الرئيسية / كتاب الوعي العربي / عملية إفناء العراق – بقلم : عبد الحليم قنديل

عملية إفناء العراق – بقلم : عبد الحليم قنديل

Sep 04, 2017

لا يليق بأحد أن يقلل من قيمة انتصارات العراقيين الأخيرة، وهزيمتهم لتنظيم «داعش» المتوحش، واستعادة الموصل وتلعفر وكامل محافظة نينوى، والاستعدادات المتصلة لاستعادة مناطق متفرقة في غرب الأنبار ومحافظة صلاح الدين.
وبقدر ما يبدو جانب النصر مضيئا، تبدو الجوانب الأخرى معتمة، وباعثة على تشاؤم عظيم، فالمدن والقرى المستعادة، تبدو مهجورة تماما، وأغلبها تحول إلى أطلال، والدمار الشامل سيد الحال، والنازحون بالملايين في مخيمات بؤس، وقليل منهم يعود إلى بيته، والنواحى التي جلا عنها تطرف «داعش» وهمجيته، تبدو مسكونة بتطرف وهمجية أخرى، يمثلها الحشد الشيعي، وراياته المنسوبة زورا للإمام الحسين، وسلوكه الانتقامي الطائفي، واستهداف القضاء على آخر سنى وسنية، ونشر الإذلال الذي يهيئ دائما لظهور «دواعش» أعنف من «داعش» المهزومة توا.
وهذه بعض مأساة العراق المجددة لحروب داخلية لا تنتهي، وتجزئة المجزأ، والذهاب بجغرافيا العراق إلى محلات الجزارة، وجعل عودة العراق الموحد مستحيلة أكثر فأكثر، فقد ضاع العراق يوم فقد عروبته الجامعة، ويوم حلت محل قوميته العربية الغالبة، قوميات أخرى هجينة، في صورة طوائف وأعراق، ذابت معها العروبة بحمض كبريتيك الطائفية، وصارت القوميات شيعية وكردية وتركمانية وأيزيدية وصابئة وعبدة نار وعبدة دولار، وهو ما دفع بالعرب من السنة للتحول قسريا إلى قومية طائفية مضافة، كان «داعش» أعنف صورها، وربما تدفع الظروف إلى «قومية سنية» أعنف في القابل القريب والبعيد.
نعم، يبدو العراق الآن في صورة فسيفساء دموية، وقد كان العراق في التاريخ القديم تعبيرا جغرافيا، وتحول قبل مئة سنة إلى تعبير سياسي، وإلى دولة خرجت من رحم مضاعفات الحرب العالمية الأولى، وانضمام ثورة الشريف حسين إلى الحلفاء والبريطانيين ضد الدولة العثمانية، التي كانت تلفظ آخر أنفاسها، ثم خيانة البريطانيين، ونقض وعدهم للشريف حسين بإقامة دولة عربية موحدة يقودها، تضم العراق والجزيرة العربية وسوريا الكبرى وقتها، ثم كان سقوط الأقنعة، وعقد اتفاق «سايكس ـ بيكو»، وتقسيم الخرائط بحد سكين، وتقسيم سوريا الكبرى إلى سوريا ولبنان وإمارة الأردن وفلسطين، ووضع سوريا ولبنان تحت انتداب الحليف الفرنسي، ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطانى الممهد والضامن لإنشاء إسرائيل، ووضع العراق بحدوده الحالية تحت الانتداب البريطاني، وانتداب أحد أبناء الشريف حسين إلى عرش العراق، ولعبت العشائر العربية في جنوب العراق دورا حاسما في التأسيس، فقد أعلنت الولاء للملك العربي الصوري، ورفضت البقاء كهامش احتياطي لإيران، وغلبت الهوية القومية على الانتساب الطائفي، ومع تحولات السياسة الدموية في الداخل العراقي، وقيام ثورات أنهت الحكم الملكي، ثم تصاعد أدوار الأحزاب والجماعات القومية الناصرية والبعثية، كان لشيعة العراق دورهم البارز مجددا، ويكفي أن فؤاد الركابي مؤسس حزب البعث في العراق، كان من العرب الشيعة، ولم يكن أحد وقتها يلتفت إلى أي انتساب طائفي، بل كانت الغلبة لأولوية العروبة ومعاركها، فقد تحول فؤاد الركابي نفسه من البعثية إلى الناصرية، وإلى أن قتل غيلة في سجون صدام حسين، الذي كان بدوره آخر رئيس فعلي لدولة كان اسمها العراق، وكان صدام سنيا من تكريت عاصمة صلاح الدين، لكن أحدا لم يكن يلتفت إلى طائفته، فقد كان الرجل بعثيا وديكتاتورا وطنيا، وكان آخر هتافه على حبل المشنقة عروبيا وعراقيا بامتياز، وكان يقود جيشا عراقيا غالبيته من الشيعة بحكم التجنيد الوطني الإلزامي، خاض به حربا متصلة لقرابة العشر سنوات، واجه فيها حكم الإمام الخميني شخصيا، ولم يهرب جندى شيعي عراقي من الميدان، ولا تردد في مواجهة إيران الشيعية، فقد كان المبدأ العروبي والعراقى له الأولوية المطلقة، وهو الموقف الذي انقلب على عقبيه بعد الاحتلال الأمريكي، وإعدام صدام حسين، فلم يعد يقال للشيعي العراقي إنك عربي، بل جرى اقتياد غالب الشيعة العراقيين إلى الحوزة الإيرانية.
كان انحسار مبدأ العروبة هو الذي أضاع العراق، وحلت «القوميات الطائفية» محل القومية العربية الجامعة، وفيما جرى إقصاء حزب البعث والبعثيين، واجتثاث مئات الآلاف منهم بسيف القتل المباشر، وفتح المجال للأحزاب الطائفية وحدها، التي تصف نفسها بالإسلامية، سواء كانت شيعية أم سنية، وعلى طريقة أحزاب الدعوة والمجلس الأعلى والإخوان المسلمين، وكلها تشاركت في حكم الدمى تحت الاحتلال الأمريكي، وبعد زواله الصوري، وحلول زمن التغول الإيراني، وكانت تلك الأحزاب «الإسلامية» امتدادا لبلوى عربية عامة، تضخم فيها دور اليمين الديني، أو ما يسمى بالإسلام السياسي، وهو عاجز بالخلقة عن تقديم أي بديل سياسي واقتصادي واجتماعي، تعد نظريا بخلافة إسلامية جامعة، لكنها في التطبيق، تتحول إلى جماعات طائفية، تفتت المجتمعات، وتمزق روابطها القومية الأصلية، وهذا ما جرى في العراق بصورة أفدح، فقد كان هؤلاء مجرد دمى، ربطت نفسها بإيران على طريقة الأحزاب الشيعية، أو ربطت نفسها بالأمريكيين على طريقة «الحزب الإسلامي» الممثل للإخوان، واندمجوا جميعا في الحكم بالمحاصصة، مع الأحزاب الكردية، وتبارى الكل في فساد عظيم، ونهبوا مئات مليارات الدولارات من عوائد ثروة العراق، وحولوا البلد الغني إلى ساحة مفتوحة للقتل والبؤس، ثم خرجت من أرحامهم تنظيمات قتل همجي، كتنظيمات الحشد الشعبي على الجهة الشيعية، وتنظيمات «القاعدة» و»داعش» على الجهة السنية.
وكانت عروبة العراق ووحدته هما الضحية، فالعرب ـ شيعة وسنة ـ هم غالبية التكوين السكاني العراقي، وعرب العراق هم عاموده الفقري وضمان وحدته، والجراثيم الطائفية أنهكت عروبة العراق، وسهلت عملية إفناء العراق الجارية، فعروبة العراق هي عنصر التوحيد الرئيسي، ونخب العراق «الإسلامية» ـ الفاسدة ـ معادية للعروبة بالخلقة، وبدعوى انها كانت معادية لديكتاتورية صدام، مع أن «العروبة» كانت حجر الزاوية في التأسيس العراقي الأول، وليست صنوا لديكتاتورية، ولا هي عدو للديمقراطية، والدليل ما آل إليه حال العراق بدعوى الديمقراطية المعادية للعروبة، فالديمقراطية لا تمارس في فراغ، ووحدة الوطن وقوة الدولة ضمان جوهري لسلامة أي عملية ديمقراطية، وجيوش التجنيد الوطني العام هي قلب عملية إعادة بناء الدولة، وليس من مجال في العراق اليوم لعملية بناء دولة، ولا لسلامة وطن، بل محاولات جديدة للاحتيال بعد معارك القضاء على «داعش»، والإيهام بترك الدعاوى الإسلامية والطائفية، وإلصاق لافتة المدنية على تكوينات دينية وطائفية، وعلى طريقة ترك عمار الحكيم للمجلس الإسلامي، وإعلانه لما سماه «تيار الحكمة»، أو ترك سليم الجبوري ـ رئيس البرلمان ـ لحزب الإخوان، وإعلانه تأسيس « التجمع المدني»، أو ما يقال عن عزم حيدر العبادي ـ رئيس الوزراء ـ ترك حزب الدعوة الإسلامية، فكلها تحايلات تكشف عن إفلاس الأحزاب الإسلامية، وانكشاف عوراتها، وتحطيمها للعراق، وترك مصائره نهبا لتقسيم وعنف لا نهائي.
لقد سقط العراق في مستنقع التقسيم، يوم جرى إهلاك عروبته بدستور «بول برايمر» الذي وضعه الاحتلال الأمريكي، ثم بعداء الأحزاب الإسلامية الفاسدة لمبدأ العروبة، بما خلق أجواء مثالية لانتعاش طموحات الأقلية القومية الكردية، التي استخدمت الفيدرالية الموهومة كقنطرة عبور إلى الانفصال النهائي، وتكوين دولة قومية كردية منفصلة في شمال العراق، واقتطاع كركوك وسهل نينوى من جسد ما تبقى من العراق، فقد كانت الأحزاب الكردية هي الوحيدة التي غلبت الحس القومي والقضية القومية، وتستعد الآن لإجراء استفتاء الانفصال بعد أسابيع، بينما فقد أغلب العراق حسه القومي العربي الجامع، ولا يبدو مستعدا ولا قادرا على ردع الانفصال الكردي، الذي تركت قضيته لقوميات أخرى من خارج العراق، تتخوف من انفصال أكرادها عن دولها، وعلى طريقة مخاوف تركيا وإيران، بينما يجري «استكراد» العرب وحدهم، والعراق المغيب عن عروبته بالذات.

عن admin

شاهد أيضاً

بريطانيا والاستحقاقات المتوجبة للشعب العربي الفلسطيني بقلم : عوني فرسخ

    في الذكرى المئوية لوعد بلفور ، وفي وقفة استعراضية مع نتنياهو ، أعلنت …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *