الرئيسية / حوارات ناصرية / القول الفصل فى قضية عبد الناصر والإخوان

القول الفصل فى قضية عبد الناصر والإخوان

محمد سلماوى
لا شك أن المفكر الكبير ثروت الخرباوى يعتبر حجة ومرجعا فيما يتعلق بالقضايا المتصلة بتنظيم الإخوان، وبطبيعة فكرهم، وبتفاصيل سياساتهم، وبأحداث تاريخهم، العلنى منه والسرى، فمثل هذه التنظيمات شبه الماسونية التى تدعى العلنية بينما ما خفى منها كان أعظم، هى أشبه بجبال الجليد التى لا يظهر منها على سطح الماء إلا نسبة ضئيلة من حجمها، بينما الخطورة كلها تكمن فى الجزء المخفى عن العين، والذى يتسبب فى الكوارث التى تحصد أرواح البشر.

وقد خابر ثروت الخرباوى الإخوان من خلال السنوات التى قضاها بين صفوفهم عضوا بجماعتهم حتى وصل الى المواقع القيادية، لكنه بعد أن اكتشف حقيقتهم خرج عليهم، وهو ما وضعه فى موقع فريد يستطيع من خلاله أن يحكم على أى أمر يتعلق بالإخوان الحكم الصحيح الذى لا يستطيعه من لم يخالطهم ولم يكن يوما ضمن صفوفهم.

من هنا تأتى أهمية ما يقدمه لنا ثروت الخرباوى فى واحد من أهم كتبه وهو كتاب اهل كان عبد الناصر إخوانيا؟ الذى نشر أخيرا فى سلسلة «كتاب اليوم» التى تصدرها مؤسسة «أخبار اليوم»، فرغم صغر حجم الكتاب (134 صفحة من القطع الصغير) فإنه يعالج موضوعه من جميع زواياه، ويقدم لنا تحقيقا استقصائيا بامتياز، يتضمن شهادات ووثائق لم تنشر من قبل حول حقيقة العلاقة بين الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وتنظيم الإخوان المسلمين، وهى القضية التى أثارها مسلسل االجماعةب للكاتب الكبير وحيد حامد والذى صور عبد الناصر وهو يبايع الإخوان، ورغم أن كتاب الخرباوى يثبت بالدليل القاطع عدم صحة ذلك، إلا أن علينا أن نذكر لوحيد حامد أنه وسط الإسفاف والسفه الذى وصلت اليه الدراما التليفزيونية اختار أن يعالج قضية سياسية واجتماعية مهمة من قضايا تاريخنا المعاصر، بل ونجح بما قدمه فى المسلسل من معالجة درامية جادة تحترم عقل المشاهد، فى أن يجعل بعض ما ورد فى مسلسله محور اهتمام الناس على مدى شهور متصلة بدلا من مشاهد الإثارة وموضوعات النصب والسرقة التى تمتليء بها المسلسلات الأخرى، أما أنه ذهب إلى أن عبد الناصر قد انضم إلى الإخوان فى مراحل مبكرة من حياته، فقد اختلف معه فيها الكثيرون، لكن من قال إن علينا أن نقر ونقبل بكل ما يذهب اليه الكاتب أو الأديب حين يعالج التاريخ فى ابداعه الفنى؟ لقد صور شكسبير ملكة مصر البطلمية كليوباترا وقد ضحت بحياتها من أجل حبها لأنطونيو، بينما صورها برنارد شو فتاة لعوبا تلهو بقيصر روما العجوز، أما فى رائعة شوقى فهى الوطنية الحريصة على مجد بلادها التى أنهت حياتها بيدها بعد أن انهزمت حتى لا تساق ملكة مصر فى شوارع روما مكبلة بالأصفاد.

إن رؤية الكاتب لموضوعه قد نتفق معه فيها أو نختلف، لكنها حقه الأصيل مادام لم يغير فى الوقائع التاريخية الثابتة، وهذا ما فعله وحيد حامد، فقد اعتمد على مصادر موجودة بالفعل شهدت بأن عبد الناصر بايع المرشد العام للإخوان المسلمين، ورغم أننى لا أعتقد فى صحة تلك الشهادات فتاريخ عبد الناصر كله يشهد بزيفها، فإننى سعدت بأن فتح مسلسل وحيد حامد هذا الملف الذى جاء كتاب ثروت الخرباوى فأغلقه بالبرهان الأكيد، وليتنا نخضع تاريخنا كله للبحث والدراسة ففيه الكثير مما يتطلب إعادة النظر.

إن أهمية كتاب الخرباوى أنه لم يغفل أيا من المصادر التى أدلت بدلوها فى علاقة عبد الناصر بالإخوان، بما فى ذلك شهادة عبد الناصر نفسه، لكنه لم يأخذها كما هى، بل أخضعها للتمحيص والتحليل من منظور لا يملكه غيره، وهو معرفته الدقيقة بطبيعة الإخوان وبالتقاليد واللوائح الداخلية التى تنظم عملهم والتى لا تستقيم معها بعض الشهادات رغم أهمية أسماء أصحابها، كما أنه لم يكتف بالشهادات المعروفة والتى تم تداولها طوال السنوات الماضية، وانما قدم لنا شهادات جديدة وكشف لنا النقاب عن وثائق وأحداث لم تكن معروفة من قبل، تثبت جميعها أن غاية اقتراب عبد الناصر من الإخوان كان التحالف معهم فى القضية الوطنية، وهو التحالف الذى تراجع عنه عبد الناصر بعد إن تكشفت أمامه حقيقة الإخوان، لكنه أبدا لم يبايعهم ولا انضم لصفوفهم. وأنا شخصيا لا أعرف ماذا يضير لو أن جمال عبد الناصر تحالف فى فترة معينة من شبابه مع الإخوان؟ لقد كان شابا وطنيا منشغلا بخلاص البلاد من الاستعمار والفساد والجهل والتخلف، وكان من الطبيعى أن يقترب من كل التنظيمات التى كانت ترفع لواء الوطنية فى ذلك الوقت، ولا شك أن الإخوان كانوا وقتها يرفعون مثل هذا اللواء، كما كان يرفعه حزب الوفد، ومصر الفتاة أيضا، لذلك اقترب عبدالناصر من الإخوان لكنه لم يقتنع بهم، واقترب من الوفد ولم يقتنع به، واقترب من مصر الفتاة أيضا، لكنه فى النهاية طرح فكرا جديدا يقوم فى الداخل على التحديث والتصنيع والعدالة الاجتماعية (عن غير الطريق الماركسي الذى كان منتشرا فى ذلك الوقت) وعلى التحرر والقومية العربية وعدم الانحياز فى الخارج، إن المهم تاريخيا ليس أن عبد الناصر انتمى للإخوان أو الوفد أو مصر الفتاة، وإنما المهم أنه تركهم جميعا، فقيمة هذا الزعيم الذى لم تعرف الأمة العربية مثيلا له فى تاريخها الحديث لا تنبع من التنظيمات التى اقترب منها أو انتمى إليها فى مقتبل العمر بحثا عن خلاص البلاد، وانما فيما طرحه من فكر بديل عن فكر كل هؤلاء كان له الغلبة بعد ذلك فى المنطقة، بل وفى العالم الثالث كله فى أواسط القرن العشرين، وهو ما غير الخريطة الدولية وبدأ مرحلة جديدة فى التاريخ فلم يعد العالم بعد عبد الناصر كما كان قبله.

على أن أهم ما فى كتاب هل كان عبد الناصر إخوانيا؟هو أن صاحبه كان من التجرد والموضوعية بما مكنه من التحرر من نظرة الإسلاميين الضيقة لعبد الناصر كحاكم مستبد وضعهم فى السجون ووقف فى طريق تحقيق حلمهم الامبراطورى، ليظهِر لنا الصورة الحقيقية لذلك الزعيم الفذ الذى حقق للأمة العربية ما لم يحققه غيره، وهذا هو ما يضفى على الكتاب قدرا كبيرا من المصداقية التى تجعل ما ورد فيه هو القول الفصل فى موضوع العلاقة بين عبد الناصر والإخوان.

عن admin

شاهد أيضاً

سامى شرف يصوب بعض ما جاء فى مذكرات السيد عمرو موسى و تعليق من د.كمال خلف الطويل

صرح السيد “سامى شرف” سكرتير الرئيس جمال عبد الناصر للمعلومات ، ووزير شئون رئاسة الجمهورية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *