أن يقدروا التقدير الكافى.. لقد لمحت الثغرة التى نستطيع منها أن نتقدم لكى ننال منهم.. وهى ثغرة الغرور، المهم بالنسبة لنا.. هو المفاجأة».

«أرجوك يا سيادة الرئيس ألا تقبل عودة سيناء بلا قتال حتى لو عرضوا عليك الانسحاب الكامل منها بلا قيد أو شرط».

«لا مستقبل لشعب يتعرض لاحتلال أراضيه ثم لا ينهض لحمل السلاح مستعدا لدفع فواتير الدم».

لم يكن بوسع «هيكل» حتى أيامه الأخيرة إخفاء إعجابه العميق بكل ما مثله «رياض».

كلما تذكر حوارا معه، أو ذكر اسمه فى سياق عام، كان ينظر أمامه كأنه يطل فى مرآة الزمن الذى ولى برجاله وأبطاله.

«رياض ضابط مدفعية ينظر إلى بعيد ويقصف ما لا يرى، وذلك يستدعى أن تكون حساباته للمسافات صحيحة ومعرفته بالمواقع مؤكدة».

«عرفت رياض لأول مرة عن طريق خاله حسن صبرى الخولى الممثل الشخصى لعبدالناصر، وكان إعجابه بزعيم يوليو ظاهرا فى كلماته وإيماءاته، يؤيد تجربته ومقتنع بها ويشاركه الأفكار ذاتها، وإن أردت أن تستخدم المصطلحات السياسية الحالية فإنه ناصرى».

«ثم رأيته مرة أخرى فى سكرتارية مؤتمر القمة الأول فى يناير ١٩٦٤، ولمحته مرات فى مكتب عبدالحكيم عامر قبل أن أعرفه عن قرب وأحاوره طويلا فى الاستراتيجية والأمن القومى ومستقبل الصراع العربى ــ الإسرائيلى، وتصوراته عما بعد حرب الاستنزاف وإعداد القوات المسلحة لخوض حرب تحرير أراضيها المحتلة فى سيناء».

«كان هو الرجل الذى توصل إلى أنه إن لم يكن بوسع قواتنا مجاراة إسرائيل فى قدرة سلاحها الجوى فإن بمقدورها إلغاء أثره وفارق تفوقه اعتمادا على الدفاع الجوى وشبكة صواريخ متقدمة، وهو الذى وضع الخطوط الرئيسية لخطة عبور قناة السويس وتحرير سيناء التى طورها الفريق سعد الدين الشاذلى فى حرب أكتوبر».

عندما استشهد على جبهة القتال الأمامية فى يوم (٩) مارس (١٩٦٩) خرجت فى جنازته بميدان التحرير مئات الألوف تردد هتافا واحدا لخص الموقف كله: «رياض مامتش والحرب لسه مانتهتش».

بذلك اليوم ذاب «عبدالناصر» فى الجموع الحزينة مزيحا حرسه جانبا.

(2)

بعد عقود طويلة من عواصف النار فى حرب أكتوبر (١٩٧٣) فإن كتابة التاريخ بختم الوثائق المثبتة من ضرورات سلامة الذاكرة العامة وإنصاف أية أدوار لعبت.

هل كانت هناك خطة عسكرية لتحرير سيناء المحتلة قبل رحيل «عبدالناصر» فى (٢٨) سبتمبر (١٩٧٠)؟

وهل «جرانيت ١» و«جرانيت ٢» وهم سياسى روجه «فوزى» واعتمده «هيكل»، كما قال «الشاذلى» فى ديسمبر (٢٠٠٣) على محطة «الجزيرة» ببرنامج «شاهد على العصر»؟

حسب رواية «فوزى» فإنه كانت هناك خطة جاهزة، وقد نشر فصولا منها فى كتبه، وأن الرئيس «عبدالناصر» صدق عليها، وأن مصر كانت مستعدة لخوض الحرب فى ربيع (١٩٧١).

حسب «هيكل» فإن رواية «فوزى» صحيحة، وقد أكدها فى كتابه «أكتوبر ــ السلاح والسياسة».

فى مقال «استئذان فى الانصراف» (٢٠٠٣) أعاد عرض الخطوط الرئيسية لخطتى «جرانيت ١» و«جرانيت ٢»، فى نفس العام نفى «الشاذلى» تلك الرواية، وأكد أنه لا وجود لهما.

عندما سأله محاوره عن مصداقية رواية «هيكل» لحرب أكتوبر قال «الشاذلى» إنه «أكثر الكتاب إلماما بالاستراتيجية العسكرية، لكن لكل جواد كبوة.. وقد كانت كبوته اعتماد مصدر واحد وهو الفريق فوزى لتأكيد وجود خطتى جرانيت، وأنه لم يراجع أحدا آخر، كما لم يسأله هو فى أى وقت عما إذا كانت هناك خطة أم لا؟».

هكذا خرجت القضية إلى العلن سجالا بين رجال كبار.

تحدث «الشاذلى» عن اجتماع خاص جرت وقائعه عام (١٩٩٤) فى بيت «فوزى» بضاحية مصر الجديدة حول ما إذا كانت هناك خطة أم لا؟

ضم ذلك الاجتماع الخاص «فوزى» و«الشاذلى» و«البدرى».

حسب رواية «الشاذلى «فإنه سأل «فوزى»: «يا سيادة الفريق.. أين تركت الخطة عندما غادرت مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة لآخر مرة؟».

وأن «فوزى» أجابه: «أخذتها معى للبيت».

سأله «الشاذلى»: «لماذا يا سيادة الفريق؟».

أجابه: «لدواعى السرية».

هنا قال «الشاذلى» ــ حسب روايته: «لا داعى للمناظرة التى اقترحها البدرى، فالفريق فوزى يعترف بأنه أخذها معه للبيت، إذن لم تكن هناك خطة، بل كانت هناك أفكار».

كان «فوزى» و«البدرى» قد رحلا عندما أدلى «الشاذلى» بروايته الخطيرة.

القضية ليست «هيكل»، ولا «رياض»، ولا «فوزى»، ولا «الشاذلى»، ولا «البدرى»، فرغم أى خلافات أو تعقيدات إنسانية وسياسية، فإن تقدير كل منهم للآخر مؤكد وثابت.

«الشاذلى» نفسه وصف «فوزى» فى ذلك الحوار بـ«أستاذنا وعمنا».

قال «هيكل»: «لم أعتمد على الفريق فوزى كمصدر واحد لتأكيد وجود خطة عسكرية وقعها جمال عبدالناصر للقيام بعمليات واسعة فى سيناء».

«كنت موجودا هناك، سمعت ورأيت وقرأت جزءا من مقدمة الخطة فى بيت جمال عبدالناصر بمنشية البكرى فى وجود الفريق فوزى».

«حتى ولو لم أكن قد سمعت، أو رأيت وقرأت مقدمة الخطة، بالنسبة لى الفريق فوزى مصدق، فهو ــ بموقعه وقتها كقائد عام للقوات المسلحة، وبالتوقيت فى ظرف لا يحتمل الهزل فى حضور الرئيس عبدالناصر ــ شهادته تجب أى شهادة أخرى لم يتسن لها بحكم دورها فى ذلك الوقت الاطلاع على الخطة، أو المشاركة فيها».

«أخذت نفسى فى روايتى لأحداث أكتوبر بنظام فى التوثيق طلبته صارما وسعيت إليه مصمما».

«حوافظ التاريخ فى مصر لم تعتد بعد ضم واحتضان وقائعه ووثائقه لكى تؤمنه وتصونه».

«تلك قواعد تستحق الالتزام بها إذا ما أردنا أن نقرأ التاريخ ووقائعه بعيدا عن ضغوط اللحظة».

فى تلك الأيام تابع «هيكل» من بيته الريفى بـ«برقاش» على شاشة التلفزيون رواية الفريق «الشاذلى»، مستغربا أن تصدر عن رجل عسكرى محنك وكفء يعرف معنى الخطة.

«فكرة الخطة أهم ما فيها، قبل أن تنتقل الفكرة إلى مشروع والمشروع إلى صورة أخيرة مفصلة بالخرائط».

«باليقين فإن الفريق رياض هو صاحب الفكرة».

«عقب عودة جمال عبدالناصر من زيارة الاتحاد السوفييتى فى يوليو من عام ١٩٦٨ بدأت شحنات الأسلحة تنتظم».

«وقد كتب الرئيس خطوط توجيه استراتيجى لمعركة تقتضى عبور قناة السويس بالقوة والتمسك برءوس كبارى فى الشرق، وتؤدى إلى إلحاق خسائر بشرية كبيرة فى القوات الإسرائيلية، لأن نزيف الدم هو وحده الذى يزعج إسرائيل، معركة تطول أسابيع، ولا تنتهى فى مجرد أيام لأن إسرائيل لا تحتمل بقاء حالة التعبئة العامة طويلا، معركة تعطى بطول مدتها فرصة لتعبئة الرأى العام العربى ولفت انتباه الرأى العام العالمى».

«هذا التوجيه محفوظ فى ملفات رئاسة الجمهورية وتوجد نسخة واحدة منه فى وزارة الدفاع، وقد نشرته فى كتاب حرب أكتوبر».

«كانت أمام جمال عبدالناصر منذ نهاية ١٩٦٨ بداية خطوط لعمل واسع على الجبهة وضعها الفريق رياض، وشاركه فى وضعها الجنرال السوفييتى لاشنكو، الذى كان كبيرا للخبراء السوفييت الملحقين بالقوات المسلحة المصرية، وكانت عملية اختبار تلك الخطوط ومحاولات التدريب عليها قد بدأت فعلا عندما تحولت معارك المدافع، التى لم تتوقف على جبهة القتال، إلى عمليات عبور محدود إلى الضفة الأخرى من القناة ــ تدخل إلى المواقع الإسرائيلية، وتواجه تحصيناتها، وتشتبك مع قواته وتتعرض لدورياتها».

«تلقى عبدالناصر صدمة هائلة باستشهاد رياض، غير أن قيادة القوات المسلحة مضت بعزم الرجال فى تطوير خطة القتال، وكان أبرزهم الشاذلى، غير أنه من الظلم إهدار دور رياض، وهو من الطراز النادر للقادة العسكريين».

فى أغسطس (١٩٦٧) كتب «هيكل» مقالا أشار فيه إلى «الحرب المحدودة».

استوقفت الإشارة «رياض» الذى سأل «عبدالناصر» إذا ما كان قد أخبره بفكرة الخطة، التى لم تكن قد وضعت بعد.

«طلب الرئيس منى عدم التعرض لمثل هذه الأمور مرة أخرى وقال إن تفكيرك قريب من تفكير رياض ــ معركة دفاعية لها قدرة الهجوم تلحق الخسائر بإسرائيل وتخلق مرتكزات دفاعية تتكسر عليها القوات الإسرائيلية».

عندما كلفه الرئيس «السادات» بكتابة التوجيه الاستراتيجى لحرب أكتوبر تدفقت إلى ذاكرته ــ كما كتب بمقاله «الاستئذان فى الانصراف» ــ ثلاث خطط محددة، وصفها بالنص ــ والنص هنا ضرورى:

ــ أولاها: الخطة جرانيت (١) وهدفها عبور قناة السويس بقوة خمس فرق من المشاة والمدرعات تعمل تشكيلاتها تحت إمرة ثلاثة من قواد الجيوش يختص كل منهم بمنطقة على الخط الطويل الممتد من بورسعيد إلى السويس، والمهمة للثلاثة عبور قناة السويس بقوة السلاح والتمسك بثلاث رءوس كبارى عرضها عشرة كيلو مترات على الأقل كى تظل فى حماية حائط الصواريخ حتى تسيطر على رءوس الكبارى التى تبدأ منها الطرق الرئيسية الثلاثة: الجنوبى والأوسط والساحلى.

ــ والخطة الثانية: هى جرانيت (٢) وهدفها التقدم بعد إتمام السيطرة على رءوس الكبارى فى ظرف ثلاثة أيام إلى احتلال مضايق سيناء والسيطرة عليها (بالذات مضيق الجدى) والتمسك بها تحت أى هجمات مضادة لأن ذلك يستنزف القوات الإسرائيلية من ناحية، ويطردها إلى مناطق مكشوفة تماما ــ وفى الغالب يفرض عليها التراجع إلى خط «أم كتاف» على الحدود بين مصر وفلسطين.

ــ وأما الخطة الثالثة: وقد أطلق عليها الاسم الرمزى (الخطة ٢٠٠٠)، فهى مجهزة لاحتمال قيام القوات الإسرائيلية الخاصة باختراق قناة السويس فى اتجاه معاكس ــ من الشرق إلى الغرب بقصد النفاذ وراء الجيوش المصرية الثلاثة والقيام بعمليات «كوماندوز» لمهاجمة وتدمير، أو شل فاعلية قواعد الصواريخ من طراز سام (٢) وسام (٦) وحرمان قوات العبور من حمايتها.

ومن الغريب أن تفاصيل هذه الخطة تكاد تشير بالتحديد لمنطقة الدفرسوار وتعهد إلى احتياطى القيادة العامة، وهو فرقتان من المشاة الميكانيكية المتحركة تظلان غربى القناة ولا تشاركان فى العبور لتكون لهما حرية الحركة فى أى لحظة إزاء أى مفاجأة.

وقد تم وضع الخطط الثلاث قبل رحيل «جمال عبدالناصر»، وصدق بتوقيعه على أولاها، ثم وقع خلفه «أنور السادات» على جرانيت (٢) والخطة (٢٠٠٠) عندما قدمهما إليه الفريق «محمد فوزى» فى شهر مارس (١٩٧١).

من الإنصاف أن يقال إن هذه الخطط وبالذات جرانيت (١) و(٢) لحقت بهما زيادات وتعديلات فى السنوات ما بين (١٩٧٠ــ١٩٧٣)، وأن هذه الزيادات والتعديلات رفعت مستواها ودعمتها بخبرات مستجدة وقفزات كبيرة بتكنولوجيا السلاح، خصوصا فى استخدامات الصواريخ، والفضل عائد إلى الرجال الذين تولوا وزارة الدفاع فى تلك السنوات، ورؤساء أركان الحرب وقادة الأسلحة والتشكيلات، مما أضاف إلى فكرة الخطة وتفاصيلها، وغير أحيانا أسماءها وجعلها علامة بارزة فى التاريخ العسكرى».

هذه شهادة هيكل بحرفيتها.

بالإضافة إلى ذلك كله لا يعقل ــ بالبداهة ــ أن يأخذ «فوزى» الخطة العسكرية معه إلى بيته، فوقائع التاريخ تشير إلى أنه غادر لآخر مرة مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة فى مايو (١٩٧١) بعد اجتماع عاصف عقده مع بعض القادة، أعلن فيه استقالته لاعتراضه على سياسات «السادات».

قال «هيكل»: «إن فوزى بحكم ما هو معروف عنه من انضباط شديد كان يهتم بالتفاصيل ويؤكد عليها، ومن المستحيل أن يأخذ معه الخطة إلى بيته، فجرانيت ١ وجرانيت ٢ نحو ألف صفحة، مصحوبة بخرائط تفصيلية، وتقديرات لكل الاحتمالات ودور كل جيش، ولها مقدمة نحو ٣٠ صفحة تشمل فكرتها الرئيسية، والخطة ــ أى خطة ــ لا يضعها قائد واحد، وقد شارك فى صياغة الخطتين أكثر من ٢٥ ضابط أركان حرب، كل فى تخصصه العسكرى ووفق خبرة سلاحه، والخطة تشمل واجبات كل الأسلحة والجيوش وخبرات متعددة».

وقد دخل على خط المساجلة حول خطتى الحرب السيد «سامى شرف»: «أدعو ــ مثل الفريق الشاذلى تماما ــ إلى كشف الوثائق وفتح الملفات، كنت موجودا فى مكتب الرئيس وزيرا لشئون الرئاسة، وأتاحت الظروف لى أن أتابع من أعلى هرم السلطة الحقائق كما جرت، وهو ما لم يكن متاحا للفريق الشاذلى».

«باليقين هناك خطة عسكرية، وصدق عليها جمال عبدالناصر فى سبتمبر ١٩٧٠، كان الرئيس عائدا بالقطار من مرسى مطروح، وكان يرافقه فى الرحلة الفريق محمد فوزى، الذى سافر إليه خصيصا لعرض الخطة فى صورتها النهائية، وكان يرافقه أيضا فى هذه الرحلة السيد حسين الشافعى، وكان التقدير العسكرى أننا جاهزون لخوض الحرب فى ربيع ١٩٧١، غير أن الرئيس رحل بعد أيام، وبدأت مرحلة جديدة بتولى السادات رئاسة الجمهورية».

«لمرة ثانية عرض الفريق فوزى على الرئيس الجديد السادات خطتى جرانيت فى قصر عابدين يوم ١٠ مارس ١٩٧١ والجلسة مسجلة فى أرشيف الرئاسة».

«عندما بدأ الفريق فوزى يعرض الخطة بتفاصيلها وخرائطها قال الرئيس السادات: أنا كل ما أريده عشرة سنتيمترات من سيناء».

«كنت فى موسكو وفور عودتى تسلمت ملفات الخطة ووثائقها وخرائطها، فأودعتها الخزينة الخاصة بمكتبى لحين أن يطلبها الرئيس للتوقيع عليها وإرسالها للقيادة العامة للقوات المسلحة مرة أخرى».

الوثائق ــ كما يصفها «شرف» ــ عبارة عن نحو (١٠٠٠) صفحة فى نحو سبعة ملفات فرعية بها خرائط وتفاصيل الخطة، ضمها ملف أسود لميع «لوس ليفر».

«ظلت الوثائق مودعة فى الخزينة حتى اعتقالى فى أحداث مايو ١٩٧٠، ولا علم لى بعد ذلك: أين ذهبت؟، أو ماذا فعل بها السادات؟».

ما الذى دار ــ إذن ــ فى بيت «فوزى» مع «الشاذلى» و«البدرى»؟

حسب رواية «شرف» منسوبة إلى «فوزى» الذى يرتبط معه بصداقة ومصاهرة.

«لم يقترب الاجتماع بين القادة العسكريين السابقين الثلاثة من قريب، أو بعيد، من خطتى جرانيت ١ و٢، ولا اللواء البدرى كتب محضرا عنه».

شهادة «الشاذلى»، التى استدعت سجالا بالنظر إلى قيمته، أعادت لفت الانتباه إلى ما نشرته صحيفة «الأهرام» فى (٦) مايو (١٩٩٦) موقعا من خمسة قادة عسكريين كبار تحت عنوان: «تصويبات لمغالطات حول حربى الاستنزاف وأكتوبر».

فى النص المنشور ما يثبت ويؤكد وجود خطة عسكرية مصرية لتحرير سيناء فى عهد «عبدالناصر».

الموقعون هم: الفريق أول «محمد فوزى»، الفريق «عبدالمنعم واصل»، اللواء «عبدالمنعم خليل»، اللواء طيار دكتور «جبر على جبر»، واللواء «حسن البدرى».

فى مقدمة المقال قال القادة العسكريون الخمسة:

«إنه بمجرد انتهاء مرحلة الدفاع النشيطة فى فبراير ١٩٦٩ انكبت هيئة عمليات القوات المسلحة على وضع الخطط الهجومية الكفيلة بتحقيق الأهداف المرحلية المنشودة مع مداومة تطويرها طبقا لمختلف العوامل المؤثرة»، وبذات الشهادة فإن عمليات حرب الاستنزاف جرت بهدف تجهيز القوات المسلحة لتنفيذ الواجبات المنصوص عليها فى الخطة.

من بين القيادات العسكرية الخمسة اثنان شاركا فى الاجتماع الخاص مع «الشاذلى»، هما «فوزى» و«البدرى».

عندما نشر هذا الكلام فى ديسمبر (٢٠٠٣)، و«الشاذلى» على قيد الحياة، لم يعلق ولم يرد لأسباب ارتآها.

باليقين فهو أحد القادة العظام فى التاريخ العسكرى المصرى، ودوره جوهرى فى عبور المقاتلين على جسور قناة السويس تحت وابل من النيران.

غير أن الحقيقة التاريخية أكبر من أن تلخص فى رجل، أيا كان قدره ودوره.

وقد كان هو نفسه أكثر من تعرض للتنكيل وحذفت صورته من بانوراما أكتوبر.

(3)

عند ذروة حرب الاستنزاف عام (١٩٦٨) زار الرئيس «عبدالناصر» بصورة مفاجئة الكلية الجوية، التى كان يقودها العقيد طيار «حسنى مبارك».

كان بصحبة الرئيس ثلاث شخصيات كبيرة من قادة القوات المسلحة.. «فوزى» و«رياض»، والفريق «محمد صادق»، الذى خلف الثانى رئيسا للأركان بعد استشهاده، ثم خلف الأول إثر خلافه مع الرئيس «السادات».

شاءت الأقدار أن يختفى القادة الأربعة، الذين ضمتهم صورة واحدة مع العقيد «حسنى مبارك» فى ذلك اليوم.. واحد إثر آخر خلال فترة وجيزة من عمر الزمن.

غاب «رياض» فى (مارس ١٩٦٩) ثم غاب «عبدالناصر» فى (سبتمبر ١٩٧٠).

ثم وارت الأحداث دور «فوزى» بعد إطاحته عام (١٩٧١).

وأبعد «صادق» بعد عام واحد (١٩٧٢).

بعد سنوات معدودة من تلك الصورة صعد «مبارك» إلى مقعد رئيس الجمهورية.

كانت تلك ــ بحسب «هيكل» ــ نبوءة لخصتها صورة أودعت أرشيف رئاسة الجمهورية.

الصورة تحمل الرقم (١١) فى سجلات صور رئاسة الجمهورية ضمن مجموعة من الصور التقطت بذلك اليوم.

«الصورة تبدى فيها المستقبل المصرى كأن عرافة دلفى فى الأسطورة الإغريقية نظرت فى الغيب وقرأت ما سوف تأتى به الأيام».

حصلت على الصورة الأصلية ونشرتها فى حينه قبل أن أعيدها إليه، وكان ذلك من حسن الحظ، فقد حرق الأصل ضمن ما حرق فى «برقاش».

«الصور أحيانا لها قوة النبوءة».

غير أن نبوءات «عرافة دلفى» لم تشر إلى ما قد تنزل به الأيام من حوادث دفعت بـ«مبارك» خلف جدران السجون ولا توقعت ما بعده.

كيسنجر والخروج «8 – 10»

نشر فى : الخميس 23 فبراير 2017 – 11:27 م | آخر تحديث : الجمعة 24 فبراير 2017 – 9:51 ص

• السادات كان شغوفًا بفتح قناة اتصال مع الولايات المتحدة

• كيسنجر قال فى كتابه «الأزمة» إنه تلقى رسالة من السادات فى ٧ أكتوبر توحى بعدم مواصلة الحرب أو توسيع مدى المواجهة

• السادات تضايق من رفض هيكل لقاء كيسنجر فى ألمانيا قبل حرب أكتوبر فمنح الضوء الأخضر لموسى صبرى لكتابة مقالات توحى بأن خروجه من «الأهرام» أصبح وشيكا

• هيكل واجه «السادات» دون مواربة وأعلن خلافه معه على غير المعتاد فى طبيعة العلاقة بين السلطة والقلم بمصر

• هيكل قرر مغادرة «الأهرام» بعد لقاء عائلى مع السادات أطلق فيه الرئيس عبارته الشهيرة «٩٩٪ من أوراق اللعبة فى يد أمريكا»

فى حوار تليفزيونى طويل امتد لست ساعات على مدى ثلاثة أيام لم يتحدث الرجل الذى كان يتأهب لدورة رئاسية خامسة فيما يريد الناس أن يسمعوه، ولم يقترب من الملفات الساخنة والقضايا المقلقة والمصائر المجهولة لمستقبل نظام الحكم.

فى روايته للتاريخ كان الرئيس «حسنى مبارك» مقتضبا، الكلام غير مدقق والشهادة غير موثقة، بما لا يصح أن يصدر عن رجل وضعته الأقدار فى قلب الأحداث العاصفة، كقائد عسكرى فى حرب أكتوبر، وكنائب للرئيس «أنور السادات» لست سنوات، وكرئيس للجمهورية لنحو ربع قرن امتدت بعد هذا الحوار لنحو ست سنوات أخرى.

سأله محاوره «عماد الدين أديب»: «كاتب كبير قال إن الرئيس السادات كانت له قناة اتصال خلفية خاصة مع الأمريكان من خلال خط تليفون ربط بينه شخصيا وبين مكان ما فى الولايات المتحدة ــ المخابرات الأمريكية ــ هل هذا صحيح؟».

أجاب «مبارك»: «لم أسمع عن هذا نهائيا».

«أديب»: «محاولة الإيحاء بهذا الموضوع تعطى انطباعا وكأن الرئيس المصرى ــ رحمه الله ــ كان يتفاوض مع الأمريكان ضد المصلحة الوطنية المصرية؟».

«مبارك»: «أكيد الذى يكتب هذا هو شخص ضد الرئيس السادات.. ثم إنه لو كان للرئيس السادات قناة سرية مع الأمريكان لتم الكشف عنها، فالأمريكان لا توجد لديهم سرية، بل كانوا قالوا وتحدثوا عن هذه الاتصالات مائة مرة، وخرجت الوثائق التى تتضمن الاتصالات عبر هذه القناة، ففى أمريكا لا يوجد شىء يتم فى الخفاء».

سألت الأستاذ «هيكل»: «هل أنت المقصود ــ فعلا ــ بما جاء فى حوار الساعات الست، وهل تعتقد أن ما قاله الرئيس يمثل تشكيكا فى روايتك المنشورة لقصة القناة السرية؟».

قال: «لست متأكدا أننى المقصود بما جاء فى السؤال، أو الجواب، وحتى لو كنت مقصودا بالاثنين فقد تعودت ألا أجادل فيما يقال عنى أو ينسب لى، أما إذا كان الموضوع يهمك فى حد ذاته، أى موضوع الاتصالات التى أجراها الرئيس السادات أثناء حرب أكتوبر مع هنرى كيسنجر عن طريق وكالة المخابرات المركزية وقناتها السرية مع الرئاسة فى ذلك الوقت، فإنك تستطيع الرجوع فيه إلى ما كتبه هنرى كيسنجر بنفسه فى كتابه الأخير ـ الأزمة: تشريح لأزمتين كبيرتين فى السياسة الخارجية، وإذا سمحت فسوف أبعث إليك نسخة منه، وميزة هذا الكتاب بالذات أنه لا يحتوى إلا على نصوص لوثائق مكتوبة، أو تسجيلات لمحادثات هاتفية مع الأطراف مسجلة أو محاضر سرية من ملفات البيت الأبيض فى عهد ريتشارد نيكسون».

لم يكن يريد أن يدخل فى سجال مباشر، طالما أن الوثائق تتحدث وترد.

 

كان هو الذى اقترح أن يبدأ حديث المستندات بسؤال عمن المقصود وأن تكون الإجابة على النحو الذى ذكر بلا حرف واحد زائد منسوب إليه.

أرسل لى نسخة من كتاب «الأزمة» لكنه عاد بعد ساعات يطلب أن يتولى بنفسه، ولا أحد غيره، ترجمة الصفحات التى تخص موضوع السجال الذى بدأه «مبارك» حتى يضمن ألا يشوبه أى خطأ فى حرف، أو التباس فى معنى.

[يروى «هنرى كيسنجر» فى صفحة (١١٠) من كتابه الأخير «الأزمة» الصادر عن دار نشر «سيمون وتشوسيتر» عام (٢٠٠٣) «فى الساعة العاشرة والنصف بتوقيت واشنطن يوم (٧) أكتوبر «بعد نشوب العمليات العسكرية فى سيناء بساعات» تلقيت اتصالا مستغربا من الرئيس «السادات» على شكل رسالة «موقعة من مستشاره للأمن القومى حافظ اسماعيل»، وصلتنى خلال قناة المخابرات الأمريكية، الرسالة تخطرنا بموقف مصر السياسى فى الحرب، وبصرف النظر عن الإشارات التى وردت فيها عن ضرورة العودة إلى خطوط (١٩٦٧)، فقد كان اعتقادنا بتحليل الرسالة أنها مجرد افتتاحية، وقد كان المهم فى نظرنا هو مخاطر الاتصال بنا على هذا النحو فى هذه اللحظة، ذلك أن معنى هذه المخاطر هو ما لم يقل:

١ ـ إن الاتصال بنا معناه أن الرئيس السادات قرر أن يعتمد علينا.

٢ ـ وأن معناه أنه على استعداد بنواياه وسياساته أن يبتعد عن الاتحاد السوفيتى.

٣ ـ وأنه قرر أن يهجر السلاح بما فى ذلك سوريا.

وكان تحليل عبارة الرسالة ــ على ما يضيف «هنرى كيسنجر» ــ «يوحى لنا بوضوح أن «السادات» قرر عدم مواصلة الحرب بعد المدى الذى وصل إليه، ولم تكن هذه الاستنتاجات مجرد ظن، وإنما بدت نتائج حتمية من تصرفه فى هذه اللحظة على هذا النحو.

الفقرة الخطيرة فى رسالة «السادات»: «إننا لا نعتزم تعميق مدى الاشتباكات أو توسيع مدى المواجهة».

وعلى الفور اتصل «كيسنجر» بـ«وليام كولبى» مدير المخابرات الأمريكية فى ذلك الوقت، الذى كان قد اطلع على الرسالة الخطيرة، وتساءل مستغربا: «لماذا لم ينتظروا؟».

ثم يروى كيسنجر فى صفحتى (١١٥)، (١١٦) من كتاب «الأزمة» أنه نقل لسفير إسرائيل فى واشنطن «سيمحا دينتز» نص الرسالة التى يتعهد فيها الرئيس «السادات» بعدم تعميق مدى الاشتباكات، أو توسيع مدى المواجهة، وكانت تلك خدمة جليلة لإسرائيل فى أوقات حرب عصيبة].

هذا كل ما كتبه على ورق مترجما عن آخر كتب «كيسنجر» فى ذلك الوقت.

«1»

لم تكن تلك الأزمة أول ولا أخطر ما تعرض له «هيكل» من حملات حاولت النيل من دوره واعتباره تحت عنوان «هنرى كيسنجر».

فى بداية القصة عام (١٩٧٢) تداولت وكالات أنباء وصحف عالمية وعربية أن لقاء متوقعا قد يحدث بألمانيا بعيدا عن الأنظار بين «كيسنجر» و«هيكل» برعاية المستشار «فيلى برانت».

زكّى تلك المعلومات أن «هيكل» كان قد التقى فى ذلك الوقت المستشار الألمانى فعلا، و«كيسنجر» كان عنده قبلها بأيام.

سأل «برانت»: «ماذا تريدون بالضبط؟».

ثم سأل: «هل سوف تلتقى بهنرى كيسنجر؟»، مشيرا إلى أن طريقة تفكيرهما متقاربة.

السؤال الأول أجاب عنه «هيكل» بشرح مسهب للوضع السياسى فى الشرق الأوسط.

والسؤال الثانى أجاب عنه بالنفى القاطع، فـ«هذا ليس وقته».

كان ذلك قبل حرب أكتوبر بشهور.

ضايقت «السادات» الطريقة المستقلة التى تصرف بها، فقد اعتذر عن لقاء «كيسنجر» دون أن يخطره بالدعوة، أو يتفاهم معه قبل اتخاذ أى موقف.

لقد كان شغوفا بفتح قناة اتصال مع الولايات المتحدة، وبالخصوص مع ساحرها الجديد الذى حصل على نصف جائزة «نوبل» للسلام وصيته يسبقه بأدواره، فى إنهاء الحرب فى فيتنام وصناعة الوفاق الدولى والتقارب مع الصين.

بأثر ضيقه من استقلالية «هيكل» منح «السادات» فى الأيام الأخيرة من عام (١٩٧٢) الضوء الأخضر لرئيس تحرير «الأخبار» «موسى صبرى» لكتابة مجموعة مقالات أرادت أن تقول: «القلم الوحيد»، كما أطلق عليه، يوشك على الأفول، وأن العهد الجديد له رجال جدد، ليس بينهم ذلك القلم الذى «يضفى على نفسه أهمية ليست له».

لم يشر إليه بالاسم غير أن كل حرف قال إنه هو، فضلا عن مقتطفات منقولة بحذافيرها من مقالاته.

بدا ذلك إعلانا للرأى العام بختم السلطة أن خروج «هيكل» من «الأهرام» أصبح وشيكا.

كانت الاتهامات مرسلة، ويسهل تفنيدها، لكنه لم يقترب منها، ولا حاول أن يذكر بأدواره مع «السادات»، ولا أن يهبط بمكانته إلى ذلك المستوى.

غير أن عبارة واحدة دعته للرد فى الجمعة التالية، على رئيس الجمهورية لا رئيس تحرير «الأخبار».

قالت العبارة التى استوقفته إنه: «فوّت خبرا على جريدة يمينية فى بيروت من أبواق الدعاية له يقول إنه طائر إلى ميونيخ لعقد اجتماع سرى مع كيسنجر مستشار الأمن القومى الأمريكى وتنقل وكالات الأنباء الخبر الكبير ويصدر كيسنجر تكذيبا رسميا له».

لم يضع نفسه، ولا مكانته، على ذات قدر «صبرى»، تجاهله تماما، ولم يشر إليه فى رده العاصف «أنا وكيسنجر.. مجموعة أوراق»، الذى نشر فى يوم (٢٩) ديسمبر (١٩٧٢).

أسند كل حرف كتبه إلى وثائق ومراسلات وشهود.

«.. لم أنسب للغائبين ما لم يجرِ على لسانهم، وإنما رويت عن أحياء أقوياء ونسبت إليهم ــ بخط أيديهم وبألسنتهم ــ وفى استطاعة أى واحد منهم أن يناقض ما رويت».

لم يكن يدرى وقتها أن ذلك الاتهام بالاستناد إلى راحلين سوف يطارده لسنوات وعقود، دون أن يقدم أحد دليلا يدحض روايته.

ولم يكن هو و«كيسنجر» قد التقيا بعد.

كان الرد داعيا إلى تدهور إضافى فى علاقته مع «السادات».

بالمراسلات والشهود روى أن «دونالد كاندال»، رئيس مجلس إدارة شركة «بيبسى كولا»، والصديق الشخصى للرئيس الأمريكى «نيكسون»، طلب أن يقابله حتى يسمع منه رؤيته لأزمة الشرق الأوسط ووسط صديقهما المشترك المحامى الشهير «زكى هاشم» لإتمام مثل هذه المقابلة.

كان تقدير «كاندال» أن هناك أوجه تشابه بين «هيكل» و«كيسنجر» يفضل معه أن يلتقى الرجلان، ونقل تقديره إلى الرئيس الأمريكى، الذى التقى «هيكل» من قبل، فوافقه على ما توصل إليه.

وكان «كيسنجر» نفسه شغوفا بلقاء «هيكل» بتأثير ما قرأ له وما سمع من أنهما لهما نفس طريقة التفكير.

توالت الرسائل الأمريكية تلح على الفكرة، وقد تولى نقلها السفير «أشرف غربال» القائم بأعمال المصالح المصرية فى واشنطن، والدكتور «محمد حسن الزيات»، رئيس الوفد المصرى فى الأمم المتحدة موجهة ــ هذه المرة ــ إلى الدكتور «محمود فوزى رئيس الوزراء، ومنه إلى الرئيس «السادات».

فى حديث الأوراق واجه «السادات» دون مواربة، وأعلن خلافه معه على غير المعتاد والمألوف فى طبيعة العلاقة بين السلطة والقلم فى بلد مثل مصر.

فى نفس المقال كتب «ليست لدى أحقاد قديمة أو جديدة أتلوى بتقلصاتها.. وليست هناك سلطة أضع نفسى تحت مظلتها».

الإشارة إلى الأحقاد القديمة عناها تماما، ولعله أدرك وقتها أنه بقرب الخروج من «الأهرام»، وأن تصفية الحسابات معه قد بدأت.

فى تلك اللحظة أراد أن يواجه ويخرج مرفوع الرأس من منصبه.

«السادات» أغضبه ما كتبه «هيكل»، ورآه تحديا مباشرا له، أبلغه أن رقابة سوف تفرض عليه، لكنه مانع بحسم وسافر إلى شرق آسيا مع وفد من كبار الصحفيين والباحثين فى «الأهرام».

ابتعد لفترة طويلة نسبيا تخفيضا للاحتقان الذى وصل ذروته مع الرئيس، لكن ذلك الاحتقان طارده فى الشرق البعيد حيث كانت زيارته للصين هى الأهم.

أثناء رحلته الآسيوية اتصل الرئيس «السادات» بمدير مكتبه فى ذلك الوقت الدكتور «عبدالملك عودة» متسائلا عما إذا كان «هيكل» قد عين «أحمد عبدالله رزة» زعيم الحركة الطلابية عام (١٩٧٢) فى مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.

لم يكن الخبر صحيحا، ولا منع شاب صغير من العمل أخلاقيا ولكنها تصفية حسابات.

فى تلك الأجواء من التربص كان خروجه من «الأهرام» مسألة وقت، وقد استبق حديث الخروج دخول «كيسنجر» على خط التسوية، فلم تكن حرب أكتوبر قد اندلعت بعد.

فى تلك الأجواء تواجه «السادات» و«هيكل» ــ وفق وثيقة خطية ــ والصداقة القديمة سمحت أن تأخذ المواجهة صراحتها الكاملة.

الوثيقة ليست بخط «هيكل»، فخطه دقيق وتصعب قراءته، بينما الخط الذى كتبت به واضح ومقروء، رغم أن مادته أمليت من رئيس تحرير «الأهرام» على واحد من ألمع من أسسوا مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وكان محل ثقته، فالموضوع خطير وصاحب الخط مؤتمن وولاؤه لـ«جمال عبدالناصر» مؤكد.

مساء الجمعة (٤) نوفمبر (١٩٧٢) دخل «هيكل» مكتبه واستدعى على الفور من ائتمنه على سره، وبدأ يتلو عليه محضرا كاملا بما جرى فى لقاء عاصف بمكتب رئيس الجمهورية على نيل الجيزة.

[أدخل هيكل إلى حجرة مكتب الرئيس فى منزله بالجيزة.

سلم على أنور السادات وقال له وهو يناوله النسخة الإنجليزية من كتاب عبدالناصر والعالم: لم أجد هدية أحضرها لك من لندن سوى هذه.

وتناولها أنور السادات ووضعها على مكتبه دون أن ينظر فى الكتاب وقال: متشكر.

ثم قال فجأة:

ـ يا محمد..

إنت بتتهمنى إنى ما عنديش عقل.. يا محمد؟ إيه هو؟ إحنا على طريقين مختلفين جدا.

وأخذ هيكل لأول مرة وعلق قائلا: لست أفهم سبب فتح مثل هذا الموضوع مباشرة هكذا.. أنا لم أقل هذا على أية حال.

قال أنور السادات: إنت بتعرض بى ليه يا محمد؟

قال هيكل: أود أن أحدد لك بدقة موقفى.. أنا أختلف معك سياسيا ولكننى لا أعرض بك.

قال السادات: أنا لا أسمح لك.. أنا المسئول.. وأنا الذى انتخبنى الشعب.

قال هيكل: وأنا صحفى مسئول وحر.

قال السادات: الأهرام ده بتاع مين؟

رد هيكل: الأهرام ده أنا اللى عملته.. وهو مملوك للاتحاد الاشتراكى حسب وثائقه الأساسية، وعلى أى حال دعنى أرفع عنك الحرج أنا مستعد فى أية لحظة أمشى.

قال السادات: ده قرار تاخده بمحض إرادتك.

أجاب هيكل: إذا اتفقنا.

قال السادات: كيف تكلمنى بهذه الطريقة؟

أجاب هيكل: أود أن أقول لك شيئا لأكون واضحا.. أنا أضع حدودا واضحة بين رئيس الدولة وبين رئيس التحرير، ولكن هناك جانبا فى العلاقة هو ذلك القدر الموجود من الصداقة بيننا إلا إذا كنت قد ألغيته خلال الأسبوع الذى كنت أنا فيه فى لندن.

قال السادات: أنا الصداقة أعتز بها، وأنت تعلم منى هذا، ولكن كيف تشتمنى؟

أجاب هيكل: أنا لم أشتمك، وعلى أية حال دعنى أعفيك من الحرج أنا مستعد فى أية لحظة أمشى.

علق السادات: هذا قرارك تأخذه بمحض إرادتك.

قال هيكل: إذا اتفقنا وانتهى الأمر.

تحدث هيكل والسادات بعد ذلك مطولا عن زيارة هيكل للندن.

ثم قال السادات بعد أكثر من ساعة.. لنعود إلى موضوعنا: حين تقول إن السياسة الآن تعمل بغير عقل أليس معناه أننى بلا عقل؟.. ثم إنك تتهمنى أننى لا أعمل لحل أزمة الشرق الأوسط؟

أجاب هيكل: هذا غير صحيح، لقد كنت أنتقد أشياء كثيرة أيام جمال عبدالناصر ولكنه لم يعتبر ذلك موجها له شخصيا………. فليس كل ما ينتقد فى عهد عبدالناصر كان يأخذه على أنه كلام عليه بل إنه كان ضد كثير جدا مما يحدث وكان يحاول تغييره.

ولكن مع عبدالناصر كانت علاقاتنا واضحة، وكنت أقول له رأيى وكنت أعرف رأيه، وكان عبدالناصر يناقشنى ويقنعنى فكانت نقاط الاختلاف فى الرأى بيننا واضحة لى وكانت دوافعها معروفة لى ومفهومة.

ثم إن هناك شيئا أريد أن أقوله لك: إننى لا أريد شيئا. لست أطمع فى رئاسة أو منصب، وأنك فى غيابى اتصلت بأحد مساعدى فى الأهرام وكلمته فى التليفون بنفسك لتعرف إذا كنت قد عينت أحمد عبدالله رزة بستين جنيها فى الأهرام أم لا؟ لقد سبق لسيد زكى من المباحث أن اتصل بهذا المساعد لنفس السؤال، وحين جاء المساعد ليسألنى فقلت له ألست تعرف أننا لم نعينه قال نعم فقلت له إذن قل لسيد زكى لقد زاد الدس ضدى جدا فى المرحلة الأخيرة وقد ضقت ذرعا به. كان الدس موجودا أيام عبدالناصر ولكنه كان يعرف المواقف الأساسية للبشر ويتعامل على أساسها.

قال السادات: إنت يعنى بتتكلم وكأنك لا يهمك شيئا لماذا تدفعنى؟

أجاب هيكل: لأننى لا أريد شيئا، ولأننى أستطيع أن أعيش فيما أظن أننى أعرف كيف أقرأ، وفضلا عن ذلك أعرف كيف أكتب. الفريق صادق كان رجلا فى دبابة فلما أقلته لم يعد يعمل، والمسئول فى الاتحاد الاشتراكى لو أقلته أيضا فسيجلس بدون عمل أما أنا فأعرف أن أقرأ وأعرف أن أكتب ويوم أخرج سأستمر صحفيا…

سأل السادات: وعملك فى الأهرام ألست مهتما به؟

وأجاب هيكل: لن تستطيع أن تقدر أبدا إلى أى مدى هو عزيز عليّ وعزيزة عليّ تلك الروابط الإنسانية التى تربطنى بمن يعملون معى، ولكن الأهرام منذ فترة يكاد يختنق لا رأى جديدا ولا فكرة جديدة، ولا شيء يساوى لأننا لا نستطيع أن ننشر].

جرت تلك المواجهة قبل ما كتبه «موسى صبرى» بنحو شهرين.

لم يكن فى حاجة إلى أجهزة إنذار لكى يعرف أن العواصف توشك أن تهب.

«2»

فى لقاء عائلى ضمه إلى الرئيس «السادات»، قبل الخروج من «الأهرام» مباشرة، أخذ الأخير يتحدث عن مخاطبات جديدة مع الإدارة الأمريكية، وأطلق لأول مرة عبارته الشهيرة: «٩٩٪ من أوراق اللعبة فى يد أمريكا»، وأنه سوف يمضى فى «الحلول الانفرادية» إلى آخر مداها.

احتدم سجال وارتفعت أصوات وفى طريق عودته إلى بيته الذى يجاور بيت «السادات» قال للسيدة زوجته: «الآن.. جاء وقت مغادرة الأهرام، فإما أن أخسر نفسى بالدفاع عما لا أعتقد فيه، وإما أن أكسبها بمغادرة الأهرام».

ثم أردف للتخفيف من وطأة المفاجأة: «.. لكن لا تقلقى.. الرهان الأخلاقى يكسب فى النهاية.. وسوف ترين».

عندما أجرى حوارا مطولا مع «آية الله الخمينى» طلب «السادات» من رئيس مجلس الشعب «سيد مرعى» أن يسأله: «بأى صفة أجرى الحوار؟».

بدا «مرعى» محرجا سياسيا إنسانيا، فهو من ناحية أحد أركان النظام ورجاله الأقوياء وصهر الرئيس، لكنه من ناحية أخرى استشعر أن خطرا داهما يقترب من صديق حميم.

فى لحظة خيار صعب قرر أن يخرق قواعد الدولة لاعتبارات الصداقة.

أخذه من يده، وهما على شاطئ المنتزه بملابس الصيف، داخلا معه إلى مياه المتوسط بقدر ما تأكد أن أحدا لا يسمع، وروى له بالتفاصيل أسباب قلقه عليه متوقعا أياما صعبة تنتظره.. «خد بالك من نفسك.. لن يتركك يا محمد».

وكانت إجابة «هيكل» عن سؤال «السادات»: «قل له بصفتى صحفى».

عندما نقلت تلك الإجابة للرئيس قال مستغربا: «ألم أنهِ دوره الصحفى بإخراجه من الأهرام!».

كان الاستغراب فى غير موضعه، فالكاتب الصحفى لا يحال إلى التقاعد، قد يكون هناك رئيس جمهورية سابق، لكن لا يوجد كاتب صحفى سابق.

عندما غادر «الأهرام» اعتبرت صحيفة «التايمز» البريطانية فى افتتاحيتها الرئيسية أن خروج «هيكل» من «الأهرام» خبر لا يسبقه فى الأهمية سوى إقالة الرئيس «السادات» نفسه.

فى أول أيام ما بعد الخروج جلس فى مكتبه فى بيت الجيزة يقرأ ويكتب ويتابع.

شاهد موكبا لرئيس إفريقى فى طريقه لزيارة «السادات» فى بيته، أخذ يحلل الموقف ويحسب الوقت الذى استغرقته الزيارة.

كان عقله يعمل بكامل حيويته المهنية بينما «السادات» يتصور أنه قد تعطل عن العمل بقرار جمهورى.

التجربة التليفزيونية.. معارك وأسرار «9 ــ 10»

تحمل مسئولية المغامرة التليفزيونية ولم يستطع النوم قبل إذاعة أولى حلقاته على قناة الجزيرة
مال إلى عرض القناة القطرية لأنها كانت الأكثر مشاهدة وتأثيرا فى العالم العربى
كانت له تحفظات على دخول «الجزيرة» خط التطبيع ولكنه قدّر دورها فى الحرب على العراق
شخصية نافذة فى البيت الرئاسى تدخلت لمنع بث حواره مع قناة دريم
رفض 3 بدائل اقترحها أحمد بهجت لإذاعة اللقاء.. وقال: «إما أن يبث كله أو يمنع كله»
محاضرته فى الجامعة الأمريكية عن «توريث الحكم» فى 2002 أذنت باتساع المعارضة الصحفية والسياسية إلى حدود أفضت إلى ثورة يناير
استبد به قلقه على غير عادته، وتفكيره كله دار حول سؤال واحد: «تُرى كيف يستقبل الرأى العام العربى أحاديثه التى تبدأ قناة الجزيرة بثها هذا المساء؟».
هكذا كان عليه حاله صباح الخميس (٨) يوليو (٢٠٠٤).
كانت تلك مغامرة مهنية كاملة، فهو تعوّد أن يكتب وجهة نظره على ورق، أو يدلى بأحاديث تليفزيونية يحاوره فيها مذيع كفء يدرك أدوات مهنته ويتحمل مسئولية ضبط الإيقاع ومستوى الأسئلة التى تدخل فى شواغل الرأى العام.
هذه المرة فهو يتحدث وحده من خلف مكتب، يشغل المشهد كاملا لمدة تقارب الساعة باستثناء صور خاطفة على الشاشة لوثائق يتحدث عنها، أو لشخصيات يتطرق إليها.
كانت الفكرة التى استقر عليها ـ رغم ممانعات استمع إليها ـ أن يمزج فى روايته لـ«سيرة حياة» بين قصص خلفية لم يتسن من قبل أن رواها فى رحلته المهنية والسياسية الطويلة ورؤى جديدة فى أحداث جارية ومراجعات ـ بالوثائق ـ لمحطات فارقة فى التاريخ العربى الحديث تكشف وتنير ما غمض من أسرار.
كان يدرك أن خرق القواعد المستقرة فى الصورة التليفزيونية تحدٍ يصعب تجاوزه بسهولة.
تحمل مسئولية المغامرة التليفزيونية، لكنه لم يستطع أن يغالب قلقه..

 

سألته فى ذلك الصباح: «لماذا كل هذا القلق، فاسمك وتاريخك ضامنان للقبول العام الذى تطلبه؟».
قال: «لا تنس أن آخر مرة وقفت فيها أمام الكاميرا مرت عليها ثلاث سنوات باستثناء مرة واحدة مُنع بثها».
«هذا عالم جديد، لا هو عالمى ولا مجاله مجالى».
«فى كل مرة أكتب، أو أتحدث، أشعر بأننى أمام امتحان جديد».
كأى مغامرة من مثل هذا النوع فإنها قد تكسب وتؤكد قيمة، أو تخسر وتسحب من رصيد.
فى تكتم مطبق سجّل عددا من الحلقات جاء الآن وقت بثها واحدة إثر أخرى مساء كل خميس.
فى الليلة السابقة لبث الحديث الأول دلف إلى سريره ـ يصاحبه قلقه ـ بعد الثانية عشرة ليلا، وهو الذى تعوّد أن ينام قبل العاشرة على أقصى تقدير.
فى ذلك التوقيت المتأخر فوجئت باتصال هاتفى حاورنى فيه ببعض ما قلت لإذاعة الـ«بى بى سي» من تعليق على حدث جارٍ، وهو اعتاد أن يستمع إليها كلما وجد وقتا أو أصابه أرقا.
سألته مستغربا: «لماذا أنت مستيقظ حتى الآن؟».
قال: «لا أستطيع النوم».
(١)
قبل نحو شهر ـ الخميس (١٠) يونيو ـ الساعة التاسعة وخمسون دقيقة بالثانية، وفق مواعيده بالغة الانضباط، دخل استوديو محطة «الجزيرة» بمدينة الإنتاج الإعلامى.
تناول فنجانا من القهوة قبل أن تدور فى العاشرة الكاميرات تسجل أولى حلقاته، وكادت تلاحقه العيون والأنفاس داخل الاستوديو.
كان صوته مستريحا بعدما تعافى من أزمة ألمت بأحباله الصوتية قبل فترة قصيرة اضطرته إلى تدخل جراحى بألمانيا.
لم يستوقف التغير الذى ألم بصوته من «بحة بها شجن» أحدا تقريبا.
استغرب تلك الملاحظة عندما استمع إليها لأول مرة، لكنه كرر العبارة بشيء من الرضا، فقد أصبح ذلك صوته، وهو أكثر اتساقا مع شخصيته وقربا إنسانيا من مستمعيه.
عندما توقفت حركة الكاميرات وغادر موقعه اقترب من عامل الإضاءة، قبل غيره سائلا: «إيه رأيك؟».. كأنه أراد أن يتلمس ردات الفعل المحتملة للمشاهدين العاديين قبل العرض على الشاشة.
لم يحر العامل الفنى البسيط جوابا غير عبارة واحدة: «عظيم يا أستاذ طول عمرك».
وفق العقد المبرم مع المحطة كان مقررا أن يتطرق فى الـ(١٠) حلقات الأولى إلى الشأن العربى الجارى قبل أن يدخل فى الـ(٥٠) حلقة التالية إلى «سيرة حياة».
غير أن الحلقات امتدت بأطول مما كان متفقا عليه حتى عام (٢٠١٠) عندما قرر باختياره ـ وحده ـ التوقف عن الظهور على شاشات «الجزيرة».
سألته عن سبب تغيير بعض برامجه المعتادة والبقاء لفترات أطول فى «برقاش»: «هوه فى سر؟».
أجاب ودودا: «هوه فى تحقيق؟».
وأخذ يتلو ـ كعادته دائما بحسب مقتضيات المواقف ـ أبياتا من محفوظاته الشعرية:
«إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه
فصدر الذى يستودع السر أضيق».
مال إلى عرض «الجزيرة» من أى عرض آخر تلقاه من فضائيات عربية منافسة، فقد كانت الأكثر مشاهدة وتأثيرا فى العالم العربى.
فى أول حلقة من «سيرة حياة» دخل كجراح إلى أسبابه دون أن يجرح، وتحدث عن دواعيه دون أن يسهب.
كانت له تحفظات على دخول «الجزيرة» خط التطبيع باستضافة شخصيات ومصادر إسرائيلية.
غير أنه قدّر الدور الذى لعبته فى الحرب على العراق ولم يخفِ إعجابه بأدائها المهنى واتساع شاشتها للتنوع الفكرى والسياسى فى العالم العربى والحرية الواسعة التى وفرتها.
فى إطلالته الأولى كانت آخر جملة استمع إليها مشاهدوه: «إذن فلتكن الجزيرة».
وفى الإطلالة الأخيرة لم يشر إلى أن هذا آخر عهده بـ«الجزيرة» ومال إلى الصمت الكامل احتراما لنفسه وللمحطة التى استضافته لسنوات.
ذات مرة أبديت رأيا سلبيا عن حلقة بـ«الجزيرة» سجلها قبل أن يسافر إلى ألمانيا لتدخل جراحى عاجل، عددت أسبابى، وهو يستمع على سرير مرض.
تحدثت يومها، كما اعتدت بلا حواجز، لكنى تنبهت بعد ذلك الاتصال أن الكلام نفسه لم يكن له لزوم فى أحوال نقاهة بعد تدخل جراحى.
قلت له فى اليوم التالى: «إن كثيرين يخالفوننى الرأى الذى ذكرته لك، وقد يكونون هم على حق».
جاء صوته حازما رغم الوهن: «لا تقل ذلك فما ذكرته أمس هو الصحيح».
[عزيزى عبدالله
أجد لازما علىّ احتراما لأدب المهنة والحق معا أن أكتب لأدفع مظنة خطأ يمكن نسبته إلى «العربى» وإليك دون ذنب.
إنك تفضلت وسألتنى فى الأسبوع الماضى عن موعد إذاعة حديثى فى الشأن الجارى على قناة الجزيرة وأجبتك لحظتها بما أعرف وهو فى حينه صحيح، لكن الذى جرى أن إدارة الجزيرة رأت ـ ولها الشكر ـ أن يكون حديثى متوافقا مع عملية تجديد واسعة سبقت بها، ثم إنها رأت فى نفس الوقت بأفضلية أن تكون إذاعة هذا الحديث ـ وفى هذا الإطار ـ مساء الخميس، وهو نفس الموعد الذى ظهرت فيه من قبل ضيفا على شاشاتها.
ولو تذكرت أن الصحفى فيك مستيقظ طوال الوقت ومتحفز لنبهتك حتى لا يبدو النشر تواكلا من جانبكم أو قصورا، ولذلك فإنى أكتب هذه السطور الآن قاصدا وضع المسئولية فى مكانها الصحيح، راجيا من قرائك أن يغفروا التباس وقع بتسارع الأمور ـ شاكرا ـ لك اهتمامك وحرصك وكليهما موضع اعتزازى فى كل الأحوال.
لك صادق الود مجددا مع موفور الاحترام].
كانت تلك إشارة فى (١٩) يونيو (٢٠٠٥) إلى أدب الحق وأدب المهنة وأصول الأستاذية.
(٢)
لمرة واحدة كتب عن تجربة موجعة مع إحدى الفضائيات المصرية فى الـ«استئذان فى الانصراف».
ألمح ولم يفصح، اقترب من «مناطق الوجع» و«الضرب فى الوجع»، لكنه لم يروِ القصة.
البداية: منتصف أغسطس (٢٠٠٣) بقرية «الرواد» ـ على شاطئ الساحل الشمالى.
وصل وفد من قناة «دريم» يطلب أن يظهر على شاشتها متحدثا ولو لدقائق، ولو بمشاهد عائلية مصورة، تبث ضمن احتفالية تنتويها المحطة بمناسبة بلوغه الثمانين.
قال: «حياتى الخاصة لا تعنى أحدا فى شىء ـ أو أنها قد تبدو تطفلا بغير ضرورة عامة على المشاهدين فى بيوتهم».
عاود وفد المحطة، وبعضهم أصدقاء مقربون، الإلحاح والضغط، وفى النهاية لم يكن أمامه إنسانيا غير أن يوافق.
كانت تجربة أحاديثه عبر «دريم» «من قلب الأزمة إلى قلب الأمة» مشجعة.
خامرته فكرة أن الحديث من جديد، ولو لمرة واحدة، قد يساعد أجيالا جديدة فى تطلعها لمخرج من أزمة أمة ووطن.
قبل ساعات من بث حديث مسجل على شاشة «دريم» فى التاسعة من مساء الثلاثاء (١٤) أكتوبر (٢٠٠٣) كما نوهت المحطة على مدى أسبوع كامل أعلنت اعتذارها عن عدم البث.
التنويه المكثف ساده شيء من اعتزازها بـأنها حصلت على سبق إعلامى بعد استئذانه فى الانصراف.
والاعتذار بدا مراوغا، فقد منع الحديث كله دون سبب مقنع أو تبرير مفهوم.
بدت تراجيديا التسجيل والمنع داعية للتساؤل: لماذا؟
التسجيل استغرق (١٤٠) دقيقة، وهو وقت طويل ومنهك لرجل كان وضعه الصحى يتطلب عدم الإفراط فى الكلام إلا لضرورة ملحة، أو لوقت قصير، لكنه تحدث وأسهب فى الحديث، وفى النهاية صادروه.
كان حديثه «الممنوع» ختام سلسلة من الحلقات حملت عنوانا من كلمة واحدة: «الأستاذ» أعدها الكاتبان الروائيان «جمال الغيطانى» و«يوسف القعيد»، وكلاهما قريب منه بالحوار المتصل والود الإنسانى.
وكانت «دريم» قد ألحت أن يظهر فى آخر احتفاليتها ببلوغه الثمانين ليلقى كلمة بالطريقة التى يريد والوقت الذى يطلب.
باقتضاب لم يتجاوز ربع الساعة سجل احترامه «لكل الذين شاركوا فى الاحتفال بعيد ميلادى الثمانين».
«انحنى أمام الناس مستأذنا فى الانصراف.. أن انصرف احتراما لنفسى ـ فما يحدث الآن فى مصر لا يليق، وما يحدث الآن فى المنطقة تجاوز كل منطق. أزمة المصداقية باتت متجاوزة كل شىء والصورة العامة مقلقة».
طوال حديث الـ (١٤٠ دقيقة) أكد أكثر من مرة: «أنا بره» ـ خارج المسرحين السياسى والصحفى.
من الشكر بدأ، وبما يشبه الوصية انتهى.
بطبائع الأمور تطرق إلى الأوضاع العربية المستجدة فى سوريا والعراق وفلسطين.
ماذا قال بالضبط؟
لم يُرد أن يتكلم و«النسخة الماستر» فرضت عليها إجراءات وقيود مشددة لضمان عدم تسريبها.
أخبرنى المهندس «أسامة الشيخ»، المشرف على «دريم» فى ذلك الوقت ورئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون تاليا، أنه ذهب بنفس اليوم إلى «برقاش» حاملا نسخة من الحلقة الممنوعة كى يتصرف بالطريقة التى يراها.
لكنه لم يكن مستعدا لاستعادة حرف واحد مما قال فـ«للحديث روحه».
اعتبر الصفحة كلها أغلقت وانتهى أمرها.
سجل مخاوفه على المستقبل ولم يخطر بباله، وهو يتدفق بالحديث، أن الخوف من مخاوفه سوف يصادر رسالته.
بدت القصة كلها ملبدة بغيوم السياسة والعوالم الخفية.
قبل خمسة أيام، فى ظهر أحد، دخل الساعة الحادية عشرة إلى قاعة أفراح فى فندق «هيلتون دريم» بالقرب من مدينة الإنتاج الإعلامى.
القاعة الفسيحة تحوّلت إلى استوديو حديث حتى يكون التسجيل بعيدا عن أية آذان تسمع وعيون ترى.
غير أن كل الآذان كانت منصتة وكل العيون كانت مفتوحة، على الهواء مباشرة.
كانت تلك مسألة مستغربة، فقد دأبت المحطة على بث برامجها، بما فيها أحاديث «هيكل» من استوديوهاتها فى مدينة الإنتاج الإعلامى القريبة.
لماذا استوديو خاص لتسجيل خاص لمرة واحدة فقط؟
التحوط الزائد لفت الأنظار إلى أن هناك ما قد يقوله مزعجا بعد محاضرته قبل عام واحد فى الجامعة الأمريكية، التى تطرق فيها إلى مستقبل نظام الحكم فى مصر واحتمالات توريثه من الأب إلى نجله الأصغر وبثتها «دريم» على الهواء مباشرة.
توسط الاستوديو الجديد مكتبا مريحا جلس عليه، وقد كانت هناك فكرة أن يسجل حديثه جالسا على «فوتيل» كأنه فى صالون، لكنه اعتذر فهو متعود على الكتابة والحديث من خلف مكتب عمل.
دارت الكاميرات وبدأت دراما تسجيل «وصية الأستاذ».
استلفت نظره، وهو يتحدث أمام الكاميرات، أن أحد العاملين المقربين من رجل الأعمال «أحمد بهجت» صاحب المحطة، دخل الاستوديو ومال عليه برسالة عاجلة.
غادر «بهجت» الاستوديو لربع الساعة، وعاد ليتابع حديث «الأستاذ»، لكن القرار كان قد اتخذ ـ ممنوع بث هذا الشريط كاملا.
لا أحد سوى «بهجت» يعرف مشاعره فى تلك الدقائق الثقيلة، التى جلس خلالها يستمع للأستاذ، وهو يدرك وحده أن الحديث لن يبث أبدا كما هو.
عندما تستضيف قناة فضائية رجلا كلمته مسموعة ويستطيع أن يتحمل مسئوليتها، فلا يصح أن تحجب حرفا واحدا مما يقول.
تلك من قواعد أى عمل إعلامى على شىء من الاحترام والمصداقية.
غير أن القصة لم تكن مسألة قواعد تحترم بقدر ما كانت مسألة سلطة يزعجها كلامه.
ما إن انتهى من حديثه المسهب بما يشبه الوصية اقترب منه «بهجت» قائلا: «ممكن نتكلم شوية».
لمدة نصف ساعة اختلى الرجلان على جانب فى قاعة الطعام الرئيسية بالفندق.
«بهجت» صرح بأنه ـ وحده ـ من اتخذ قرار عدم بث الحديث المسجل، وأن «الأستاذ» وافقه على قراره.
و«هيكل» امتنع عن أى تعليق وكانت العبارة الوحيدة التى نشرت على لسانه: «لا أريد أن أحرج أحدا».
غير أنه أخبرنى بالقصة الكاملة، بأدق تفاصيلها وأجوائها، كأنى كنت موجودا فى المكان، وقد نشرتها دون أن أنسبها إليه.
لم يكن يريد أن يسبب أية متاعب لصاحب المحطة، ولا يريد أن يضربه أحد «فى وجع» إذا ما بث شريط يتحمل وحده مسئوليته.
كان «بهجت» هو مصدر القرار، لكنه لم يكن صاحبه، وإلا لما ألح على «هيكل» بالحديث، وإلا لما دفع تكاليف باهظة لاستوديو خاص لرجل واحد لمرة واحدة، وإلا لما استأذن الأستاذ فى المنع وطلب مشورته فى الخروج من الورطة؟!
وزير الإعلام «صفوت الشريف» نفى بصورة قاطعة أن تكون هناك أية تدخلات من الدولة لمنع بث هذا الحديث.
لم يكن أحد، لا فى وزارة الإعلام ولا فى غيرها من الوزارات والهيئات، بوسعه أن يتحدى صاحب القرار، تلك الشخصية النافذة فى البيت الرئاسى، التى كانت على الطرف الآخر من هاتف أرضى عندما هرع «بهجت» للخروج من الاستوديو.
كان سيف القروض مشرعا.
هناك فارق جوهرى بين الحق العام فى حساب أية تجاوزات مالية لأى رجل أعمال، وبين استخدام القروض لأسباب سياسية تطويعا للفضائيات الخاصة.
فى حوار نصف الساعة عرض «بهجت» أزمته ومخاوفه.
قال «هيكل»: «افعل ما تراه مناسبا لك».
طرحت عليه ثلاثة بدائل:
الأول: بث ربع الساعة الأولى من الحديث ـ فقط ـ والمعنى أن يقتصر البث على كلمات الشكر والتقدير للذين أسهموا من الشخصيات العامة والإعلامية فى احتفالية عيد ميلاده الثمانين.
دون تردد اعتذر عن عدم قبول هذا البديل، فهو غير معقول، وربما يتناقض مع صورته العامة التى بناها بدأب على مدى عمره المهنى الطويل فى قلب عواصف الصحافة والسياسة وتقلبات الحكم ببلادنا.
الثانى: اعتذار لأسباب صحية، ولم يكن هذا الاعتذار مقبولا، فهو قد سجل الحديث بالفعل، محترما الوعد الذى قطعته المحطة للمشاهدين، وليس بوسعه إنسانيا وأخلاقيا أن يوافق على ترويج اعتذار غير صحيح، وربما لم يكن فى وسعه أن يساعد الذين أصدروا الأوامر بمنع بث الشريط من الهرب بجريمة المنع وجسمها «الشريط المصادر» دون عقاب من تاريخ، أو علم من رأى عام.
الثالث: حذف من (٣٥) إلى (٤٥) دقيقة من الشريط، الفكرة ـ فى البداية ـ بدت مخرجا معقولا من «ورطة دريم». غير أن «هيكل» قال إن الحذف سوف يخل بسياق وروح الحديث، وأنهى «حديث البدائل» بعبارة واحدة: إما أن يبث كله أو يمنع كله.
.. ولم يبث أبدا.
(٣)
لم تكن تلك هى الواقعة الوحيدة التى تحوّلت فيها «دريم» وصاحبها والمشرفون عليها إلى تبة ضرب نار.
قبل عام ـ أكتوبر (٢٠٠٢) ـ نقلت نفس الفضائية على الهواء مباشرة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة المحاضرة التى ألقاها بمناسبة مرور نصف قرن على ثورة (٢٣) يوليو.
لم يكن أحد يعرف ما الذى سوف يقوله، ولا من أية زاوية سوف ينظر إلى تاريخ تقادمت عليه العقود.
لم يكن بوسع «دريم» أن تتوقع دخوله الكامل فى دائرة المحظورات واختراق كل ما جرى التعارف عليه كـ«خطوط حمراء».
ولا كان أحد خارجها يتوقع أن تدوى مفاجأته على النحو الذى جرى.
سألته عن خطته للمحاضرة المرتقبة، وكان يضع أوراقا أمامه.
قال: «ما رأيك أنت؟».. «ما نقاط التركيز التى تتصور أن الرأى العام ينتظرها؟»
أشرت إلى محطات ومعارك وأسئلة تحتاج إلى إجابات.
لم يخطر ببالى لوهلة واحدة، وهو يستمع مبتسما، أنه سوف ينحى الماضى كله ويناقش مستقبل نظام الحكم فى مصر متطرقا إلى «توريث الحكم» من الأب إلى نجله الأصغر.
كانت جريدة «العربى» قد بدأت منذ يونيو سنة (٢٠٠٠) حملة متصلة ومتصاعدة ضد مشروع «التوريث».
لم يتوقف الحديث بيننا فى ذلك الملف الحساس، ولعله أراد أن تكون المفاجأة كاملة.
استقر يقينه على واحدة من أهم معاركه، وقرر أن يدخلها أيا كانت العواقب.
عندما دخل ساحتها أضفى مصداقية على الذين سبقوه وتحملوا مسئولية التنبيه المبكر.
كان تأثير ما قاله مدويا فى المجال العام.
لم تكن قطاعات واسعة من الرأى العام المصرى وقتها تصدق أن مشروع «التوريث» ممكن، أو أنه موجود أصلا.
بعد محاضرته فى الجامعة الأمريكية أخذت الحملة أبعادا جديدة أذنت باتساع المعارضة الصحفية أولا والسياسية ثانيا إلى حدود أفضت فى النهاية إلى ثورة «يناير».
قبل تلك المحاضرة المدوية أطلق أعيرة صحفية فى الهواء كأنها تمهيد لما انتواه: «الأنظمة طالت أعمارها بأكثر مما هو داع» ـ إبريل (٢٠٠٢).
وبعد خمس سنوات ـ يوليو (٢٠٠٧) ـ قال: «لو عاد عبدالناصر الآن لتبنى حملة العربى الطويلة ضد الاستبداد والتوريث».
عندما كان يفجر مفاجأته المدوية فى الجامعة الأمريكية، و«دريم» تنقلها إلى كل بيت، لم يكن هناك أحد من المسئولين الكبار بالقاهرة.
كان الرئيس «حسنى مبارك» قد صحبهم معه إلى الإسكندرية لافتتاح مكتبتها الشهيرة فى حضور ملوك ورؤساء أوروبا، بما ذكر باحتفالات افتتاح قناة السويس على عهد الخديو «اسماعيل».
أذاعت «دريم» المحاضرة مرتين، وقبل الثالثة تنبهت سلطات الدولة لخطورتها، فأمرت بمنع بثها.
اعتذرت «دريم» بزعم أن لعدم البث أسبابه الفنية.
رغم عدم البث تصاعدت حملات التحريض على «دريم»، وشاركت فيها صحف وأحزاب يفترض أنها معارضة بتحريض مباشر من بعض السلطات فى الدولة.
خلال الأزمة طُلب من «دريم» «تعديل المسار» لتجاوز بعض برامجها «خط الإعلام المصرى».
وخلال الأزمة اضطرت ثلاث صحف حزبية وخاصة ـ بطلب مباشر من وزير الإعلام «صفوت الشريف» ـ عدم نشر محاضرة الجامعة الأمريكية بعد أن كاد يدفع بها إلى المطابع.
كان الطلب واضحا وصريحا فـ«الرئيس سوف يغضب ويحمّل من ينشر المسئولية».
وانفردت «العربى» وحدها بنشر المحاضرة المدوية التى دخلت فى المحظور.
«إننا أمام أربع صور حول كل واحدة منها إطار يحدد ويفصل، والألبوم من أوله لآخره ناطق بأن تلك الخمسين سنة لم تكن عمرا تدفق طبيعيا مرحلة بعد أخرى، وإنما بكل الشواهد ـ عصور متعددة ـ اختلفت ـ وتناقضت ـ وفى بعض الأحيان تصادمت».
كانت الصور لأربعة رجال هم: «محمد نجيب»، و«جمال عبدالناصر»، و«أنور السادات»، و«حسنى مبارك».
«إن الغد لا يقدر ـ ولا يملك أن ينتظر صورة خامسة تزيد على ألبوم الصور السابقة، لأن تحديات زمان جديد لا تحتمل استراتيجية الانتظار وسياسة التأجيل».
«المطلوب ليس نقلة من رجل إلى رجل، وإنما من عصر إلى عصر ـ أى من شرعية مرحلة الانتقال إلى الشرعية الدائمة، وبالتالى: من الفرض إلى الدستور ومن الصورة إلى القانون».
«من فضلكم دعوا المستقبل يتحرك بحرية، ودعوا المستقبل يمر بأمان، ودعوا المستقبل يبدأ الآن قبل أن يفوت الأوان».
هكذا كانت رسالته فى تلك المحاضرة التى حملت اسم «المستقبل الآن».
وهكذا تبدت حساسيات إضافية حجبت العقول أن تفكر والصدور أن تستوعب، وكانت النتائج بالنهاية محتمة

عقدة هيكل.. أوضاع قرب نهاية نظام «الحلقة الأخيرة»

هيكل مع شاه إيران الرجل الذي نصح السادات بمبارك نائبًا

• هيكل لم يقتنع بأسباب «السادات» فى اختياره مبارك نائبا

• صحيفة «الجيروزاليم بوست» الإسرائيلية نشرت 3 تقارير مطلع 1981 تؤكد أن «مبارك قوى وينازع على السلطة»

• السادات لم ينتبه إلى تقرير للمخابرات الأمريكية يقول إنه عليه ترك الحكم لنائبه

• تبدت فرضية رئيسية أن «مبارك» هو خيار الولايات المتحدة وإسرائيل لخلافة «السادات»

• فى يناير 2010 قال هيكل أمام شاشات الفضائيات: «نحن أمام أوضاع قرب النهاية»

فى وداع صديق قديم بإحدى كاتدرائيات لندن وقف الأستاذ «محمد حسنين هيكل» بجوار الزعيم الجنوب إفريقى «نيلسون مانديلا» فى النصف الثانى من مارس (٢٠٠٥).

تحدث الرجلان فى القداس الجنائزى عن مآثر «أنتونى سيمبسون» أشهر من تولوا رئاسة تحرير «الجارديان».

«كان سيمبسون إحدى العلامات الكبرى فى تاريخ الصحافة البريطانية المعاصرة»، فلا يمكن الدخول إلى عوالمها الحقيقية، أو التعرف على أسرارها ومعاركها، دون الاقتراب من شخصيته وأدواره وأعماله التى كرّست قيمته مثل: «بازار السلاح» و«خفايا البترول» و«من يحكم هنا؟».

وهو يصف ـ من لندن ـ ما جرى فى الكاتدرائية ذلك الصباح توقف عند سؤال: «من يحكم هنا؟» قبل أن يردف: «فى بريطانيا لا فى مصر!».

قلت: «لكن الأحوال هنا تستدعى نفس السؤال.. أين القوة الحقيقية فى تقرير السياسات وما طبيعة الموازنات فى بنية السلطة؟».

بعد رحلة استغرقت أسبوعين خطر له أن يطرح سؤال «سيمبسون» على الواقع المصرى فى أول حوار بيننا وفق ما طرأ من أحداث خلال سفره وما تنبأ به من تحولات.

جلسنا على مقعدين متواجهين على الناحية الأخرى من مكتبه.

قال: «أريد أن أعرف ما جرى فى غيابى كأننى كنت هنا، أين التطورات الأساسية فى حركة الحوادث، ما خلفها وما قد تتطور إليه؟».

بجملة قاطعة قال: «إن ما يحدث تحول نوعى فى الحياة السياسية المصرية وغياب البدائل مقلق، إن أحدا لا يعرف بالدقة كيف تحكم مصر فى المستقبل، أو ما قد تجرى به مقادير وعواصف السياسة فيها؟».

.. هكذا نشرت بالنص الكلام منسوبا إليه فى (٣) إبريل (٢٠٠٥).

 

(١)

لماذا «مبارك»؟

لم يكن مقتنعا بأسباب «السادات» فى اختياره نائبا للرئيس من أن جيل أكتوبر جاء وقته ليحل مكان جيل يوليو.

بصورة ما استشعر من إشارات الرئيس، وهما يتحاوران مجددا عام (١٩٧٥) فى استراحة القناطر الخيرية، إنها نصيحة من الشاه «محمد رضا بهلوى»، الذى عين زوج شقيقته الجنرال «محمد فاطمى» قائدا للطيران لأنه السلاح «الذى يستطيع أن يتدخل بسرعة، وبقوة نيران كثيفة لمواجهة أى تمرد أو عصيان، أو حتى محاولة انقلاب».

سأله «هيكل»: «هل تلك نصيحة من شاه إيران؟».

«ارتفع صوت السادات محتجا»: «جرى لك إيه يا محمد؟!».

لماذا «مبارك»؟

تبدت صباح الاثنين (٥) يناير (١٩٨١) تساؤلات جديدة فى قصة «النائب الغامض».

فقد نشرت صحيفة «الجيروزاليم بوست» الإسرائيلية تقريرا فى أعلى يسار صفحتها الأولى كتبه محررها لشئون الشرق الأوسط عن صعود نفوذ النائب «حسنى مبارك» وصراعات السلطة فى مصر.

صودرت أعداد الصحيفة الإسرائيلية، ونشرت وكالة «أنباء الشرق الأوسط» برقية موجزة تصف المعلومات بـ«الادعاءات والأكاذيب» دون أن تشير إلى طبيعة مادتها.

فى ذات اليوم قرر «السادات» إنزال عقاب جماعى بالصحيفة ومحرريها: ممنوع دخول أية أعداد منها، أو منح أى من محرريها تأشير دخول.

فى اليوم التالى «الثلاثاء» اعتبرت «الجيروزاليم بوست» الإجراءات بحقها هى الأولى من نوعها ضد صحفيين إسرائيليين منذ السماح لهم بالعمل فى مصر بعد زيارة القدس.

نشرت تقريرا ثانيا لنفس المحرر فى نفس الموضوع أعقبه تقرير ثالث بعد يوم آخر يناقش خلافات التكتيك بين «السادات» و«مبارك» فى قضية السلام والتطبيع مع إسرائيل.

ناقض الكلام الإسرائيلى بفداحة الصورة التى استقرت عن «مبارك» فى تلك الآونة التى قللت من شأنه وسخرت منه، فهو قوى وينازع على السلطة وله أنصار فى القصر الجمهورى.

فى الكلام روايات يصعب التسليم بمبالغاتها، لكن التأكيد عليه لثلاث مرات متتالية فى أهم صحيفة إسرائيلية قد يشير لحقائق غاطسة لا نعرفها حتى الآن.

لم يقرأ «السادات» الغاضب ما خلف النصوص من رسائل إلى المستقبل القريب.

لم يتوقف بالتنبه الكافى عند فقرة أشارت إلى تقرير جديد للمخابرات الأمريكية يقول نصا: «يكفى السادات عشر سنوات فى الحكم وعليه أن يتركه لمبارك».

ذلك ما تحقق بعد شهور قليلة من نشر النص المثير.

استحوذ على تفكير «السادات» هاجس «هيكل».. وذهب تفكيره إلى أنه هو مصدر معلومات التقرير الموسع.

طرح هواجسه أمام وزير الإعلام والثقافة «منصور حسن»، وهو مقرب ومحل ثقته.

استبعد الوزير الشاب الفكرة تماما: «يا فندم.. هيكل لا يتصل بالإسرائيليين».

لكن هواجسه لم تغادره ودعا وزير إعلامه أن يستقصى الحقيقة بنفسه من رئيس تحرير «الجيروزاليم بوست»، الذى طلب زيارة القاهرة لإنهاء الأزمة مع الرئيس المصرى.

عندما وصل إلى القاهرة توجه مباشرة إلى مكتب السفير «حسن عيسى» مدير مكتب وزير الإعلام، لينتقل معه إلى منزل الوزير الذى وجه له سؤالا مباشرا: «لا أريد أن أعرف مصادر صحيفتك فى القاهرة.. لكن قل لى نعم أم لا.. هل هو هيكل؟».

كان الرد: «لا».

لماذا تصور «السادات» أنه «هيكل»؟

وما الذى أغضبه إلى هذا الحد؟

لا بد أن شيئا حقيقيا حوته النصوص الإسرائيلية.

استمعت إلى تلك القصة من «منصور حسن»، ولم يكن «هيكل» على معرفة بها.

كان ذلك داعيا لمحاولة الوصول بكل طريقة ممكنة للتقارير الإسرائيلية الثلاثة حتى تتضح الأسباب، التى دعت «السادات» إلى توجيه أصابع الاتهام إلى «هيكل».

لم تكن تلك المقالات على الموقع الإلكترونى لـ«الجيروزاليم بوست»، فتاريخ نشرها يسبق إنشاء الموقع بسنوات طويلة.

بمعاونة صحفيين فلسطينيين خلف الجدار جرى الوصول إليها من أرشيف الصحيفة.

استرعى انتباه بعض العاملين فيها أن هناك من ينقب عن شيء ما فى الأرشيف، وكانت هويتهم العربية كافية لطردهم، لكنهم حصلوا على غنيمتهم بطريقة أخرى، وأرسلت على عجل إلى القاهرة عبر أمستردام.

كانت تلك القصة المجهولة موضوعا لحوار بين الرجلين، «هيكل» و«منصور حسن»، وبعض ما ورد فى الصحيفة الإسرائيلية نشرته فى صحيفة «الشروق» فى (٤) يونيو (٢٠١٢) عن «السادات ونائبه الغامض».

تبدت فرضية رئيسية أن «مبارك» هو خيار الولايات المتحدة وإسرائيل لخلافة «السادات».

سألت الأستاذ: «هل كان السادات ضحية لشيء ما جرى فى الظلام؟».

أجاب: «لا.. كان ذلك اختياره».

(٢)

فى فبراير (٢٠٠٧) أعلنت المؤسسة، التى تحمل اسمه، عن استضافة الصحفى الأمريكى «سيمور هيرش» لإلقاء ثلاث محاضرات عن «صحافة الاستقصاء»، أو «صحافة العمق» بوصفه «واحدا من أهم صحفيى التحقيقات فى العالم وأكثرهم شهرة وتأثيرا، وهو يركز فى تحقيقاته على إساءة استخدام القوة والسلطة تحت ذريعة حماية الأمن القومى الأمريكى».

هكذا عرفه فى ورقة معنونة بـ«سيمور هيرش ـ معلومات أساسية» لم يوقع عليها.

فى سجل «هيرش»: فضح مذبحة «ماى لاي» فى فيتنام (١٩٦٩)، وكشف النقاب ـ للمرة الأولى ـ عن الترسانة النووية الإسرائيلية بكتابه «الخيار شمشون« (١٩٩١)، التى كانت سرا غامضا لعشرات السنين، و«ثمن السلطة ـ كيسنجر فى بيت نيكسون الأبيض»، الذى حاز جائزة صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» لأحسن كتاب وجائزة النقاد لأحسن كتاب على المستوى القومى، و«القيادة الأمريكية العمياء ـ الطريق من (١١) سبتمبر إلى سجن أبو غريب».

وفى سجله: خبطات صحفية أخرى نشرتها «نيويورك تايمز» و«نيويوركر»، وكان آخرها فى ذلك الوقت تحقيقا موثقا عن «الخطة السرية لوكالة الاستخبارات الأمريكية للهجوم على إيران»، كما أفضت إحدى خبطاته إلى إطاحة وزير الدفاع الأمريكى «رونالد رامسفيلد»، وهو مجرم حرب بأى معنى إنسانى أو قانونى.

أسباب «هيكل» فى اختياره كأول محاضر دولى فى مؤسسته لم تكن مجهولة أو ملتبسة، فقد قصد أن يوفر للصحفيين المصريين والعرب الشبان فرصة حقيقية للإلمام ببعض تقنيات صحافة الاستقصاء.

رغم ذلك كله فقد كان اسم «هيكل» لوحده كافيا لإثارة حملة حول «سيمور هيرش» وديانته اليهودية، وإذا ما كان هناك صحفيون أفضل فى الغرب منه أم لا.

اعتاد «هيرش» أن يتقاضى فى المحاضرة الواحدة داخل الولايات المتحدة (٣٠) ألف دولار غير أنه تقديرا لـ«هيكل» ومؤسسته خفض مكافأة المحاضرة الواحدة إلى النصف (١٥) ألف دولار، فضلا عن تكاليف السفر والإقامة.

قبل أن يبدأ محاضرته عن احتمالات الحرب على إيران تحدث «هيكل» فى كلمة مقتضبة ودالة من فوق منصة قاعة «إيوارت» بالجامعة الأمريكية امتلأت عن آخرها بصحفيين كبار وسفراء غربيين وأكاديميين ووزراء سابقين وطلاب من الجامعة نفسها.

قال: «فوجئنا بأبواب عديدة توصد أمامنا، وأنا لا أريد أن أشير إلى ما لا يلزم ـ ربما لا يستحق ـ الإشارة إليه، لكن من حق الجامعة الأمريكية عليّ أن أقول إنها، وإن لم تكن مقصدنا الأول، أصبحت ـ مع إحساسها بمعنى الحق فى المعرفة ـ ملجأنا الأخير.

فى البداية كان فكرنا أن تكون إحدى قاعات مكتبة القاهرة الكبرى مكانا تعقد فيه هذه الدورة الأولى من نشاط المؤسسة، وهى دورة دعونا إليها الصحفى الكبير سيمور هيرش، لأننا اخترنا صحافة العمق موضوعا لها، واسم سيمور هيرش هو أول ما يخطر على البال فى هذا المجال فى الصحافة العالمية.

ومع أن قاعات مكتبة القاهرة مفتوحة لمناسبات كثيرة متعددة الاهتمامات، إلا أننا تلقينا ردا بالاعتذار لسببين مختلفين.

الأول، أن هناك مشكلة أمن.. والثانى، أن سيمور هيرش يهودى.

من المدهش أن تثار مثل هذه الإشارة المثقلة بمواريث الجانب المظلم فى التاريخ غير العربى وغير الإسلامى دون تفرقة بين الديانة اليهودية وبين العدوانية الإسرائيلية، خصوصا بالنسبة لرجل مثل سيمور هيرش، وهو الذى كشف أمام العالم كله خبايا وخفايا مشروع إسرائيل النووى، منبها إلى حجمه وخطره، ولعلها من المفارقات أن تصدر مثل هذه الإشارة إلى ديانة سيمور هيرش هنا، فى حين أنها نسيت مع أمثال مناحم بيجين وشامير ورابين وديان وشارون وإيهود أولمرت.

على أن باب مكتبة القاهرة الكبرى لم يكن الباب الوحيد الذى جرى إغلاقه أمام المؤسسة، لكن هذا الإجراء المبكر بدا إشارة مبكرة إلى تصرفات لاحقة، أوثر ألا أشير لها، ولولا أن مسألة يهودية سيمور هيرش وصلت إليه لما أشرت إليها، لكنى أذكرها هنا لكى أعتذر عنها لرجل وقف دائما بالحق فى مواجهة القوة، ابتداء من مذبحة ماى لاى فى فيتنام إلى مأساة سجن أبوغريب فى العراق.

لقد وقف سيمور هيرش كصحفى بالحق ضد القوة فى بلاده، وكثير فيه داخل إلى الصميم فى قضايا الشرق الأوسط، ويبقى أمر أريد توضيحه فى هذا المجال مؤداه أننى لم أستطرد كثيرا فى حديث الأبواب المغلقة لأنى لا أريد تسييس عملنا، مع تسليمى بالطبع بأن السياسة مثل الهواء لا يمكن عزلها عن طبائع الحياة العامة، وأولها الأفكار والمواقف، لكننا مطالبون ـ أحيانا ـ بأن نراعى اعتبارات متناقضة، وعلى أى حال فتلك هى المأساة الإنسانية المشهورة: البشر والقدر ـ والمأمول والواقع ـ والممكن والمستحيل».

لم يشر «هيكل» إلى القصة كلها، التى تابعت بعض فصولها، فقد أغلقت الأبواب أمام تلك المحاضرة، وتراجع مسئولون كبار عن تعهدات قطعوها تحت ضغط الأمن، والأمن تحت ضغط الرئاسة.

كان ذلك تعبيرا موجعا عن فجوات وتناقضات ومآسٍ فى النظر إلى القضايا العربية، وفى الصمت على رموز التعصب الإسرائيلى بينما الهجمات تنصب بلا عدل على من يقفون بجانبنا فى الغرب لمجرد أنهم يهود.

كانت أول جملة أطلقها «هيرش» من فوق منصة الجامعة الأمريكية: «هذه المرة الأولى التى يذكر فيها اسمى مع بيجين وشامير».. فضجت القاعة بخليط من الضحك والتصفيق والأسى.

(٣)

تصادف أن وجدت نفسى طرفا فى واحد من الاتصالات النادرة بين «هيكل» و«مبارك».

بدأ كل شىء وانتهى فى صمت إلى أن اتهمته جريدة «روزاليوسف» بالتنكر لفضل الرئيس فى رعاية حالته الصحية.

بتاريخ (١٥) إبريل (٢٠٠٧) نشرت على الصفحة الأولى من جريدة «العربى» القصة التالية:

[لأول مرة: القصة الحقيقية للاتصالات الهاتفية بين مبارك وهيكل

أشارت إحدى الصحف الرسمية ـ فى معرض هجومها على الأستاذ محمد حسنين هيكل على خلفية حواره مع روبرت فيسك كبير مراسلى الإندبندنت البريطانية ـ إلى اتصال هاتفى أجراه الرئيس مبارك مع الأستاذ هيكل ليطمئن على صحته بعد أزمة صحية خطيرة تعرض لها قبل سنوات.

جاءت المعلومات، التى أوردتها الصحيفة تسريبا من جهة ما، غير دقيقة فى وقائعها ومسيئة للرئيس والكاتب الكبير معا، والقصة الحقيقية أن السيدة قرينة الرئيس اقترحت عليه الاتصال بالأستاذ هيكل ليطمئن على صحته، وطلب الرئيس رقم هاتف الأستاذ فى مزرعة برقاش من وزير الثقافة فاروق حسنى دون لجوء للأجهزة الأمنية أو رئاسة الجمهورية، مفضلا الطابع الشخصى فى هذا الاتصال وبدوره اتصل وزير الثقافة بالناشر المعروف الأستاذ إبراهيم المعلم، الذى كان موجودا وقتها فى ألمانيا استعدادا لمعرض فرانكفورت للحصول على رقم الهاتف، وبدا للوزير أن يتأكد من دقة الرقم، فاتصل بعبدالله السناوى رئيس تحرير «العربى» وبعد نحو (١٠) دقائق اتصل الأخير بالأستاذ هيكل سائلا: ماذا جرى فى الاتصال الهاتفى الذى انهيته للتو؟.. ورد الأستاذ هيكل مستغربا: أى اتصال؟.. ثم فوجئ مرة أخرى بالإجابة: الرئيس.

فى وقت لاحق روى الأستاذ هيكل للسناوى، الذى كان طرفا فى جانب من الواقعة، أن مبارك قال له: لك دور فى البلد ولك قيمة فيه، وأية تكاليف علاج فى أى مكان فى العالم تختاره سوف تسدده الدولة فورا.

اعتذر هيكل ـ شاكرا ـ مبادرة الرئيس: ظروفى المالية تكفى وتزيد للتكفل بمصاريف العلاج، والعملية أجريت بالفعل قبل سنتين. وأنا يا فندم مقدر جميل اهتمامك وممتن، وهناك من هو أولى منى بالعلاج على نفقة الدولة، ثم أردف: ومع ذلك فإنى اعتبر عرضك «احتياطى استراتيجى» حين الضرورة.

ضحك الرئيس ومازحه: يا أستاذ «هيكل» احتياطى استراتيجى إيه هو أنت لازم تفلسف كل حاجة فى الدنيا.

بدت هذه المهاتفة ـ فى جانبها الإنسانى ـ مقدرة من الأستاذ «هيكل«، وقد تكون هناك اتصالات أخرى جرت بينهما فى ظروف مختلفة.

طلب الأستاذ «هيكل« من «السناوى» عدم نشر أية أخبار عن هذه الاتصالات، مفضلا أن يترك للرئيس وحده تقدير النشر من عدمه، وقد التزمت «العربى» برغبة «الأستاذ» فى عدم النشر إلى أن اقتحمت صحيفة رسمية القصة بصورة مشوهة خلطت ما لا يختلط بين تقديرات سياسية من حق «هيكل» أن يعرب عنها وأن ينتقد أوضاعا سياسية حالية وفق اعتقاداته وبين اعتبارات إنسانية ملك أصحابها].

قبل أن تذهب الجريدة إلى المطبعة صباح السبت (١٤) إبريل اتصل فى الساعة السادسة صباحا ليراجع الصياغة بنفسه ويتأكد من دقة كل حرف فى كلام حساس.

كان يراجع ما رويته على نص أصلى أمامه، فقد سجل الواقعة «فى خطاب شكر مكتوب بعثت به إليه من باب الوفاء وفى الوقت نفسه لكى يكون هناك مرجع لا يترك مجالا لسوء فهم» ـ كما كتب بقلمه فى كتابه الأخير «مبارك وزمانه»، وقد كان «مبارك» فى السجن وزمانه انقضى.

يستوقف الانتباه ـ أولا ـ تعبير الوفاء للسؤال عنه فى لحظة مرض.

ويستوقف الانتباه ـ ثانيا ـ أنه نشر الرسالة بكامل ألفاظها وحروفها كما كتبت فى وقتها وظروفها دون تعديل حرف واحد.

كان مقال «فيسك» عن «رجل الشرق الأوسط الحكيم»، الذى استدعى هجوم «روزاليوسف» عليه خطيرا إلى حد أن «فيسك» نفسه قال فى مقدمته: «أستطيع أن أرى الرئيس المصرى حسنى مبارك ـ الذى يقرأ الإندبندنت ـ مندهشا وهو يقرأ الفقرة التالية.. يقول هيكل إن الرئيس مبارك يعيش بعالم خيالى فى شرم الشيخ، دعونا نواجه الأمر، هذا الرجل لم يعتدِ أبدا على السياسة، لقد أصبح سياسيا فى الخامسة والخمسين من عمره.. ولم تعلمه حادثة المنصة التى اغتيل فيها الرئيس السادات وقد كان إلى جواره سوى أن يحافظ على الأمن».

انتقادات «هيكل» رآها «فيسك» مدمرة لنظام «مبارك»، غير أنه أورد على لسانه وصفا يشبهه بـ«بقرة ضاحكة».

سألته: «هل ورد مثل هذا الوصف فى كلامك؟».

قال: «كل ما هو منسوب لى صحيح وأتحمل مسئوليته، لكن مثل هذه الأوصاف لا ترد على قاموسى السياسى ولا الشخصى وأنت تعرف ذلك».

فى أول تصريح صحفى نفى ما هو منسوب إليه من تعريض شخصى لا يليق به.

كان يعرف بالاسم من أطلق ذلك التعبير سخرية من النائب واستخفافا به من داخل الدائرة الضيقة للرئيس «السادات».

لكنه لم يكن يقحم نفسه فى صغائر الأمور، ولا كانت له قضية شخصية مع «مبارك» بقدر ما كانت قضيته من أولها إلى آخرها مع سياساته وما ترتبت عليها من آثار ونتائج على مجمل الحياة العامة.

(٤)

«يشرب» ـ هكذا بكلمة واحدة لخص الرئيس «حسنى مبارك» ما جرى لسكرتيره السابق للمعلومات الدكتور «مصطفى الفقى» من مضايقات فادحة إثر ما قاله فى حوار مع صحيفة «المصرى اليوم» من «إن الرئيس القادم لمصر يحتاج إلى موافقة أمريكا وعدم اعتراض إسرائيل»، وعلق عليه «هيكل» بكلمة مقتضبة عنوانها دال على معانيها: «وشهد شاهد من أهلها».

كان التعليق بـ«يشرب» تعبيرا عن شماتة فى «الفقى»، الذى لم يكن يكف تحت كل الظروف عن إبداء إعجابه البالغ بـ«هيكل» بصورة ضايقت أهل الحكم.

لم يكن تصريح «الفقى» فى يناير (٢٠١٠) كشفا جديدا فى حسابات القوى والنفوذ الفاعلة فى النظام السياسى المصرى بعد توقيع معاهدة السلام المصرية ــ الإسرائيلية، أو قبلها بسنوات عندما ارتبطت السياسات المصرية بنوع من التحالف مع الاستراتيجيات الأمريكية فى المنطقة، وكان أخطرها إعادة هيكلة الاقتصاد المصرى بصورة أدت إلى ارتفاع منسوب الدور الخارجى فى تقرير الشأن الداخلى.

الجديد أن هذا الكلام المتواتر عن دور أمريكى، وراءه حسابات إسرائيلية، فى الخيار الرئاسى صدر عن رجل اقترب من السلطة وكواليسها، الأمر الذى دعاه إلى وصف هذا التصريح المثير بأنه يصدر عن «شاهد ملك» عاين بنفسه.

«إننى توقفت أمام هذه العبارة… لأنها جملة كاملة، وجملة معبرة، وجملة مسئولة بلا سهو أو خطأ ـ باعتبار أن صاحبها يعلم ما يقول، ويقول ما يعلم، فقد تولى منصبا رفيعا فى الرئاسة لسنوات طويلة ـ وهو منصب سكرتير الرئيس للمعلومات ـ ثم إنه تصدر لمهمة كبيرة لا يزال عليها، وهى رئاسة لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشعب».

«وإذا ما كان ما ذكره الدكتور الفقى خبرا، وهو خبر بالتأكيد، فإن هناك أسئلة وإجابات لازمة لاستكماله، وكلها ليست من عندى، وإنما هى مجمل أول درس عن قواعد المهنة وأصولها سمعناه جميعا».

«والحاصل أن الدكتور الفقى أجاب عن سؤال واحد من أسئلة الخبر، وهو السؤال بماذا، أى ماذا حدث…. لكن حق المهنة ـ وواجبها ـ يستدعى بقية من أسئلة لا بد لها من إجابة حتى يستوفى الخبر أركانه».

«هناك السؤال عن متى؟ أى متى وقع الخبر؟ ومتى أصبح اختيار الرئيس فى مصر بموافقة أمريكية، وعدم اعتراض إسرائيل؟!.. وهناك السؤال عن: كيف؟ ـ وهناك السؤال عن: أين؟ وهناك السؤال عن: من؟ ـ وهناك السؤال عن لماذا؟ وأخيرا هناك السؤال عن: ثم ماذا؟!».

اتصل ما كتبه بالظلال الكثيفة على صورة «مبارك»، من هو؟ وكيف صعد وبقى فى الرئاسة لثلاثين سنة؟.. ومن بعده فى الاختيار الأمريكى برضا إسرائيلى؟

كان يمكن أن يمضى ما قاله «الفقى» إلى حاله دون ضجة كبيرة لو لم يعلق «هيكل» عليه فى الصفحة الأولى من الجريدة نفسها «المصرى اليوم».

بدا «الفقى» فى وضع حرج للغاية، فأقلام الحكومة تهاجمه بضراوة، وأقلام المعارضة تستشهد بما قال لتأكيد ما هو ثابت من توغل الدور الأمريكى فى الداخل المصرى.

فى تعليق «مبارك» بـ«يشرب» تبدت مرة أخرى «عقدة هيكل» مستعصية ومقيمة.

بذات التوقيت (يناير ٢٠١٠) قال «هيكل» أمام شاشات الفضائيات: «نحن أمام أوضاع قرب النهاية».

..ولم تتأخر الأحداث بعد عام واحد بالضبط عن تصديق رؤيته.

عن admin

شاهد أيضاً

كامب ديفيد دمرت مصر واضاعة العرب

لقد كتبت هذا المقال منذ عدة سنوات بعنوان كامب ديفيد بعد 30 عام ولكني أري …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *