الرئيسية / حوارات ناصرية / هل كانت التجربة الناصرية..تجربة منغلقة اقتصاديا؟

هل كانت التجربة الناصرية..تجربة منغلقة اقتصاديا؟

 

محمد فؤاد المغازي

تاريخ الماده:- 2005-09-24

بعد أيام تطل الذكري 35 على رحيل قائد ثورة يوليو جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر عام 1970، ورغم تواتر السنوات مازال مشروعه الحضاري في جوانبه الأساسية قائما.

ووفاء لذكري بطل الأمة وملهمها، يتقدم واحد من ملايين الفقراء التي أفسحت لهم ثورة يوليو وجمال عبد الناصر الطريق لفرصة متكافئة تمنحهم الحق في مكان لهم تحت الشمس، أقدم هذه الدراسة حول: هل كانت ثورة يوليو الناصرية تجربة منغلقة؟

مدخل تمهيدي: الواقع الاقتصادي والاجتماعي في مصر قبل قيام ثورة يوليو 1952:

يتفق غالبية المؤرخون الاقتصاديون على أن أبواب مصر الاقتصادية ظلت مفتوحة أمام أوروبا الاستعمارية منذ تجربة محمد علي.. وعلى أمل أن يساهم الرأسمال الأجنبي في تنمية موارد مصر الاقتصادية. وكانت النتيجة مخيبة للآمال التي توقعها المصريون في تطوير الاقتصاد المصري، وأن ما قام به الرأسمال الأجنبي كان استغلالا شاملا لثروات وجهد الشعب المصري.

الأستاذ صبحي وحيدة كان من أوائل الباحثين وأشهرهم، في تناول الدور التخريبي للاحتلال البريطاني في مؤلفه الشهير (المسألة المصرية)..فكتب:”…اتسع النشاط بعد الاحتلال الإنجليزي فشمل أدوار الإنتاج والتوزيع جميعا. وكثر المشتركون (الأجانب) فيه وأصبحوا يعدون بمئات الآلاف بعد أن كان عددهم لا يزيد على بضع مئات في أول حكم محمد علي.

وارتفعت رؤوس الأموال الأجنبية الموظفة في مصر فبلغت7.326000 جنيه في سنة 1892 و6,280,000 جنيه في سنة 1902 و 87,176,000 جنيه في سنة1907 و 100,152,000 جنيه في سنة 1912، فيما عدا الدين العام ورأسمال شركة قناة السويس.

وكانت ثلاثة أرباع هذه الأموال تشتغل بالاستغلال الزراعي والعمليات المتصلة به…وتوجه بذلك اقتصاد البلاد نحو التوسع في الاستثمار الزراعي والاعتماد علي الاستيراد فيما يتعلق بالمنتجات المصنوعة. هذا النشاط الاقتصادي يتركز في يد العناصر الأجنبية التي تموله وتشرف عليه…وظل المجتمع المصري مجتمعا زراعيا محدود الربح بطيء الحركة.” (1)

شكل الأجانب نموذج مجتمعي داخل المجتمع المصري منفصلا عنه في كل شئ.. بدءا من التعليم في مدارسهم الخاصة، مرورا بالموضة في الملبس، وصولا إلي ترسيخ شبكة من الإمتيازات شملت الجوانب المالية والاقتصادية والقانونية تميزهم وتمنح هؤلاء الأجانب حقوقا لا يحصل عليها المصريون .. وبالتالي لم يعد المصريون والأجانب أمام القانون متساويين، أصبح الواقع المجتمعي يطرح شعارا مغايرا ” لو لم أكن أجنبيا .. لوددت أن أكون أجنبيا ” وهو شعار مغاير لشعار الزعيم الوطني مصطفي كامل: لو لم أكن مصريا .. لوددت أن أكون مصريا الشعار الأول يقف وراءه الامتيازات الممنوحة للأجانب، والشعار الثاني يقف وراءه محبة الوطن!!.

يأتي مطلع القرن العشرين ليجد الأجانب وقد هيمنوا على مفاتيح الحياة الاقتصادية في مصر…والمفاتيح الأساسية في الجهاز الحكومي، وقد سجلت ( لجنة ملنر) في تقريرها الشهير أن المصريين (في عام 1920) يشغلون أقل من ربع الوظائف الكبيرة(2).

يستكمل د. محمود متولي صورة المجتمع في تلك المرحلة التاريخية..حيث تطرق إلي شرائح اجتماعية تأثرت بوجود المحتل البريطاني، وهي..قوى الحرفيين وقوى التصنيع البدائية باعتبارها النواة التي يمكن أن تكون قاعدة يبني عليها لكنها فوجئت بقوى أكبر منها _تتمثل في رأس المال الأجنبي الذي يملك الخبرة والحماية_ تقف مضادة لها وتحرمها من السوق الداخلي وتدخل معها في منافسة غير متكافئة مما أدى إلى ضياع أي أمل وأي محاولة من جانب المصريين للقيام بحركة فعلية أو حركة تجارية واسعة النطاق(3).

ونتيجة لعدم التكافؤ الذي الغي بدوره القدرة على التنافس فكانت النتيجة الحتمية هي القضاء على الصناعات الصغيرة وبالتالي حل الكساد .. كما أثر عامل التمويل وما لحقه من صعوبات إلي تجميد فرص نمو صناعات جديدة، كل هذا أوصل في النهاية إلي انخفاض في مستوى المعيشة المتدني أصلا مما حجب أي فرصة لإمكانية أن يكون هناك ادخار محلي يكون بديلا عن التمويل الخارجي، هذا المناخ العام من الإحباط كان يغذيه حالة الخوف والتردد للقادرين من المصريين على الدخول في مجال الاستثمار الصناعي لأنه قطاع غير مضمون النتائج للأسباب المذكورة، يضاف إلي ذلك عجز الدولة ذاتها في أن تتولي الدولة المصرية الهشة القيام بأي دور في مجال بناء قطاع صناعي أو أن تقدم ضمانات لحماية إي صناعة مصرية قد تنشأ، هذا المناخ المحبط ساعد في ترويج أكذوبة شاذة تقول أن مصر بلدا لا يصلح لغير الزراعة.

وتقرير كرومر، يكشف عن حرص بريطانيا ومنذ البداية بعدم السماح بقيام صناعة قطنية في مصر في ظل حماية جمركية، لأن من شأن ذلك الإضرار بمصالح بريطانيا. كذلك حرص المستعمر البريطاني فور احتلاله لمصر، على إغلاق أبواب المصانع الحكومية التي كانت باقية منذ عصر محمد علي، وبذلك حرمت مصر من نواة تكوين صناعات هي أساس التطور الرأسمالي الحقيقي.

وأكمل المستعمر البريطاني بضرب اقتصاد الريف القائم على الاكتفاء الذاتي، حتى يفسح المجال لزراعة القطن وسائر المحاصيل التي تعتمد عليها الصناعة، فالرأسمالية المصرية الصناعية لم تجد أي نوع من التشجيع في ظل الاحتلال والموقف المبدئي المعادى لفكرة أي نمو اقتصادي في مصر. فبانتهاء نظام محمد علي الاحتكاري قضى على أشياء كثيرة وبدأت مصر تتعرض للارتباط بالاقتصاد العالمي نتيجة لزراعة القطن بالذات، وأجبرت مصر على أن تسير في فلك الاقتصاد الرأسمالي الحر والذي جر عليها الويلات وأفقدها فيما بعد شخصيتها وكيانها السياسي والاقتصادي(4).

ورغم هذا كله، ظلت قاعدة “حسن النية” والأمل في أن يقوم تعاون وشراكة بين الدول المتقدمة ومصر قائما. وكانت الطبقات الاجتماعية المشاركة للمستعمر البريطاني شكلا في إدارة الدولة المصرية علي استعداد أن تمنح لرأس المال الأجنبي أي كانت جنسيته، جميع الإمتيازات والتسهيلات، وتفتح أمامه أبواب الأسواق المصرية وكافة مجالات الاستثمار باسم المصريين.. ونيابة عنهم.

فمثلا “كان من أهداف النقراشي (باشا) أن يبحث مع الأمريكيين إمكانيات إقراض مصر، فنشط وزير الأشغال المصري في مقابلة أقطاب الصناعة والمال الأمريكيين في محاولة إغرائهم بطرق ساذجة كقوله :” إن المصريين يعتزمون أن يحيلوا مصر إلي أمريكا صغيرة في الشرق الأوسط…على أن كل هذا المسعى لم يؤد إلي النتيجة المرجوة…وخاب رجاء الرأسمالية المصرية في أمريكا”(5)

الخلاصة..لم تكن السيطرة الاستعمارية احتلالا عسكريا فحسب، بل إن 80 ألف جندي بريطاني كانوا في الواقع يحرسون عملية استغلال اقتصادي بشع يتولاها الاستعمار العالمي. فقد خضع النظام المصرفي بأكمله ابتداء من البنك المركزي المصري (البنك الأهلي) حتى أصغر بنوك الرهن لسيطرة رأس المال الأجنبي…أما التجارة الخارجية فكانت حكرا على الأجانب وقلة من المصريين تدور في فلكهم. وكانت أهم صادرات مصر هو القطن ويمثل حوالي 85% من إجمالي صادراتها، بيد بيوت التصدير الأجنبية…حتى التجارة الداخلية لتجارة القطن كان يشارك فيها الأجانب، وخاضعة لتوجيهات بيوت التصدير والبنوك الأجنبية التي تمولها.

كم ارتبطت الواردات المصرية بالتوكيلات المحلية للشركات الأجنبية… كذلك كانت تجارة الجملة يسيطر عليها أجانب متمصرون…مصادر الطاقة بيد الأجانب. استخراج البترول احتكار لشركة شل…محطات الكهرباء الهامة بيد شركات فرنسية أو بلجيكية. قطاع النقل..قناة السويس، شركات النقل البحري والنهري يسيطر عليها الأجانب. النقل العام بالقاهرة تحكمه شركة بلجيكية. النقل الجوى يساهم فيه البريطانيون…حتى صناعة النسيج المصرية التي أقامها بنك مصر، دخلت مرحلة التعاون مع رأس المال الأجنبي.

وفي سنة 1950 كان هناك ستون شخصا أجنبيا يملكون أكثر من ألفى فدان ويسيطرون على 5% من أجمالي المساحة الزراعية، فإذا أضفنا إلي هذا العدد المتمصرين والشركات الزراعية التي يسيطر عليها الأجانب، أتضح أن ملكية الأرض الزراعية لم تنجوا من جشع الاستعمار. وعلى مدي قرن من الزمان منذ صعود محمد علي إلي ظهور جمال عبد الناصر، انفتحت فيها أبواب مصر أمام أوروبا قسرا، وان حصاد ما جرى هو ربط مصر بحالة من التبعية الاقتصادية والسياسية القدرية للغرب.

حتى أن كاتبا مثل جان لاكوتير يصف نتاج هذه المرحلة الاستغلالية الممتدة بقوله أن:” مصر قد بدت عندما شارفت الحرب العالمية الأولى على نهايتها منهوكة القوى…تضعضعها دسائس الدول ومطامعها، ويخدرها شعور بالعزلة وبكونها مرشحة لنوع من أنواع التصفية التاريخية…فمصر كانت فعلا تعيش في عزلة تاريخية بفعل ثلاث عوامل:

1/ النظام السياسي والدبلوماسي الذي فرض عليها.

2/ نظام الإنتاج والتبادل الذي أجبرت علي الانضمام إليه.

3/ الطبقة الحاكمة الأجنبية المسيطرة على اقتصادها وحياتها العامة.” (6)

بعد أكثر من سبعين سنة كتب د. سعد الدين إبراهيم حول استحالة التنمية في ظل الاعتماد على الحلم القديم في أن يقوم رأس المال المحلي أو الأجنبي بدور حقيقي في إنجاز تنمية جادة..فكتب”…أن رأسمالية العالم الأول قد أنجزت الكثير تكنولوجيا واقتصاديا وأصبحت في موقع متقدم، يصعب اللحاق به أو منافسته بواسطة مجتمعات العالم الثالث التي قد ترغب في “التنمية” بالطريق الرأسمالي، فامتصاص مواردهم خلال التوسع الرأسمالي قد تركهم بمعدلات دخول منخفضة لا تسمح بادخار يذكر، وحتى بفرض وجود بعض المدخرات فان استثمارها في التصنيع لا يمكن أن يجلب عائدا مشجعا، لضآلة فرصهم في منافسة منتجات الرأسمالية المتقدمة، لذلك لا يبقي أمام هذه المجتمعات الراغبة في هذا الطريق إلا الاستعانة برأس المال الأجنبي. ولكن الأخير- كما نعلم_ لن يأتي إلا إذا كان يضمن عائدا أعلى من ذلك الذي يحصل عليه في بلاده، وهو شرط لا يمكن توفيره إلا بمزيد من تقليص الأجور وأسعار المواد الخام المحلية، حتى يتحقق الفائض المناسب الذي يغري رأس المال الأجنبي.

وهنا قد لا تمانع الطبقة المحلية الحاكمة في توفير هذا الشرط في مقابل أن تكون شريكة صغري في الحصول علي بعض هذا الفائض، أي أننا ننتهي من حيث ابتدأنا، وهو استمرار نمط السيطرة والاستغلال بواسطة مجتمع رأسمالي متقدم لمجتمع متخلف…والفرق الوحيد بين هذه الحالة وما كان سائدا قبلها هو دخول النخبة المحلية الحاكمة والطبقة التي تسندها كشركاء ثانويين في استغلال شعبهم.” (7)

علاقات مصر الاقتصادية..مع العالم:

كان من بين الاتهامات الموجهة من قبل أجهزة الدعاية لنظام السادات، والشرائح الاجتماعية الجديدة، هي وصف التجربة الناصرية بالانغلاق على ذاتها، وذلك بفعل العداوة التي خلقتها مع الغرب الرأسمالي على وجه الخصوص، وكان هذا خروجا على السياسات الاقتصادية السابقة عليها، الأمر الذي انعكس بدوره على الواقع الاجتماعي والسياسي لمصر سلبا.

فيذكر د. محمود حسين في نقده للسياسة التنموية للتجربة الناصرية، كيف أصبح الاقتصاد المصري في حالة تبعية للمعسكر الشرقي، الذي كان تابعا بدوره إلي السوق الرأسمالية العالمية “…فالمساعدات والقروض التي قدمها الاتحاد السوفيتي لمصر قد أبقت على هيكل التبعية الاقتصادية، وعلى تكامل الاقتصاد المصري مع السوق الرأسمالية التي أخذ الاتحاد السوفيتي يندمج فيها تدريجيا…وهكذا أخذ الاقتصاد المصري يتكامل تدريجيا مع الاقتصاد السوفيتي ويتزايد اعتماده عليه ليصبح في النهاية اقتصادا تابع. وبهذا أنتقل مركز الثقل في تبعية مصر الخارجية من الغرب الرأسمالي إلى الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، وتحولت علاقات مصر التجارية والمالية والصناعية إلى تبعية مالية وتجارية وتكنولوجية.” (8)

هذه التوليفة الملفقة والتي لا تستند إلي حقائق اقتصادية بحته تدعمها، هذه المقولات وجدت الكثيرين من بين الاقتصاديين الوطنيين من يرد عليها فكتب الاقتصادي المصري د. رمزي زكي..” كانت هناك حملة شعواء بدأت بالذات تظهر قبل حرب أكتوبر 1973، وظلت تقوي على مر الأيام ضد تجربة السياسية الاقتصادية لمصر خلال عقد الستينات مستغلة في ذلك سلبيات هذه السياسة من ناحية، ومرتكزة على محنة الاقتصاد المصري في تلك الآونة من ناحية أخري..كان لدي قادة هذه الحملة، وهم يمثلون فكر الفئات الاجتماعية التي أضيرت من جراء التحولات الاجتماعية في الستينات، عدة مقولات محددة لم يملوا من تردديها منذ الهزيمة العسكرية يونيو 1967 إلي يومنا هذا، وإن كانوا قد أعادوا صياغتها وتلوينها بأصباغ متنوعة حسب الظروف والأحوال.

ومن هذه المقولات، أن كل مشاكلنا الاقتصادية تعود إلي تزايد التدخل في الحياة الاقتصادية، والتضييق على نشاط القطاع الخاص وإلي الإفراط في إدارة الاقتصاد القومي مركزيا عن طريق التخطيط، والتسعير الجبري ونظم الإعانات والحماية الجمركية وتقييد الاستيراد والرقابة على النقد.

وفي رأيهم، أن تلك المركزية قد أغفلت قوانين السوق قوانين العرض والطلب، ومن ثم أصيب اقتصادنا بسوء تخصيص الموارد وعدم تنميتها. كما يري هؤلاء، أن الاقتصاد المصري، بتنظيماته وتشريعاته وأدوات إدارته خلال فترة الستينات، جعل مصر في حالة انغلاق على العالم الخارجي، وأنه نتيجة لذلك حرمت مصر من فرص الحصول على الاستثمارات الأجنبية الخاصة، ومن التكنولوجيا المتقدمة، ومن فرص التصدير إلي أسواق العالم الرأسمالي. على أن أهم ما قام به قادة هذه الحملة هو هجومهم الضاري على القطاع العام، فهو محور تجربة الستينات وركيزتها الأساسية، والنيل منه ينال بالتالي من صميم التجربة الناصرية.

وتحت دعاوى تقليل الخسائر التي تحققها بعض وحداته، وعلاج مشاكل نقص السيولة، وتلافي الأخطاء في إدارته، لم يتورع قادة هذه الحملة عن طرح فكرة بيع وحدات القطاع العام والسماح لرأس المال الأجنبي والمحلي بالاشتراك في تملك بعض وحداته (الناجحة طبعا) وفصل ملكيته عن إدارته، وإطلاق حريته في العمل لقواعد الربحية التجارية..الخ.” (9)

لم يقتصر الهجوم على التجربة الناصرية والقطاع العام من قبل المصريين من أعداء التجربة الناصرية وخصومها، وإنما أشترك معهم نفر من الكتاب والمعلقين الاقتصاديين الأجانب، كما انضمت المنشورات الصادرة عن المعونة الدولية في الهجوم على الجانب الاقتصادي للناصرية.

لقد حققت ورسخت سياسة الانفتاح الاقتصادي التي بدءت مع قائد الثورة المضادة السادات في عام 1974مستمرة بقيادة خليفته مبارك. فعلى مدي31 سنة تمكنت الثورة المضادة بالعودة بمصر إلي واقع اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي هو أكثر سوءا من المرحلة التاريخية السابقة على 23 يوليو 1952..واقع لخصه د. عزيز صدقي في ذكره لرقم ديون مصر والتي بلغت 640 مليار جنيه!!

وتلخصه مقولة: أن السماسرة لا يقدرون على بناء دولة، ولكنهم قادرون على تأجيرها مقابل عمولة.

 

في البدء قدمت ثورة يوليو تسهيلات وضمانات وإمتيازات لرأس المال الخاص، بما لا يقارن مع التسهيلات والضمانات والإمتيازات التي منحتها حكومات سابقة على الثورة.

في الجزء الأول تعرضنا إلي الاتهامات التي وجهها أعداء التجربة الناصرية لجوانبها الاقتصادية والتنموية نوجزها في النقاط التالية:

– استمرار ناصر في معاداته للغرب وللدول العربية النفطية وعدم تسليمه بشروطهم.

– انخفاض كفاءة القطاع العام، وزيادة حجم الإنفاق العسكري.

– ترتب على ذلك عزلة أوصلتها إلي حالة من الانغلاق الاقتصادي..وهي تجربة متناقضة مع تجربة الانفتاح الاقتصادي السباقة عليها، فربطت علاقات مصر الاقتصادية بالكتلة الشرقية والاتحاد السوفيتي، مما أوصلها إلي حالة من التبعية الاقتصادية والسياسية، وأوصل الاقتصاد المصري يوم رحيل جمال عبد الناصر إلي حالة من الانهيار الكامل، على حد تعبير قائد الثورة المضادة محمد أنور الساداتي نفسه.

رؤية قادة ثورة يوليو لدور رأس المال الخاص المحلي والأجنبي:

عندما وصل الضباط الأحرار إلى السلطة، لم يكن برنامجهم أو تصريحاتهم تتضمن حتى ولو بالإيحاء أي نية في غلق أبواب مصر الاقتصادية في وجه أي شكل من أشكال الاستثمار الخارجي بغض النظر عن جنسيته، أو ما يمكن أن يقوم به رأسماليون مصريون في مصر.

وكانت أحاديث قادة الثورة بمن فيهم جمال عبد الناصر تسير في اتجاه خلق تنمية عمادها الرئيسي الاستثمارات الخاصة. فيعلن ناصر في19 إبريل 1954: “أمامنا الفلاح والعامل وصاحب الأرض وصاحب رأس المال، ونحن نعمل للجميع ولا ننصر فئة على فئة أخرى… سنكون حكما بين الجميع… نعمل لإيجاد تعاون قوى بين الفئات جميعا.” (1(

ومن يراجع تصريحات قادة الثورة سنجد -مثلا- صلاح سالم (عضو مجلس قيادة الثورة) يؤكد بشكل واضح عن رفضه للنهج الاشتراكي طريقا للتنمية الاقتصادية، وينفي عن زملائه أنهم من

الاشتراكيين، وبأنهم مؤمنين بأن الاقتصاد المصري سيزدهر عن طريق المشروعات الحرة.

وهكذا.. كان قادة الثورة مع المشروع الخاص وانحصرت اهتماماتهم وحماسهم حول قانون الإصلاح الزراعي، ولم يكن لديهم فكرة مسبقة أو خطة اقتصادية محددة يستشف منها أن لهم توجهات معادية للمشروع الخاص بكل تفرعاته.

وقد تأكد هذا بشكل مباشر من قادة الثورة ومن المشاركين معهم من خارج مجلس قيادة الثورة .. بدليل أن القائم على تهيئة وتطبيق الجانب الاقتصادي والمالي لبرالي مصري هو د. عبد المنعم القيسوني الذي أكد بدوره على استبعاد أي توجه غير التوجه الذي يتطلبه المشروع الخاص .. “إن الدولة سوف تشجع المشروعات الحرة وتدعمها بكل وسيلة ممكنة.” (2)

وظل نداء رجال الثورة مرتبطا بتقديم الضمانات والتسهيلات في صورة قوانين وقرارات تشجع وتفتح الطريق بغير عوائق أمام المشروع الاقتصادي الحر سواء المحلى أو الأجنبي أو بالمشاركة بينهما في النهوض بالاقتصاد المصري .. وخاصة في قطاع الصناعة.

فبعد أسبوع واحد من قيام الثورة صدر القانون رقم 120 في 30/7/1952 ليكفل للأجانب الذين يرغبون في توظيف أموالهم في مصر بأن يكون لهم إن أرادوا ذلك نسبة 51% من مجموع راس المال المشترك، الأمر الذي يضمن لهم تحديد وتوجيه أعمال الشركات بما يتفق مع مصالحهم.

في نفس العام صدر مرسوم رقم 13/1952، بإنشاء المجلس الدائم لتنمية الاقتصاد القومي من أجل الانتفاع برؤوس الأموال المصرية والأجنبية. وفي 15/1/1953 صدر القانون رقم 31 يؤجل سداد الضرائب المستحقة على الممولين، كما سمح بتحويل أجور الأجانب إلى الخارج. في نفس الوقت تم إنشاء إدارة لخدمة الأجانب الذين يقبلون استثمار أموالهم في مصر، وإسقاط حتى العقوبة الجنائية التي أقترفها المستثمرين في السابق.

ثم جاء صدور قانون 188/1953 ليسمح بأعمال السمسرة حتى في تعاملاتها مع الحكومة أو مع الشركات الخاصة. ثم تبعه قانون رقم 28 /1953 يسمح بتشغيل الأجانب الذين تجاوزوا الستين من العمر. ثم صدر قانون 326/1953، ينظم أعمال بورصة الأوراق المالية.

ولم تكتف الثور بما قدمته من تسهيلات وضمانات، فصدر قانون 843/1953، يقرر عفوا شاملا عن جرائم التهريب التي وقعت قبل قيام الثورة منذ 1947. ثم قانون 251/1953 لتيسير الحرية الاقتصادية وحماية حقوق المدخرين.(3)

كذلك لم يتحرج النظام الناصري في إسناد أجراء مسح شامل لإمكانيات مصر الاقتصادية، وإمكانيات التخطيط لاستغلالها إلى بيت الخبرة العالمي الأمريكي آرثر دوليتيل الشهير.(4)

غير أن الاستجابة لنداء الثورة رغم كل الضمانات والتسهيلات كانت ردود نمطية تقليدية وصلت في نتائجها إلي نفس النتائج التي وصل إليها المشروع الخاص قبل قيام الثورة. وأصبح الاختيار الوحيد المتبقي أمام الثورة هو أن تتبني الرأي القائل بضرورة قيام الحكومة بالاستثمار المباشر.

وهذه شهادة أستاذ اقتصاد ليبرالي مصري هو الدكتور علي الجريتلى يشرح ويحدد موقف رأس المال الخاص من التنمية وهو موقف سلبي (جبان بالمفهوم الاقتصادي) أنهي كل أمل فلم يترك أمام الثورة أي اختيار غير أن تتقدم الدولة لتتولي القيام بمهام التنمية والتصنيع.

فالمشروع الخاص في مرحلة ما قبل الثورة لم يكن ليؤتمن على تحمل مسئوليات التنمية على المستوى المرتجي، نظرا لقلة عدد الممولين وأرباب الأعمال، وإيثارهم استغلال أموالهم في التجارة، وعزوفهم عن الاستثمار في القطاع الصناعي، الذي لا بد وأن تنقضي فترة تقصر أو تطول قبل أن يدر عائدا مجزيا.

وكان قبولهم لتحمل مخاطر الاستثمار الصناعي رهينا بتأمين حماية جمركية عالية من منافسة البدائل، وتمتعهم بدرجة عالية من الاحتكار، وحصولهم على إعانات حكومية ظاهرة أو مستترة.

وكان المستثمرون الأجانب وبعض المصريين يعولون على القروض المصرفية، بينما يحتفظون بثرواتهم في صورة سائلة، أو في الخارج وكانت سياستهم تقوم على المماطلة في دفع الضرائب نظرا لما حاق بهم من قلق وتخوف من المستقبل. إضافة إلي قلة رجال الأعمال المتمرسين في قطاع المشروع الخاص، وقصور المؤسسات المالية القائمة عن تجميع المدخرات وتوجيهها إلي الاستثمار.

والسؤال: ماذا كان على الثورة أن تفعل؟

سلكت الثورة الطريق الوحيد المتبقي أمامها بعد أن وصلت إلي طريق مسدود، فأصبح لزاما عليها القيام بذلك عن طريق توسيع القطاع العام وتأميم البنوك وشركات التأمين، وزيادة الادخار الجماعي والعام. وبدون ذلك لم يكن هناك وسيلة مواتية لدفع عجلة التنمية.

حول مقولة أن النظام الناصري قد الحق مصر بتبعية اقتصادية وبالتالي تبعية سياسية للمعسكر الشرقي انبري الكثيرون من الاقتصاديين المصريين والعرب للرد .. وقد اخترنا من بينهم رد الدكتور عزيز صدقي..لاعتبارات مهمة من بينها: أنه أول من تولي رئاسة وزارة للصناعة أنشأت لأول مرة في تاريخ مصر في يوليو من عام 1956، فقد كان قطاع الصناعة في السابق تابعا لوزارة التجارة.

يضاف إلي ذلك أن د. عزيز صدقي قد انحاز في موقفه -كما سبق وأشرنا- إلى السادات في أحداث مايو 1971 وضد القيادات الناصرية، ثم أصبح رئيسا للوزراء لفترة وجيزة من حكم السادات. كما لم تتعرض شهادته التاريخية بالتشكيك أو بالمراجعة من قبل نقاد وأعداء الناصرية، خاصة وأن تاريخ نشر حديثه جاء والسادات ما زال في السلطة والحملة ضد الناصرية قائمة على أشدها تخرس كل من يتفوه بكلمة حق تنصف الثورة وعبد الناصر، الأمر الذي يجعلنا نطمئن إلي أن روايته التاريخية والمعلومات التي أوردها بخصوص التنمية غير منحازة للتجربة الناصرية.

يستعرض د. عزيز صدقي قدرات القطاع الخاص ودوره في الحياةالاقتصادية والتنموية في مصر فيقول:” كانت إمكانيات القطاع الخاص قاصرة على الاستثمار المطلوب في حدود ما جاء في خطة التنمية -ومع السماح له بالمساهمة بكل قدراته في عملية التنمية- فإن الدولة كان عليها أن تتولى هي مسئولية تنفيذ خطة التنمية. إن استثمارات القطاع الخاص التي تمت في قطاع الصناعة طبقا لما جاء في كتاب اتحاد الصناعات لعام 1951 (أي قبل قيام الثورة) وفي ظل حرية كاملة للاستثمارات بلغت2.1 مليون جنيه.” (5)

ثم يتابع د. عزيز صدقي فيشرح حقيقة العلاقة بين النظام الناصري والمعسكر الاشتراكي فيقول: “لم تكن موارد مصر الاقتصادية تسمح لها بإنجاز تنمية اقتصادية ذاتية، فمعدل زيادة نمو السكان وصل إلى 2,8% فكانت هذه الزيادة تلتهم الفائض المترتب على التوسع في القطاع الزراعي. بهذا لم يكن أمام المصريين سوى اختيار وحيد وهو التوجه إلى تنمية قطاع الصناعة ولكي تتم إنجاز تنمية صناعية في مصر، كان لابد من توفر شرطين أساسين،الأول: الحصول على مساندة دولة صناعية متقدمة وذات إمكانيات كبيرة، ولديها الرغبة في إقامة الصناعة لدينا. الثاني: أن تكون عملية التصنيع تخضع لتخطيط الدولة وأشرافها. وبهذا يكون قدوم الاتحاد السوفيتي إلى مصر نتيجة لمطلبين، الأول: احتياجات المصريين لمساعدة الاتحاد السوفيتي. والثاني: ربط الغرب مساهمته بشروط سياسية واقتصادية، قد أنهى عمليا فرصة الاختيار أمام المصريين”.

حول شروط الاتحاد السوفيتي في بناء تنمية اقتصادية في مصر، والى أي مدى وصلت نتائج التعاون بين البلدين؟ أجاب د.عزيز صدقي: اقتصاديا: “كان التعاون مع الدول الغربية يشترط الدفع الفوري، أو دفع 25% من الثمن أولا والباقي على أقساط لمدة خمسة سنوات، وبفائدة 6%، أما التعاقد مع السوفيت فان ثمن المصانع المتعاقد عليه، يبدأ تسديد أثمانها بعد عام من بناء المصنع، أي أن التسديد يتم من عائد الإنتاج وبأقساط لمدة 12 عاما وبفائدة لم تتعد2,5% ومن التسهيلات التي قدمها الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية، فتح أسواقه أمام الإنتاج المصري. والجدول التالي يبين حجم التبادل التجاري في المرحلة الناصرية. (6)

تصنيف البلاد

إن حجم الواردات من الدول الرأسمالية كانت تحتل وباستمرار المرتبة الأولى في تعاملات مصر التجارية، في الوقت نفسه ظلت المحصلة النهائية للتبادل التجاري لصالح الدول الرأسمالية لم تتغير أبدا، في الوقت الذي نرى فيه العكس تماما في تعاملات مصر التجارية مع المعسكر الاشتراكي، فقد ظل ميزان المدفوعات لصالح مصر وباستمرار بالفائض ب(+).

إلى جانب كل هذا، سهلت شروط التعامل الاقتصادي مع الاتحاد السوفيتي لمصر استيراد سلع نصف مصنعه، وهو ما كان يصعب عليها استيرادها من الغرب، إما للرفض، أو بسبب ارتفاع أسعارها..وصعوبة توفير النقد الأجنبي اللازم.

ما لم يلجأ الاتحاد السوفيتي إلى زيادة الأسعار التي قد يطرأ عليها ارتفاعا في الأسواق العالمية عند التسليم. إضافة إلى كل هذه التسهيلات، كانت المعونات المقدمة من الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية إلى مصر، بالمقارنة مع كل من الهند والصين في الفترة 1951 إلى 1961، قد وضعت مصر في المرتبة الأولى في إطار المعونات. والجدول التالي يوضح حجم المعونات مقدرة بملايين الدولارات. (7)

إن نصيب الفرد في مصر من المعونات المقدمة يساوى 15 ضعفا بالنسبة لنصيب الفرد في الهند، وأكثر من 20 ضعفا بالنسبة لنصيب الفرد في الصين. وينفى د. عزيز صدقي أي شروط اقتصادية أملاها الاتحاد السوفيت على مصر بقول: “لم يحدث على الإطلاق، ولم يتدخل أحد في خطتنا، لقد كنا نضع الخطة الخاصة بنا، ثم نذهب إليهم ونقول:هذه خطتنا ونريد المساعدة على تنفيذها… إن تعامل الاتحاد السوفيتي معنا لم يستهدف في أي وقت استغلالا…إن مبدأ مساعدة الدول المتحررة على بناء اقتصادها هو أحد مبادئ السياسية السوفيتية. أنهم يساعدوننا بوصفنا دولة وطنية تقدمية تحاول تنمية نفسها، وتؤمن بالاشتراكية بالصورة التي تطبقها بها وتحارب الاستعمار…لقد ساهمت مواقف الاتحاد السوفيتي في تخفيف أعباءنا الاقتصادية التي تحيط بعملية التنمية لدولة نامية كمصر. وأستطيع أن أقول بدون مبالغة، أننا بدون هذه المعونة لم يكن ممكنا أن ننجز ما تم بالفعل، أنه كان من المستحيل التعاون مع أي جهة غربية في هذا المجال.”(8)

هذا، في الوقت الذي لم تكن فيه الولايات المتحدة الأمريكية غير مستعدة في أن تساهم بأي قدر في بناء تنمية في مصر بدون الرضوخ مسبقا لشروطها كاملة. ويذكر د. عزيز صدقي ما قاله مدير البنك الدولي “وودز” لعبد الناصر حيث:”… نصحه بأن لا يضيع وقته مع الولايات المتحدة الأمريكية، فالبنك لن يقدم قرضا للتصنيع، لأنه ليس من سياسته أن يساعد دولة كمصر على التصنيع، وسياسة البنك الدولي محكومة بسياسة الولايات المتحدة الأمريكية التي لن تشجع على معاونة الدول النامية على التصنيع، ونصحه أمامك السوفيت والدول الاشتراكية فلا تضيع وقتا مع غيرهم.(9)

أما رده حول التخلف التكنولوجي السوفيتي، في مواجهة التكنولوجيا الغربية، فإن المشروعات الكبرى التي تم بنائها بمساعدة الاتحاد السوفيت مثل بناء السد العالي، وبناء صناعة الحديد والصلب سواء في مصر أو الهند أثبتت النتائج أنها كانت ناجحة بالمقارنة مع المشروعات التي قامت بها ألمانيا الغربية وبريطانيا.

ونحن نتساءل هل كانت التكنولوجيا الغربية المتقدمة مقارنة بالتكنولوجيا السوفيتية، تصلح كنقطة بدء لمجتمع ناشئ كمصر يخطوا خطوته الأولي على طريق التصنيع؟

ثم هل كانت التكنولوجيا الغربية المتطورة معروضة في السوق للشراء؟

وهل كانت التكنولوجيا الغربية، قادرة- هذا في حالة استيعابها- على حل مشاكل البطالة في مصر إذا أخذنا بعين الاعتبار معدل زيادة السكان؟

وأهم من هذا كله هل كان في مقدور دولة نامية كمصر منفردة أن تدفع ثمن شراء التكنولوجيا الغربية الحديثة، بغير أن يرافق دفع الثمن المالي تفريط في الاستقلال السياسي؟

وفي تلخيص لمجمل الأهداف المرتبطة بالتنمية، والقدرة أو الفرص المتاحة لمصر في تعاملاتها مع المعسكرين الغربي والشرقي بخصوص الحصول على أفضل شروط، أوضح د. عزيز صدقي:

“أولا: أن مصر بأبنائها وحدهم وبقيادتها الحرة هي التي وضعت سياسة التصنيع وبرامجها ومشروعاتها ولم يشارك أجنبي واحد في ذلك. كما أن تنفيذ هذه السياسة ومشروعاتها تم بأيدي الفنيين والعمال المصريين وتولى الإدارة الخبراء المصريين.

ثانيا: أن الدولة عندما خصصت إعتمادات مالية ضخمة في ميزانيتها سنة بعد سنة لتنفيذ عملية التنمية _برغم الظروف الصعبة التي اجتازتها البلاد اقتصاديا وعسكريا وسياسيا_ فإنها كانت تفعل ذلك إيمانا بأهمية عملية التنمية لتحقيق أهداف الثورة الكبرى.

ثالثا: إلى جانب تحقيق أهداف إنتاجية محددة، التزمت الدولة بتحقيق أهداف اجتماعية، فلم يكن الربح هو العامل الوحيد ولكن تحقق الإنتاج للمجتمع وتساهم في رفع مستواه وخفض تكاليف معيشته…كان الاتجاه دائما إلى خفض الأسعار وخاصة بالنسبة للسلع الرئيسية والشعبية.

رابعا: تحقيقا لأهداف الاستقلال الاقتصادي حققنا آخر عام 1970 ما كنا نحاول الوصول إليه دائما وهو أن يقوم قطاع الصناعة للوصول إلي الاكتفاء الذاتي للجزء الأعظم من احتياجاتنا. نصدر فائض الإنتاج وبحيث يكفى عائد التصدير كل احتياجات الصناعة من النقد الأجنبي. وبذلك يساهم قطاع الصناعة مساهمة كاملة وفعالة في تحقيق مبدأ الاستقلال الاقتصادي. وللأسف فأنه في فترة ما سمى “بالانفتاح” توقفت بالكامل تقريبا عملية التنمية الصناعية وقيل إن الاستثمار الأجنبي سيحل المشكلة وهو بطبيعة الحال ما لم يحدث. وعدنا مرة أخرى نعتمد على الاستيراد من الخارج”.

خامسا: أننا تعاقدنا على تنفيذ المشروعات مع كل دولة أعطتنا التسهيلات والقروض اللازمة وبالشروط التي وضعناها نحن وقبلناها. وقد حصلنا على قروض واتفاقيات مع الاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية وبولندا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا وكذلك اليابان وألمانيا الغربية والدنمرك وفرنسا وإنجلترا وحتى الولايات المتحدة الأمريكية… لقد كان للاتحاد السوفيتي الفضل في إعطائنا شروطا ميسرة للقروض التي حصلنا عليها فيتم التعاقد بدون دفع أي مقدم من الثمن ويبدأ السداد بعد سنة كاملة من استكمال المشروع بفائدة 2,5% وبأقساط على 12 سنة وكان القصد أن يكون السداد من عائد الإنتاج. وكان نفس التعامل مع باقي الكتلة الاشتراكية.

مع الدول الغربية كان لابد من دفع 20% من الثمن وتقسيط الباقي على مدد مختلفة 5 و10 سنوات وبفائدة 6 و 8 و10% وكنا نجد صعوبة في توفير النقد الأجنبي ورغم هذا تعاقدنا مع الجميع وتعاونا مع الجميع…لكن بشروطنا.

سادسا: لم نقم مصنعا واحدا ثبت أننا لسنا في حاجة إلى إنتاجه كما لم نقم مصنعا واحدا وجدنا صعوبة في تسويق إنتاجه…عندما نفذنا توسعات مصانع الأسمنت زادت طاقة المصانع من مليون طن في السنة إلى أربعة ملايين طن…بل كانت مصر المورد الأساسي للأسمنت لمنطقة الخليج كلها. وللأسف فأن هذه السياسة عندما أوقفت في السبعينات، لم يبنى مصنع واحد للأسمنت بينما تزايد استهلاكنا بحيث وصل رقم كمية الأسمنت المستورد أكثر من ثمانية ملايين طن في السنة تبلغ قيمتها حوالي 400 مليون دولار. ونفس الشيء في كثير من السلع الأخرى.

سابعا: اشترطنا في كثير من الاتفاقيات أن يكون السداد بجزء من الإنتاج…أي أننا كنا ننفذ المشروع ويسدد المشروع أقساطه من إنتاج”. (10)

في الوقت الذي كان فيه الغرب يرفض التعامل مع النظام الناصري، وإذا حدث فبشروط مرهقة لن يقبل بها عبد الناصر، كان البديل المطروح والمتمثل في الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية يرحبون بالتعامل ويقدمون التسهيلات بغير شروط تذكر، ونحن لا ندري سببا لأن يقابل جمال عبد الناصر هذا العرض بالرفض، أو بالعداء، خاصة وأن مصر كانت بحاجة إلي الاتحاد السوفيتي، بأكثر مما كان الاتحاد السوفيتي بحاجة لها، وعند أول بادرة للتدخل في الشأن العربي من قبل خروتشوف عندما بدأ يهاجم القومية العربية عام 1964، كان رد ناصر عليه أكثر حده، ولم يذكر أحدا أن الاتحاد السوفيتي قد مارس ضغطا من أي نوع على عبد الناصر نتيجة لما وقع بينهما من خلاف.

وعندما تخوف عبد الناصر من أن تنعكس حالة الصدام بينه وبين خروتشوف على استكمال المرحلة الثانية في بناء السد العالي، أرسل صلاح سالم وأحمد حمروش لمعرفة نوايا الاتحاد السوفيتي في استكمال مراحل بناء السد العالي، فأكد خروتشوف للوفد المصري التزام الاتحاد السوفيتي بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه. (11)

حول موقف الدول الاستعمارية الغربية من التنمية وعلى وجه التحديد قضية التصنيع يذكر الدكتور فؤاد مرسي أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية كانت واحدة من أهم المعارك التي خاضتها الناصرية، والتي أعتبرها د. فؤاد مرسي أنها ” أخطر معارك التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي في البلاد. كانت معركة طبقية ضارية تقف إلى جانبها طبقات معينة، وتعارضها وتقاومها طبقات معينة أخرى.

ومنذ البداية كان موقف الدوائر الاستعمارية واضحا، فهي ترى في مصر بلدا زراعيا، ففي عام 1953 أعلن البنك الأهلي، وكان يتحدث باسم رأس المال الأجنبي الغالب في مصر، بدلا من الدعوة إلى التصنيع لإيجاد عمل للفائض من الأيدي العاملة الزراعية يجدر بنا أن نتناول المسألة من جانبها الآخر، بمعنى أنه يجب البدء بتنمية الزراعة وفى عام 1955 عاد يقول هناك بضعة دروس أهمها أن التصنيع عملية طويلة ومعقدة يحتاج إتمامها إلى أجيال طويلة.

وعندما وضعت الثورة برنامج السنوات الخمس الأولى للصناعة في عام 1957، علق البنك الأهلي على البرنامج قائلا: إن خطة السنوات الخمس لا تعدو أن تكون خطة بغير موارد… أما الرأسمالية المصرية لم تستجب أبدا لكل ما عرضته عليها الثورة من مشروعات للتنمية الاقتصادية.

لقد ظل أعداء مصر في الداخل والخارج على السواء يتربصون بالخطة الخمسية الأولى، لعلمهم أن نجاحها سوف يؤدى إلى استكمال قاعدة الصناعات الأساسية في الخطة الخمسية الثانية خاصة قاعدة الصناعات الرأسمالية… ولم تمضى شهور على حرب أكتوبر التي استندت إلى ثمار التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الستينات، حتى أعلنت سياسة الانفتاح الاقتصادي نهاية عهد التنمية المستقلة المخططة ونهاية معركة بناء الصناعة الوطنية المستقلة. لكن دروس تلك الحقبة الزاهية ما زالت وستظل لأمد طويل مصدر إلهام لجميع الوطنيين والتقدميين.” (12)

أما د. إبراهيم سعد الدين فتركزت إضافاته حول قضية التحول التنموي في ظل الناصرية فيقول: “وجدت نفسي أميل إلى استكمال بعض القضايا ذات الأهمية من زاوية بناء الصناعة المستقلة في أي قطر من أقطار العالم الثالث. وأشير في هذا الإطار إلى مجموع الشروط التي أوردها مستر كليف في مقاله عن “الإمبريالية والتصنيع في دول العالم الثالث” والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:

1- أن تبدأ عملية التصنيع وتستمر بواسطة القوى الاجتماعية والسياسية المحلية في القطر المعنى.

2- ألا يقوم رأس المال الأجنبي دورا في عملية التصنيع المنشودة.

3- أن يوجه الإنتاج الصناعي أساسا للوفاء باحتياجات السوق الداخلي وأن يمتص السوق الداخلي الجزء الأكبر من الإنتاج الصناعي.

4- أن تتضمن عملية التصنيع بناء العديد من القطاعات الصناعية وأن تتكامل حلقات الصناعة…بما في ذلك إنشاء صناعة إنتاج السلع ذات الأهمية الإستراتيجية.

5- أن تتمكن الدولة التي هي في مرحلة التصنيع من اختيار التكنولوجيا الأكثر مناسبة لمصادرها ومواردها المتوفرة. وأن تطور من تكنولوجيتها المحلية.

6- إن نظرة موضوعية لما حدث في مصر خلال الفترة 1952_1970 تبرز أن قدرا من هذه الشروط الهامة قد تحقق بالفعل… إلا أن ذلك لا يمنع توجيه نقد لجهود التصنيع في مصر:

أ‌- التركيز على إنتاج سلع لاستهلاك الطبقات والفئات الوسطى، وتأثير ذلك على انتشار أنماط للاستهلاك لا تتمشى مع معدل الدخل بالنسبة للفرد الواحد في البلاد.

ب‌- مدى الاهتمام بتطوير قطاع منتج للسلع الرأسمالية في مصر.

إن هذه الانتقادات لا تعنى أن استقلال الصناعة المصرية كان منقوصا ولكنها فقط أن السياسات التي اتبعت كان يمكن أن تشكل صعوبات في وجه استمرار تنمية صناعية مستقلة في إطار حكم تقدمي.” ((13)

ونشير هنا إلي أن الشروط الواردة في مقال مستر (كليف) قد جاءت متأخرة بقترة زمنية طويلة، فكل ما قال به (كليف) سبقه إليه جمال عبد الناصر نظريا وتطبيقيا، وهنا تصبح الشروط التي وردت في مقال كليف تدعم وتؤكد على أن اختيارات الناصرية في مجال التنمية الاقتصادية ( قطاع التصنيع) كانت صحيحة.

لقد كشفت مذكرات الرئيس الأمريكي أيزنهاور فيما بعد عن خطط الولايات المتحدة الأمريكية الخاصة باحتواء عبد الناصر.. فتظاهرت باستعدادها لتمويل مشروع السد العالي، وبعد أن تسقط مصر في فخ الإدارة الأمريكية بعدها يتولى الأمريكيون صياغة الشروط التي تمكنها من فرض ما تراه ضروريا من القيود على السياسة المصرية.

فإذا قبلت مصر تحت إلحاح طموحها في بناء السد العالي. فإن هذه الشروط والضمانات سوف تتكفل ببقائها في نطاق النفوذ الغربي وبالتالي تستطيع أن تفرض على مصر:

أ-تحقيق اعتراف بإسرائيل.

ب- ضم مصر إلى حلف للدفاع عن الشرق الأوسط.(14)

وعندما وصل وكيل وزارة الخارجية الأمريكية في عام 1955 إلي مصر لم تكن زيارته بقصد التفاوض مع عبد الناصر، وإنما جاء ليحصر اختيارات عبد الناصر في إطار معادلة لا تقبل التفاوض: السد العالي = فرض الصلح مع الإسرائيليين.

في الوقت الذي كان فيه إيدن رئيس وزراء بريطانيا الاستعمارية واثقا من أن الاتحاد السوفيتي لن يقدر على تقديم مساعدات حقيقية لمصر وذلك بسبب تخوف الاتحاد السوفيتي من ردة الفعل التي ستصدر عن: ” الكتلة الاشتراكية بما فيها الصين سوف تثور عليهم إذا قدموا مساعدة بهذا الحجم _السد العالي_ لا يحصلون عليها”. (15)

وبهذا تكون قيادات الغرب الاستعماري قد وقعت في أخطاء فادحة بسبب إحساسهم الزائف بأنهم يمتلكون من القوة ما يمكنهم من إخضاع أي قوى سياسية في مصر.. فقد تعودوا في تعاملهم مع المصريين أن يصدروا الأوامر وتتولي القيادات السياسية في مصر تنفيذها بغير رفض أو تمرد أو حتى مناقشة، فتعاملوا مع عبد الناصر وفق النهج القديم المتغطرس مما حجب عنهم رؤية السبب الحقيقي وراء الصدام مع عبد الناصر. فاعتقدوا أن في مقدورهم أن يحجموا التمرد الناشئ من قبل مجموعة من الضباط المصريين حتى يتم إزاحتهم من الطريق فكم أجلسوا شخصيات مصرية في موقع السلطة ثم استبدلوهم وظل الجميع توابع ورهن إشارة المندوب السامي.

اغفلوا أن قاعدة الخلاف والصدام بينهم وبين عبد الناصر لم تكن قائمة في الأساس على صدام يتعلق بتطلعات أفراد، أو اقتسام غنائم، وإنما كانت أرضية الصدام بين الثورة والمستعمر القديم (بريطانيا) والمستعمر المتطلع (أمريكا) تجري على أرضية التناقض بين مطلب الثوار في الحرية ومطلب الاستعمار في السيطرة ومواصلة الاستغلال..بين رؤية استعمارية لا تقبل بغير التسليم لكامل شروطها، وبين رؤية ثائر ما حني رأسه لغير الله.

لهذا لم يكن عبد الناصر على استعداد أن يقبل بالتسليم بشروط قوي الاستعمار أو حتى اللقاء معهم في منتصف المسافة.. حتى لو كان الثمن بناء عشرات السدود والمصانع، أو كان الثمن هو أمن الثورة وبقائها في المراحل الأولي.

اكتشف قادة الغرب الاستعماري فيما بعد بسنوات أن خطيئتهم كانت في عجزهم في رؤية الواقع وتحليله.. وأن ما جري في 23 يوليو عام 1952 بقيادة جمال عبد الناصر كان ثورة .. والثورة في تعريفها العلمي هي “علم تغيير المجتمع”.. وأول تغيير جذري جري في المجتمع المصري قد شمل أولا الإرادة السياسية للمصريين والتي أصبح جمال عبد الناصر رمزا وتعبيرا عنها

انفتاح اقتصادي؟ أم تخريب اقتصادي؟

عندما بدأت مرحلة الانفتاح الاقتصادي، كانت مطالب أمريكا في غاية الوضوح عبرت عنها تصريحات رجل الأعمال ديفيد روكفلر في يناير عام 1974:” أعتقد أن مصر أدركت الآن أن الاشتراكية والقومية العربية المتطرفة لن تحسن حالة سكان مصر البالغ عددهم 37 مليون. فإذا كان الرئيس السادات يريد مساعدتهم ، فعليه أن يولى وجهه شطر المشروع الخاص والمساعدات… ولقد ناقشت هذا الأمر إلى حد كبير مع بعض الإسرائيليين وهم يتفقون معنا.

وهم يشعرون أن موقف الرئيس من بلاده موقف بناء. كما يشعرون أن هناك فرصة أفضل لإنهاء الحرب إذا ما أعطيت المساعدة له لبناء بلده بطريقة اقتصادية سليمة”. (16)

ملحوظة: إن ما قاله ديفيد روكفلر أصبح فيما بعد حجة الأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية وآخرها تصريح وزير خارجية قطر (ففضلا عما تضمنه تصريح ديفيد روكفلر من هجوم مباشر على الناصرية، فإنه قد تضمن أيضا وعدا للسادات بمساعدته في تنمية وفقا لشروط وفلسفة المشروع الخاص. خاصة بعد أن انتقل السادات إلي الضفة الأخرى من النهر وأصبح بطل السلام في رؤية منظري السياسة الغربية.

رغم كل هذا .. لم يكن تصريح روكفلر جادا ويمكن ترجمته إلي واقع. فبعد 22 شهرا تقريبا من تصريحه، يعود روكفلر فيكشف عن حقيقة موقفه وموقف الولايات المتحدة من التنمية بشكل عام في العالم الثالث، ومن بينها مصر. فيروي روكفلر للأستاذ محمد حسنين هيكل، ما دار بينه وبين السادات: “… كنت في زيارة له وراح يحدثني عن آماله في رخاء الشعب المصري، وجرنا الحديث إلي الدور الذي يمكن أن تقوم به الاستثمارات الأمريكية في تنمية مصر. وأوضحت له أن رأس المال الأمريكي لن يذهب إلي مصر في أجواء حرب. لأن رأس المال الأمريكي ( أو أي رأسمال آخر ) لا يستطيع أن يعمل إلا في أجواء السلام. اصنع لنا السلام ونحن نصنع لك الرخاء. إن الرجل اقتنع، لم يقنعه كلامي فقط ولكن منطق الأمور نفسها أقنعه.

وعندما سأله هيكل: هل تستطيع أن تضمن له استثمارات أمريكية مؤثرة في مصر؟ أجاب روكفلر: استثمارات أمريكية في مصر؟ لا أظن! “…عندما يخرج رأس المال من بلاده ويرتحل فهو يفعل ذلك لأنه يطلب 15 و 16 %. هي كذلك في أمريكا. فإذا خرج رأس المال خارج بلاده فلا بد أنه يريد علي الأقل 30 أو 35 %…وإذن فارتحال رأس مال أمريكي إلي مصر سوف يكون محكوما بعنصرين: الارتحال نفسه أولا (وهذا ثمن. وجو القلق والتوتر) وهذا أيضا له ثمن. وهذا، معناه أن أي رأسمال أمريكي في مصر لا بد أن يرسم حساباته، إذا ذهب، علي أساس نسبة ربح سنوي تتراوح ما بين 50 و60% فهل تستطيع مصر في ظروفها الراهنة أن تعطي أحدا هذه النسبة من الربح؟ لا أظن”. (17)

ثم يأتي تصريح توماس ميرفى (رئيس مؤسسة جنرال موتورز عام 1976) ليتفق مع روكفلر في تأكيده على أن :” أي مشروع استثماري لابد وأن يتوفر له مناخ سياسي مناسب، حيث أن الحروب تتعارض مع فكرة زيادة الاستثمار”. (18)

وبهذا عاد الغرب الاستعماري إلي مصر عاصمة العرب مصطحبا هذه المرة إسرائيل ليكتمل أطراف المشروع الغربي-الصهيوني على أرض مصر. حدث كل هذا بعد أن أصبحت مقاليد السلطة القرار قي يد قائد الثورة المضادة السادات ومن بعده حسني مبارك .. وبالتالي فقد زال التناقض والصدام الذي حكم العلاقة أيام وجود الثورة وعبد الناصر. فعاد الغرب ليقدم مطالبه:

وعود بالتنمية في مقابل الاعتراف بإسرائيل

امتيازات وتسهيلات موثقة في قرارات وقوانين .. قبل أن يصل رأس المال الأمريكي لمصر.

شن حرب إبادة على التجربة الناصرية وعلى كل المؤمنين بها.

تأجير أو تجميد دور مصر مقابل عمولة تذهب معظمها إلي جيوب المتأمركين والمتصهينين من المصرين.

التقييم الليبرالي والماركسي

الرؤية الليبرالية.. والماركسية للمتغيرات الاقتصادية في الحقبة الناصرية وآثارها:

في هذا الجزء نطرح التجربة الناصرية في جانبها الاقتصادي على أعلام الاقتصاد أحدهما يمثل المدرسة الليبرالية في التنمية وهو د. علي الجريتلي، والعالم الثاني هو د.إسماعيل صبري عبد الله ويمثل المدرسة الماركسية ورؤيتها للجانب الاقتصادي والتنموي الذي طرحته الناصرية.

لقد اعتمدنا بالأساس على بحث د. إسماعيل صبري عبد الله في الندوة العلمية حول ثورة 23 يوليو، والذي تطرق في بحثه إلي التنمية الاقتصادية وفلسفتها ونتائجها الاجتماعية في ظل التجربة الناصرية. وقد ساهم في اختيار د.إسماعيل صبري عبد الله لكونه واحدا من أعلام المدرسة الماركسية في الاقتصاد، وقد تولي لفترة موقع وزير التخطيط الاقتصادي لمصر أثناء حكم السادات.. ففي الحقبة الناصرية لم يصل أحد من الماركسيين أو القيادات الشيوعية إلي منصب وزاري.

في الوقت نفسه فقد شاركه في مناقشة بحثه صفوة من المفكرين الاقتصاديين العرب فأضافوا الكثير للموضوع محل البحث. كذلك لم نغفل أن نضيف إلي بحث د. إسماعيل عبد الله، رؤية عرف عن صاحبها أنه يمثل المدرسة الليبرالية في الاقتصاد، فكان اختيارنا للأستاذ الدكتور علي الجريتلي، الذي تناول في مؤلفاته التجربة الناصرية في مجال التنمية في الفترة من 1952_1977، وقد استند د.الجريتلي في مصادره على أبحاث ومؤلفات كبار المفكرين الماركسيين منهم: د. فؤاد مرسي، د. إسماعيل صبري عبد الله.

الرؤية الليبرالية للمتغيرات الاقتصادية في الحقبة الناصرية:

قطاع الزراعة: يتعرض د.الجريتلي لقطاع الزراعة فيعتبره أهم الركائز الأساسية للدخل والإنتاج القومي وسوق العمالة “في أوائل الخمسينات أي قبيل قيام الثورة، وصلت المساحة المحصولية إلى تسعة ملايين فدان، وكان نصف الدخل القومي يستمد من الزراعة، ويعمل بها 70% من قوة العمل. وكان القطن يمثل وحده 40% من قيمة الإنتاج الزراعي، ونحو 70% من حصيلة الصادرات.” (1)

هنا يجب لفت الانتباه، إلى أن كبار ملاك الأراضي الزراعيين لم يساهموا بجهد يذكر في توسيع الرقعة الزراعية، وظل توسيع الرقعة الزراعية ملقي على عاتق الدولة “وتدل الإحصاءات على أنه في الستين سنة السابقة على قيام الثورة لم تزد المساحة المستصلحة عن أربعمائة ألف فدان بمتوسط 6800 فدان سنويا، وعلى عكس الادعاءات عن نشاط الأفراد في مجال الاستصلاح، نجد أن ثلاثة أرباع عمليات الاستصلاح في تلك الفترة تم على يد الدولة.” (2)

في ظل التجربة الناصرية فان استصلاح الأراضي الزراعية قد بدء بطيئا وان كان أعلى في معدله عن الفترة السابقة على الثورة، ففي “الفترة بين 1952_ 1959 تم استصلاح 80,000 فدان بمتوسط سنوي 10,000 في السنة، وبين عام 1960_ 1970 قفز الرقم إلى 830,000 فدان بمتوسط سنوي 80,000 فدان، فضلا عن تحويل نصف مليون فدان من ري حياض إلى الري الدائم.”(3)

ويعني ذلك أن استصلاح الأراضي الزراعية في ظل التجربة الناصرية كان يفوق في معدله بأكثر من14 ضعف المعدل الذي كان يتم به استصلاح الأراضي الزراعية في ظل المشروع الخاص.. والملكية الخاصة..والانفتاح الاقتصادي الذي ورثته الثورة!!

وحاليا تواجه الرقعة الزراعية خطرا حقيقيا ، كما جاء في تحذير د. أحمد أمين مختار بخصوص “أن مساحة الأرض الزراعية في مصر بما فيها الأراضي المستصلحة تصل نحو ستة ملايين فدان، لكن يضيع منها سنويا ما بين 40 _ 60 ألف فدان سنويا بسبب الزحف العمراني… أي أنه في سنة 2000 سيتناقص نصيب الفرد من الأرض الزراعية في مصر بحيث يخشى ألا يجد الفرد غذاءه.” (4)

وحول الجانب الاجتماعي للسياسة الزراعية التي اتبعها النظام الناصري “…في توزيع الأراضي.. علي الفلاحين المعدمين ووفقا للإحصاء السنوي لسنة 1971 أنه إعمالا لسياسة التمليك، بدلا من الاستغلال الحكومي المباشر. وزع علي صغار المزارعين والمعدمين فيما بين سنتي 1952 و1970 ، 817000 فدان، فضلا عن المساحات التي سمح قانون الإصلاح الزراعي للملاك ببيعها. ويستفاد من تصريحات المسئولين أن عدد المنتفعين من الإصلاح الزراعي ناهز 400,000 ألف أسرة”. (5)

وبالانتقال إلي بحث الدكتور إسماعيل صبري عبد الله والمتعلق بقطاع الزراعة فنراه يذكر: استثمرت الدولة في الستينات وحدها في قطاع الزراعة والري ما يقرب من 550 مليون جنيه، غير استثمارات السد العالي الضخمة… لقد زادت المساحة المنزرعة في عشرين عاما 16%…وبفضل جهد الفلاح وأعمال التوسع الرأسي زادت إنتاجية الفدان من المحاصيل الرئيسية. ففي سنة 1952 كانت إنتاجية الفدان من القطن 4,5 قنطار في سنة 1970 / 6,3 قنطار كذلك بالنسبة للقمح عن نفس الفترة 5,18 إردب إلي 7,7 إردب نفس الحال بالنسبة للذرة من 6,3 إلى 11,3 إردب

وحول علاقة الثورة بالفلاحين ورد في بحثه أنه “… بعد القانون الثالث للإصلاح الزراعي عام 1969 اختفت من الريف المصري تماما الملكية الإقطاعية، فلم يعد يملك الفرد الواحد أكثر من خمسين فدان… كما وفرت الدولة للفلاح… الحصول على البذور السماد مستلزمات الإنتاج بالأجل وبسعر ثابت وكميات كافية.

إضافة إلي إقامة التسويق التعاوني، فأممت شركات تصدير القطن فأنقذت الفلاح من شبكة الاستغلال المتشعبة (الحصول على البذور، التجار، الربى، البنوك الأجنبية، بيوت التصدير). إلى جانب ذلك وفرت للفلاح الرعاية الصحية.. مياه الشرب النقية، في كل القرى الرئيسية والصغيرة، تعليم أبنائهم بالمجان ، تقديم الخدمات الصحية ففي سنوات الستينات أنشأت الدولة 8115 وحدة صحية ريفية… كما تقرر حرية التنظيم النقابي لعمال الزراعة لأول مرة، تحديد الحد الأدنى للأجور… ثم لحقت كهربة الريف للإنارة وتطوير الزراعة وتنشيط الصناعات البيئية وتوفير سبل الثقافة والأعلام.

حول قطاع الصناعة كان التقييم الليبرالي كما جاء في شرح وتحليل د. الجريتلي:

ظل قطاع الصناعة في مصر يحرك نشاطه وينحصر دوره في تحقيق الربح السريع، ولهذا” سيطرت عليه صناعة السلع الاستهلاكية…ولم تمثل صناعة الأدوات الاستهلاكية آلتي تعمر لمدة طويلة والمنتجات المعدنية والسلع اللازمة للصناعات الأخرى والآلات الإنتاجية سوى نسبة ضئيلة…وتقول إحصاءات الصناعة عن عام 1952 أنه كان هناك في مصر نحو 19527 مؤسسة صناعية مصرية أكثر من 33% منها لا يربو في إنتاجه الصناعي على خمسمائة جنيه في السنة، بينما كان الإنتاج السنوي ل 60% منها لا يربو على ألف جنيه، وكان رأس مال أكثر من نصف هذه المؤسسات يقل عن مائتي جنيه للمؤسسة الواحدة.” (6)

“…وظلت الأهمية النسبية لقطاع الصناعة في الصرح الاقتصادي المصري ضئيلة، ولم يزد نصيبه في الدخل القومي في أوائل الستينات عن 9%، ومن العمالة على 10% من قوة العمل… وفى الإحصاء الصناعي لسنة 1952، لم يتجاوز عدد المنشئات التي تشغل 50 عاملا أو أكثر 400 منشأة، بينما كان السواد الأعظم من الباقي “ورشا” صغيرة يقتصر العمل فيها على صاحبها وأسرته ولا تستخدم قوة محركة ميكانيكية تستحق الذكر… وفى نفس التاريخ كان عدد المصانع التي تشغل خمسة عمال فأكثر عشرة آلاف مصنع يعمل بها 350,000 عامل.” (7)

وإذا انتقلنا إلى قطاع الصناعة في ظل التجربة الناصرية سوف نجد حدوث تغيير جذري لدور قطاع الصناعة في الدخل والإنتاج القومي المصري، فيحدث لأول مرة في التاريخ الاقتصادي لمصر، فبالمقارنة”… بين أرقام سنة 1952 فقد زادت قيمة الإنتاج الصناعي بالأسعار الجارية من 314 مليون جنيه سنة 1952 إلى 1140 مليون جنيه سنة 1965/66، ووصلت قيمة الإنتاج حتى الفترة1970/1971 إلى 1635 مليون جنيه.” (8)

كما “… صاحب التوسع الصناعي تطور كبير في إنتاج البترول والطاقة الكهربائية. فزادت قيم إنتاج البترول من 34 مليون جنيه سنة 1952 إلي 133 مليون1970/1971…وبالمثل زادت قيمة الطاقة الكهربائية المولدة من 10 ملايين جنيه سنة 1952 إلي 75 مليون جنيه سنة 1970/1971…وأسهم توليد الكهرباء من السد العالي في زيادة الطاقة إلي أكثر من ثلاثة أضعاف بين التاريخين. فقد زادت الطاقة الكهربائية المنتجة إلي 10 بلايين ك.و.س. سنة 1976، والمنتظر أن تبلغ 13,3 بليون سنة 1977.” (9)

ويصل الأستاذ د.علي الجريتلي في تقييمه لقطاع الصناعة بقوله: “ليس من شك، مهما كانت معايير القياس التي تتخذها، في أن الخمسة والعشرين سنة الأخيرة شهدت تقدما صناعيا كبيرا في ظل حماية جمركية وإدارية عالية، ومزايا تفصيلية أخري من حيث التمويل وأسعار الفائدة وإتاحة الموارد”. (10)

ويشير د. الجريتلي إلي نقاط الضعف في مجال النقد والانتماء والمعاملات الخارجية وميزان المدفوعات، ويقدم الأسباب من بينها “تصاعد الضغوط التضخمية منذ أوائل الستينات نتيجة لزيادة الاستثمار والاستهلاك العائلي الخاص، والاستهلاك الحكومي العام.” (11)

الرؤية الماركسية للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية في الحقبة الناصرية:

أما التقييم الوارد في بحث د. إسماعيل صبري حول قطاع الصناعة فيرصد في بحثه أن: “التصنيع لعب الدور الأساسي في هذا النمو السريع…فقد كان الإنتاج الصناعي في عام 1952 لا يزيد عن 282 مليون جنيه فبلغ في سنة 1970 /1971 أكثر من 2424 مليون جنيه أي أن معدل نمو الإنتاج الصناعي في العشرين سنة كان 11,4% سنويا.

كان نصيب الصناعة من الدخل القومي حوالي 9% سنة 1952 فوصل إلى 22% في 1970/1971… وأهم من الزيادة في حجم الإنتاج الصناعي حدوث تغير شامل وعميق في هيكل الصناعة المصرية… وتولى القطاع العام إنشاء عدد كبير من الصناعات لأول مرة في مصر وفى مقدمتها صناعة الحديد والصلب، والمطروقات، والكيماوية الثقيلة، وصناعة محركات الديزل، والسيارات، والجرارات، والصناعات البترولية، بالإضافة إلى الجديد من الصناعات الغذائية، واستخراج المعادن، والأجهزة الكهربائية.

الطاقة… مضاعفة إنتاج البترول من 1952 إلى 1971 بحوالي تسع مرات…السد العالي وفر طاقة ضخمة ورخيصة فزاد الإنتاج من الكهرباء من 991 مليون كيلوات/ساعة في سنة 1952 إلى 8113 مليون كيلوات/ساعة في 1970/1971.

وحول العلاقة بين الثورة والعمال: “إن مجرد التوسع في الصناعة حمل الخير للعمال في شكل فرص عمل جديدة. لكن الدولة وفرت للعمال ما هو أهم وأبعد أثرا.. لقد حظر القانون الفصل التعسفي _توفير حد أدنى للأجور_ أتاح للتنظيم النقابي فرص العمل داخل المصانع، نشأ ولأول مرة اتحاد عام للعمال المصريين، تقرر مبدأ التفرغ النقابي، تمثيل اللجنة النقابية في اللجان المختصة بفض منازعات العمل، إقرار مبدأ اشتراك العاملين في إدارة شركات القطاع العام بانتخاب نصف أعضاء مجلس الإدارة من العمال، مشاركة العمال في الأرباح بنسبة يحصلون عليها نقدا وأخرى تخصص للخدمات المشتركة، مظلة تأمينات اجتماعية ضد مخاطر العمل ضد البطالة، التأمين الصحي لتوفير العلاج المجاني.

كذلك نال عمال القطاع الخاص بعدد من المزايا التي يحصل عليها عمال القطاع العام، اشتراك العمال إلي جانب الفلاحين بنسبة 50% في التمثيل النيابي والسياسي وفى الاتحاد الاشتراكي والمجالس الشعبية.

الثورة والرأسمالية الوطنية: لقد اهتمت الدولة بالرأسمالية الوطنية المعادية للاستعمار باعتبارها إحدى قوى تحالف الشعب العامل، فتحرير الاقتصاد القومي من السيطرة الأجنبية والإقطاع والرأسمالية الكبيرة ساهم في تخليص الرأسمالية الوطنية من الحصار المضروب حولها. فترتب على مشروعات التنمية الضخمة خلق فرص لنشاط الآلاف من الرأسماليين الوطنيين. وظلت الملكية الخاصة هي القاعدة العريضة في قطاع الزراعة.

… كان إنتاج القطاع الخاص حتى أوائل السبعينات حوالي 30% من الناتج الصناعي مستفيدا من مستلزمات الإنتاج التي ينتجها القطاع العام ومن زيادة القوة الشرائية في الاقتصاد القومي ومتمتعا بالحماية الجمركية التي تمنع استيراد السلع المنافسة.

انعكست تنمية الاقتصاد القومي علي هيكل التجارة الخارجية. ففيما يتعلق بالصادرات هبط نصيب القطن من 85% في بداية الخمسينات إلي 48% فقط في 1970/1971 في حين ارتفع نصيب الصادرات الصناعية من 11,9% إلي 32% في نفس الفترة. أما الواردات فقد أصبح يحتل المركز الرئيسي فيها ما يلزم للإنتاج من سلع استثمارية ووسيطة وهبط نصيب السلع الاستهلاكية. لقد رافق زيادة الإنتاج زيادة فرصة العمالة والارتفاع في الدخول وزاد الاستهلاك العائلي خلال الستينات بمعدل 8,3% سنويا.

انعكاس التنمية الاقتصادية على البنية الاجتماعية: “… ترصد الإحصاءات التالية أبعاد التنمية الاقتصادية في المرحلة الناصرية: لقد زاد الناتج القومي خلال الفترة من 1956 إلى 1966 بمتوسط سنوي قدره 67 % كما بلغ معدل النمو في السنوات السبع السابقة لحرب 1973 بلغ 4% في المتوسط… فانعكس هذا على مستوى المعيشة فزاد متوسط دخل الفرد النقدي من 37 جنيه سنة 1952 إلى 79 جنيها في 1970 /1971.

يضاف إلى ذلك تقدير الارتفاع الحقيقي في مستوى المعيشة عن طريق تعاظم الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين. لقد أصبح التعليم في جميع مراحله بالمجان كما أن التلميذ في التعليم العام يحصل على الكتب بلا مقابل. وفرض هذا بالضرورة التوسع في التعليم فوصلت نسبة الاستيعاب المدرسي في مرحلة الإلزام فجاوزت 75%. وكان معنى ذلك أن أرتفع عدد تلاميذ المرحلة الابتدائية في العشرين عاما من 1,6 مليون إلى 3,8 مليون بمعدل زيادة سنوي قدره 7,1% أي أكثر من ضعفى معدل زيادة السكان.

وأرتفع عدد تلاميذ المدارس الإعدادية والثانوية بأنواعها من 250 ألف تلميذ إلى 1,5 مليون أي زيادة قدرها ستة أمثال… إلى جانب التوسع في الجامعات القائمة تمت إنشاء جامعة أسيوط كما جرى تطوير جامعة الأزهر لتعود إلى ما كانت عليه في عصورها الزاهية تقدم كل أنواع المعرفة جنبا إلي جنب مع الدراسات الدينية واللغوية. وامتدت فروع الجامعات إلي الأقاليم. ويبلغ عدد طلبة الجامعات والمعاهد العليا في 1970/1971 أكثر من 213 ألفا مقابل 40 ألف فقط عشية قيام الثورة، أي بمعدل زيادة سنوي حوالي 20%.

وفى مجال الخدمات الصحية ارتفع عدد الأسرة بالمستشفيات إلى أكثر من 73 ألف سرير أي بزيادة 150% خلال العشرين عاما… بلغ عدد الأطباء الممارسين فعلا في أوائل السبعينات 15 ألف طبيب بمعدل طبيب لكل 2300 مواطن. يضاف إلي ذلك ما تحقق في مجال الإسكان الشعبي والمرافق والخدمات الثقافية التي أنشأت لها الدولة لأول مرة في تاريخ البلاد وزارة مستقلة.

وينتهي د. إسماعيل صبري عبد الله في بحثه الاقتصادي إلي القول: “ومع ذلك لا يملك المرء إلا أن يشيد بما توصل إليه عبد الناصر بفضل انحيازه إلى الفقراء… فأصبحت توجهاته جزء لا يتجزأ من استراتيجية التنمية المستقلة رغم معارضة غالبية من كانوا حوله من المشتغلين بالاقتصاد فقد أرسى الإستراتيجية التالية:

1-الاعتماد على النفس فلم يكن عبد الناصر مثل كثرين منبهرا بالتفوق الغربي… ولا يميل إلى الاعتماد على الخبرة الأجنبية ولا يقبلها إلا في الحالات التي لا فكاك منها ويسعى إلى تنويع مصادرها حتى لا تتحول إلى قيود وتفرض بالتالي شروطا… كان يرى أن الفنيين والإداريين المصريين قادرون متى أتيحت لهم الفرصة من التعليم واكتساب خبرات مرتبطة بالواقع… فكان يتطلع إلى بناء قاعدة علمية وتكنولوجية، ويكفى دليلا على ذلك الاهتمام المبكر (منذ منتصف الخمسينات) بالطاقة النووية وصناعة الطائرات والطاقة الشمسية…لقد تم إنشاء العديد من المعاهد الفنية ومراكز البحث العلمي والتكنولوجي التي أنشأتها الثورة… وقد أثبت المصريون انهم كانوا على المستوى الذي توقعه عبد الناصر.

2-الوفاء بالاحتياجات الأساسية للجماهير..لقد شملت العديد من القطاعات المرتبطة باحتياجات الغالبية من المصريين التعليم والصحة والإسكان الشعبي والمتوسط…ويجهل الكثيرون أن قطاع الغزل والنسيج كان ملزما بتخصيص ثلث إنتاجه للأقمشة الشعبية وبيعها بأقل من سعر التكلفة وتعويض الشركات برفع أسعار المنسوجات الممتازة… كذلك كان من بين اهتمام ناصر بالسد العالي هو حرصه على توسيع الرقعة الزراعية وبالتالي توسيع رقعة الملكية للمعدمين وخاصة عمال التراحيل والتي كان يذكرها باستمرار في خطبه.

3- المشاركة الشعبية.. مشاركة العمال في الإدارة، وهى حل جديد بين مبدأ المدير الواحد في التجربة السوفيتية ومبدأ التسيير الذاتي في يوغسلافيا. ضمان 80% من مقاعد مجلس إدارة الجمعية التعاونية الزراعية لصغار الفلاحين. (12)

وفي التعقيب والمدخلات على البحث المقدم من د. إسماعيل صبري عبد الله، إضافات استكملت جوانب من الرد على المقولة القائلة بأن التجربة الناصرية تجربة منغلقة اقتصاديا. فيستكمل علي صبري نائب رئيس الجمهورية تغطية الجانب السياسي للعملية التنموية، فطرح عددا من المشاكل التي واجهت الثورة بعد أن تقدمت بخطواتها نحو تصفية السيطرة الاستعمارية على الاقتصاد المصري إلى حد كبير، كي تمهد الأرضية الاقتصادية والاجتماعية التي تيسر عملية التغيير، من أجل تحقيق” الهدف النهائي لأي نظام حكم وطني في بلد عانى من التخلف… وهو مصمم على إلحاق بركب التقدم، وبتعويض ما فات في سنوات القهر من جهة، والدخول في مجال النمو الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي للمجتمع الدولي من جهة أخرى.

فإن لم يفعل ذلك اتسعت الثغرة الفاصلة بين التخلف والتقدم ليشكل نوعا جديدا من الاستعمار والاستغلال يفقد الشعوب المتخلفة حريتها السياسية… والتنمية المستقلة لا تعنى تنمية ثروات المجتمع بمعزل عن المجتمع الدولي معتمدة على الجهود الذاتية والثروة القومية فقط.

بل تعنى أن تكون تلك التنمية متطابقة مع مصالح المجتمع ومتطلباته وآماله طبقا لسياسته الوطنية المستقلة والتي ترمى إلى رفع مستوى الشعب، كل الشعب خاصة طبقاته التي حرمت في ظل الاحتلال وسيطرة رأس المال المستغل المتحالف مع المستعمر وحصول الشعب المحروم على حقه في الحياة الكريمة (13).

وفي تقييم د. عبد المحسن زلزلة للبحث ولنموذج التنمية الناصري أكد على أن “…التجربة الناصرية قدمت نموذجا فريدا ورائدا للتنمية المستقلة في ظل العدوان، وطرحت نموذجا تنمويا شموليا متكاملا بأبعاده الداخلية والخارجية، يؤكد العلاقة العضوية بين جانبي الأمن والإنماء، فالأول هو سياج الثاني، والثاني هو قاعدة للأول، وهما بتفاعلاتهما يختصران الهدف التنموي، والمصالح القومية.

وكان النموذج الناصري المستقل من بين النماذج القليلة الشاملة والمتكاملة في العالم الثالث بل هو أقدمها عهدا وأكثرها أصالة في تعبيره عن الإرادة المستقلة والقرار الوطني لنفى التبعية والتحرر من شبكة وآليات النظام الاقتصادي الدولي ومؤسساته الدولي وشركاته العملاقة”.

ويشير د. زلزلة أن التجربة التنموية الناصرية “كانت تركز على البعد الإنساني فأكدت على موقع الإنسان المتميز باعتباره هدف التنمية وأداتها. ولعلنا ندرك حصافة الثورة في هذا التوجيه الإنساني في ظل ما تشهده الحقبة الحالية من تشويه للقيم، ومحاولة تغير الوظيفة الطبيعية للمال كعنصر مساعد للتنمية ليكون أداة لتحقيق التبعية وليحيل موقع الصدارة بين عوامل الإنتاج.

وقد أدرك عبد الناصر مخاطر التبعية التي يكون المال والتكنولوجيا رأس حربتها في اختراق للبنية الاقتصادية في العالم النامي، وما لم يتحقق في العهد الناصري حققه الطوفان النفطي بعده في السبعينات فقد انهارت أمامه السدود الهشة لتشوه معه أولويات التنمية وأنماطها.

وانتهينا ليصبح عنصر المال هو العنصر الإنتاجي المحاط بهالة التقديس، والذي يمتلك في توجيه المجهودات التنموية العربية، وأخشى ما نخشاه أن تصبح الحدود المالية أداة للتجزئة داخل الوطن العربي أشد في مفهومها من الحدود الجغرافية.” (14)

أما د. لبيب شقير فيذكر أنه عند البدء في التنمية الاقتصادية المستقلة، لم يكن مصطلح التنمية المستقلة قد تداول كمصطلح على المستوى الاقتصادي أو السياسي وفى العالم. وبهذا تكون الناصرية قد سلكت في تطبيقها التنمية المستقلة قبل أن يظهر مصطلح التنمية المستقلة..ويقرر لبيب شقير أن التعريف مازال يثير جدلا حوله، إلا أن هناك اتفاق من أغلب الاقتصاديين حول العناصر الأساسية المكونة لمصطلح التنمية المستقلة وهي:

1-أن التنمية المستقلة تعمل على القضاء على أوضاع التبعية الاقتصادية التي يكون القطر المتخلف قد رزح تحتها طويلا في مواجهة السوق الرأسمالية العالمية.

2-تستلزم الاعتماد على النفس إلى أبعد الحدود، كنقيض للموقف السلبي الذي يترك التخطيط والإدارة والتمويل للسوق الرأسمالية العالمية التي توجه لصالحها.

3-نظرا لضآلة الإمكانات التخطيطية والفنية والإدارية والتمويلية والتنفيذية لأي قطر متخلف بالنسبة لما تستلزمه عملية التنمية المستقلة، لذلك يكون من الضروري إقامة نوع من التعاون والترابط الاقتصادي بين مجموعة أقطار متخلفة لتحقيق هذه التنمية فيها جميعا… فتتيح توسيع حجم السوق أمام كل قطر منها والاستفادة من التباين الموجود لخدمة التنمية.

4-إن توجهات التنمية المستقلة يجب أن تكون نحو تطوير الإنتاج وطاقاته وهيكله على نحو يحقق إلى أبعد مدى ممكن إشباع الحاجات الأساسية للجماهير الشعبية… بهدف خلق سوق داخلية كبيرة ومتنامية.

5-لا تقتصر فكرة إشباع الحاجات الأساسية للجماهير على جانب الإنتاج وحده…ولكنها تشمل أيضا جانب توزيع الدخل بين فئات الشعب على نحو يتيح نصيبا كبيرا ومتزايدا من الدخل للفئات الأكثر عددا من الشعب…ففكرة إشباع الحاجات الأساسية ليست فقط ذات مفهوم إنتاجي استهلاكي ولكنها أيضا ذات مفهوم توزيعي يتمثل في إعادة توزيع الدخل لصالح الطبقات الأكثر عددا.

على أساس القاعدة السابقة لجوهر التنمية يقيس د. لبيب شقير بين العناصر المكونة للتنمية المستقلة، وبين ما نفذ بالفعل في عمر التجربة الناصرية فيقول:” أستطيع أن أؤكد أن ثورة يوليو كانت من أول الأنظمة الاقتصادية التي ظهرت في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي أخذت توجهات وممارسة سياسات تترجم إلى درجة كبيرة هذه النقاط… وليس يعنى ذلك أن الثورة قد توصلت منذ البداية ومرة واحدة لهذه النقاط.

إذ تكشف الدراسة التاريخية عن أنها مرت بمراحل وبتطورات متتالية حتى وصلت إلى تصور يقترب في جوانب عديدة من مفاهيم النقاط الخمس التي أشرنا إليها. كذلك فأنا لا أزعم أن ثورة يوليو قد وجدت حلا لكل المشكلات التي ظهرت لها خلال عملية التنمية المستقلة التي حاولت تحقيقها.” (15)

وينضم وزير اقتصادي آخر هو د. محمد محمود الأمام فيذكر كيف استطاعت الثورة أن تعبئ الأجهزة الفنية للقيام بدراسات جادة لمشروعات التنمية وفقا للأهداف التي تبنتها الثورة، رغم عدم وجود سابق خبرة بتلك الدراسات. وهذا يؤكد أنه ليس هناك شيئا مستحيلا أمام العالم الثالث، إذا ما توفرت الإرادة السياسية لذلك. ويربط د. محمد محمود إمام بين خطورة الدور الذي يلعبه القطاع المالي… فقد شهدت سنة 1956 بدايات ذلك القطاع، وكلنا يعلم المآسي التي جرها ذلك القطاع على مصر خلال قرن من الزمان، ما يهمنا الآن أن المال عاد ليطل برأسه مرة أخرى في الوقت الحاضر.

غير أن الاختلاف الأساسي بين ممارسة الثورة وما يحدث الآن هو تحول الأمر من استقطاب الموارد المحلية وتعبئتها لأغراض التنمية إلى اللهث وراء العملات الأجنبية. وبدلا من أن توجه تلك العملات لتحقيق أهداف ومتطلبات التنمية أصبحت التنمية والقرارات الاقتصادية لاستجلاب العملات الأجنبية بأي وسيلة.

ويؤكد هذا خطورة محاولة الانخراط في الأطر والمواصفات التي يحددها النظام الاقتصادي الدولي الراهن… إن التأميم (قناة السويس) قد أمد مصر بالموارد التي غطت احتياجات الخطة الخمسية الأولى من النقد الأجنبي. وهذا يؤكد ما يترتب على النظام الاقتصادي العالمي من استنزاف للموارد الوطنية لدولة العالم الثالث، وأهمية استرداد تلك الدول سيطرتها على مواردها الذاتية بما يحرر قراراها الإنمائي من السيطرة الخارجية. والأمر المؤكد أن حرب 1967 كانت أساسا حربا على التنمية المصرية المتحررة”. (16)

على الرغم من التراجع في معدلات النمو عن السابق، وحجم الخسائر نتيجة لحرب يونيو 1967، وتوجيه جزء كبير من الإنفاق إلى المجهود العسكري استعدادا لحرب قادمة مع إسرائيل، ظلت القواعد والمبادئ الرئيسية التي قامت عليها التجربة الناصرية في المجال الاقتصادي مستمرة في التطبيق لم تتغير.

فظل القطاع العام يقوم بالدور الرئيسي في الحياة الاقتصادية كما في السابق، له السيطرة على قطاع البنوك، وله السيطرة على قطاع التجارة الخارجية، فبشهادة المحايدين من الاقتصاديين المصريين وغيرهم ظل القطاع العام الرائد في مجال الاستثمار. في الوقت الذي لم تتعدى مساهمة القطاع الخاص في مجال الاستثمار بما لا يزيد عن 10% من مجمل الاستثمارات. وظلت الدولة مستمرة بالقيام بدورها في مجال إحلال التوازن الاجتماعي عبر العديد من القنوات من أجل توزيع عادل للدخل القومي.

إذن، ليس صحيحا أن الاقتصاد المصري قد وصل إلى حالة من الانهيار، ولكن في حالة أثرت على الاندفاع نحو تحقيق معدلات عالية على مستوى الإنتاج وتوزيع عائده، بسبب العدوان الإسرائيلي في يونيو 1967. لقد بالغ المؤيدين والمنتفعين من سياسة الانفتاح الاقتصادي في إلصاق العديد من التهم والمساوئ بالتجربة الناصرية، فهذا عبد العزيز حجازي الذي كان واحدا من نجوم الوزراء في عهد عبد الناصر وواحدا مما صاغوا القوانين الاشتراكية، يعاهد ناصر يوم وفاته قائلا:

” عشت معك _ يا من ملكت على الناس قلوبهم _ اصعب لحظات عمرك فوجدتك مؤمنا، وصادقا، أمينا، مخلصا، تريد لشعبك الحياة وتتطلع إلي النصر والسلام، فكنت أنت المثل في التضحية والفداء، ونحن إن افتقدناك اليوم فأنت تعيش معنا قلبا كبيرا وفكرا ثاقبا وعملا دائبا فرسالتك لن تموت لأنك أشعلت فينا شعلة النور التي لا تنطفئ.” (17)

في عهد السادات وبعد أن أصبح د.عبد العزيز حجازي رئيسا للوزراء، تغيرت قناعته فمن المؤمنين بالعدالة الاجتماعية والنهج الاشتراكي.. إلى واضع الحجر الأساسي لسياسة الانفتاح الاقتصادي!! ولم يتخلف عن الآخرين في توجيه النقد للتجربة الناصرية محملا إياها المسئولة عن السلبيات والفشل الذي لحق بسياسة الانفتاح الاقتصادي في قطاع الزراعة فرد ذلك إلي السياسة التي اتبعتها الناصرية في إتاحة فرص التعليم أبناء الشعب المصري بغير استثناء أو تمييز فقال:

… “دعنا نعترف أن عبد الناصر عندما فتح الجامعات والمعاهد العليا على مصراعيها ضمن سياسة التعليم المجاني. فقد أدى ذلك إلى خروج فئات جديدة، فاليوم يوجد في الجامعة حوالي نصف مليون، وبذلك الخارج منها من لا يعمل في الزراعة، فأصبحنا لا نستطيع لوم سياسة الانفتاح على ذلك ولكن نلقى اللوم على السياسة التعليمية. فمن ضمن أسباب الحالة التي نعاني منها في مصر حاليا هو أننا قد خرجنا جامعيين أكثر مما تحتاج مصر، ربما نزح بعضهم إلى دول عربية وربما يعمل جزء الآخر في مهن غير مهنهم، ولكن بلا شك فان ذلك هو أحد الأخطاء آلتي ترتبت على سياسة الاشتراكية والتعليم للجميع، أنا مع تعليم الفقراء ولكن الممتازين.” (18)

الخلاصة

كان الهجوم على التجربة الناصرية في مجالها الاقتصادي والتنموي يستكمل ويتداخل مع الهجوم الأول الذي تناول التجربة الناصرية في جانبها التنظيمي وفي جانبها الديمقراطي. فلقد تم تضخيم النواقص والسلبيات التي رافقت التجربة الناصرية في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وكان الهدف المطلوب هدم القطاع العام وتفكيكه وبيعه. ولأن القطاع العام كان يمثل حجر الأساس في التجربة الناصرية اقتصاديا واجتماعيا، فتم اختيار عدد من شركاته لا تتجاوز في مجموعها عن 10% من مجموع شركاته البالغة 378 شركة، والتي لم يحقق إنتاجها أرباحا مالية، فأصبحت الدليل المادي على فشل القطاع العام ودوره في التنمية.

وبهذا تحول القطاع العام إلى نموذج فاشل يحوي كل مساوئ ونواقص المشروع الاقتصادي..فهو يحوى العمالة الزائدة، ونموذجا صارخا على فشل أسلوب الإدارة، وانه وسيلة لإهدار المال العام:” فكانت هناك حملة شعواء بدأت تظهر قبل حرب أكتوبر 1973، وظلت تقوى على مر الأيام ضد تجربة السياسة الاقتصادية لمصر خلال عقد الستينات مستغلة في ذلك سلبيات هذه السياسة من ناحية، ومرتكزة على عدد من المشكلات الاقتصاد المصري التي ترتبت على عدوان 1967 الذي أسعدهم فساعدهم على تفريغ ما بهم من كراهية وليس نقد علمي متخصص يتناول قضايا محددة.

ولم يصل نقد التجربة الناصرية للقطاع العام مقارنة بالنقد العلني الذي كان يوجهه ناصر للسلبيات والأخطاء التي كانت تحدث في القطاع العام. فأمام البرلمان المصري ينتقد ناصر القصور والأخطاء الموجودة في القطاع العام، فيقول:” فيه نقطة بدي أتعرض إليها وهي نقطة التعرض للقطاع العام والهمس ضد القطاع العام..فيه ناس ليست لها مصلحة في خلق القطاع العام.. الكلام اللي قاله وزير الصناعة عن الإنتاج وزيادة الإنتاج في المصانع اللي أممت كلام حقيقي وتقدروا تتأكدوا بنفسكم…وإذا شفنا غلط في القطاع العام نقول إن فيه غلط أنا ما بقولش إن ما فيش غلط..أنا بقول إن الشركة اللي أممت يمكن فيها ميت خطأ.. مخلصناش الميه لكن يمكن فاضل عشرين أو خمسة وعشرين..طبعا بيحصل تركيز على هذه الأخطاء..والناس اللي لا مصلحة لها في التأميم ولا مصلحة لها في القطاع العام واللي لها تطلعات رأسمالية هي اللي بتحاول أنها تعمل دوشة حول القطاع العام بيقال طبعا أن فيه بيروقراطية وفيه تعقيدات.. لكن القطاع العام ماشي أحسن في وقت القطاع الخاص أيام تهريب الفلوس. وأيام استغلال العمال… جميع أعداء الاشتراكية حيقعدوا يتكلموا على القطاع العام.” (19)

وكان الهجوم على التجربة الناصرية في مجال التنمية… “ينتهي بالمطالبة بتصفية القطاع العام المملوك للشعب المصري، وبيع شركاته، أو جزء منها للقطاع الخاص _خاصة شركاته التي تدر أرباحا_ في الوقت الذي أغفلوا فيه الدور الإيجابي المضطلع به القطاع العام في حجم الإنتاج القومي والبالغ 90% من مجموع الإنتاج القومي (ما عدا الزراعة)، وتزويده للاقتصاد المصري بما يزيد عن 90% من حجم الادخار المستثمر.” (20)

ويرد بيتر مانسفيلد على الدعاية الموجهة إلي الناصرية وعبد الناصر بقوله:”…كان العداء الموجه إلي ناصر إلي أبعد حد وسوء نية الغرب تجاه شخصية ناصر. كانت الأغلبية العظمي من الغربيين تريد حقا أن تصدق أن مصر عبد الناصر في طريقها إلي الفوضى والخراب. والسؤال هو: ما مدي ما يمكن أن يضيفه المرء أو يحذفه من هذا الحكم اليوم، وبعد أربع سنوات من وفاة ناصر والأحداث الهائلة التي تلت وفاته وغيرت صورة الشرق الأوسط؟

والرد لا توجد حاجة إلي تقييم جديد لحجم ومكانة ناصر. وقد لا يكون من السهل تذكر الأثر الكامل لشخصيته على المصريين، والعرب ككل، وعلى العالم الثالث أو على الغرب ، لكنه بالنسبة إلي المواطنين في مصر الذين قاسوا علة مدي 2500 سنة من اللامبالاة والاحتقار لهم من جانب الحكام الأجانب ومن جانب الأرستقراطية المالكة للأرض والتي كانت أجنبية في نظرتها إلي الأمور وفي مصالحها وأحيانا في أصولها الرجل الذي زودهم بالتجربة المثيرة في الإعلان على العالم أن مثل هذا الوضع لم يعد مقبولا وأن المصريين سيصبحون من ألان سادة أنفسهم انهم يرفضون تنكيس رؤوسهم خضوعا لأحد.

ولا زلت أعتقد أن عبد الناصر كان -بالمعني السياسي- أول زعيم مصري مكن بلاده من أن تقف مرفوعة الرأس وبفاعلية ضد سيطرة الغرب… ومن ناحية أخري وجد الشعب العربي في صوت عبد الناصر صوتا يعبر عن أعمق مشاعره. لقد أدرك عبد الناصر _ من خلال تطور الثورة وتطور أفكاره معها _ الحاجة الحتمية إلي الوحدة العربية، والدور الحيوي لمصر في الاستراتيجية العربية. وقد كرس الكثير من طاقته لتأكيد هاتين الحقيقتين للشعب المصري.

ولا يوجد أدني شك في أن عبد الناصر كان قوميا عربيا كما كان وطنيا مصريا. وهو لم يكن يؤمن بأنه لا يمكن الفصل بين القومية العربية والوطنية فحسب، وإنما كان يؤمن أيضا بأن من المستحيل أن يكون المرء وطنيا من دون أن يكون قوميا، أو أن يكون قوميا من دون أن يكون وطنيا… واليوم يستخدم ناقدو ناصر نوعين من الحجج ضد هذه المنجزات. يقول: مثلا، أن النظام الملكي والبرلماني الحزبي لم يكن سيئا في الواقع، وأنه كان في استطاعته أن يحقق الإصلاحات الجوهرية… أي أنهم يريدون القول بأن الإصلاح الزراعي، وتمصير الاقتصاد، وتأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، كانت ستتم لو استمر فاروق على العرش واستمرت رئاسة الوزارة متبادلة بين أصدقائه ومصطفي النحاس.

وهم يقولون، كحجة ثانية ومضادة، أن الإصلاحات لم تكن ضرورية وأثبتت فشلها: الإصلاح الزراعي فشل، والاقتصاد كان سيزدهر أكثر بين أيدي الأجانب الأكثر خبرة، وما كان للسد العالي أن يقام أبدا، بل أن بعضهم يذهب إلي حد القول بأنه ما كان ينبغي تأميم قناة السويس (إشارة إلي ما قال به توفيق الحكيم في إطار حملته على عبد الناصر). وفي رأيي أن كلا من النظام الملكي والنظام البرلماني، كما عرفتهما مصر لمدة ثلاثين سنة، كانا قد تجاوزا أي إمكانية لبعث الحياة فيهما، وكان لا بد من كنسهما.

عن admin

شاهد أيضاً

شهادة يوسف صديق عن دور جمال عبد الناصر فى ليلة 23 يوليو 1952. بقلم : عمرو صابح

    الضابط الحر “يوسف صديق ” لعب دوراً هاماً ومحورياً فى فجر يوم 23 …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *