الرئيسية / حوارات ناصرية / الناصرية ومسألة الديمقراطية

الناصرية ومسألة الديمقراطية

د.عبدالكريم المويل
‏1 أغسطس‏، الساعة ‏11:49 م‏
يأخذ البعض على ثورة [23 يوليو / تموز ] أنها كانت تفتقد إلى الديمقراطية والتعددية الحزبية والسياسية, واعتبار ذلك الخطأ بأنه شكل الحلقة الأضعف في التجربة الناصرية, بل يحملها أعداؤها كل موبقات الديكتاتورية في العالم وليس في مصر فحسب .
قبل الخوض في هذه المسألة, دفاعا وتبريرا أو هجوما وتجريحا, يجب التنويه إلى بعض النقاط التي يقرها علم الاجتماع السياسي وهي :
1 – إن ظهور الديمقراطية وتحقق وجودها في أي مجتمع من المجتمعات, مرتبط بوجود مسألتين, الأولى : وجود طبقة متوسطة كبيرة في المجتمع, والثانية : انتشار التعليم في كافة طبقات المجتمع وإتاحته لكل أفراد المجتمع بلا استثناء. وذلك لأن الديمقراطية هي نظام في المجتمع قبل أن تكون نظاما في الحكم, كما يقولون .
يورد سلامة موسى (1887 – 1958 ) في كتابه (( ما هي النهضة ؟ )) وتحت عنوان ((الديمقراطية : نظام المجتمع )) (( – فلما زالت دولة الإغريق لم نعد نجد هذا الحكم الديمقراطي إلا منذ مائة سنة أو أقل في أوروبا وأمريكا, وذلك لظروف يسهل إيضاحها, فإن الشعب الذي يحكم نفسه يحتاج إلى أن يكون كله أو على الأقل الناخبون فيه متعلمين, وإذا عرفنا أن التعليم لم يصر إلزاميا في إنكلترا مثلا إلا في عام [1870] فإننا نستطيع أن نفهم أن كلمة الديمقراطية كانت من الكلمات التي تدل على معنى المستقبل وليس للحاضر الراهن, أي أنها كانت أملا يرجى حين يعم التعليم, ويقول أيضا : الديمقراطية هي ثورة الطبقة المتوسطة, وعلى هذه الطبقة يقع عبء غرس شجرة الديمقراطية.. والنظام الإقطاعي, لا يمكن أن يهيئ للحكم الديمقراطي, إذ كيف نطالب الفلاحين في قراهم النائية, في فقرهم المدقع, في اعتمادهم الأعمى على مالك الأرض الثري, وأخيرا في جهلهم التام بشؤون الشعب وأميتهم الكاملة في المعاني السياسية والاقتصادية, كيف نطالبهم بأن يكون لهم رأي في نظام الحكم وبرامج السياسة ومقدار الضرائب ؟ )).
2 – إن من الحقائق البديهية التي لا تقبل الجدل هي أن النظام السياسي في أي بلد من البلدان ليس إلا انعكاسا مباشرا للأوضاع الاقتصادية السائدة فيه, وتعبيرا دقيقا عن المصالح المتحكمة في هذه الأوضاع الاقتصادية, فإذا كان الإقطاع هو القوة الاقتصادية التي تسود بلدا من البلدان, فمن المحقق أن الحرية السياسية في هذا البلد لا يمكن أن تكون غير حرية الإقطاع , لأنه يتحكم في المصالح الاقتصادية في هذا البلد, ويملي الشكل السياسي للدولة ويفرضه خدمة لمصالحه, وكذلك الحال عندما تكون القوة الاقتصادية لرأس المال المستغل .
ولقد كانت القوة الاقتصادية في مصر قبل الثورة في يد تحالف بين الإقطاع ورأس المال المستغل, وكان محتما أن تكون الأشكال السياسية بما فيها الأحزاب تعبيرا عن هذه القوة, وواجهة ظاهرة لهذا التحالف بين الإقطاع وبين رأس المال المستغل . ولذلك كانت الديمقراطية التي كانت تمارس قبل ثورة ال52 ليست أكثر من شكل مزيف من أشكال الديمقراطية, لأنها استسلمت للواجهات الدستورية التي لا تحتوي على أي مضمون اقتصادي, ولم تكن هذه الديمقراطية تمثل سوى ديمقراطية تحالف الإقطاع مع رأس المال الذي بقي على علاقة مع الاستعمار ولم يقطع علاقته به, ولأن هذا التحالف كان مستغلا فلم ينجز أي عملية تنمية في المجتمع, ونظرا لأنه لم يقطع علاقته مع الاستعمار, ومعظم حكوماته تشكل في أقبية السفارة البريطانية وعلى الأقل برضا منها. لم يستطع أن ينجز عملية التحرر الوطني, وكل ما أنجزوه لم يكن أكثر من اتفاقية ال36 التي تربط مصر ببريطانيا بشكل شبه أبدي, وبقيت القواعد البريطانية ترزح على صدر مصر في ظل تلك الديمقراطية المزيفة, هذه الديمقراطية التي لم تكن أكثر من تداول للسلطة بين البشوات الذين يمثلون تحالف الإقطاع مع رأس المال, هذه الطبقة التي كانت تحتكر لنفسها كل شيء, التعليم والثروة والبعثات التعليمية والدبلوماسية والمناصب السياسية وكل مناحي الحياة, بينما يئن أكثر من 90% من المجتمع من الفقر والعوز والحرمان والجهل والأمية , محرومون من كل شيء تقريبا ولقمة عيشهم ومصير عيالهم وأبنائهم بيد هؤلاء الأثرياء, سواء كانوا يعملون عمالا في مصانع الرأسماليين أو فلاحين في أرض الإقطاعيين, فالأمر سيان , ولضمان لقمة عيشهم وللحفاظ على الحد الأدنى من شروط حياتهم ليس أمامهم سوى السمع والطاعة لهؤلاء الأسياد , وإعطاءهم أصواتهم في الانتخابات حين يأتي موسم الانتخابات.
انطلاقا من هذه الحقائق, لم تتخل ثورة ال52 عن فكرة الديمقراطية بل العكس كان هو الصحيح, وكانت فكرة إقامة الديمقراطية السليمة هي إحدى أهداف الثورة الستة, وعلى طريق إقامة هذه الديمقراطية كان ما يلي :
(1) – نظرا لأنه لا معنى للديمقراطية السياسية أو للحرية في صورتها السياسية من غير الديمقراطية الاقتصادية أو الحرية في صورتها الاجتماعية, ولأن الديمقراطية السياسية لا يمكن أن تنفصل عن الديمقراطية الاجتماعية , لذلك ربطت الناصرية بين فكرة الديمقراطية وفكرة الاشتراكية وجاء في الميثاق : (( الديمقراطية هي الترجمة الصحيحة لكون الثورة عملا شعبيا, إن الديمقراطية هي توكيد السيادة للشعب ووضع السلطة كلها في يده, وتكريسها لتحقيق كل أهدافه, كذلك فإن الاشتراكية هي الترجمة الصحيحة لكون الثورة عملا تقدميا .. فإن الاشتراكية هي إقامة مجتمع الكفاية والعدل, مجتمع العمل وتكافؤ الفرص, مجتمع الإنتاج ومجتمع الخدمات .. إن الديمقراطية هي الحرية السياسية والاشتراكية هي الحرية الاجتماعية, ولا يمكن الفصل بين الاثنين إنهما جناحا الحرية الحقيقية وبدونهما أو بدون أي منهما لا تستطيع الحرية أن تحلق إلى آفاق الغد المرتقب )).
آ – على طريق تحقيق الحرية الاجتماعية, تم تطبيق إلزامية ومجانية التعليم, ففتحت المدارس أمام أبناء كل طبقات المجتمع, ومكنتهم من التعليم وأجبرتهم عليه, وأمنت العمل لكل متعلم بحيث لم يكن أحد يتخرج من الجامعة وليس لديه عمل شريف يكفيه لبناء حياته, وفتحت المصانع لتستوعب الملايين من العمال, فقد بلغ ما فتحته الدولة بعد ثورة ال52 من المصانع [ 3600 مصنع ], وكان العمال شركاء بالأرباح والإدارة أيضا, و قامت الدولة باستصلاح الأراضي وتوزيعها على الفلاحين , ولإذابة الفوارق بين الطبقات قامت الدولة بعمليات التأميم وبرامج الإصلاح الزراعي المتدرجة .
فانتشر التعليم في المجتمع كما النار في الهشيم, وأصبح التعليم أمل كل الفقراء ومنقذهم, وهو بمتناول أي فرد راغب فيه, وأصبحت الطبقة المتوسطة تشكل أكثر من [80 % ] من أبناء المجتمع, وعملت الثورة على تسييس المجتمع فدخلت السياسة كل بيت, بعد أن كانت قاصرة من قبل على علية القوم والبشوات من أبناء تحالف الإقطاع مع رأس المال, يقول ياسين الحافظ رحمه الله : (( إن أكبر عمل قام فيه عبد الناصر هو تسييس المجتمع والناس )), وبذلك أصبحت الشروط الموضوعية لإقامة الديمقراطية السياسية متوفرة , علما أن هذه الشروط لم تتوفر في ظل أي نظام عربي من قبل .
ب – أما على طريق تحقيق الحرية السياسية, فنظرا لأن الديمقراطية السياسية لا يمكن أن تتحقق في ظل سيطرة طبقة من الطبقات, وحتى تكون الديمقراطية هي سلطة كل الشعب فعلا, عملت الثورة على تذويب الفوارق بين الطبقات , و دعت لأن يكون تحالف قوى الشعب العامل هو البديل الشرعي لتحالف الإقطاع مع رأس المال المستغل, لأنه القادر على إحلال الديمقراطية السليمة محل ديمقراطية الرجعية, وقامت بتشكيل الاتحاد الاشتراكي على أساس أنه المعبر عن الوحدة الوطنية وعن الطبقات والفئات الأكثر مصلحة بالثورة وتوجهاتها والقادر على إقامة سلطة تحالف قوى الشعب العامل (( العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين والبرجوازية الصغيرة والرأسمالية الوطنية)), ونظرا لاستئثار تحالف الإقطاع مع رأس المال قبل الثورة للعمل السياسي واحتكاره لمقاعد البرلمان والوظائف الحكومية لعقود بل لقرون من الزمن, حرصت الثورة على أن يكون نسبة أكثر من [ 51 % ] من المجالس المنتخبة , البرلمان والمجالس المحلية من العمال والفلاحين, ونظرا لما اعترى الحياة السياسية قبل الثورة من فساد ومن صراع على السلطة بين الأحزاب, أهدر طاقات الأمة, حيث كان كل منها يسعى للوصول إلى كرسي الحكومة بأي ثمن, إما بمباركة من السفارة البريطانية, وإما بكسب رضا الملك والديوان الملكي, أو بالاثنين معا, لهذا عملت الثورة على إلغاء الأحزاب والحياة الحزبية .
ولكن نظرا لما كانت تتعرض له الثورة من ضغوط ومؤامرات من أعداء الداخل والخارج, ولا داعي للخوض في التفاصيل, وحرصا على الثورة ومكتسباتها , برزت القبضة الأمنية في الدولة قوية وارتفع صوت أجهزتها الأمنية, ولأن التنظيم السياسي (( الاتحاد الاشتراكي )) كان قد احتكر العمل السياسي لنفسه, ولأنه بني وتأسس في ظل الدولة وتحت رقابة أجهزتها ومؤسساتها الأمنية, فكثر فيه المتملقون والانتهازيون والوصوليون, كأي حزب أو تنظيم أو مؤسسة تبنى في ظل الدولة وفي ظل أجهزتها الأمنية وغير الأمنية, مهما كان حرص قيادتها على النزاهة والمثالية والتضحية كبيرا, فقد عجزت صيغة الاتحاد الاشتراكي لأن تكون تعبيرا حقيقيا عن الديمقراطية السليمة وأن تنشر روح الحرية السياسية في المجتمع , وفشلت في تكوين مناخ حقيقي للحرية والديمقراطية كما يتطلع إليها الإنسان الحر في كل مكان , ورغم الشعبية الكبيرة التي تمتع فيها عبد الناصر من المحيط للخليج, بحيث أنه لو رشح للانتخابات في أي دولة عربية وحتى غير عربية لنجح بدون منازع, رضي أعداءه بهذه الحقيقة أم لا, ورغم أنه حقق الاستقلال الوطني الكامل لمصر وحكم مصر أبناء من شعبها كما لم يتحقق من عشرات القرون , ورغم الإنجازات الكبيرة التي قدمتها الثورة على طريق الحرية الاجتماعية والتنمية وبناء مجتمع الكفاية والعدل, لكن هذه الصيغة عجزت عن تفتيح الوعي النقدي بل عملت ضد تفتح هذا الوعي النقدي في بعض المراحل, وظل وعد الديمقراطية السليمة وعدا مؤجلا, وكان هذا برأيي هو أهم سبب لتعثر الثورة الناصرية وانقطاعها, وهو السبب الكامن وراء تراجع المشروع القومي وهو سبب كل الهزائم التي منيت فيها التجربة الثورية الناصرية , أمام أعدائها في الداخل والخارج.
والحقيقة هي أن الناصريين هم أول من اكتشف حقيقة المأزق الديمقراطي وأزمة الديمقراطية في بنية النظام الناصري , فقام عبد الناصر بمراجعة نقدية في أكثر من محطة , كان ذلك بعد الانفصال المرير وبعد كارثة هزيمة حزيران , وخطب أمام مجلس الأمة في عام ال65 عن أزمة الاتحاد الاشتراكي, وقال لا يمكن ل[ 6,5 مليون إنسان ], تعداد الاتحاد الاشتراكي آنذاك , أن يشكلوا تنظيما سياسيا متجانسا , يقود الدولة ويحافظ على تطلعات الثورة ومكتسباتها, ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه حاول بناء الجهاز الطليعي داخل الاتحاد الاشتراكي لقيادة العمل السياسي ومراقبته, وحرص على أن تكون عناصره من الأعضاء الأكثر حرصا وحماسا للدولة ولمشروع الثورة ولمنجزاتها . وكان الناصريون في سورية هم أول التيارات السياسية التي تخلت عن صيغة الفكر الإقصائي وطرحوا صيغة العمل السياسي التشاركي فرفعوا شعار الجبهة الوطنية التقدمية, فوضعهم الحكم البعثي التسلطي في السجون, وشاركوا في بناء الجبهة الوطنية التقدمية في مطلع السبعينات بقوة لكنهم حين اكتشفوا أن تلك الجبهة لم تكن سوى قناعا للديكتاتورية والاستبداد بالسلطة حسبما صاغها دستور ال73 , خرجوا من الجبهة ولم يتخلوا عن صيغة العمل الجبهوي , وقدموا رؤيتهم كناصريين للعمل الديمقراطي من خلال كتاب الدكتور جمال الأتاسي (( الحوار مقدمة العمل والديمقراطية غاية وطريق )) وشاركوا في بناء التجمع الوطني الديمقراطي, الذي ضم كافة القوى الوطنية الديمقراطية في سورية , فلاحقهم النظام ووضعوا في السجون أيضا, ويمكن القول أنه منذ أن تقدم ضياء الدين داوود في مطلع ثمانينات القرن الماضي , بطلبه للسادات من أجل الترخيص بقيام حزب ناصري في مصر في إطار التعددية السياسية وتعدد المنابر السياسية الذي جاء به السادات, كبديل لصيغة الاتحاد الاشتراكي , يمكن القول أن الناصريين وفي كل أنحاء الوطن العربي, قد قطعوا صلتهم تماما مع الفكر السياسي الإقصائي والاستبدادي, وهم من أكثر التيارات السياسية التي تدفع على طريق الديمقراطية والتعددية السياسية, والدولة المدنية بكل تجلياتها الحضارية والحداثية .

عن admin

شاهد أيضاً

ثورة 23 يوليو العصر الذهبي للطبقة العاملة

    الأحد 23-07-2017 PM 03:22 كتب: حسام حربى ثورة 23يوليو أكدت مجموعة من القيادات …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *