الرئيسية / أخــبار / الرّئيس والنّساء أو إفاقة البورقيبيّ «المتخاذل» من سُباته

الرّئيس والنّساء أو إفاقة البورقيبيّ «المتخاذل» من سُباته


الأربعاء 16 أوت 2017

أثار خطاب رئيس الجمهوريّة الباجي قائد السّبسيّ بمناسبة عيد المرأة الموافق للذّكرى الواحدة والستّين لصدور مجلّة الأحوال الشّخصيّة، الوثيقة الشّهيرة الّتي تلتْ إعلان الجمهوريّة وشكّلت الإطار القانونيّ للأسرة التّونسيّة على أساس عصريّ يتماشي مع مبادئ حقوق الإنسان والقيم الكونيّة الحديثة، لغطا بين الجمهور والنّخب الثّقافيّة والسّياسيّة، وتباينا بين التّوجّهات الفكريّة المختلفة في تقويم الخطاب وخاصّة الجانب المتعلّق فيه بالدّعوة إلى مراجعة المنشور عدد 73 الذي يمنع التّونسيّات المسلمات من الزّواج بغير المسلمين، وبالموقف من مسألة المساواة في الميراث بين النّساء والرّجال، وذلك بعد أيّام قليلة من مصادقة مجلس الشّعب على قانون القضاء على العنف الموجّه ضدّ النّساء.
ولا شكّ أنّ خطاب الرّئيس كشف عن “جرأة” فكريّة غير متوقّعة من رئيس يضع يده في يد “شيخ” ينتمي إلى مرجعيّة فكريّة وثقافيّة وسياسيّة تعتبر مراجعة مسألة الميراث وزواج المسلمة من غير المسلم خروجا عن صحيح الشّريعة الإسلاميّة، لا يحتمله التّوافق الانتهازيّ التّكتيكيّ بين الشّيخين المنحدرين من تربتين فكريّتين مختلفتين، ويصعب على الغنّوشي، وخصوصا على الشّريحة الغالبة من جمهور النّهضة، وهو جمهور راديكاليّ في عمقه، قبولها على الرّغم من كلّ الادّعاءات التّي تسوّق لها الحركة حول الاعتدال ودخول “الزّمن التّونسيّ” والقطع مع الأخونة والحسم في الدّعويّ وتبنّي التصوّر المدني للدّولة.
وتبدو تلك “الجرأة” المفاجئة التي عبّر عنها السّبسيّ مفهومة إذا وضعنا في الاعتبار الدّوافع الّتي كانت وراء إطلاقها، وهي دوافع براغماتيّة سياسيّة في مجملها، لا تخرج عن استمالة الكتلة الانتخابيّة النّسائيّة الّتي بفضلها وصل الرّئيس إلى سدّة الرّئاسة في معركة انتخابيّة طاحنة لم يكن لينتصر فيها لولا النّساء، وهي كتلة تتّهمه بأنّه تخلّى عنها بتحالفه غير المتوقّع مع العدوّ المشترك: عدوّ النّساء و“البورقيبيّة” معا، على الرّغم من محاولة الرّئيس ومعاونيه، وخصوصا معاوناته!، الإيحاء بالطّابع الإيديولوجيّ للخطاب من خلال تأكيد جذوره التّنويريّة البورقيبيّة الّتي ينحدر منها الرّئيس، وهي جذور تقتضي من صاحبها دعم مكتسبات المرأة وتطوير مجلّة الأحوال الشّخصيّة، و“المزايدة” على الإرث البورقيبيّ، إذا دعت الحاجة، وذلك بالاجتراء على مسألة ظلّت غير قابلة للمسّ حتّى من قبل الزّعيم بورقيبة نفسه، وهو الّذي كان رغم راديكاليّته المعروفة يحسن المناورة واللّعب كلّما تعلّق الأمر بـ“الثّوابت الدّينيّة”.
ولعلّ الطّابع الاستعراضي الذي أحاط بالخطاب والقرارات الّتي دعا إليها، يؤكّد أنّ الغاية من ورائه كانت في المقام الأوّل دغدغة عواطف الكتلة النّسائيّة، وتتعدّاها إلى النّخبة الليبراليّة واليساريّة الغاضبة من مواقف رئيس يرتدي الجبّة الحداثيّة وفي الوقت ذاته يضع يده في يد الشّيخ المعمّم (وإن ارتدى ربطة عنق)، فضلا عن كونها رسالة إلى الحليف/ اللّدود تذكّره بأنّ الرّئيس لا يزال يمتلك أكثر الأوراق قدرة على قلب قواعد المعادلة السّياسيّة لصالح خصوم النّهضة: أي ورقة النّساء.
ولكنّ تلك الجرأة غير المتوقّعة، خصوصا مع حالة الانقسام الّتي يعيشها حزب الرّئيس وضعف جبهة المعارضة ضدّ النّهضة، وتغلغل النّهضة في الحكم والنّجاح النّسبيّ لرهان أسلمة المجتمع، تثير إشكاليّة جوهريّة لا بدّ من الانتباه إليها وتفكيكها حتّى يسهل فهم ما يحدث في الجمهوريّة الثّانيّة “المزعومة”، هي إشكاليّة “بورقيبيّة” الباجي قائد السّبسيّ. فالرّجل، كما لا يخفى على أحد، يصرّ على الظّهور في صورة وريث بورقيبة لا في المشروع السّياسيّ والتّنويريّ فحسب، وإنّما كذلك في المظهر الخارجيّ والحركات ونبرة الصّوت، في نوع من التقمّص يعكس حجم القلق “الأوديبيّ” تجاه الزّعيم بورقيبة يشي بتأرجح الرّئيس بين الرّغبة في تملّك النّموذج البورقيبيّ و“السّطو” عليه، واحتكاره لتوظيفه سياسيّا في وجه خصومه من الإسلاميّين واليساريّين والقوميّين وعموم الدّيمقراطيّين، وبين الحاجة إلى قتل النّموذج الأب.
ولا شكّ أنّ هذا القلق يمكن أن يفيدنا في تفسير علاقة الباجي قائد السّبسيّ بالمرأة. فالمطّلع على مسيرة ساكن قرطاج و“سرديّته” الشّخصيّة، يعرف أنّه ليس مدافعا شرسا عن النّساء مثل “أبيه” الزّعيم بورقيبة، ولم تعرف عنه مواقف ذات بال في هذا المجال، بل إنّ زلاّت لسانه الكثيرة كشفت أحيانا عن مواقف معادية من المرأة. كما أنّه لم يقم بإنجازات هامّة في هذا المجال طيلة فترته الرّئاسيّة، هذا إذا ما استثنينا المستجدّات الأخيرة.
غير أنّ الفترة الأخيرة كشفت عن وجه جديد للباجي، أي وجه الرّجل المدافع عن المرأة المتبنّي للإرث التّنويريّ حول النساء، وقد بدا ذلك جليّا في تحيّته اللاّفتة لروح “الطّاهر الحدّاد” الأب الفعليّ لقضيّة تحرير المرأة التّونسيّة في فاتحة الخطاب، وفي تلميحه إلى كونه كان “شاهدا على إصدار مجلّة الأحوال الشّخصيّة”، وفي حملته الواضحة على “التّزمّت والتّمييز والعنف ضدّ النّساء”، وخصوصا في تقمّص صورة الأب المحرّر من خلال استعمال عبارة :« بناتي العزيزات». ولا يخفى ما يعنيه ذلك التقمّص من استحضار لصورة بورقيبة المخلّص ومحرّر المرأة في ضرب من التّبادل الرّمزي بين الرّئيس والأب النّموذج.
وهذا الالتباس ينبّه إلى ثقل أزمة الهويّة السياسيّة والإيديولوجيّة الّتي يرزح الرّئيسُ تحت وطأتها، ممّا يجعل منه رئيسا إشكاليّا خصوصا في مواقفه من الزّعيم بورقيبة.
فلقد ولد السّبسيّ في حضن “فلسفة” بورقيبة في السّياسة والمجتمع والثّقافة ونما وترعرع، وكان وفيّا لتلك الفلسفة في الغالب، إذا ما استثنينا مواقفه المزعومة من مسألة الاستبداد البورقيبيّ. ولم يكن مستغربا، والحال تلك، أن يبني الرّجل مشروع “نداء تونس” ثمّ حملة حزبه الانتخابيّة البرلمانيّة، وحملته الخاصّة في الانتخابات الرّئاسيّة، معتمدا مرتكزات الخطاب التّنويريّ الحداثي البورقيبيّ. وكان ذلك بمثابة إعلان مواجهة مع المشروع الإخوانيّ الدّينيّ الصّاعد بعد “الرّبيع العربيّ”.
ولا شكّ أنّ ذلك التبنّي هو الّذي حدا بفئات مختلفة من اليساريّين والليبراليّين والحـــــــــداثيّين المستقلّين والنّقابيّين إلى الاصطفاف وراء الباجي ودعمه لإسقاط حكومة “التّرويكا” في مرحلة أولى، ثم في الانتخابات البرلمانيّة والرّئاسيّة في مرحلة لاحقة، على الرّغم من اختلافهم التّاريخيّ معه. ولا بدّ من التّذكير هنا بفضل جمهور النّساء التّونسيّات في ذلك كلّه، فقد كان دورهنّ حاسما في اعتصام الرّحيل الّذي عجّل بخروج النّهضة من الحكم وفتح الباب واسعا أمام “الباجي قائد السّبسيّ” لتحقيق حلمه التّاريخيّ المتمثّل في اعتلاء كرسيّ الرّئاسة، وسدّ الافتقار الّذي طالما عاشه نتيجة القلق “الأوديبيّ” الّذي سبقت الإشارة إليه.
وكان المتوقّع أن تحقّق العهدة الرّئاسيّة للرّئيس الخارج من رحم معاناة التّونسيّين والتّونسيّات، حلمهم في بناء جمهوريّة ثانية تلتزم بجملة المطالب الّتي رافقت صعود الرّئيس، ولا سيما تلك المتعلّقة بمدنيّة الدّولة واحترام الحريات والحقوق الفرديّة وتعزيز مكاسب النّساء. ولكنّ إكراهات الحكم وتدخّل القوى الخارجيّة، و“براغماتيّة” الرّئيس المتعطّش للحكم، كلّها عناصر جعلت الرياح تعصف بسفينة الباجي قائد السّبسيّ، لترسو على شواطئ خصم الأمس في تحالف خذل آلاف المصوّتين للباجي، وخصوصا من النّساء.
ولا شكّ أن الرّئيس قد سعى في خطاب عيد المرأة إلى التّقليل من حجم خيبة تلك الكتلة محاولا طمأنتها من خلال التّذكير بأنّ “خيانته” لهم لا تعدو أن تكون حركة تكتيكيّة اقتضتها إكراهات الحكم، وعدم شجاعة الحلفاء الحقيقيّين من الحداثيّين واليسارييّن الّذين تخلّوا عنه في لحظة حرجة. ولكنّه لم ينجح في مسح صورة البورقيبيّ المترنّح الّذي يتلذّذ الدّسم على موائد نساء تونس اللّواتي رفضن المساومة على حريّتهنّ، وفي الوقت ذاته ينام في خيمة صديقه اللّدود الغنّوشي الّذي لا يطمئنّ كثيرا لانعتاق النّساء لأنّه يعلم تمام العلم أنّ ذلك الانعتاق لا يعدو أن يكون الخطر الأساسيّ الّذي يتهدّد مشروعه الذّكوريّ في الجوهر. والمناورة بين إرضاء النّساء واستمالة ودّهنّ ليكنّ وقود الانتخابات القادمة، وضمان صمت دفء خيمة الشّيخ وتجنّب المصادمة معه، وتوجيه رسائل تحذير له، ستفسح اللّجان المشكّلة للتّداول في القرارات، بما تأخذه من زمن، المجال أمام الرّئيس ليطارد حلم عهدة ثانية لم يكن ليحلم بها البتّة.
(*) باحث في الآداب والحضارة العربيّة والجماليّات

بقلم: د. علي العمري (*)

(*) باحث في الآداب والحضارة العربيّة والجماليّات
الرّئيس والنّساء أو إفاقة البورقيبيّ «المتخاذل» من سُباته
0

عن admin

شاهد أيضاً

فلسطينيو الداخل: فعاليات مناهضة لبلفور تحيل الصراع إلى المربع الأول

  Nov 04, 2017   الناصرة :  يواصل فلسطينيو الداخل فعالياتهم الاحتجاجية على ذكرى وعد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *