الرئيسية / حوارات ناصرية / الديمقراطية والبناء السياسى الداخلى جمال عبد الناصر وإشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية

الديمقراطية والبناء السياسى الداخلى جمال عبد الناصر وإشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية

أ. عــونـى فــرسـخ

مقدمة :

منذ لحظة تحركه ليلة 23 يوليو / تموز 1952 ، وحتى التحاقه بالرفيق الأعلى يوم 28 سبتمبر / أيلول 1970 لم يتوقف جمال عبد الناصر عن محاولة حل إشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية ، وأنه لم يثبت على أسلوب معين ، وإنما كان دائم الاجتهاد فى تطوير مؤسسات العمل السياسى ، متجاوزاً فى كل تجربة جديدة ما تكشف خلال التجربة السابقة من قصور . وتواجه الباحث فى إشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية في  التجربة الناصرية أربعة تساؤلات :
الأول : هل الرئيس عبد الناصر هو الذى وضع نهاية النظام شبه الليبرالى فى كل من مصر وسوريا ؟ أم أن ذلك النظام كان قد سقط بمصر قبل الثورة وفى سوريا قبل الوحدة ، وأن سقوطه كان من أبرز عوامل تفجر الثورة فى مصر ، وانـدفـاع نخـب سوريـا وجمهـورهـا فى طلـب الوحـدة مع ” مصر عبد الناصر ” ؟
الثانى : هلى كان الرئيس عبد الناصر ديمقراطياً وإن تجاوز الليبرالية فكراً وممارسة ؟ أم أن ذلك التجاوز لم يكن إلا نتاجاً طبيعياً لمعاداته الديمقراطية بحكم نشأته العسكرية ، ونزعة تسلطية متأصلة لديه ؟
الثالث : مـا مـدى مـلاءمـة أو عــدم مـلاءمـة النهـج الـذى اعتمـده الـرئيس عبد الناصر فى حل إشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية لواقع مصر وسوريا ، وما مقدار توافقه – أو تناقضه – مع الأسلوب الديمقراطى الأكثر تقدمية المعتمد فى العالم الثالث يوم ذاك ؟
الرابع : هل تمخضت الإجراءات الناصرية ؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية عن معوقات موضوعية للتقدم الديمقراطى فى مصر وسوريا خاصة ، وفـى الوطن العربى عامة ؟ أم أنها على العكس من ذلك خطت – بالواقع العربى العام والمصرى والسورى الخاص – خطوات واسعة باتجاه ديمقراطية عربية بمقياس العصر ؟

هذا ونلاحظ أن هذه الدراسة تجىء فى مرحلة من حياة الأمة العربية والعالم الثالث من أبرز سماتها احتلال قضية الديمقراطية وتوفير آليات العمل الأهلى مساحة واسعة من الأديبات العالمية ، خاصة فى دول العالم الثالث ، والدول العربية على الأخص ، وأن الحديث عن الديمقراطية يجرى على ألسنة كثيرين ؛ عرباً وغير عرب . والمؤشرات كثيرة على أن الاهتمام البادى على السطح لا يعود فقط لما تعانيه الساحات العربية ؛ من ضيق هامش الحريات ، وعدم الالتزام بالنصوص الدستورية فى بعض الأقطار ، وغياب كامل للمؤسسات الدستورية فى بعضها الآخر ، كما لا تقتصر دوافعه على تزايد الوعى بأن الديمقراطية فى مقدمة ما هو مطلوب لاستنهاض الحراك الشعبى السياسى / الاجتماعى من انتكاسته فى العقود الثلاثة الأخيرة ، وإخراج المواطن العادى من حالة عدم المبالاة تجاه هدر الإمكانيات ، وتبديد الطاقات ، وتدهور الفعالية العربية قطرياً وقومياً .
وهناك مؤشرات على ضغوط خارجية باتجاه قيام شكل من الليبرالية يتلاءم مع حالة الانفتاح الاقتصادى المتسارعة ، والتوافق مع العولمة بمواصفاتها الأمريكية .

وفى تقديرنا أننا مطالبون بوقفة مع التجربة الناصرية فى مجال البناء الديمقراطى ، تستهدف بيان نواحى النجاح والقصور ، واستعراض العوامل الموضوعية والذاتية التى تسببت فى السلبيات التى لا تنكر ليس فقط لجلاء حقيقة ما كان ، وفضح زيف الادعاءات المضادة ، وإنما أيضاً للمساعدة فى فهم الأبعاد الحقيقية للطروحات ” الديمقراطية ” المعاصرة ، ولمساعدة القوى التى ما انفكت ملتزمة بالثوابت الوطنية والقومية فى التصدى للتحديات الخطرة التى تلوح نذرها فى الأفق ؛ ذلك لأن فى معرفة حقائق الماضى ما يساعد فى فهم معطيات الحاضر ، واستشراف احتمالات المستقبل .

أولاً : أسس تقويم إشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية فى التجربة الناصرية :

يكاد يجمع علماء السياسة والاجتماع على أن تعريف الرئيس الأمريكى ” إبراهام لنكولن ” لمصطلح ” الديمقراطية ” هو التعريف الأبسط والأدق ، فهو يقول : ” إن الحكومة الديمقراطية حكومة الشعب ، من الشعب ، لمصلحة الشعب” (1) . وفى حدود هذا التعريف يغدو منطقياً القول إن للديمقراطية شرطين تتحقق بوجودهما معاً ، وتكون منقوصة إذا توفر أحدهما دون الآخر ، وتكون نسبية بدرجة الالتزام بكل منهما فى الممارسة . أما الشرطان فهما : أن يكون الحكم معبراً عن إرادة الشعب وحائزاً على قبوله ، وأن يكون ملتزماً بمصلحة الشعب وطموحاته ، وعاملاً على تنفيذها ، ولما كان الشعب متعدد المصالح والطموحات ؛ فالشىء المنطقى والأكثر عدالة أن تحتل مصالح وطموحات الأغلبيـة الأولويـة ، وعليـه تتحقـق الديمقراطية حيث ينتفى التناقض العدائى فيما بين الحكم وغالبية الشعب . وتتفرع عن هذا التعريف خمس مسائل :

1- كل محاولـة لـربـط الديمقراطيـة بأسلوب معين من الحكم أو قصرها على شكل محـدد مـن المؤسسات محاولـة غير علميـة ، وغير ديمقـراطية ، وهـى بـالتالى محاولة مضللة لا يعتد بها .
2- حيثما تحقق شرطا : توافق الحكم مع الإرادة الشعبية ، والتزامه بمصالح الأكثريـة ، قامت الـديمقراطيـة بصرف النظر عن الكيفية التى يتم بموجبها التوافـق مع الإرادة الشعبية ، والنهج المتبع فى تحقيق مصالح الأكثرية .
3- إن البحث عـن التوافـق مـع الإرادة الشعبيـة ، وعـن الالتـزام بمصـالح الأكثريـة ، ما يجعل عملية تقويم تجارب الحكم موضوعية ، وخلاف ذلك تقديم الشكل على المضمون ، والقصور عن تقديم تقويم سليم ومنصف .
4- ليست العبرة بالنصوص والمؤسسات الدستورية ، وتوفـرهـا كاملة أو منقوصة ، ولا بما هو متاح لفئة محدودة من الشعب ، وإنما الاعتبار الأول والأهم الممارسات العملية ، وبالذات الفرص المتاحة للأغلبية كى تمارس التعبير الحر عن إرادتها ، وبمقدار التزام الحكم بمصالح الأكثرية وما ينجزه على طريق تحقيقها ، وما يتخذه من إجراءات مادية ومعنوية لتحسين قدرة الأغلبية على ممارسة حقوقها الدستورية ، وطبيعة علاقته بالجمهور : هل تقوم على الصدق والصراحة وتستهدف التوعية السياسية والاجتماعية ، أم تغلب عليها ” الديماجوجية ” والوعود الخادعة ، وأساليب القهر ، واستلاب الإدارة .
5- يظل تحديد مدى وجود – أو انتفاء – التناقضات العدائية فيما بين الحكم والغالبية فى مقدمة أسس تقويم التجارب الديمقراطية ؛ لأن فى ذلك تحديداً ليس فقط لمدى تعبير الحكم عن الإرادة الشعبية ، والتزامه بمصالح الأكثرية ، وإنما أيضاً بيان طبيعة المعارضة ، ومدى تعبيرها عن إرادة ومصالح الأكثرية أو تناقضها مع الأمرين .
ولقد تطورت الممارسة عبر الزمن بتطور المجتمعات ، وبحيث انتهت إلى وجـود ثلاث مؤسسات تمارس الديمقراطية من خلالها ؛ المؤسسة التنظيمية ( الأحزاب وما فى حكمها ) ، والمؤسسة التمثيلية ( المجالس النيابية وأمثالها ) ، ومؤسسات الإعلام ( الصحافة والإذاعة والتلفزيون ) . غير أنه فى كل مجتمع تحدد الطبقة أو الطبقات الأشد تأثيراً فى صناعة القرار شكل المؤسسات الأكثر ملاءمة لاحتفاظها بمكاسبها ، ومراكمة تلك المكاسب ، وفى تمايز المـؤسسات الدستورية الأمريكية عن الأوروبية ، وفى اعتماد ديجول سنـة 1958 الاستفتـاء الشعـبى كآليـة ديمقـراطيـة ، وفى تصـاعـد الحـديـث فى أعقـاب الحـرب العالمية الثانيـة عـن قصـور الليبراليـة ، وبـروز مصطلح ” الديمقراطية الاجتماعية ” فى الأدبيات الأوروبية برهان على ذلك .

وعلى مقوم الديمقراطية لمجتمع معين أن يبحث عن مدى ملاءمة المؤسسات القائمة للتعبير عن الإرادة الشعبية ، ومستوى الالتزام بمصالح الأكثرية على صعيد المؤسسات الثلاث، وعلى ذلك يغدو فى مقدمة ما هو مطلوب من المقوم تحديد العوامل الاقتصادية ، والاجتماعية ، والثقافية المؤثرة فى الاختيارات السياسية لأفراده ، وفى تعبيرهم الحق عن إرادتهم ، وإدراكهم الواعى لمصالحهم ، وقدرتهم على ترجمة ذلك الإدراك إلى مواقف عملية بإرادة حرة .

والثابت أن الظروف الموضوعية والذاتية فى الوطن العربى لم تيسر قيام ديمقراطية سليمة فى أى قطر عـربى ، منـذ تشكيل مجلس ” شورى النواب ” بمصر سنـة 1866 ، برغم تعـدد المحاولات فى أكثر من قطر عربى ، ومن مختلف ألوان الطيف السياسى والفكرى ، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، وصدق جهود العديد من المناضلين فى سبيل الحياة الدستورية والحريات العامة .

وكان منطقيـاً والحـال كذلك أن يكتب د. عصمت سيف الدولة منبهاً : ” إن أى حديث عن مشكلة الديمقراطية فى مصر العربية ، أو أى قطر عربى آخر ، لابد له – إن أراد أن يكون علمياً – من أن ينطلق من حقيقة أن الديمقراطية ليست مجرد نظام دستورى نطبقه ، بل حياة دستورية نسعى إلى تحقيقها . لا يكون السؤال هو : هل ثمة نظام ديمقراطى بمقياس العصر أم لا ؟ بل هو : هل نحن نتقدم نحو نظام ديمقراطى بمقياس العصر أم لا ؟ وتكون كل خطوة فكـرية ، أو قانونية ، أو سياسية ، أو اقتصادية ، أو اجتماعية ، أو تربوية تحررنـا ، أو تساعد على تحريرنا من قيود التخلف الديمقراطى ، الذى يبقى هدفاً إلى أن يستحقه الشعب ، وهو يستحقه حين يستطيع أن يفرضه ” (2).

ثانيـاً : هل كان عبد الناصر مجرد ضابط قاد انقلاباً ؟

حقاً إن الانقلابات العسكرية التى شهدها المشرق العربى فى خمسينات القرن العشرين وقعت فى عقد واحد ، وبتأثير عوامل اجتماعية سياسية تكاد تكون واحدة ، وجميع الضباط الذين شاركوا فيها من أبناء الطبقة الوسطى ، غير أن ذلك لا يبرر مطلقاً اعتبار جميع الانقلابات والقائمين بها سواء ، كما هو شائع فى أوساط ناقدى ” العسكرتاريا ” العربية ، خاصة الذين وجدوا فى التهجم على ” العسكر ” مشجباً ( شماعة ) يعلقون عليه عجزهم وقصورهم عن تقديم الاستجابة الفاعلة لتجاوز واقع مأزوم ، خلال العقود الثلاثة الأخيرة بعد أن تراجع دور العسكر نسبياً فى صناعة القرار ؛ وذلك لأنها نظرة غير موضوعية ولا أمينة تُسقط بشكل متعمد تمايز بنية الجيوش العربية ، وتتناسى التمايزات القائمة فى مستويات تجانس واندماج الأنسجة الاجتماعية العربية ، واختلاف ظروف الانتساب للجيش فى الأقطار العربية . كمـا أنهــا لا تفــرق – بقصـد أو بــلا قصـد – بين الانقلابـات التى نفـذهـا رؤساء الأركان وكبار الضباط ، بترتيب مع المخابرات الأجنبية ، وبين تلك التى دبرها صغار الضباط الذين أدركوا على أرض فلسطين أن استئصال الفساد الـداخلى هو المقدمة الطبيعية لمواجهة العدوان الخارجى .

وعليه فإنه عند الحديث عن الموقف من إشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية ، ليس من الموضوعية فى شىء النظر لقادة وضباط الانقلابات العسكرية بمنظار واحد ، واعتبارهم جميعاً ” عسكـراً ” ، فمـا يصح فى حال حسنى الـزعيـم لا يصح مطلقـاً بالنسبـة لعبد الناصر ، على الرغم من أن كلاً منهما قام بانقلاب اختتمت به المرحلة الليبرالية فى قطرين عربيين ، الخصائص المتماثلة فيهما أشد تأثيراً فى حراكهما السياسى / الاجتماعى من الخصائص المتمايزة ، وذلـك راجـع إلى مـا ثبت علمياً مـن أن ممارسات صاحب السلطـة فى العالم الثالث – والأقطار العربية فى المقدمة منها – شديدة التأثر بخلفيته الاجتماعية ، ومستواه الثقافى والفكرى ، ومدى التزامه الوطنى، وصلابته فى مواجهة المداخلات الخارجية والضغوط الاستعمارية .
وبالعودة لتاريخ حركة ” الضباط الأحرار ” بمصر ، نجد أن جمال عبد الناصر بدأ محاولة تشكيلها مبكراً ، ثم تضاعف نشاطه التنظيمى وهو على أرض فلسطيـن، كما استأنفـه بعـد عودتـه مـن حصار الفالوجة . وفى سنة 1949 تشكلت اللجنة التأسيسية الأولى ، وانتخب رئيساً للجنة التنفيذية ، وصدر إثر ذلك المنشور الأول (3) . ويومها تواجـدت فى الجيش تنظيمات تابعة لكل من المنظمات اليسارية والإخوان المسلمين، ولم تعدم الأحزاب التقليدية ، بما فيها الوفد وجود أنصار لها بين كبار الضباط ، علماً بأنه ليس هناك ما يدل على أن الوفد سعى إلى أن يكـون له تنظيـم عسكـرى ، وكما كان للملك أنصاره .
إلا أن تنظيم ” الضباط الأحرار” سرعان ما استقطب أفضل عناصر التنظيمات الأخرى ، بحيث أصبح التنظيم الأكثر فاعلية ودوراً ، وذلك راجع لتفاعل عاملين : كفـاءة عبـد الناصر التنظيمية ومميزاته القياديـة ، وما تميز به التنظيم مـن كونه أقــرب مـا يكـون إلى جهـة وطنيـة شبابيـة، تمثل كل الطبقات الاجتماعية الصاعدة، ومختلف المدارس الفكرية السائدة فى الشارع المصرى آنذاك ، فى حين كان برنامجه يتضمن نقاط الالتقاء فيما بين التنظيمات الراديكالية ، كما كانت تعكسها أدبيات الوطنيين ، والاشتراكيين ، والإخوان ، والشيوعيين . وبحيث يمكن القول إن التحالف الذى تعذر تحقيقه فى الشارع السياسى المصرى حينذاك ، تحقق بعمق فى تنظيم الضباط الأحرار (4) .

أما كيف استطاع جمال عبد الناصر أن يقود ذلك التركيب غير المتجانس ويحتفظ بتماسكه ، برغم ما كانت تشهده الساحة السياسية من صراعات حادة بين أطرافه المدنية ، فذلك يعود بدرجة رئيسية لما عرف به من صفات قيادية ذاتية ، كما يكاد يجمع على ذلك دارسو سيرته من العرب والأجانب ، فقد كان بين رفاقه الأكثر رصانة ، والأقل كلاماً ، والأحسن استماعاً ، والأقدر على حل المشكلات ، والأوسع اتصالاً بمختلف الضباط ، والأعمق وعياً ، والأشد حرصاً على تطبيق العدالة ، ولم يكن متعصباً لأيدولوجية معينة ، أو منغلقاً ضد أيديولوجية معينة ، وإنما كان منفتحاً تجاه الشيوعيين ، والإخوان المسلمين ، ومصر الفتاة ، وكافة القوى السياسية ، وإن بدرجات متفاوتة (5) .
كما كان قارئاً ممتازاً ، وبخاصة الكتب التى تعنى بالاستراتيجية وتاريخ المنطقة . وكان مؤمناً بضرورة قيام ثورتى الاستقلال الوطنى والتغيير الاجتماعى معاً ، ويرى أن فشل ثورة 1919 نتيجـة التركيز على الأولى وإهمال الثانية (6) . ولقـد نجح بالانتخاب رئيساً للجنة التنفيذية مـرتين قبـل 23 يوليو / تمـوز 1952 . إلا أنه كان الأول بين متساوين ، إذ لم يكن زعيماً مطلق الصلاحيات ، ولا كان رفاقه يطيعونه طاعة عمياء .

وحـول أسلـوب عمـل ” عبـد الناصر فى مجلس قيـادة الثورة ” كتب د. سيف الدولة يقول : ” لقد كان أكثر علماً ، وأوفى درساً ، وأعمق تحليلاً ، وأبعد نظراً ، وأكثر ديمقراطية بكثير ، كان قبل أن ينعقد المجلس بمثابة سكرتير لهم ، يجمع عناصر الموضوع ويبوبها ثم يعرضها ، وحين عرضها كان أستاذاً يعرض عليهم ما يثيره الموضوع من آراء مؤيدة وآراء معارضة ، ثـم بعد عرضه كان يستمع إلى كل الآراء بدون مقاطعة أو تسفيه أو استنكار أو استعلاء ، فإذا عرض رأيه فهو يعرضه عرض العالم الدارس المحلل ، ويؤيده بحجته ، ولا يكتفى بل يعرض عليهم الحجج المضادة لرأيه ، ثم يصدر القرار، ليس هو الذى يصدره ، كانت القرارات فى مجلس قيادة الثورة تصدر بالأغلبية ” (7) .

وحـول ثقـة رفاقـه بـه وشعورهـم نحـوه كتـب مـوسى صبرى يقول : ” أعطى أنور السادات صوته فى مجلس الثورة مع عبد الناصر دائماً ، وأعلن أنه يؤيد كل قرار يصدره عبد الناصر حتى لو كان غائباً ، وضع السادات صوته فى جيب عبد الناصر تعبيراً عن الثقة المطلقة ، واقتناعاً كاملاً بـأن عبـد الناصر رجـل عميق التحليل للأمـور ، وصائب الرأى فى الوصول إلى قراره ، ولا يتعجل ، ولا يصدر القـرار إلا بعد دراسة كاملة لكل جوانبه ، وثبت هذا فى اجتماعات مجلس قيادة الثورة ” (8) .

وهكذا يتضح أن عبد الناصر بدأ قائداً منظماً متميزاً بأسلوب فى غاية الليبرالية مـع زملائه فى حركة ” الضباط الأحـرار ” قبل الثورة وطوال حياة ” مجلس قيادة الثورة ” ، الذى حل بعد إعلان الحياة الدستورية فى يونيو / حزيران 1956 . ومع أن ” السلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة ” ، كما كان يقول جواهر لال نهرو ، إلا أن تمتع عبد الناصر بسلطات شبه مطلقة لم يفسده ، ولم يحوله عـن أسلوبـه فى التعامل مـع شركاء الحكـم والحـوار .

وهـذا ما يؤكده خالد العظم – بعد سنوات من الانفصال – إذ كتب حول مشاركته فى مفاوضات الوحدة ، موضحاً أنه لدى اجتماع الوفدين المصرى والسورى وزع عليهم بيان بالأسس المقترحة لقيام الوحدة ، فطلب تأجيل البحث فيه ليتسنى لهم دراسة المشروع دراسة مستفيضة ، فأجيب إلى طلبه ، وفى الجلسة التالية دار جـدال طويـل بينـه وبين عبـد الناصر حـول طلبه إجـراء انتخابـات نيابية جديـدة ، وألا تتجاوز المدة بين إصدار الدستور المؤقـت والـدستـور الـدائم الشهر ، ويـذكر أن عبـد الناصر تقبـل وجهـة النظـر المخالفـة بـروح سمحـة ، وكان يناقش بهـدوء وبرغبـة ظاهـرة فى إقناع مخاطبه ، وإن الجـدال انتهـى دون تغييـر فيمـا تضمنـه البيان (9) ، ممـا يعنـى أنـه اقتنـع بوجهـة نظر عبد الناصر وإن كان لـم يـذكـر ذلك صراحـة .

وحول الخلفية الفكرية لعبد الناصر كتب د. سعد الدين إبراهيم يقول : ” ينبغى التفريق بين وجود نظرية كاملة للثورة ، وبين وجود فكر ثورى لهذه الثورة . لقد كان عبد الناصر وأعضاء مجلس قيادة الثورة ومعظم الضباط الأحرار ، منفتحين على التيارات الفكرية والحزبية التى كانت مصر والمنطقة العربية تموج بها فى الأربعينات والخمسينات ، كما كان عبد الناصر أثناء قيامه بالتدريس فى كلية أركان الحرب من 1949 – 1951 دائم الاستخدام لمكتبتها ، ولقد انكب على قراءة أدبيات الحـركة الاشتراكية الفـابية ، وكل كتابـات العالم الاجتماعى الإنجليزى هارولد لاسكى ، كما كان قارئاً لكتابات طه حسين ، وتوفيق الحكيم ، وحسن البنا ، وقد اهتمت الثورة فى أعوامها الثلاثة الأولى بإصدار سلسلة كتب ( اخترنا لك ) التى حوت ترجمات للأدبيات العالمية فى الفكر الاجتماعى السياسى ، وحرص عبد الناصر على كتابة مقدمة لكل من هذه الكتب المترجمة، والمتفحص لهذه المقدمات يخلص بلا عناء إلى أن عبد الناصر لم يكن قارئاً فقط ، وإنما كان محللاً وناقداً لمعظم هذه الأدبيات ” (10) .

لم يطل الزمن بعبد الناصر على المسرح السياسى العربى حتى تحول إلى قائد للحركة القومية العربية الصاعدة ، والزعيم المستقطب للملايين ما بين المحيط والخليج ، وبحيث امتلك سلطة معنوية حيث لم تكن له أدنى سلطة مادية ، وما كان ذلك ليكون لولا أنه جسد فى فكره ومواقفه شروط التحول إلى قطب مبلور الشعور القومى .

وفى إيضاح ذلك كتب د. برهان غليون : ” كان عربياً شديد الاعتزاز بعروبته ، من دون أن يمنعه هذا الاعتزاز من رؤية نواقص مجتمعه وعيوبه ، وكان تحديثياً مقتنعاً يرفض الحلول التقليدية وروح المحافظة لدى النخبات القديمة ، دون أن يكـون تغـريبياً فجـاً يسكنه الشعـور بالنقص تجاه الغرب ، كما كان أبو رقيبة مثلاً ، وكان مؤمناً من دون أن يكون متزمتاً أو دجالاً يستخدم الدين لنيل الحظوة والسمعة . وباختصار كان نموذجاً للوطنية العربية التى كانت تبحث عن رموز لم توفق فى العثور عليها منذ بداية الثورة العربية فى مواجهة الحكم التركى ، وبفضل ما كان يتمتع به من استقلال فى الرأى وإرادة قوية، وإحساس عميق بالتاريخ ، واستعداد للتضحية، نجح عبد الناصر فى أن يجذب إليه ويستقطب جميع الآمال والتطلعات التى لم يتوقف الفكر السياسى العربى عن تغذيتها ورعايتها منذ النهضة، والتى كان يحلم فى سبيل تحقيقها بمجىء ذلك المستبد العادل ” (11) .

ثالثاً : من الليبرالية إلى تجاوزها فكراً وممارسة :

لدى دراسة ” الضباط الأحرار ” الموقف من الأحزاب انقسموا إلى جماعتين : الأولى بقيادة عبـد الناصر ، تـرى إجراء الانتخابات النيابية بعد ستـة شهـور . والثانيـة يقودها عبد اللطيف البغدادى ، ترى أنه لا يمكن لغيـر ” الضباط الأحرار ” إنجاز الأهداف التى نادت بها منشوراتهم ، وأن قيادات الأحزاب لا يمكن أن تؤمن بأهداف لا تتفق ومصالحها ، وبالتالى فهى غير مؤتمنة على تحقيقهـا ، مما سيجعل الصدام معها محتماً ، وعند الاقتراع تعادلت الأصوات ، فرجح محمد نجيب الاتجاه الذى يقوده البغدادى ، فاعتزل عبد الناصر رفاقه والتزم بيته ، وكتسوية للخلاف أخذ برأيه القاضى بمطالبة الأحزاب بتطهير صفوفها (12) .

وفى 31/7/1952 طلب إلى الأحـزاب تطهير صفوفها أسوة بالجيش، وما أن باشرت الأحزاب ذلك حتى تفجرت الخلافات داخل كل منها ، فيما بين قيادات الصف الأول على خلفية الاتهام بعدم النزاهة والخروج على الانضبـاط الحزبى ، كما نشبت فى كل منها صراعات بين الحرس القـديم ورجالات الصف الثانى المتطلعين لأدوار قيادية ، وبدا وكأن دعوة التطهير فخ نصب للأحزاب فوقعت جميعها فيه ، دون أن تدرك قياداتها أنها بصراعاتها أضعفت مواقف جميع الأعضاء فى مواجهة الضباط الشباب ، مما يدل على قصور وعى النخب القائدة ، وتقديمها مصالحها الذاتية على مصالح أحزابها .

كما اشتبكت الأحزاب فيما بينها حول أيهما الأحق بأن يكون ” حزب الثورة ” ، إذ هيئ لقياداتها أن الثورة لابد لها من حزب يجمع الجماهير من حولها ، فكان الوفد بما له من ماضى يتصور أنه صاحب الحق التاريخى فى السلطة ، فيما يرى ” الإخوان المسلمون ” أنهم الأحق بحكم الدعوة التى يرفعون شعاراتها . وتسابق قادة الطرفين ، وقادة جميع الأحزاب على باب عبد الناصر – حين تبينوا أنه القائد الفعلى – كل يزكى نفسه ويطعن بالآخرين، وبذلك تشوهت صور الجميع أمام الضباط ، خاصة عبد الناصر الذى عبر عن إحساسه بالمرارة بصيغة عميقة الدلالة فى كتاب ” فلسفة الثورة ” ، وبتأثير ذلك أخذ يتراجع عن الموقف الليبرالى الذى عرف به فى الأيام الأولى، وصار أقرب إلى تبنى الـرأى القائل بمسئولية الثورة عن إنجاز مبادئها (13) .

وما إن اطمأن ” الضباط الأحرار ” لقوة مركزهم حتى كلفوا لجنة فنية وقانونية بإعداد قانون للإصلاح الزراعى (14) ، وفى الوقت ذاته عقدوا جلسة حوار مع فـؤاد سراج الـدين ، رجـل الـوفـد القـوى ، أبـدى خلالها حرصه على عـودة الحياة النيابية وعـدم ارتياحـه للحـديث الـدائـر حـول الإصـلاح الزراعى (15) .

وبرغم ما بدا من أن الوفد رفض الإصلاح الزراعى ، ومعارضة كل من : رئيس الوزراء على ماهر ، وعضوى مجلس الوصاية بهى الدين بركات ورشاد مهنا ، صدر فى 9/9/1952 القانون رقم 178 بتحديد الملكية الزراعية وتنظيم العلاقات الزراعية ، مما يؤكد الجرأة فى اتخاذ القرار، وحسن قراءة الواقع السياسى / الاجتماعى بمصر، إذ راهنوا على تأييد الجماهير ، وضعف مركز القوى المحافظة ، وقد استقبل القانون بتأييد جماهير الشعب والقـوى التقدميـة كافـة ، فيما كانت المعارضـة هامشية للغاية (16) . وبالنتيجة كسب ” الضباط الأحرار ” تأييد الساحة الداخلية ، وحققوا رصيداً شعبياً بعد أن اتضح انحيازهم للغالبية ونهجهم الاجتماعى .

وينظر لقانون الإصلاح الزراعى باعتباره ” القانون الديمقراطى الأول فى تاريخ مصر الحديث ” ، إذ تضمن محاولة حل المشكلة الديمقراطية بالنسبة لأغلبية الشعب مـن الفـلاحين ، بالحد من قوة الإقطاعيين وكسر شوكتهم ، وتحطيم ما تراكم من هيبة طاغية فى الريف ، وبخلخلة القيود التى تكبل وتشل إرادتهم بتشجيعهم على التمرد والفكاك من التبعية ، وتدريبهم على الجرأة على تحدى استغلال الملاك وهيبة الإقطاعيين (17) .

كما أنه فى قبول استقالة وزارة على ماهر بسبب معارضة رئيسها وغالبية أعضائها إصدار قانون اعتبروه ” ثورياً ” ، وتحدى الوفد بعد اتضاح موقف رجله القوى من الإصلاح الزراعى ، ما يؤشر على بداية مرحلة الصدام المتصاعد مع قوى اليمين على اختلاف انتماءاتها الحزبية والفكرية .

ولأن عمليات تطهير الأحزاب لم توفر القناعة بسلامة إجراءاتها صدر القانون رقم 179 لسنة 1952 بتنظيم الأحزاب ، الذى قضى بأن يتقدم كل حزب بإخطار لوزير الداخلية ، مدعماً ببيان عن نظام الحزب وأسماء أعضائه المؤسسين ، وموارده المالية ، مع شهادة إيداع أموال الحزب فى أحد البنوك ، وأعطى وزير الداخلية حق الاعتراض على تكوين الأحزاب ، كما أعطيت الأحزاب حق الرجوع للقضاء ، وبتدخل من عبد الناصر لدى وزير الداخلية استثنى الإخوان من الخضوع لأحكام القانون باعتبارهم جمعية ذات نشاط اجتماعى .

وفى مواجهة تعنت الوفد وتململ بقية الأحزاب ، قرر الضباط الاحتكام إلى الشعب ، وبين أيديهم منجزات ملموسة : طـرد الملك ، وإلغاء الألقاب، والإصلاح الزراعى ، وتصعيد الحملة على الاستعمار ، ورفع شعار ” ارفع رأسك يـا أخـى فقـد مضى عهـد الاستبـداد ” . وحين تيقنوا من أن شعبيتهـم بـاتت أقـوى مـن شعبيـة الـوفـد (18) ، تـوجـه غـالبيـة قــادة الثـورة إلى الوجه البحـرى ، فـاستقبلـوا أينمـا ساروا بـأفـواج هـادرة مـن البشر ؛ ففـى ” سمنود ” – مسقط رأس مصطفى النحاس – استقبلوا بحماس لم يشهده غير النحـاس (19) . وشكلت تـلك الاستقبـالات نقطة فاصلة فى الصراع مع الأحزاب ، إذ تأكد خلالها أن الشعب يقف بكل مشاعـره مـع الضباط ، متخلياً عن الأحزاب .

وكان مستشارو الضباط الحقوقيون د. عبد الرازق السنهورى رئيس مجلس الدولة ، وسليمان حافظ نائبه ، و د. سيد صبرى أستاذ القانون الدستورى بجامعة القاهرة ؛ يشجعون الضباط على تجاوز الدستور وتحدى الأحزاب ، بحجة أنها ثورة ، وأن ” للثورة قانونها الخاص ، وأنه لا مبرر للتمسك بالدستور ، وأن البلاد فى وضع ثورى وبحاجة إلى خطوات ثورية وإلى فقه ثورة ” (20) . واتخذ الموقف ذاته فتحى رضوان ، قيادى الحزب الوطنى المشارك فى الوزارة . وجماعة الإخوان المسلمين ، وكان الإخوان يعملون على إبعاد القوى السياسية الأخرى ، وبالذات الوفد ، وفى تصورهم أن تكون لهم السلطة ؛ إذ كانوا يسعون لاحتواء الحركة والتحكم فى صناعة قرارها .

ولـم تقـاوم الأحزاب التقليدية ، بما فيها الوفد بجدية ملموسة ، واستسلمت استسلامـاً كاملاً ، ولم تكـن تملك إمكانيـة المقاومة المؤثرة ، إذ ليس فى مقـدورهـا أن تنافس ” الضبـاط الأحـرار” بمـا يطرحونه من أفكار وما يحققونه من منجزات ، فالوفد – وهو أبرزها وأنصعها تاريخاً وأكثرها شعبية – لم يكن سنة 1952 الوفد الذى كان سنة 1919 ، ” إذ كانت قد تسربت لقيادته عناصر تتناقض مصالحها مع ما يطرحه الضباط ، وبالنتيجة تراجعت فاعليته وشعبيته ، خاصة والقطاع الأوسع من جماهير 1952 لم يعاصر أمجـاد الـوفـد بقـدر مـا عـاش مسلسل تنازلاتـه منـذ عقـده معاهـدة سنـة 1936 ” .

وكانت حال بقية الأحزاب أكثر تدهوراً ، ولتدارى الأحزاب عجزها انطلقت فى جملـة إشاعـات ضـد الثـورة ، ويقـرر البغـدادى إن ذلك ما أقنع عبد الناصر بعدم جدوى التعاون مع الأحزاب ” (21) ، وفى 12/12/1952 أصدر محمد نجيب باسم ” مجلس قيادة الثورة ” قرار إلغاء دستور 1923 ، وفى 17/1/1953 أعلن باسم المجلس أيضاً قيام فترة انتقالية لمدة ثلاث سنوات تجرى بعدها الانتخابات ، وفى اليوم ذاته صدر قرار حل الأحزاب ومصادرة أموالها .

وحول ذلك كتب د. سيف الدولة : ” قبل أن ينقضى عام 1952 رأت الثورة أن مشكلة الديمقراطية ليست مشكلة أشخاص فاسدين ، بل مشكلة نظام فاسد ، وأن حلها يكون بإسقاط النظام كله ” (22) . وفى ضوء ما جرى نلاحظ أولاً أن قرارات إلغاء دستور 1923 ، وحل الأحزاب ، وإعلان فترة انتقال لمدة ثلاث سنوات ؛ لم تكن قرارات فردية أصدرها عبد الناصر ، وبالتالى يتحمل مسئوليتها التاريخية وحده ، وإنما كانت قرارات صادرة عن ” مجلس قيادة الثورة ” برئاسة محمد نجيب وبموافقة جميع أعضائه ، بمن فيهم خالد محيى الدين ، واستناداً لاستشارات قانونية صادرة عن أبرز الفقهاء الدستوريين بمصر ، وعلى رأسهـم د. عبـد الرزاق السنهورى ، وبتأييد وتشجيع قطاع غير يسير من القوى السياسية ، وفى مقدمتها ” الإخوان المسلمون ” .

وثانى مـا نـلاحظـه أن الظـروف الموضـوعيـة التى واجهتهـا حـركـة ” الضباط الأحرار ” غداة انتصارها ، وبشكل خاص موضوع عمق التناقض فيما بين انحيازها للأغلبية المهمشة تاريخياً ، وبين القــوى والعنـاصر اليمينيـة الحـريصـة على مكتسباتها الموروثـة ، كانت وراء تجـاوز عبد الناصر الليبرالية فكراً وممارسة ، وتوجهه نحو ” الديمقراطية الاجتماعية ” لحل إشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية .

رابعاً : الصراع مع محمد نجيب وأزمة مارس / آزار 1954 :

أصدر مجلس قيادة الثورة فى 13/1/1953 مرسوماً بتشكيل لجنة من خمسين عضواً لتعمل على ” وضع دستور يتفق مع أهداف الثورة ” ، كما أصدر فى 10/2/1953 إعلاناً دستورياً ببيان نظام الحكم فى فترة الانتقال عهد بموجبه لمجلس قيادة الثورة بأعمال السيادة العليا ( المادة 8 ) ، وبالسلطة التشريعية لمجلس الوزراء ( المادة 9 ) ، وبالسلطة التنفيذية لمجلس الوزراء كل فيما يخصه ( المادة 10) ، وبالرقابة والمتابعة لمؤتمر يتألف من مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء مجتمعين ومفردين ( المادة 11 ) (23) .

ونلاحظ أن الإعلان لم يأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات وإنما اعتمد مركزية شديدة ، وبهذا فإنه من وجهة نظر ليبرالية خالصة يكون قد ألغى المشاركة فى صناعة القرار والرقابة عليه ، مما يعنى تغييب الديمقراطية ، ولكن عندما يؤخذ بالحسبان انحياز مجلس قيادة الثورة للغالبية والتأييد الذى كان يلقاه من جماهير الشعب ؛ يبدو جلياً أن الذى غيب إنما هى مشاركة النخبة السياسية ليس إلا .

ولم يتم اللجـوء إلى تشكيـل حـزب يتبنى ” المبـادئ الستة ” ، وليكون ” حزب الثورة ” ، ولم يكن ذلك عسيراً بعد الإنجازات التى حققتها الثورة والتأييد الشعبى الواسع الذى أخذت تلقاه ، غير أن تجاوز الليبرالية فكراً وممارسة أدى إلى تجاوز مبدأ ” الحزبية ” ، سواء تعدد الأحزاب أو الحزب الواحد ، واعتماد تنظيم شعبى واحد يحرك ويستوعب وينظم الطاقات الشعبية المعطلة تاريخياً ، فأسست مطلع 1953 ” هيئة التحرير ” ، وقد نص ميثاقها على العمل لجلاء الاستعمار، وكفالة حق السودان فى تقرير المصير ، وتأمين حقوق وحريات المواطنين ، والمساواة فى الحقوق وتكافؤ الفرص ، والعمل على تنمية مصر ، ومساعدة الشعوب العربية ، ورعاية المبادئ القويمة التى نصت عليها المواثيق الدولية ، وطاف عبد الناصر المحافظات يفتتح فروع الهيئة ، ويخطب شارحاً أهدافها وداعياً للانضمام إليها .

وفى تقويـم ” هيئـة التحريـر ” ينتهـى د. سيـف الدولـة إلى اعتبـارهـا ” المشروع الديمقراطى الأول فى سبيل حل مشكلة الديمقراطية ” ، وقد نظر إليها من زاوية اشتراك الجماهير – التى كانت غائبة ومغيبة – فى منظمة حتى وإن كان اشتراكاً شكلياً ، إلا أنه أخرجها من الركود الذى كانت ترسف فيه، ويقول : ” باختصار إن الثورة لم تحل فى تجربتها الأولى مشكلة الديمقراطية، ولم تحقق شيئاً يهم الليبراليين ، ولكنها – فى مصر الشعب – اقتحمت كل المواقع ، وأيقظت النيام ، وحملتهم حملاً على أن يفتحوا عيونهم على القضايا العامة ، وأن يستمعوا إلى أحاديث وأناشيد الحرية . أياً كان الأمر فقد كانت مرحلة هيئة التحرير دليلاً لا شك فى صحته على إصرار الثورة على حل مشكلة الديمقراطية على مستواها الأكثر حدة وهو المستوى الشعبى ” (24) .

وإلى جانب محاولة حل إشكالية المشاركة السياسية على المستوى الشعبى الأكثر حدة ، تمثلت المشاركة على مستوى صناعة القرار فى أربع ظواهر :

الأولى : جمـاعيـة القيـادة ، وحـول ذلــك يقــول محـمــد نجـيــب : ” كنـا كلانـا – عبـد الناصر ونجيب – مسئولين للجنة التى صارت ” مجلس قيادة الثورة ” ، ولم يعمل أحدنا إلى زمن طويل بدون تصديق إجماعى منه ( المجلس ) ، وكلما حدث اختلاف بين أعضائه كان يحال إلى المجلس الذى يجتمع مدة ما ، يمكنه أن يصل إلى قرار إجماعى ، ولو استغرق ذلك عشر ساعات ” (25) .
الثانية : حرية المناقشة على المستوى القيادى ، وحول ذلك يقول أمين هويدى : ” كان باب المناقشة فى مجلس الوزراء مفتوحاً للجميع على مصراعيه ، وإننى لأتساءل : مَنْ مِنَ الزملاء طلب الكلمة ولم تُعطَ له ؟ أو أراد أن يتحدث فى موضوع وحُرمَ من ذلك أو فتح حواراً ومُنِع من الاستمرار فيه ” ؟ (26) .
الثالثة : دراسة كافة الموضوعات دراسة وافية من قِبل ” اللجان الوزارية ” ، التى كانت تضم رؤساء بعض الأجهزة التى تتعلق مهامها باختصاصات تلك اللجان ، وكان للجنة حق استدعاء من تراه من المختصين للاستنارة بآرائهم ، ولم يكن يدرج أى موضوع فى جدول أعمال مجلس الوزراء إلا بعد أن تكون اللجان قد استكملت دراسته ، وأعدت تقريراً حوله ، ووزع علـى أعضـاء مجلس الـوزراء قبل عقـد الجلسـة المخصصة لدراسته بوقت كاف . وكانت اللجـان الوزارية بذلك مجالاً آخر أمام الوزراء وأجهزتهم ، وكذلك الآخرين لإبداء الرأى والمناقشة (27) .
الرابعة : الاستعانة بخبراء أكفاء ، برغم كل ما كتب وقيل حول تقديم ” أهل الثقة ” على ” أهـل الكفـاءة ” ، كان لـلآخـريـن دورهـم الملحـوظ فـى مؤسسات الدولة ، وحول ذلك يقول جان لاكوتير : ” دخل الوزارة تقنيون من جماعة الطليعيين أمثال : سيد مرعى ، وعباس عمار ، وفؤاد جلال ، فضلاً عن كبار الموظفين اللامعين أمثال : الاقتصادى على الجريتلى ، والقانونى بهجت بدوى . وهذا يذكرنا بدولة ديجول، التى استعانت بمثل هذا الخليط من الأذكياء ، والمتفوقين (28) .

وقبـل أن ينقضى عـام على إعلان فترة الانتقال تفجرت الأزمة داخل ” مجلس قيادة الثورة ” فيما بين محمد نجيب وبقية أعضاء المجلس ، الذين كانوا قد دفعوا به إلى الواجهة ، بحيث احتل قلوب الملايين باعتباره ” البطل ” الأسطورى الذى كان منتظراً . إلا أنه بالقبول الجماهيرى الذى لقيه تعاظمت ثقته بنفسه ، وتنامت عنده شهوة السلطة ، فأخذ يطالب باختصاصات تتجاوز مسئوليته كقائد فريق ، وهذا ما لم ينكره فيما بعد (29) ، ولم يفطن وهو فى نشوة النصر إلى أن إنجازات الثورة المتوالية أخذت تكسبها كحركة رصيداً شعبياً يتنامى بتسارع طردى ، كما تناسى هامشية دوره فى الحركة أو يفطن إلى محدودية قدراته قياساً بدور وقدرات عبد الناصر .

وبدا فى نظر زملائه متعطشاً للسلطة دون أن يكون مؤهلاً لذلك (30) ، وكان طبيعياً أن يرفض الذين ثاروا على طغيان فاروق منح من يعتبرونه صنيعة أيديهم سلطات أوسع مما كان لفاروق ، وأن يروا فى منحه السلطات التى طلبها عن طريق وسيطيه د. السنهورى وسليمان حافظ ، إمكانية أن يصبح ديكتاتوراً ، علاوة على أن ما كان يطلبه يتناقض مع ما درجوا عليه منذ شكلوا حركتهم وتواصل إثر تسلمهم السلطة من اعتماد أسلوب ” القيادة الجماعية ” .

وبذلك توالت الأزمات وأصبح تفجر الوضع مسألة وقت ، وحين لم يستطيع محمد نجيب أن يحصل على السلطات الواسعـة بالتراضى قــدم استقالتـه ، محـاولاً أن يستغــل شعبيتـه ، وتطلـع النخبـة الحزبية للديمقراطية ، بعد أن كان فى مقدمة المطالبين بمد فترة الانتقال (31) ، وأخذ يتحدث عن أهميـة الديمقراطية ، وضرورة إعـادة الحياة النيابية ، وعودة الجيش إلى ثكناته ، وينتقد فى مجالسه الخاصة – وبحضور الدبلوماسيين الأجانب – ممارسات زملائه فى مجلس القيادة ، متخذاً موقفاً مناقضاً كلياً لموقفه عندما طلب إلى الأحزاب تطهير ذاتها .

وقبل المجلس الاستقالة ، وعين عبد الناصر رئيساً للوزراء ، وتعاطـف الجمهــور مـع نجيــب ، كمــا وقــف إلى جانبــه ســلاح الفــرسـان ” المدرعات ” ، واغتنمت الأحزاب الفرصة محاولة استرداد الأرض التى فقدتها ، وتحت واجهة دعم نجيب واستعادة الديمقراطية سارعت تعيد تدعيم صفوفها المتداعية ، واتخـذت نقابتـا المحـامين ، والصحفيين ، وأساتذة وطلبة الجامعات موقفاً مؤيداً ، وطالبت بحل ” مجلس قيادة الثورة ” ، وإعادة الحياة النيابية ، وإطلاق الحريات العامة ، وتشكلت ” جبهـة وطنيـة ” مـن الوفـد والأحزاب التقليدية ، والشيوعيين ، والإخوان تحت شعار ” إسقاط الديكتاتورية العسكرية ” . ويلاحظ أنه لم يسبق لهذا التجمع أن شكل جبهة وطنية ضد الاستعمار البريطانى (32) .

وامتدت الأزمة إلى داخل مجلس الثورة بانحياز خالد محيى الدين إلى نجيب ، وتفاديا لعـواقب انقسام الجيش ، وتحسباً من تصادم وحداته ، أعلن عبد الناصر يوم 5/3/1954 قرار المجلس بإلغاء الرقابة على الصحف والأحكام العرفية ، وعقد جمعية تأسيسية بطريقة الاقتراع العام لمناقشة مشروع دستور جديد وإقراره (33) ، إلا أن تلك القرارات لم تجد من القوى المدنية ؛ الليبرالية واليسارية تفهماً منطقياً ، ولم يتم التعامل معها بإيجابية ، وعلى العكس من ذلك استخدم الجميع الحريات المتاحة لشن هجوم ضار على ” مجلس قيادة الثورة ” و ” الضباط الأحـرار ” ، ممـا أثار مخاوف المجلس والضباط ، ويتهم خالد محيى الدين نجيب بأنه حاول استغـلال تلـك القـرارات لتعزيـز سلطاتـه ، كما يتهـم الوفـد والشيوعيين بـإساءة استخدام الفرصة (34) .
وفى 25/3/1954 اجتمع المجلس بكامل أعضائه ، وبحضور نجيب، وبرز فيه اتجاهان : الأول يقوده عبد الناصر يؤيده الغالبية ، يرى السماح بقيام الأحزاب ، وبألا يؤلف مجلس قيادة الثورة حزباً ، ولا يُحرم أحد من ممارسة حقوقه السياسية ، وأن تشكل جمعية تأسيسية لها سلطة البرلمان بانتخاب حر ، تنتخب فور انعقادها رئيساً للجمهورية ، وأن يطلق سراح جميع المعتقلين السياسيين ، وأن يحل ” مجلس قيادة الثورة ” يوم 23/7/1954 ، باعتبار أن الثورة قد انتهت وسلمت البلاد لممثلى الشعب ، وقاد البغدادى الاتجاه المصر على استمرار فترة الانتقال ، ولدى التصويت فاز الاتجاه الأول ولم يعارضه سوى : البغدادى وجمال سالم ، وكمال الدين حسين ، وحسن إبراهيم ، فيما امتنع نجيب عن التصويت (35) ، وتقرر أن يكلف خالد محيى الدين بتشكيل الوزارة .

ويذكر خالد محيى الدين أنه ونجيب وافقا على عودة الحياة النيابية مع حرمان من الحقوق السياسية كل من : النواب الذين صوتوا لقوانين مقيدة للحريات ، والنواب الذين رفضوا دفع ضريبة الأطيان ، ورؤساء الأحزاب ، والذين طبقت عليهم قوانين الإصلاح الـزراعى ، ويضيـف بأن من عارضوا القرار كانوا يرون طرد الاستعمار أولاً ، ثم بحث موضوع الديمقراطية (36) .

إلا أن قرارات 25 مارس / آزار استفزت القوى التى رأت فى تصفية الثورة إضراراً خطيراً بمكاسبها التى تحققت ، ومصادرة أحلامها التى عظمتها الثورة ، ووقف يؤيد القرارات الحزبيون من الوفد إلى الشيوعيين وغالبية أعضاء النقابات المهنية ، وأساتذة الجامعة وطلابها ، وبالمقابـل عـارضتها نقابات العمال ، وأعضاء ” هيئة التحرير ” ، وجمهور الفلاحين وكادحو المدن ؛ أى جميع من كانوا مهمشين سياسياً فى العهد السابق ، وأضرب عمال النقل العام ، وتوالت المظاهرات المؤيدة والمعارضة ، وعقد ممثلو مختلف أسلحة الجيش مؤتمراً سياسياً قرروا فيه تأييد حكم ” مجلس قيادة الثورة ” .

وبدت مصر على شفا حرب أهلية ، فى الوقت الذى كانت تجرى فيه مفاوضات الجلاء ، وتتفاقم فيه حدة الأزمة مع السودان ، مما أظهر معارضى الحكم بمظهر المضعف للموقف الوطنى فى قضيتين طالما شغلتا الرأى العام ، وكانت قوى الإقطاع مستنفرة فى الريف ضد الإصلاح الزراعى (37) ، وكلا الأمرين كان لهما شديد الأثر فى موقف مجلس قيادة الثورة ، ومجلس الوزراء بالتبعية . واجتمع المجلسان يوم 28/3/1954 حيث أعلن د. نور الدين طراف أن الشعب والجيش ضد قرارات 25/3/1954 وأيده عبد الحكيم عامر ، وطالب بإلغـائهـا جميع الوزراء المـدنيين فيمـا عـدا د. عباس عمار، و د. على الجريتلى ، فتقرر إلغاؤها ، كما تقرر إعادة الرقابة على الصحف (38) .

وتبـاينت وجهـات النظـر – ولم تزل – بشأن إضرابات عمال النقل العـام يـوم 26/3/1954 ، واشتـراكهـم فى المظـاهـرات المعاديـة لـقـرارات 25 مــارس / آذار ، إذ يـدّعى خالد محيى الدين أن عبد الناصر رتب الأمر مع الصاوى أحمد الصاوى نقيب عمـال النقـل ، إلا أنـه يعقب بأن أى ترتيب ما كان ليجد له صدى لولا أنه لقى تجاوباً عند الجماهير ، ويضيف بأن الطبقة الوسطى كانت تخشى عودة الأحزاب التى احتقرتها ، فيما كان الفلاحون يخشون إلغاء الإصلاح الزراعى وعودة الاستبداد الإقطاعى ، بينمـا بـدأ العمال يستمتعون بقـانون يحميهم ضـد الفصل التعسفـى ، وأن حملات صحف ” المصرى ” و ” الجمهور الجديد ” و ” روز اليوسف ” استفزت الجيش وخاصـة ” الضباط الأحـرار ” (39) .

فيما يذكر سيـد مرعى أن يوسف صديق – عضو مجلس الثورة الماركسى – أول من اتصل بالصاوى محاولاً تحريك العمال لتأييد قرارات 25 مارس / آذار ، إلا أن الصاوى رفض الاستجابة لطلبه وتحرك بالاتجاه المضاد حرصاً على مكاسب العمال ، وينفى نفياً قاطعاً أن يكون لعبد الناصر أى دور فى ذلك (40) .

وكان لأحداث مارس / آذار 1954 انعكاسات شديدة ، فمن جهة أولى عمقت القطيعة بين الثورة وبين المثقفين الليبراليين والماركسيين على السواء ، مما أثر على إشكالية الديمقراطية فى مصر ، إذ لم يقم المثقفون بدورهم التاريخى فى تعميق الوعى الديمقراطى وتبيان الأسلوب الأمثل للممارسة الديمقراطية فى الواقع العربى ، فى حين تزايد اعتماد الحكم على التكنوقراطيين والبيروقراطيين فى مشروعات التنمية التى اتسعت وتعددت ، ومن جهة ثانية تعززت قوة المؤسسة العسكرية ، وتزايد إحساسها بأنها وحدها حامية النظام ، كنتيجة لدورها فى دعمه فى مواجهة الثورة المضادة .

وبين من أرخوا أو كتبوا عن المرحلة تميز د. سيف الدولة بانتقاد علنى للموقف الذى اتخذه سنة 1954 ، حين وقف مؤيداً تجمع الأحزاب . وفى تقويمه للأزمة كتب يقول : ” لقد اختار الليبراليون والماركسيون العودة إلى الليبرالية ، واختار الثوار الثورة ، أما الماركسيون فلأنهم لم يكونوا من القوة بحيث يفرضون مذهبهم التقليدى فى ديكتاتوريـة البروليتاريا أو مذهبهم المتطور فى الديمقراطية الشعبية ، فانحازوا إلى الليبراليين على أساس أن الليبرالية – كما اعتقدوا – تتيح لهم فرصة أكبر لتحقيـق التناقـض الطبقـى وتعبئـة الجماهير تحت قيادة الطبقـة العاملة للاستيلاء – فى النهاية – على السلطة ، وأصبح الصراع بين الليبراليين والثوريين ، فأى الفريقين كان ديمقراطياً ؟ .. كلاهما ؛ الأولون كانوا ديمقراطيين بالمفهوم الليبرالى ، والآخرون كانوا ديمقراطيين بالمفهوم الشعبى ، الأولون انحازوا إلى القلة الممتازة والآخرون انحازوا للأغلبية المسحوقة والمغيبة . هذا على المستوى الفكرى ، أما على المستوى الواقعى – نعنى واقع مصر عند قيام الثورة – فإن الأولين لم يكونوا ديمقراطيين بأى معنى ، وكان الثوار وحدهم هم الديمقراطيون ” (41) .

وفى تقديرنا أن أزمـة مـارس / آذار 1954 كانت معـركة ديمقراطية بمعنى الكلمة ، إذ لم تكن المؤسسة العسكرية وحدها هى التى حسمتها لمصلحة عبد الناصر والذين وقفوا إلى جانبه من أعضاء مجلس قيادة الثورة ، وإنما كانت هناك مشاركة سياسية جماهيرية فاعلة جداً ، كان لها دورها التاريخى فى هزيمة الثورة المضادة ، وكان فيها لكل من ” نقابات العمال ” و ” هيئة التحرير ” دور مؤثر للغاية .

خامساً : الصدام مع الإخوان المسلمين :

قبل أن يشكل عبـد النـاصر حـركـة ” الضباط الأحـرار ” التحق وبعض رفاقه بجماعة ” الإخوان المسلمين ” ، ولم يطل مقامهم فى الجماعة لعدم استطاعة قيادتها الرد على تساؤلاتهم السياسية والاجتماعية (42) ، ومع ذلك بقى للجماعة تقديرها عنده لدرجة أنه قبيل التحرك ليلة 23 يوليو / تموز 1952 تولى إبلاغ الجماعة بموعد الحركة ، وفى الصباح كان عدد من شباب الإخوان يحرسون المنشآت العامـة ومراكـز العبادة ، غير أن بيان المرشد العام حسن الهضيبى بتأييد الحركة لم يصدر إلا بعد إعلان تسفير الملك يوم 26 يوليو / تموز (43) .

ولقـد كان عبـد الناصر شديـد الحرص على استقلالية الحركة ، وعدم وقوعها تحت سيطرة أى منظمـة حزبيـة ، فيمـا كان الهضيبى يطمح لأن يكون موجه الحكم الجديد وصاحب الكلمة الفصل فى قراراته (44) ، ووقع الصدام الأول بين الطرفين على خلفية مشاركة الشيخ أحمد حسن الباقورى عضو ” مكتب الإرشـاد ” ، والمستشار أحمـد حسنـى فى وزارة محمــد نجيـب الأولى (45) ، وعندما اختلف ” مجلس قيادة الثورة ” مع على ماهر وغالبية وزرائه حول الإصلاح الزراعى ، انحاز الهضيبى إلى جانب رئيس الوزراء مؤيداً اقتراحه بأن يكون الحد الأعلى للملكية 500 فدان .

و مـا بيـن 23/7/1952 – 26/10/1954 غلبـت الإيجـابيـة على السلبيـة فى عـلاقــة ” مجلس قيـادة الثـورة ” – وبخاصـة عبـد الناصر – مـع الإخـوان ، فقـد كان معظم المفرج عنهم فى أكتوبر / تشرين 1952 من معتقلى الإخوان ، بمن فيهم قتلة النقراشى ، كما أعيد النظر فى محاكمة المتهمين باغتيال حسن البنا ، وتمـت إدانتهـم ، وكذلك حُكِم وأديـن إبراهيـم عبد الهادى وعدد من الضباط فى قضايا معتقلى الإخوان ، واختير ثلاثة من الإخوان أعضاء فى لجنة وضع الدستور سنة 1953 ، كما استثنى الإخوان من قرارى تطهير الأحزاب وحلها ، ولقد رحبت الجماعة بقرار الحل ورأت فى استثنائها الجماعة على أنه وليد رغبة عبد الناصر فى عدم وقوفها إلى جانب الأحزاب فى جبهة واحدة (46) .

وانقسم الإخوان يومذاك بين الداعين للتعاون مع مجلس الثورة ، وحل الجهاز الخاص ومعارضى الأمرين (47) ، وعندما احتدم الخلاف بين قادة الإخوان ، واحتل بعضهم مركز الجماعة مطالبين باستقالة الهضيبى ، لجأ الطرفان إلى عبد الناصر ليفصل بينهم (48) ، ولقد رأى الهضيبى ومناصروه فى ” هيئة التحرير ” محاولة لتجـاوز دور الجماعـة ، ولم يستجيبـوا لدعوة عبد الناصر لدمج التنظيمين ، وإنما دخلوا فى صراع متصاعد مع الهيئة ، خاصة فى المهرجانات التى كانت تستقبل نجيب وقادة الثورة (49) ، ولم يبد الهضيبى موقفاً إيجابياً تجاه المشاركة فى الأعمال الفدائية فى منطقة القناة عندما طلب منه ذلك للضغط على الإنجليز فى مفاوضات الجلاء (50) .

وعلى خلفية اتصالات الهضيبى بالمستشار السياسى للسفارة البريطانية ، واعتبار ذلك إضعافاً للموقف التفاوضى المصرى ، جـرى اعتقاله
و 450 من أنصاره ، وإعلان حل الجماعة (51) ، ويلاحظ أن حملة الدعاية الحكومية بالمناسبة حصرت بالمتورطين دون الجماعـة (52) . واستجابـة لـوساطـة الملك سعـود أفـرج عـن المعتقلين وأعيـد إشهـار الجماعة ” كحركة دينية ” ، وفى أزمـة مارس / آذار 1954 أيدت الجماعة نجيب والأحزاب بدايةً ، وشاركت فى المظاهرات المطالبـة بعـودة ” الــديمقـراطيـة ” ، وكـان عبـد الـقـادر عــودة مــن أبرز الخطباء ، إلا أن عبـد الناصر زار الهضيبى يوم 25/3/1954 واتفق معه علـى تشكيـل ” لجنة لدراسة المشاكل المعلقة ” ، وفى اليوم التالى نادى الهضيبى بالحاجة إلى حياة نيابية نظيفة ، وامتنع طلبة الإخوان عن المشاركة فى مظاهرة الأحزاب التى اتهمت الجماعة بعقد صفقة مع النظام أنقذت حياته . وعندما أعيد حل الأحزاب بعد 28/3/1954 استثنيت الجماعة من جديد (53) .

وحين أعلن عن اتفاقية الجلاء أدانها الهضيبى ، إلا أن التعايش القلق بين الطرفين لم يتأثر كثيراً . وفى 14/9/1954 عقدت الجمعية التأسيسية للإخوان اجتماعاً بحضور 96 عضواً من 112 ، ولم يحضره الهضيبى ، وانقسم الحضور حول الموقف من الثورة فأيدها 76 عضواً ( 77 % من الحضور ، و 67 % من مجموع الأعضاء ) وقرروا إعطاء الهضيبى إجازة ، وإعفاء أعضاء مكتب الإرشاد (54) .

وفى 26/10/1954 جرت محاولة اغتيال جمال عبد الناصر، وأعقبتها اعتقالات طالت 2943 معتقلاً ، وشكلت : ” محكمة الشعب ” برئاسة جمال سالم ، وعضوية أنور السادات وحسين الشافعى ، فأصدرت أحكاماً على 867 شخصاً ، فيما أدانت المحكمـة العسكرية 254 شخصاً ، ونفذ حكم الإعدام بحق ستة بينهم عبد القادر عودة ويوسف طلعت ، فيما خفض حكم الإعدام عن الهضيبى ، ثم أفرج عنه صحياً ، وقد أفرج عن جميع المعتقلين قبل 23 يوليو / تموز 1956 (55) .

ومما سبـق يتضح أن الصدام لـم يقع مـع ” الإخوان المسلمين ” كجماعة ، وإنما مع المرشد العام وأنصاره ، ولا على خلفية موقف من الإسلام أو الديمقراطية ، وإنما على دور فى السلطة وتوجيه الحكم ، وذلك ما تكرر فيما بعد مع سيد قطب وأنصاره سنة 1965 .

ونلاحظ أنه فى مرحلة الحسم لم يلاحق سوى المتورطين فى مواقف معادية ، كما أن عدداً غير يسير من الإخوان تواصل تعاونهم مع الحكم ، واحتلوا مناصب كبيرة فى أجهزته . وبرغم ذلك يؤخذ على الحكم أنه فى دعايته المضادة لم يميـز بين القلة التى اصطفت إلى جانب القوى المعادية المحلية والأجنبيـة ، والأكثريـة التى كانت أقـرب إلى الإيجابيـة ، مما تسبب فى أن تغدو الأقلية مستقطبة للأكثرية ومعبرة عن تيار أساسى فى المجتمع ، كمـا أنـه مـا كان يجــوز لحكــم أدان تعـذيـب معتقلـى الإخوان فى العهد الملكى أن يقـع فى الخطيئة ذاتهـا ، بحيـث أثـر سلبياً على صـورة ثـورة تفـردت بنقاء الصفحة نسبياً مـن ممارسة العنـف ، قياساً بالثورات الكبرى فى التاريخ .
وبرغم التجاوزات التى لا تنكـر ، ومـا خلفـه الصدام مـن تراكمات لـم تسلم منها العلاقة فيما بين التيارين القومى والإسلامى ، إلا أنه يمكن القول بأن الصدام مع الإخوان لا يمكن اعتباره صداماً حول الديمقراطية بحال من الأحوال ، ولا يجاوز كونه فرعاً من صدام الثورة مع الثورة المضادة ، والشىء المؤكد أنه ما من نظام – ليبرالى أو غير ليبرالى – يتساهل مع قوة تحاول أن تقلبه بقوة السلاح ، أو يقبل أن يكون استعمال العنف المسلح أداة من أدوات تداول السلطة ، أو سبيلاً لفرض المشاركة السياسية ، وعليه يمكن القول بأن الصدام مع الإخوان – برغم التجاوزات المدانة – لا يعبر مطلقاً عن صراع من أجل الديمقراطية بحال من الأحوال .

سادساً : دستور 1956 والتقدم على طريق ” الديمقراطية الاجتماعية ” :

شكلت يوم 13/1/1953 لجنة لوضع الدستور برئاسة محمد فهمى السيد ، ضمت ” 3 ” مـن أعضـاء لجنـة دستور 1943 ، و ” 4 ” من زعماء الوفد ، و ” 2 ” من الأحرار الدستوريين ، و ” 2 ” من السعديين ، و ” 3 ” من الإخوان ، و ” 3 ” من الحزب الوطنى ، و ” 2 ” من الحزب الوطنى الجديد ، ورئيس الكتلة الوفدية ، وعضو من مصـر الفتاة ، ورؤساء محكمة النقض ، ومجلس الدولة ، والمحكمة الشرعية العليا ، و ” 3 ” من ضباط الجيش والشرطة ، و ” 3 ” من أساتذة القانون الدستورى ، ورئيس جامعة القاهرة ، و ” 19 ” من كبار رجال الاقتصاد والسياسة المستقلين ، والشخصيات العامة بينهم ” 6 ” من الأقباط ( 56) .
وحيـن تقـدمـت اللجنـة بالمشروع الـذى أعدته تبين أنه يستهدف إقامة ” جمهورية برلمانية ” ، وعلى نحـو يـوحـى بـأن القـوى الحـزبية المشاركة فى اللجنة وضعته على صورة لا تدع للضباط الأحـرار دوراً يؤدونه فى الحكم ، مما تسبب فى رفض المشروع (57) ، وقد علل عبد الناصر رفضه بأن اعتماد النظام البرلمانى يقصر دور الشعب على مهمة انتخاب النواب فى فترات معينة ، ولا يفسح مجالاً ليمارس الشعب أى سلطة ما بين الانتخاب والآخر .
وهــذا مــا اتفـق عليـه فقهـاء القـانـون الـدستـورى بمصـر ، كل مـن : ثروت بدوى فى موجز القانون الدستورى ص 135 ، وعبد الفتاح ساير داير فى القانون الدستورى ص 444 ، وسليمان الطماوى فى القانون الدستورى المصرى ص 107 (58) .
وتحت إشراف عبد الناصر وضع دستور 1956 متجاوزاً الليبرالية شكلاً بأسلوب المشاركة الشعبية ، ومضموناً بوظيفة الدولة التى انتقلت بموجبه من مؤسسة ليبرالية سلبية إلى مـؤسسة اجتماعيـة فاعلة . وهذا ما يتضح من نصوص المواد : (4) التضامن الاجتماعى أساس المجتمع المصرى . (7) ينظم الاقتصاد القومى وفقاً لخطط مرسومة تراعى فيها مبادئ العدالة الاجتماعية ، وتهدف إلى تنمية الإنتاج ورفع مستوى المعيشة . (8) النشاط الاقتصـادى حـر على ألا يضر بمصلحـة المجتمـع ، أو يخـل بـأمـن الناس ، أو يعتدى على حريتهم وكرامتهم . (9) يستخدم المال فى خدمة الاقتصاد القومى، ولا يجوز أن يتعارض فى طريقة استخدامه مع الخير العـام للشعـب . (11) الملكية الخاصة مصونة وينظم القانون أداء وظيفتها الاجتماعية (59).

ونص الدستور على أن مصر دولة عربية ، وشعبها جزء من الأمة العربية ، ودينها الإسلام . كما تضمن كافة الحريات ، والحقوق السياسية ، وقواعد النظام النيابى التى تضمنها دستور 1923 . وأضاف إلى ذلك انتخاب رئيس الجمهورية باستفتاء شعبى ، واستفتاء الشعب فى المسائل الهامة ، بما فيها تعديل الدستور . وكذلك نص على قيام ” الاتحاد القومى ” عن طريق الانتخاب ، وبموجبه أعطى رئيس الجمهورية سلطات واسعة ، فيما أعطى مجلس النواب حـق محاكمة رئيس الجمهوريـة ، واستجـواب الـوزراء ، وسحب الثقة منهم وفى تقويمه يقرر د. سيف الدولة : ” بكل المقـاييس النظريـة كان دستور 1956 أكثر ديمقراطية من أى دستور سابق ، لأنه أضاف إلى ما سبق ولم ينتقص منه شيئاً مما كان للشعب من قبل ” (60) .

وليس من شك أن دستور 1956 تجاوز الليبرالية شكلاً ومضموناً ، ولكنه لم يؤسس لنظام فاشى ، وهذا ما ينفيه أستاذ القانون الدستورى جورج باردو – الذى يعد أفضل المختصين الفرنسيين – فهو يقول : ” لا .. ليس هذه فاشية .. بل قيصرية تقنية تجمع بيد الزعيم سلطات رئيس الدولة ورئيس الحكومة ” (61) .
وحين يؤخذ فى الاعتبار أن عبد الناصر لم يكن يمثل طبقة مستغلة ، وإنما كان منحازاً إلى أبعد حدود الانحياز للغالبية التى تعانى من الاستغلال ، يتضح أن ” القيصرية التقنية ” كانت غايتها الدفع باتجاه تحقيق المزيد من العدالة الاجتماعية ، وتذويب الفوارق الطبقية .
وكثيراً مـا وجـه الانتقـاد لـدستور 1956 – والتجربـة الناصرية بشكل عام – من ناحية ” مركزية السلطة ” ، وغالباً ما ذهب ناقدو ” المركزية ” إلى الادعاء بأن ذلك من بعض التراث المصرى فى الحكم ، الذى تولد عن مجتمع النهر ، والذى جرت محاولة فرضه فى سوريا على عهـد الـوحـدة مـن منطلـق ” التمصير ” . وقـد فـات الناقدين أن ” مركزية السلطة ” فى التجربة الناصرية إنما نشأت بفعـل التحول فى وظيفة الـدولة مـن السلبيـة ( الليبراليـة ) إلى الإيجابية ( الاجتماعية ) ؛ ذلك لأن الدولة حين تلتزم بتوظيف الموارد البشرية والمادية المتاحة لإشباع حاجات المواطنين ، فإنها مضطرة لاعتماد خطة مركزية شاملة ، لا يمكن تنفيذها بأكبر قدر ممكن من النجاح بدون سلطة مركزية تنفيذية قوية تتابع تنفيذ الخطة فى كل مجالاتها ، ثم إن النظم الاشتراكية – أو التى تتجه اشتراكياً – لا تعرف المناصب الشرفية . وعليه فسلطات الرئيس فى دستور 1956 – ودستور 1964 من بعده – سلطات طبيعية ومتسقة مع دوره فى مجتمع يتحول اشتراكياً (62) .

وبعـد الاحتفـال بالجـلاء يـوم 18/6/1956 جـرى الاستفتـاء على الـدستور ورئاسة عبد الناصر للجمهورية يوم 25/6/1956 ، وبالنص على الاستفتاء الشعبى ، أخذاً بالنظام الذى أدخل فى وسط أوروبا مع مطلع القرن العشرين ، لاستكمال قصور النظام الليبرالى . وكان صعود النازية والفاشية قد أوقف العمل بالاستفتاء الشعبى ، حتى أعادته فرنسا بموجب دستور ديجول سنة 1958 ؛ أى بعد إقرار دستور 1956 .

وبإصـدار الـدستـور وانتخـاب الـرئيس انتهـت فتـرة الانتقـال ، وحـل ” مجلس قيادة الثورة ” ، وألغيـت الأحكـام العـرفيـة . وكانت معظم المعتقلات قـد صفيـت ، واستبعـد عـدد مـن ” الضباط الأحرار ” ممن تولوا المسئولية الأمنية وفى ” هيئة التحرير” ، الذين شوهت صورتهم شعبياً ، وأجريت الانتخابات العامة بحرية نسبية ، وأضفى المجلس الشرعية على النظام (63) .

ودخلت المرأة مجلس النواب لأول مرة فى تاريخ البلاد العربية . وكانت الانتخابات قد تمت بموجب قانون الانتخاب رقم 73 لسنة 1956 ، والذى أطلق حق الانتخاب بدون قيود لأول مرة فى تاريخ مصر ، وبموجبه خفـض سن الناخـب إلى 18 سنـة، وتـأميـن المـرشح مـن 150 جنيهــاً إلى 50 جنيهاً ، ومنحت المرأة حق الانتخاب والترشيح ، ومنح العسكريون حق الانتخاب ، وجعل الانتخاب إجبارياً ، بفرض جنيه غرامة على المتخلف ، وذلك لحمل الجمهور على المشاركة .

ومنذ اليوم الأول للثورة اهتم عبد الناصر بالإعلام والإعلاميين ، وأقام صلات وثيقة بكبار الصحفيين بمصر ، وكان حريصاً على متابعة الصحف العربية والأجنبية ، كما اهتم بالإذاعة ، ومن بعد بالتلفزيون ، كأداة للتواصل مـع الشعـب وتشكيـل الـرأى العـام ، ولتحقيق هذه الغاية أنشئت وزارة ” الإرشاد القومى ” ، وأسست ” دار التحرير للطباعة والنشر” ، التى صدرت عنها مجلة ” التحرير ” وصحيفة ” الجمهورية ” ، كما صدرت صحيفتا ” الشعب ” و ” المساء ” ، وتولت الصحافة والإذاعة إبراز منجزات النظام ، وفضح فساد العهد الماضى ، كما أنشئت إذاعة ” صوت العرب ” ، وعدد من الإذاعات الموجهة لأفريقيا وآسيا بعدد من اللغات. ولقد نمت أجهزة الإعلام الرسمية وطورت ، ونجحت نجاحاً هائلاً فى تأثيرها بمصر وعلى مدى الوطن العربى ، وفى معظم العام الثالث ، وحدت كثيراً من متابعة الإذاعات الاستعمارية بحيث غدت الأشد تأثيراً فى الرأى العام عربياً وإفريقياً.

وليس أدل على ما حققته أجهزة الإعلام المصرية يومذاك من الاهتمام البالغ الذى أولته ” وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ” لتأثير ” صوت العـرب ” ، وحيـن تبيـن لها صعوبة إنشاء إذاعة بديلة منافسة ” وجدت أن أفضل حل هو إسكاتها فى أول مناسبة ، وهذا ما حاولته الطائرات الإسرائيلية عام 1956″ (64) .

فى حيـن لـم تشهـد الصحـف القائمـة تطويـراً ، وبقيـت لأصحابها كامـل حـريتهـم ، ولـم يستبعـد أحد من المسئولين عن صحف ” أخبار اليوم ” و ” الأهرام ” و ” دار الهلال ” و ” روز اليوسف ” ، برغم نشر كشف المصاريف السرية فى العهد الملكى ، وفيما عدا ” روز اليوسف” التى مارست النقد لم تمارس سواها نقد ما يجرى ، رغم رفع الرقابة عام 1956 ، مما يدل على أنها ظلت بعيدة عن التجاوب الفعال مع روح الثورة (65) ، مع أنه توفرت حرية النقد الموضوعى المتحرر من الغرض ، وهذا ما يوضحه خالد محمد خالد فى مذكراته ، فهو يؤكد أنه منذ أصدر كتابه ” الديمقراطية أبداً ” فى الشهور الأولى للثورة ، وحتى اليوم الذى لقى فيه عبد الناصر وجه ربه ، توفرت له حرية النقد كاملة ، ويقرر ” إن عبد الناصر لا يعاقب على النقـد ، وإنما يعـاقـب على الحقـد ” ، ويـذكـر أنه كتب ناقـداً دستـور 1956 ، ومعتبراً ” الاتحاد القومى ” الحزب الواحد ، وأن عبد الناصر قرأ المقال وأقره ، وسمح بنشره كاملاً ، وأن الباقورى نقل إليه قول عبد الناصر : ” إننى صرت أفضل أن أقرأ لخالد المؤيد ” (66) .

وليس ينكر أنه شاب الممارسة العملية قصور ، ووقعت تجاوزات بحق المعارضين من اليمين واليسار ، إلا أن التجربة لقيت استجابة غالبية الشعب العربى بمصر ، جسدها الالتفاف الواسع من حول قيادة عبد الناصر ، ولا يعود ذلك الالتفاف إلى المنجزات التى تحققت والآمال التى تعاظمت فحسب ، وإنما أيضاً لأن تركيز السلطتين ؛ التشريعية والتنفيذية بيد عبد الناصر لم يتسبب بخسارة جماهير الشعب سلطة كانت تملكها فشعب مصر ” لم يكن يحكم ولا كان يشارك فى الحكم ، ولم تكن لإرادتـه أثـر يـذكـر فى شـئون السلطـة والصراع على توليها بين الأحزاب والقصر والمحتلين ” (67) .

يضاف إلى ذلك أن التحول باتجاه ” الديمقراطية الاجتماعية ” المتمثلة بتدخل الدولة فى الشئون الاقتصادية والاجتماعية ، كان النظام الذى يتجه إليه التطور الديمقراطى فى أعقاب الحرب العالمية الثانية ، وبالتالى كان التحول المستجد متوافقاً مع التوجيهات الديمقراطية المعاصرة ، الأمر الذى يحسب للتجربة الناصرية .

سابعاً : البعد الديمقراطى فى تجربة الوحدة المصرية / السورية :
القول الشائع ، حتى فى أوساط القوة والعناصر القومية الوحدوية ، أن سوريا خلال عهد الوحدة عانت من الافتقار للديمقراطية ، وغياب المشاركة السياسية ، وإن ذلك كان فى مقدمة عوامل نجاح الردة الانفصالية . فى حين يدعى غير القوميين – على اختلاف انتماءاتهم – أن سوريا خسرت بالوحدة الديمقراطية ، وأن التطلع لاستردادها أبرز عوامل الانقلاب على الوحدة . وبرغم اتضـاح الـدور الخارجى فى تدبير ، وتمويل ، وإنجـاح المؤامرة الانفصالية ؛ لم يُعِد القوميون وغير القوميين النظـر فى مقـولاتهم حول غياب الديمقراطية والمشاركة السياسية فى عهد الوحدة .

ولقد سبقت الإشارة إلى أن قصور النظام الليبرالى كان أبرز عوامل الانقلابات العسكرية وتأييدها نخبوياً وجماهيرياً ، وفى دراسة للواقع فى المشرق العربى انتهى عـدد من علماء السياسة والاجتماع العرب إلى القول : ” لقد أدت الديمقراطية البرلمانية إجمالاً إلى مزيد من التسلط المحلى فى سوريا والعراق ” (68) ، ومع أنه تمت إعادة تفعيل مؤسسات النظام الليبرالى بعد سقوط الشيشكلى فى ربيع 1954 إلا أن الليبرالية لم تُستَعد ، إذ تميز الواقع الجديد بأن كان لقوى اليمين أكثرية عددية ساحقة فى جميع تلك المؤسسات ، كما احتفظت بسيطرتها الاقتصادية ، ونفوذها الاجتماعى ، بينما كان تحالف كبار ضباط الجيش مع اليسار – بقيادة البعث – هو المتحكم بالقرار السياسى . ولأن أياً من طرفى المعادلة لم يملك قدرة إلغاء دور الآخر ؛ لم يكن النظام القائم ليبرالياً ولا ثورياً ، وإنما كان موضوع صراع ضمنى بين مدعى الليبرالية ودعاة ” الديمقراطية الشعبية ” .
وكانت جميع أحزاب سوريا متخلفة على صعيد الفكر ، والتنظيم ، والتفاعل مع الجماهير ، وعلى نحو غير متميز كيفياً عما سبقت الإشارة إليه من تخلف ” المؤسسة الحزبية ” العربية ، فيما كانت الصحافـة السورية تعيش واقعـاً مأزوماً ، وصل بخـالد العظم حد الإدعاء بأنها كانت تمر بأسوأ أيامها منذ الاستقلال ، وأن أصحابها كانوا يقبضون من الحكومة ، والشركات ، والمصارف ، والدول العربية ، والعملاء الأجانب (69) ، بينما لم يضع سقوط النظام الديكتاتورى حداً لتجاوزات ” المكتب الثانى ” غير الممكنة الحدوث فى نظام ليبرالى (70) .

وفى ضـوء الواقع عشية الوحدة يمكن الجزم بأن سوريا لم تخسر بالوحدة نظامها الليبرالى ، ذلك لأنـه كان قد سقط عشية انقلاب حسنى الزعيم فى ربيع 1949 ، ولم يستعد غداة سقوط الشيشكلى فى ربيع عام 1954 ، والشىء المؤكد أنه لو أن الليبرالية كانت قائمة لما قبل اليمين ، صاحب الغالبية الساحقة فى المجلس النيابى بالوحدة مع مصر ، بعد أن بات واضحاً انحياز نظام عبد الناصر للغالبية ، ومباشرته عملية تغيير جذرية لصالحها ، اقتصادياً واجتماعياً ، ناهيك عن تجاوزه الليبرالية شكلاً ومضموناً .

ونلاحظ أن جميع مـواثيق الـوحدة المتفـق عليهـا جـاءت متوافقـة مع ما كانت قد انتهت إليه التجربة الناصرية ، وبخاصة تجاوز الليبرالية شكلاً ومضموناً ، ومع ذلك أقرها ووقعها جميع صناع القرار السورى ، مدنيين وعسكريين ، وجميع النواب الذين حضروا جلسة إقرار بيان الوحدة يوم 5/2/1958 ، كما أقرها شعب سوريا بما يقارب الإجماع فى استفتاء عام غير مطعون به ، وبذلك تكون الوحدة قد تمت ديمقراطياً، فى حين فصلت بانقلاب عسكرى ، وقد حالت القوى الانفصالية دون الاستفتاء على إعادة الوحدة ، لإدراكها أن غالبية شعـب سوريـا مع الـوحـدة بقيـادة عبـد الناصر ، برغم كل مـا قيل حول افتقاد الديمقراطية وغياب المشاركة السياسية .
وبموجب المواثيق التى وافقت عليها نخب وجماهير سوريا اعتمد نظام دستورى يتولى بموجبه رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية يعاونه وزراء يعينون من قبله ، ويتولى السلطة التشريعية مجلس نيابى يختار أعضاؤه بقرار من رئيس الجمهورية ، ويشكل المواطنون اتحاداً قومياً تبين طريقة تكوينه بقرار من الرئيس ، الذى فُوّض بوضع دستور مؤقت . وفى ذلك دلالة قاطعة على أن شعب سوريا ، وبإرادة حرة ، أعطى عبد الناصر سلطات أوسع بكثير من سلطات الرئيس فى جمهورية رئاسية ، وعلى أنه اختار ” الديمقراطية الاجتماعية ” لتحقيق التغيير الاقتصادى / الاجتماعى الذى لم يستطع تحقيقه فى ظل الليبرالية .

ويذكر خالـد العظم أن أكـرم الحـورانى ، وصبـرى العسلى ، وبقيـة الـوزراء لم يقروا فقط قرار حـل الأحـزاب ، وإنما تباروا فى تعـداد مضارها وذكـر استغلال نوابها للنفوذ (71) . فيما كان ميشيل عفلق شديد الحماس للاتحاد القومى ويبنى على قيامه الآمال (72) . ولا نحسب أن أحداً ممن شاركوا فى مباحثات الوحدة ، وصاغوا بيان إعلانها ، ووقعوا عليه ، والذين أقروه فى مجلس النواب ؛ كان فاقداً أهلية التصرف ، أو كان وعيه مغيباً ، ولكن كلاً منهم تصرف من منطلق تصوره بأنه يقـر أفضل البدائل المتاحـة لتحقيق مصالحه ومصالح حزبه ، أو الفئة التى ينتمى إليها .

ولم تخرج ممارسات عبد الناصر طوال عهد الوحدة عن حدود صلاحياته الدستورية ، كما أنه تصرف باعتباره ممثل الدولة بإقليميها السورى والمصرى ، ولقد كان لأبناء الإقليم السورى نسبة أعلى من نسبتهم العددية كمواطنين فى جميع أجهزة الدولة ، من نواب الرئيس إلى الوزراء إلى السفراء والدبلوماسيين . فيما كان جميع الذين تولوا المسئولية التنفيذية فى الإقليم السورى من أبنائه ، ولم يصدر قرار رئاسى خاص بالإقليم السورى دون مناقشته مسبقاً مع أبناء الإقليم .

ولقد أراد عبد الناصر من ” الاتحاد القومى ” أن يكون وسيلة تفاهم الطبقات بدلاً من تصارعها ، وتفاعل الأفكار بدل تصادمها ، وصولاً لأوضاع اجتماعية متكافئة ، وليكون أداة توظيف طاقات الشعب لمواجهة تحديات التقدم العلمى المتسارع ، وحدد تشكيله على أساس الانتخاب العام من القاعدة ، وصـولاً إلى ” المؤتمـر القـومى العـام ” الـذى يعتبـر السلطـة العليـا فى الـدولـة (73) . ويذهب د. سيـف الـدولـة إلى أن القضاء المصرى وكل شُراح القانون يرون أن ” الاتحاد القومى ” حول الشعب المنظم إلى سلطة دستورية رابعة ، واستهدف أن يكون الشعب مشاركاً فى العمل السياسى ، ليس فى فترة الانتخابات النيابية فحسب ، كما جرت العادة ، وإنما قبل الانتخابات وفيما بين كل انتخاب وآخر (74) .

وقبيل انتخابات ” الاتحاد القومى ” فى صيف 1959 طالب نائب الرئيس أكرم الحورانى بشطب الذين يتم الاعتراض عليهم ، للحيلولة دون تسرب العناصر الرجعية ، الأمر الذى رفضه عبد الناصر ؛ محتجاً بأن ذلك سيؤدى إلى تشكيل معارضة للتنظيم قبل قيامه ، وأنه ليس ممكناً التحرى عن حوالى 130 ألف مرشح فى الإقليمين حتى يكون الشطب على أساس سليم . وذكر أنه تمت ممارسة الشطب فى انتخابات مجلس الأمة سنة 1957 ، وقد أحس أن ذلك خلف آثـاراً سلبية على تصور الناس لـلانتخابـات (75) ، وتسبب عـدم الأخـذ بقرار الشطب فى انقسام البعثيين السابقين ، فالجناح الموالى للحورانى انسحب من الترشيح ، واستقال من كان قد نجح من عناصره بالتزكية ، بينما قرر موالو عفلق خوض المعركة الانتخابية . غير أن هذا الجناح انقسم على نفسه حين تبين تدخل أجهزة وزارة الداخلية ضد المرشحين من البعثيين السابقين ، وبالنتيجة انسحب حوالى 90% من البعثيين السابقين الذين رشحوا أنفسهم (76) .

ولأن الانتخابات لم تجر على خلفية صراعات سياسية أو اجتماعية ، ولا فيما بين أحزاب ومنظمات متنافسة ، وإنما بين أفراد مستقلين ، لجأ غالبية المرشحين إلى الاستقواء بالعصبيات المحلية ، وبالذات العائلية والطائفية ، والعلاقات الشخصية ، الأمر الذى يسر للعناصر اليمينية احتلال مـواقـع قياديـة فى تشكيـلات ” الاتحاد القومى ” على مختلف المستويات ، بحكم ما لها من نفوذ اجتماعى ، وعلاقات ممتدة ، وإمكانيات اقتصادية .

يضاف إلى ذلك الآثار السلبية لمداخلات وزارة الداخلية ، ذلك لأن الأجهزة بشكل عام حريصة على الموالاة التامة ، وبالتالى فهى أقرب إلى الانفتـاح على العناصر الانتهازية والنفعية والمستعدة للسير فى ركاب كل حاكم ، مقابل انغلاقها تجاه العناصر الحريصة على احترام الذات ، ورفض منظق الاستـزلام . وبالنتيجة افتقدت لجان ” الاتحاد القومى ” خاصة فى الإقليـم السورى ، غيـر يسيـر مـن الكفاءات الرافضة مبدأ الولاء المطلق ، التى ابتعدت أو أُبعدت ، وكان فى ذلك خسارة لا تنكر لوجود عناصر من مختلف الانتماءات ، والتى كانت صادقة الإيمان بالوحدة واضحة الالتزام بقيادة عبد الناصر .

وكمحصلة لمجمل الظروف التى أحاطت بتشكيل ” الاتحاد القومى ” لم يأت كما أراده عبد الناصر تنظيماً شعبياً متميزاً بدرجة عالية من الكفاءة ، ولا جاء الأداة الأكثر فاعلية فيما بين القيادة والقاعدة ، إذ تسربت لصفوفه الأولى عناصر تتناقض مصالحها تناقضاً عدائياً مع الأهداف التى أريد منه تحقيقهـا . إلا أن المنـاخ الثـورى العـام الذى كان قـائماً ، وتـواصل تفـاعـل عبـد النـاصر مـع الجمـاهيـر – كمـا سبــق بيـانـه – حالا دون أن تشكل لجـان ” الاتحاد القومى ” فى أى موقع أداة السلطة فى قمع الشعب أو تزييف إرادته .

وأقصى ما يمكن أن يوجه إليه من نقد ، قصوره عن أن يكون أداة تواصل فاعلة بين القيادة والقاعدة ، ولكنه ما كان مطلقاً أداة تواصل سيئة ؛ ذلك لأنه لم يجاوز كونه مؤسسة قاصرة ، من بين مؤسسات نظام تديره قيادة كارزمية تقدمية التوجه ،

عن admin

شاهد أيضاً

شهادة يوسف صديق عن دور جمال عبد الناصر فى ليلة 23 يوليو 1952. بقلم : عمرو صابح

    الضابط الحر “يوسف صديق ” لعب دوراً هاماً ومحورياً فى فجر يوم 23 …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *