الرئيسية / حوارات ناصرية / جمال عبد الناصر / لماذا لا يموت عبد الناصر

لماذا لا يموت عبد الناصر


بقلم
فرانسوا باسيلي

في الاول من تشرين الاول (اكتوبر) 1970، اليوم الثالث لوفاته في 28 سبتمبر، خرج ستة ملايين مصري يشيعون جمال عبد الناصر، في مشهد لم تعرفه مصر قبلها والى الآن، واذا كان من الممكن اتهام العرب بالميل الى المبالغة في الوصف وفي الارقام فإنني ارجع وانا اكتب الان الى عدد مجلة “لايف” الامريكية الشهيرة الصادرة في 9 اكتوبر 1970م حاملا صورة عبد الناصر على غلافه وايضا عدد شقيقتها مجلة “تايم” الصادر في 12 اكتوبر في نفس العام، وقد احتفظت بالعددين في مكتبتي الخاصة ، وبالمجلتين عشرات الصور لمشاهد الجنازة وقد ظهر عشرات الالاف من المصريين تكتظ بهم القطارات ، ويقول مراسلو المجلتين ان الملايين قد تدفقت على القاهرة من كافة انحاء مصر لحضور الجنازة و انفجرت المظاهرات الفورية في كل مكان هاتفين ناصر.. ناصر.. في تكرار لا نهائي وتحولت القاهرة الى نهر عظيم من الحزن والالم والغضب والدمع، وارتعش وبكى الرجال كالاطفال وخرجت النساء “تلطم.. وتعدد” كعادة المصريين من ايام الفراعنة و اتشحن بالسواد وكأن من مات هو زوج او اب او اخ .

وتقول مجلة “تايم” ان القاهرة عبر الالف وواحد سنة من تاريخها لم تعرف مثل هذا المشهد من قبل، وان المشيعيين انتظروا على ضفتي النيل، بعمق مئتي شخص في بعض الاماكن وبطول ضفتي نيل القاهرة وانهم تسلقوا الاشجار واسطح المنازل وراحو يضغطون على حائط الجنود المحيط بالنعش من كل جانب وهم يهتفون “لا اله الا الله.. ناصر ياحبيب الله” ، وراحو ايضا يهتفون “لم يمت جمال عبد الناصر.. كلنا جمال عبد الناصر” وراح العالم يراقب بذهول وهو لا يصدق كيف يحزن شعب بهذ القدر على قائد مات بعد ان سبب له اعظم كارثة سياسية في تاريخه الحديث حيث انهزمت جيوش ثلاث دول عربية امام اسرائيل، ورحل وما تزال اسرائيل تقبع على ضفة القناة وقد احتلت كل سيناء وكل قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وايضا مرتفعات الجولان السورية، كيف لم يزل في قلوب هذا الشعب اية مشاعر للحب او التقدير لهذا القائد الذي سبب لهم كل هذا الخراب!! سؤال ربما ما يزال الغرب لا يفهمه حتى الآن.

ان الحرب الكلامية ما تزال دائرة على اشد وطيسها بين مناصريه- المعروفين بالناصريين – وبين خصومه الكثيرين.. لا يكاد يمر اسبوع في مصر الا وتقرأ عدة مقالات تدافع عن عبد الناصر والناصرية، او تهاجمه وتهاجمها هجوما ضاريا ، ونعرف ايضا ان في مصر ليس فقط ناصريون كأفراد ولكن هناك ما تزال “الناصرية” كحركة وفلسفة وتيار لها تجمعاتها واحزابها وجرائدها بما يمكن ان نستنتج معه ان هتاف المشيعين بأن عبد الناصر لم يمت وكلنا جمال عبد الناصر لم يكن مجرد انفعال عاطفي. و ان ما قاله الشاعر المصري الكبير محمود حسن اسماعيل في قصيدته “من لحظة الحزن العظيم” هو ايضا نبوءة شعرية اثبتت السنوات صدقها.. “ان المسجى على راحة الخلد حي وثائر/ مازال حيا لم يمت ناصر/ مادام في الارض حر وثائر”.

ان ناصر اذن حي يرزق ليس فقط في ذاكرة الشعب التي لا تنسى المخلصين من ابنائها، ولكن في واقع الصراعات الفكرية اليومية الراهنة.

الناصرية كحركة وفلسفة

ولنا ان نلاحظ ان قليلين جدا من رجال التاريخ من يرتبط اسمهم بحركة وفلسفة تعرف بهم، كما ارتبط ناصر بالناصرية، وفي التاريخ الحديث مع الاختلاف الكبير في المضمون والاهداف، نجد ماركس والماركسية وديغول والديغولية، ولا نعرف في العالم العربي ظاهرة مشابهة للناصرية.. وحتى في التاريخ المصري الحديث واذ يمكننا ان نقول ان ارتباط الشعب المصري بعبد الناصر وحبه له قد يشابه ارتباطه وحبه لسعد زغلول الذي كان له نفس هدف عبد الناصر وهو التحرر من الانكليز ورغم وجود من عرفوا “بالسعديين” الا ان سعد زغلول رغم هذا لم يكون تيارا فاسفيا سياسيا و اجتماعيا واقتصاديا متكاملا يعرف به كما لم يكن له اهتمام وتواجد في العالم العربي ، وبذلك يظل ناصر والناصرية ظاهرة فريدة في التاريخ العربي الحديث.

ونجد بعد هذا ان محاولة فهم عبد الناصر عن طريق مقارنته بعدد من رجالات العصر وقادته كما فعل البعض ممن قارنوه مرة بديغول ومرة بنابليون لا تؤدي بنا سوى الى الاقتناع بخصوصية وتميز عبد الناصر كتجربة عربية فريدة، فاذا نظرنا الى من قارنوه بمحمد على في التاريخ الاقرب وبصلاح الدين في التاريخ الابعد، ورغم تقديري لمن يعترضون على مثل هذه المقارنات من خصومه الذين يقولون – بحق- ان صلاح الدين حرر القدس من الصليبيين بينما اضاع عبد الناصر البقية الباقية من القدس في حزيران 67 م فكيف نشبهه بصلاح الدين ، اقول انه برغم وجاهة هذا الاعتراض فان حجم الهزيمة التي وقعت لعبد الناصر لا تقلل من حجم الظاهرة الهائلة التى يمتلكها وانما تضفي بعدا مأساوياً عظيما عليها بحيث يمكن رؤيته كبطل من ابطال التراجيديا الاغريقية الذي تتعاظم جوانبه البطولية الباهرة بنفس الدرجة التي تكشف عن نفسها جوانبه الانسانية الضعيفة المحزنة.

هو المستبد العادل عند البعض، والمستبد الظالم عند البعض الآخر. ومن تناقضات وغرائب تجربته ان المثقفين والكتاب الذي القى بهم في السجون بسبب او لآخر.. او بدون سبب على الاطلاق هم من اصبحوا من بين المنحازين له والمدافعين عنه الان.. وهو نفس اللغز الذي يبدو لمن يحاول ان يفهم سبب حزن مصر الهائل يوم وفاته وهو يتركها محتله احتلالا عسكريا باطشا اشد قسوة وغلاظة من احتلال الانكليز الذي خلصهم منه في مطلع عهده.. لهذا كله تأتي مصداقية تساؤلنا الراهن: لماذا لا يموت عبد الناصر؟

ناصر ونابليون وديغول

لا نريد ان نضع ثقلا كبيرا في ميزان المقارنة بين عبد الناصر ونابليون اذ بنى نابليون مجده اساسا باعتباره قائدا عسكريا عظيما وفاتحا فذا رفع العلم الفرنسي بالقوة والعدوان على اماكن شاسعة من العالم.. ولكن المقارنة تنحصر في ان نابليون قد انتهى مهزوما شر هزيمة امام عدوه البريطاني اللدود في معركة ووترلو ومات منفيا وحيدا مهملا في جزيرة سانت هيلانة عام 1821م، ورغم نهايته الغير مشرفه هذه ورغم انه تسبب في مقتل مئات الآلاف من الشباب الفرنسي في معارك وحروب لا تنتهي الا ان الشعب الفرنسي لم يسقط نابليون من ذاكرته ووضعه فيها موضعا مبجلا غفر له فيه هزيمته وماسببه من خراب وقدر له في النهاية لارتباطه الجنوني بمجد فرنسا حسب مفهوم المجد في ذلك الزمان.. كما قدر له ايضا خصاله الايجابية الاخرى مثل تقديره للعلم والعلماء والثقافة والتاريخ بالاضافة الى شجاعته الشخصية الفائقة.. المسألة اذن ليست فقط هي كيف تأتى نهاية البطل.. فالبطل سيموت في النهاية وقد يموت مهانا مخذولا ولكن المسألة هي شخصية البطل وخصاله التي ظهرت في مواقفه وأفعاله ..اي ان الشعوب تميل هنا الى محاسبة البطل على اساس ان “الاعمال بالنيات” وليس بالنتائج ومن هنا يظل عبد الناصر حيا في الذاكرة المصرية والعربية.. كما يظل نابليون في الذاكرة الفرنسية والعالمية.

اما المقارنة مع ديغول، فتأتي في حديث المفكر الفرنسي اندريه مالرو مع محمد حسنين هيكل احد اخلص خلصاء عبد الناصر اذ قال مالرو لهيكل مقارنا بين عبد الناصر وديغول : كلاهما واجه في عصره اختيارا دوليا هائلا وكلاهما رفض هذا الاختيار.. كلاهما قيل له: هل انت مع امريكا ام مع الاتحاد السوفيتي؟ وكلاهما قال: لست مع امريكا ولست مع الاتحاد السوفيتي. وانما انا مع وطني وأمتي.

ورغم ان هذا الموقف يعكس فكرا استراتيجيا بالغ الذكاء نجح في تكوين حركة دول عدم الانحياز الا انه يعكس ايضا موقفا شخصيا بالغ الاعتزاز بالكرامة لان التابع لا كرامة له لذلك تقترن صفة التابع دائما بصفة الذليل في سياقنا العربي.. ويمكننا اذن ان نقول ان اختيار عبد الناصر لنفسه ولامته الا تكون تابعة  لهذه القوة العالمية او تلك والتي عكستها حروبه الاعلامية الضاربة ضد التحالفات التي اراد الغرب فرضها على دول المنطقة.. ان هذه افصحت للامه العربية عن مدى استقلالية شخصية عبد الناصر وشدة اعتزازه بنفسه كمصري وكعربي وكان هذا من اكبر عوامل الجذب البراقة الحارة التي اختطفت قلوب الشعوب العربي ة حوله.. لانها شعوب تحررت لتوها من استعمار واستعباد طويل الامد، وكانت كرامتها وعزتها وحريتها امام الأجنبي من اشد همومها في ذلك الوقت. وسنجد ان الاعتداد بالكرامة الى حد مفرط هي الصفة التي تكررت مرارا وصبغت حياة ومواقف عبد الناصر السياسية كلها وكانت من اول الروابط العاطفية التي ربطته بالشعوب المسحوقة والجماهير التي طال شوقها للحياة الكريمة الحرة التي طالما تحدث عنها في خطبه.

زعيم الوحدة العربية

ان حب الجماهير لعبد الناصر خارج مصر ربما يفوق حب المصريين له.. ويبدو ان هذا صحيح الى اليوم وليس هذا بالعجيب اذا ما لاحظنا ان عبد الناصر هو الوحيد في التاريخ العربي الحديث الذي يوصف بأنه زعيم الوحدة العربية. ورغم ان فكرة الوحدة العربية لم يبتدعها عبد الناصر اذ كان قبله كثير من المبشرين بها من المفكرين العرب وخاصة في سورية ولبنان الا ان الوحيد الذي استطاع ان يأخذ هذه الفكرة من الورق الى الواقع هو عبد الناصر حين حقق الوحدة بين مصر وسورية في عام 58 بعد اربعة اعوام فقط من رئاسته لجمهورية مصر ..ورغم انهيار الوحدة مع سورية بعد ثلاث سنوات ونصف من تكوينها الا ان هذا لا يغير من ان عبد الناصر هو الزعيم العربي الاكثر اخلاصا وانتماء لفكرة الوحدة العربية.. اذ كانت جزءا اساسيا من تكوينه النفسي وتفكيره الاستراتيجي منذ اشتراكه في حصار الفالوجة في حرب 48م من اجل فلسطين .. حيث اكتشف كيف ان تفكك العرب وعدم التنسيق بين الجيوش العربية المشتركة في المعارك كان سبب هزيمتها.

ومن عبث الاقدار الذي تلتف في حباله المأساوية دائما شخصية البطل التراجيدي ان وفاة عبد الناصر في 28 ايلول (سبتمبر) عام 70م جاءت على اثر اخر عمل قام به من اجل الوحدة العربية وحقن الدماء العربية التي كانت تسيل في شوارع عمان بين الجيش الأردني وقوات المقاومة الفلسطينية وقتها. وحصل عبد الناصر على موافقة الملك حسين وياسر عرفات على وقف اطلاق النار.. ودهش الجميع من هذه النتيجة التي لم يتوقعها احد فقد كان حجم الدم المراق وعمق الخلافات السياسية تشير الى استحالة ذلك.

ان عبد الناصر وهو في اضعف حالاته كان له مع هذا من القوة والنفوذ والسلطة المعنوية والرمزية الهائلة ما يمكنه من ايقاف حرب ضارية بين جهتين عربيتين وهو وضع لم يتمكن احد من تحقيقه في النزاع على ابار النفط بين الكويت والعراق مما أدى الى عدوان العراق على الكويت ولكن هكذا هي شخصية البطل التاريخي فله من القوة الداخلية في شخصيته وضميره ورؤيته وجاذبيته ما تؤهله لان يقود فيتبع الاخرون.

فما هي تلك الخصال في شخصية عبد الناصر التي جعلته قويا حتى في ضعفه ومؤثرا حتى وهو جريح ينزف في آخر يوم في حياته؟

كان عبد الناصر تجسيدا لنظرية البطل كصانع للتاريخ فقد كان ظهوره وصعوده السريع كشخصية فذة اتخذت ابعاد البطل التاريخي وما أمكنه تحقيقه بسبب قوة هذه الشخصية ونصاعة جوانبها الرمزية من شجاعة واعتداد بالنفس والكرامة و “الطهارة الثورية” حسب مصطلح تلك الفترة والترفع عن طلب اللذة والمال والرفاهية الشخصية والفساد بالإضافة الى كاريزماتية الشكل والصوت والصورة والخطاب وسحر الدغدغة العاطفية لشعب محروم من العزة والكرامة لقرون طويلة.. كان هذا كله تأكيدا لأهمية الفرد البطل كصانع للتاريخ.. وكان الخطأ الفادح هو في اكتفاء هذا البطل الفرد واكتفاء المناخ الذي صنعه حوله من رجال وثقافة بهذا البطل الفرد نفسه كبديل عن بقية الملايين من الافراد التي سلب حريتها تدريجيا لكي تصب احلامها وطاقاتها كلها في فرد واحد على القمة.

والذي يهمنا هنا هو محاولة فهم الجوانب المختلفة في شخصية عبد الناصر التي جعلته يلعب دور البطل في الساحة العالمية وفي الشارع المصري والعربي.. بشكل يرفض ان ينحسر الى اليوم.

الشجاعة الشخصية

لننظر الى الشجاعة الشخصية لعبد الناصر.. وقد تكون كلمة “الشجاعة” قد فقدت بريقها في ايامنا هذه وقد يعتبرها البعض من مخلفات اخلاق الفروسية في عصور مضت ولكن الشجاعة كخصلة شخصية ما تزال هي الفارق بين القائد والتابع حتى على مستوى الريادة والزعامة في المجال الاداري والاقتصادي التجاري وهي من الصفات التي اقوم حاليا مع غيري من خبراء التدريب والتطوير الإداري الامريكيين بتدريسها لكوادر المديرين بالشركات والمؤسسات باعتبارها احد المقومات الضرورية لفن القيادة.

والشجاعة بالطبع خصلة طبيعية غريزية لا يتعلمها الانسان على كبر ولكن توجد معه وتبدو علاماتها عليه منذ الصغر. ولننظر كيف ظهرت هذه الصفة في عبد الناصر مبكرا في الحادثة المعروفة في حصار الفالوجة في احداث 48 بداية المأساة الفلسطينية فبعد هزيمة جيوش مصر والاردن والعراق وسورية ولبنان التي عبرت حدودها الى فلسطين بعد اعلان الدولة الاسرائيلية وبعد ارتفاع عدد الفلسطينيين المطرودين من بيوتهم وقتها الى ما يقرب من المليون وعندما قبلت مصر وشقيقاتها في النهاية بوقف القتال.. لم تعد هناك بين القوات الاسرائيلية المنتصرة وبين اجتياح كل فلسطين سوى مناطق مقاومة معدودة – من هذه القدس القديمة والتي كانت تحت الجيش العربي ومنطقة أخرى هي الفالوجة حيث رفضت كتيبة مصرية الاستسلام ويقول وزير الخارجية البريطاني انتوني ناتنج في كتابه “ناصر” الذي صدر عام 72 ما يلي “وقد كان الفضل جله لجمال عبد الناصر الذي قاد هجوما مضادا ضاريا اجبر العدو على تخفيف ضغطه بما امكن للمدافعين المحاصرين من الصمود لفترة اطول حتى وقعت مصر واسرائيل على معاهدة الهدنة في شباط “فبراير” من العام التالي 49.

وهكذا نجد عبد الناصر لا يستسلم وهو محاصر من كل جانب في حرب خاسرة وامام عدو كان قد انتصر على الجيوش العربية فعلا حتى يمكن القول ان المقاومة كانت ضربا من الجنون واللاجدوى.. ولكن كانت هذه صفة الشجاعة المرتبطة بكرامة الانسان وكرامة الوطن في الوقت نفسه والتي ميزت عبد الناصر في مستقبله السياسي بعد ذلك وحتى يوم وفاته.

العفو عند المقدرة

تظهر الشجاعة مرة أخرى في الموقف المدهش الذي وقفه “الضباط الاحرار” الذي حققوا انقلابهم العسكري في 23 يوليو 52 من ملك مصر فاروق الاول واسرته فقد كان بعض رجال الثورة يريدون محاكمة الملك تمهيدا لاعدامه لضمان عدم مطالبته بالعرش ولعقابه على فساده وكان عبد الناصر ممن عارضوا هذا قائلا “ما معنى محاكمة تعرفون مقدما انها ستؤدى الى اعدامه كما تريدون؟ الافضل ان نتركه يذهب هو وعائلته.. وكان هذا موقفا ثوريا فريدا ومميزا للثورة المصرية فلا الثورة الفرنسية ولا الروسية قبلها ولا الثورة العراقية بعدها تورعت عن قتل والتمثيل بمن ثارت عليهم من ملوك وقياصرة بشكل دموي فظ وعنيف.

عبد الناصر والإخوان

وقد تكرر ظهور شجاعة عبد الناصر بعد هذا في حادثة المنشية الشهيرة والتي اطلق عليه فيها الرصاص وهو يخطب في الاسكندرية من قبل فرد قيل انه مرتبط بجماعة الاخوان المسلمين. واذكر أنني كنت طفلا صغيرا في بداية وعيه بما يجرى في وطنه وقتها وكنت استمع الى خطاب عبد الناصر في الراديو بالبيت ومازلت اذكر الى اليوم كيف ان عبد الناصر عاد الى تكملة خطابه بعد اطلاق الرصاص عليه والقبض على الجاني وكل ما اذكره اليوم انه راح يخطب وهو في أعلى درجات التأجج العاطفي صائحا “لو مات جمال عبد الناصر” ثم يذكر قائمة الأحلام التي يتطلع الى تحقيقها لوطنه وبين كل حلم منها يعود ويصرخ “لو مات جمال عبد الناصر”.

الحادث لم يكن تمثيلية بل كان محاولة اغتيال اذ ان الرصاص كان قريبا جدا من موقع وقوف عبد الناصر ولاشك ان استمراره في الخطاب بعد هذا يشكل شجاعة شخصية اثبتت الاحداث السابقة واللاحقة ان عبد الناصر يتحلى بها. اود هنا ملاحظة ان تعذيب الاخوان المسلمين في السجون بعد هذا طوال فترة حكم عبد الناصر تعذيبا بلغ في الكثير من الاحيان حدا لا انسانيا هو وصمة في جبين عبد الناصر لا يصح لاحد محاولة غسلها بالكلام والمبررات وهى إحدى سقطات العهد الناصري الرئيسية.. فإذا كان من الضروري ادخال المخربين والارهابيين السجون فما ضرورة تعذيبهم واهدار كرامتهم؟ اذ كيف لمن يطلب العزة والكرامة لأبناء وطنه في كل خطاب له ان يسمح بأن تهان الكرامة الانسانية بشكل وحشي في سجونه حتى ولو كانت ضد خصومه المتآمرين عليه. واحيانا يقول المدافعون عن عبد الناصر انه لم يكن يعرف بكل حوادث المسجونين ولا بكل حوادث التعذيب واحيانا يقولون قد يكون على علم بها لكنها كانت ضرورية لتأمين سلامة الثورة ضد الاعداء الكثيرين المتربصين بها، وكلا الدفاعين يجب ان يكون مرفوضا بشدة لان مثل هذا التبرير هو الذي يكرس الطغيان ويمنحه اعذاره السياسية التي يجب الا يقبل بها احد.

العدوان الثلاثي

وكما اجتمعت الشجاعة الشخصية مع الموقف الوطني في موقف عبد الناصر في الفالوجة فقد اجتمعتا مرة اخرى وبشكل اعظم في موقفه ابان العدوان الثلاثي عام 56م فبعد رفض البنك الدولي تمويل السد العالي بسبب رفض امريكا وبريطانيا لاسباب سياسية اثبتت الايام قصر نظرها الشديد لانها ادت الى دخول النفوذ السوفيتي الى الشرق الاوسط.. قام عبد الناصر باعلان تأميم قناة السويس وبشكل مفاجئ وعلني جاء كصفعة على وجه بريطانيا وفرنسا واذ بهما تقومان بالتآمر مع اسرائيل لكي تبدأ هي الهجوم من سيناء وتتقدم حتى قناة السويس فيطالب بيان بريطاني فرنسي بانسحاب القوات الاسرائيلية والمصرية عشرة اميال على جانبي القناة وهو وضع يترك اسرائيل فوق معظم سيناء بينما ينسحب المصرييون داخل الدلتا تاركين القناة لانكلترا وفرنسا. وعلينا هنا تذكر ان هذا التهديد الخطير من دولتين عظمتين ومعهما اسرائيل جاء عامين فقط بعد خروج الانكليز من مصر ولم يكن عبد الناصر قد اصبح بعد الزعيم العربي الاول اذ كان ما يزال العالم ينظر اليه “كبكباشي” قام بانقلاب عسكري ولا تتعدى خبرته كرئيس للجمهورية عامين فقط وهكذا كان التصور انه بعد وصول الجيش الاسرائيلي الى ضفة القناة وامام مطالب واضحة تعززها الاساطيل وقوات مظلات بريطانية فرنسية مستعدة للطيران والهبوط في بورسعيد ان ذلك الضابط الغرير قليل الخبرة رئيس دولة صغيرة لن يستطيع سوى الاستسلام والرضوخ وبهذا تعود بريطانيا الى مصر وتأخذ اسرائيل سيناء وتأخذ فرنسا القناة.

واصيب عبد الحكيم عامر وصلاح سالم بالإنهيار امام الانذار وطالبا عبد الناصر بالاستسلام للسفارة البريطانية وقال عامر ان الجيش لايستطيع ان يقاوم وان مصر ستدك بالقنابل ووافق صلاح سالم وطالبا ان تستسلم الحكومة فورا ولكن عبد الناصر وعبد اللطيف البغدادي رفضا واختارا المقاومة لكي لا تعود مصر مستعمرة للمحتلين.

ورفض عبد الناصر الانذار علنيا بشكل ادهش زملاء عبد الناصر انفسهم ولاشك ان الوضع من جميع وجوهه كان يبدو بالغ القتامة والاحباط ويبدو قرار المقاومة اقرب الى قرار انتحار منه الى موقف وطني حكيم ولكن هذه في النهاية هي المواقف التي يصعد فيها البطل التاريخي ليغير مجرى الاحداث فلو استسلم عبد الناصر وقتها لعادت انكلترا وفرنسا الى الشرق الاوسط وقبعتا به لسنوات طويلة بعدها ولربما تغير شكل المنطقة كلها ولكن البطل التاريخي يرفض الاستسلام المهين لنفسه ولشعبه.

وتبدأ المعركة العسكرية والسياسية العالمية الهائلة وعندما يرى الشعب المصري كيف يرفض رئيسه الانذار المهين تشتعل فيه روح المقاومة ويهب شعب بورسعيد ليقاوم القوات الهابطة بالمظلات من بيت الى بيت في معركة اعادت الى العالم بسالة ليننغراد. وضرب الطيران البريطاني القاهرة فأسكت اذاعة القاهرة التي كانت تلهب الجماهير بالأناشيد الحماسية بصوت ام كلثوم وعبد الوهاب وفايدة كامل وعبد الحليم حافظ والمجموعة في نشيد “الله اكبر فوق كيد المعتدي”. وسكتت الاذاعة لمدة ثلاثة ايام دار فيها عبد الناصر في سيارة مكشوفة لكي ترى الجماهير انه مازال حيا يقاوم وان الخطاب الذي سمعوه من قبل وخطب فيه من الجامع الازهر لم يكن مسجلا. ودار المسؤولون المصريون شوارع القاهرة ومدن مصر الرئيسية الاخرى يحملون مكبرات صوت ويوزعون البنادق على المتطوعين للمقاومة الشعبية ويرددون كلمة عبد الناصر: سنقاوم.. سنقاوم ولن نستسلم ابدا.

ولم تؤيد الحكومة الامريكية العدوان على مصر وطلبت من انكلترا وفرنسا الانسحاب واصدر الاتحاد السوفيتى انذارا واضطرت الدول الثلاث في النهاية الى الانسحاب وانتصر جمال عبد الناصر وتحول من بكباشي مصري الى زعيم عظيم يحتذي حذوه كل متطلع للحرية والاستقلال في افريقيا واسيا.. وبدأت حركات التحرر تتوالى تؤيدها ثورة مصر في مد ثوري تحرري هائل راح الاستعمار القديم ينسحب امامه متراجعا في كل مكان.

ذلك الموقف الشجاع المليء عزة وكرامة ورغبة في المقاومة هو ما صنع البطل التاريخي الذي اتخذ حجما اكبر بكثير من حجمه الطبيعي لانه تحول الى رمز يمنح الاخرين املا وامكانية.. ومنذ تلك اللحظة يضمن البطل مكانه في التاريخ حتى لو سقط في النهاية محترقا بنيران احلام اوسع من طاقته.. لان حلمه لم يكن حلما شخصيا ماديا محدودا بل كان حلما يحتضن في جناحيه احلام الملايين ويمنحها الصوت والصورة والرمز والمعنى ووعد الانضمام الى معركة الخير ضد الشر والمظلوم الضعيف ضد الظالم القوى.. وهو حلم الانسان في كل الشعوب وكل العصور.

حلم عرف الشعب المصري – والشعب العربي حوله – ان عبد الناصر هو فارسه وصانعه.. وحتى عندما أصيب الفارس في مقتل من قبل اعدائه فإنه ظل حيا في قلوب ومخيلة الجماهير التي اخلص لها وآمن بها واراد لها العزة والحرية والكرامة. لهذا لا ولن يموت عبد الناصر.

عن admin

شاهد أيضاً

عبدالناصر الراحل إلينا

عبد الحليم قنديل Oct 02, 2017 عبدالناصر لم يكن أسطورة، بل حقيقة لرجل عظيم الاستثنائية، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *