الرئيسية / تقارير وملفات / أمريكا الترامبية وأمريكا العميقة في بر الشرق – بقلم : ​د. كمال خلف الطويل

أمريكا الترامبية وأمريكا العميقة في بر الشرق – بقلم : ​د. كمال خلف الطويل


​انتهيت من المقال أدناه قبل منتصف حزيران , أي قبل إقصاء م.ب.س ل م.ب.ن من ولاية العهد لصالحه , ونشر في 1 تموز في العدد الأول لفصلية “دراسات مستقبلية”​
​……………………………………………………………………………………………………….​


 

كلما بعد الوقت عن الزوال السوفييتي كلما بانت تأثيرات غياب الملاط الخارجي -التحدي البلشفي- لوحدة المؤسسة الأمريكية الحاكمة ، حول قضايا الحرب والسلم والعلاقة مع الخارج حليفاً كان أم عدواً، على جسد وعقل وبصيرة تلك المؤسسة.

 لم تكن تباينات المؤسسة السياساتية وليدة ذلك الزوال إلا أنه كان بالتأكيد خميرة اضطراد تفاعلاتها. بدأ الراصد يلحظ ذلك ، على صعيد ​ينبين-إداراتي وفي داخل كل إدارة ، بما يفيض عن منسوب تباين معقول ومتوقع ؛ بوش الأب مثلاً واجه ممانعة شرسة وعابرة للحزبين لقراره شن الحرب على العراق في يناير 91 ، لحد أن موافقة الكونجرس على القرار كانت بفارق ١٢ صوت فقط ، وبعلم أن قائد المعارضة كان سيناتوراً معروفاً بشديد ولائه للمجمع العسكري-الصناعي هو سام نَن ….من يتذكر أول تصريح لبيل كلنتن حول المنطقة ـ في يناير 93 ـ كان أن في وسع صدام الانتفاع من فرصة غفران. لكنه سرعان ما بلع لسانه لبأس ما واجهه من إعاقة دولة الأمن القومي؛ ثم أن بوش الأب لم يكن واثقاً من تبني خيلفته -المنتخب لتوه-كلنتن قراره غزو الصومال حينها فمضى بنفسه اليه في الشهر الأخير من ولايته، ثم قام في يومه الأخير بقصف كبير لبغداد حتى يئد أية إمكانية تعديل لمسار التعامل معها حين تولي خليفته ….. في فبراير 1998، قاوم كلنتن نية البتاغون توجيه ضربة شاملة لبغداد لكنه لم يستطع إدامة تلك المقاومة في ديسمبر من ذلك العام ، تحت وطأة فضيحته اللوينسكية.

لكن اضطرام مفاعيل التشقق في جدران المؤسسة تسارع إيقاعاً مع فضيحة الأمن القومي في 11 أيلول 2001، إذ برغم التماسك الأولي لوحدتها في وجه صدمة هزتها لأعماق الأعماق، ما لبثت عوامل الحت والتعرية أن اتخذت لنفسها دروباً ومدقات داخل جسد المؤسسة سرعان ما تجلت عشية وغداة غزو العراق ربيع 2003.

صحيح أن التنائي متبوعاً بالفراق فالصدام، كان مكتوماً في بداية الأمر لكنه بان وانجلى مع تعرض المشروع الأمريكي في العراق للتعثر الذي شارف على الإخفاق. كان لذلك فعل الصواعق سيما وقد تصاحب  مع الأزمة المالية، ثم الاقتصادية، الطاحنة: 2007-2008، والتي عكست في جوهرها التباينات بين-الرأسمالية ، بين شريحة مالية صاعدة ​و​أخرى إنتاجية خامدة، وآذنت بولوج البلاد مرحلة أفول ما كان ممكناً وقتها تقدير أمدها ، أمؤقتة هي أم مستدامة؟ 

ومع انتقال السلطة من بوش الابن إلى أوباما كان موقوتاً ومطلوباً التحرر من إسار أوحال الشرق، بمعنى الانتشار الواسع في ديار العرب والمسلمين، والخلاص من أثقال الغزوات المكلفة فيه ، وعلى وقع أن عقداً من السنين قد أهدر فيما القوتان تحت الكو​نيتان​ – فوق الإقليميتان: الصين وروسيا تسارعان الضوء في سعيهما لتجميع عناصر القوة الشاملة والمنافسة ، والكونية الطابع. 

نجح أوباما في كثير وفشل في أقل ، تمثل الأخير في تعويق البنتاغون رغبته الخروج من أفغانستان، كما استطاع أن يتم في العراق.  مع مطالع العشرية الثانية للواحد والعشرين كان ارتسام قوى المؤسسة ، لجهة التعامل مع الشرق ، قد تموضع تحت خيمتين : 

واحدة تتبنى «فضيلة» العودة إلى نهج “الاقتراب عن بعد”، والتي سادت ما بين ٤٥ و ٩٠ ، وترك الساحة فسيحةً للقوى الإقليمية الأربعة الرئيسة أن تدير صراعاتها ووفاقاتها وفق نواميسها الذاتية، وإن تحت نظر مرجعية أمريكية شبه ناظمة، بالسلب كان أم بالإيجاب.

 هذه القوى هي: إسرائيل ـ الامتداد النسيجي، الضامر وظيفياً

​ ​

.. السعوديةـ الحليف المحتاج للحماية والضبط

​ ​

.. تركياـ الحليف غير المأمون والساعي إلى تفلت

​ ​

.. إيران

​ ​ـ الخصم اللدود، ولكن مع مشتركات تكتيكية معه هنا وهناك.

فإن وجدت واشنجتن أن امتدادها أو حليفها قد تعرض لخطر أو تهديد من قبل غير المأمون أو من الخصم لتدخلت لضبط  الإيقاع وإزالة التهديد ، وإن وجدت أن الحليفين والامتداد قد أجمعوا على منازلة الخصم فهي وحدها من يقدّر إن كان ذلك متسقاً مع مصالحها أم هو بالضد منها ، وتتصرف على هدي ذلك .. وهكذا دواليك. 

أما من في الخيمة الثانية فهو ما أدعوه «حزب الحرب» والذي يضم في جنباته صقور اليمين بأنواعه... وما أكثرها، وهم ممن أدمن على الخلط بين الرغبة والقدرة حتى بعدما اتسعت الهوة بينهما بما لا يقاس على ما مضى من أزمان وولى.

يلحظ المرء هنا أن شا​غلي  الخيمتين تشاركا في أمر واسم: العداء الأزلي والمكين لروسيا، ولحمته وسداه السعي لتطويقها توطئة للفتحمن ثم فالعلاقة بين روسيا وأي من المحاور الإقليمية الأربعة لا ينبغي أن تتجاوز سقفاً غير مرئي وإلا اعتبرت عملاً عدائياً صميمياً موجهًا ضد مصالح الأمن القومي الأمريكية العليا. 

مدرسة أوباما الغالبة اعتبرت أن الهدف الإستراتيجي الثابت: «استرداد» إيران يحتاج أن يتابع بغير ما اعتادت عليه واشنجتن من خصومة عالية التوتر نحوها ، وبغرض أن يكون «توازن القوى» بين محاور الإقليم الأربعة مضبوطاً بميزان من ذهب.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن «النفاذ» إلى جسم المؤسسة الإيرانية يتطلب عون قوى اعتدال في الداخل عبر مرونة تعامل من الخارج، وبالتالي فللزمن ـ وهو أقصر في وقتنا المعاصر من سابقاته ـ أن يفعل فعله راعياً لشتلات التغيير ودفئية.

 ما نما في ثنايا المؤسسة منذ أن غاب الملاط البلشفي وتسيدت الرأسمالية المالية، وهاجرت تلك الإنتاجية إلى بلدان العمالة الرخيصة (عرضا الرأسمالية المعولمة)، كان جنيناً عرطلياً شائهاً قوامه يمين شعبوي قوموي ـ عنصري اعتبر أن الصين هي رمز سرقة الثروة الأمريكية ـ تحت يافطة العولمة ـ وأن روسيا في المقابل هي أهون الشرين ، بل وليست ذلك الشر المستطير كما هي عقيدة «دولة الأمن القومي» ، وأن  شراكة توجّه ضد الصين كفيلة بإزالة تنافسيتها، لجهة التصدر الكوني.

كانت لهذا اليمن «البديل» ـ وهو بديل لجهة خروجه عن بعض قواسم المؤسسة المشتركة الدنيا ـ بؤر متفرقة عند مطلع الواحد والعشرين ، لكن ما احتاجه كان رمزاً كارزمياً يجتذب الجهمور الأبيض إليه ليصبح حاضنته ورافعته. وجد ذلك اليمين ضالته في رجل أعمال لطالما تعشق السلطة وحلم بالإمساك بناصيتها هو دونالد ترامب. 

ورغم أن أوباما استطاع جعل طور الأفول الذي أرخى بكلكله على البلاد عام 2008 متوسط الأمد لا مستدامه (انحسر في حدود 2014 ، دون أن يقي ذلك من احتمال نكسه)، إلا أن مجموعة عوامل ، منها آثار تلك الأزمة على الطبقتين الوسطى ومحدودة الدخل ، واحتدام رهاب الأغلبية الراهنة البيضاء من غلبة ملونة مع منتصف القرن ، وتزايد مشاعر محدودية القوة الأمريكية كونياً.. كلها وفرت تربة خصبة لبذور شعبوية من صنف اليمين البديل.

بفوز ذلك الجناح المتنشىء من المؤسسة في سباق تسيدها ، وصلت تلك ، بشيعها وفرقائها ، إلى نقطة فصال لا تصلح معه مراهم الترطيب ولا عقاقير التهدئة. 

والشاهد أن المؤسسة في مجملٍ لا تبدل تبديلاً مطلبها في الهيمنة الكونية الشاملة. كانت شرائحها قبل 11 أيلول ، ثم قبل أزمة 2008 ، تتفاوت وتتباين في السبل والوسائل ، لكنها بعدهما صارت تختلف في السياسيات والاستراتيجيات والرؤى ؛ منها من يرى في الناتو ضرورة ردع لروسيا وتطويق ، وفريضة احتواء لأوروبا وتطويع ، فيما بينها من يرى فيه نافلة بل وعبئاً … ومنها من يرى في الانتشار الكوني، أساطيل وقواعد، سيف الإمبراطورية وترسها ، وآخرون يروا في تقليصه إلى الحدود ​المحتمَلة​

 ، مع الاتكال أكثر على مرتكزات إقليمية حليفة ، سبيلاً أنجع وأقل كلفة.. وهكذا دواليك. 

ما هي نقطة الفصل الرئيسة ؟ هي الموقف من روسيا. ولأن اليمين البديل يجنح نحو انفراج وفاقي معها على شاكلة ذلك الذي ارساه اليمين التقليدي مع الصين عام 1972 ، بل وحاوله مع السوفييت ثم وطده كارتر الديمقراطي حتى نهاية السبعينات ، حين أملت عليه دولة الأمن القومي الخروج من الوفاق إلى الصراع ، ثم وجدت في خليفته الجمهوري ريغان خير رمز لتلك المرحلة.

طيب، ما هي إسقاطات اصطفافات أجنحة المؤسسة على الشرق وقواه وأوضاعه ؟ نحتاج أولاً أن نتبين، بعد احتساب أن العدو الكوني الأَوَّل لدولة الأمن القومي هو روسيا، طبائع أعدائها وخصومها الآخرين، كما حلفائها ومشايعيها في المقلب الآخر، ومن ثم تلمس معيار التعامل عندها نحو الصنفين. 

ليس تنظيم الدولة عدواً وجودياً بالتأكيد وإنما هو عدو رئيس بالتعريف ، وهو يندرج تحت ذلك التعريف لجملة أسباب أهمها: استحضاره لمفهوم الخلافة بحمولته التاريخية المكثفة بل محاولة وتجسيدها واقعاً على الأرض، يليه كسره العابر للحدود على هدي مشروع إمبراطوري السمات، ثم إلهامه جموعاً متسعة من شباب الغرب المسلمين، ثم تهديده الوجودي للحليف السعودي بالذات. لذا كله كان لابد للمؤسسة من أن تجيش من تجد اليه سبيلاً من قوى  أرضية ، مصحوبة بعونها الجوي والمعلوماتي والأجنبي المباشر. بحثت بمصباح ديوجين عن معتمد

​ٍ​

فلم تجد ضالتها إلا -عند أكتوبر 2014 ومع معركة عين العرب- في ميليشيا الكرد السوريين المرتبطة بحزب العمل الكردستاني التركي. 

ما تبتغيه واشنجتن في هذا المفاد هو تكسير معاقل تنظيم الدولة الرئيسة بهدف تبهيت نداء الخلافة وإحالة التنظيم ثانية من مشروع دولة إمبراطورية النزوع، إلى  قوة تمرد محضة تلاحق هنا وهناك. 

أين إيران من التعريف الأمريكي للخصم ؟ هو يلبسها وتلبسه، لكن هناك أخدوداً بعرض خليج بين مدرسة تنادي بالعناق السمّي، سيما وقد أجهدت إيران أيما إجهاد بعقوبات 1 يناير 2013 الأمريكية وأوصلتها إلى تخوم لينٍ غير مسبوق في التعامل مع ملفها النووي، وبين أخرى تقول بمزيد من الضغط والعقوبات والعمل الخفي والدعائي: كلاهما يريد إيران محصورة بين قزوين والخليج ، بغير صلات وصل مع شرق المتوسط ، وبلا تأثير يذكر على ملف الصراع مع إسرائيل. 

لكن المعانقين يَرونَ التدرج والغواية والمشاغلة طريقاً أنجع وأسلس​من تنكب درب يعج بالألغام والعثرات. الأَوّلى، رغبت بتفاهم  سعودي ـ إيراني يخفف أسباب التوتر في الخليج ويفضي مع الوقت إلى تخفف إيران من حمولات الاندخال في سوراقيا العربيّة. أما الثانية فهي خلف تحشيد امتدادها النسيجي وحليفها المحتاج معاً في حلف إقليمي يناصب إيران العداء المفتوح ، بكل وسائط العمل الخفي والدعاية والضغوط الاقتصادية والحصار السياسي ؛ كل منهما ـ وإن اختلفت الوتيرة ـ يسعى إلى إزاحة إيران، نفوذاً بل وشبه سيطرة، من العراق… كيف؟ بتبني الجيش موطئاً وأداة في مواجهة المليشيات الفئوية ،الإيرانية الولاء ، وفي الانتفاع من سخط جمهور الشيعة الأوسع على الشيعية الدينو-سياسية المريع لفشلها في تأمين أبسط أبجديات دولة ، وفي السعي لوضع النجف في مواجهة قم … واستعادة العراق عند المؤسسة ككل هو الخطوة الأولى والفارقة على طريق استرداد إيران ذاتها، فكيف إن توازى ذلك مع تنحيف ايران شامياً؟ 

والشاهد أن من يزن ثقل إيران الإقليمي هذا العام قياساً بنسبة الأساس 2010 لابد يلحظ كيف انتقلت إيران من غلبة مرتاحة في العراق وشراكة مريحة في سوريا ، وثقل فارق في لبنان، وحجم وازن في فلسطين ، إلى مزا​حِمة​

 في العراق ، ومدافعة في سوريا ، ووازنةٍ قلقة في لبنان ، وضامرة في فلسطين. 

والأهم، أن تفعيل الفالق السني الشيعي، باحتلال أمريكا للعراق عام 2003، ما لبث أواره وأن أشتد على مدى العقد ونصف المنصرمين ، لتمتد اهتزازاته من نواكشوط إلى بومباي وليتكثف حرباً مسلحة ضارية في البر السوري ساعدها فيها التقاء محورين من “حلفائها” (السعودي-الأماراتي، والتركي-القطري) على خصمهما وخصمها: إيران. 

ولقد شكلت المنازلة السوريّة وما تزال مهمازاً أساسياً لمطلب الولايات المتحدة في غرب آسيا: أن يكون منصة القفز على أوراسيا  وظهيراً لفعل القفز.

لماذا سوريا ؟ لأنها بخصائص جغرافيتها (قلب الشام، الذي هو ميدان الصراع عليه وفيه، بحكم وجود إسرائيل في جنوبه .. شرق المتوسط .. جنوب الناتو- تركيا.. شمال الخليج .. عمق العراق) بلد فالقي

​ٌ​بامتياز ، كما دلت على ذلك أزمة 57 ، وبطريقة أفظع وأعنف أزمة 2011 ولتاريخه. لذا تتبارز في الساحة السوريّة كل قوى الأقليم والكون ، كل يتدافع مع الآخر فيزيح وينزاح ، ورياح الخماسين تلف الجميع في مشهد فوضى نار ودم ، تلتهب ويسيل. كان لإدارة أوباما ، التي خاضت هذا الصراع من بداياته ، نهج
​ٌ​تمثل في الاتكال على حليفيها الإقليميين (السعودي ـ الإماراتي، والتركي ـ القطري) ليقوضا خصمهما الإقليمي: إيران في سوريا، معينًة بكونترا ثنائية الجسد مرعية من شقي البنتاغون ولانغلي، ناهيك بكونها ناظم إيقاع الجميع لجهة المدة والوتيرة والمراد.

دانت دولة الأمن القومي بذلك النهج, رغم معارضة يمين المؤسسة له باعتباره إياه قاصراً عن تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في إخراج إيران وعدم تمكين روسيا من شرق المتوسط. حجة أوباما الغالبة كانت أن العودة للتدخل المباشر في حروب تخاض في ديار العرب والمسلمين خطيئة لن ولا ينبغي أن تكرر.ما جعله ـ ودولة الأمن القومي معه ـ يعدّل من نهجه كان نجاح تنظيم الدولة في إرساء نواة خلافة في سوراقيا العربية ؛ عندها تدخل الطيران الأمريكي كما انسالت كتائب المارينز والقوات الخاصة على شطري سوراقيا العربيّة الشماليين لتصل ، في غضون عامين ونيف ، إلى حدود فرقة (قرابة 18 ألف جندي ومتعاقد). ثم أن فوضى النار والدم المجتاحة سوريا ما لبثت أن فرخت صراعاً بيّنياً بين المحورين الإقليميين الحليفين لها (والمتحالفين تكتيكياً) تجلى في صدامات الغوطة (2016-2017) ، وفي تسابق لاهث لواحدٍ حتى يسبق الآخر على فتح هذا المكان أو ذاك.

كان من نتائج هذا الصراع الجانبية حدثان أسسا لما بعد: قرار العهد السلماني الجديد في السعودية اختراق دمشق في أيلول 2015 بواسطة ميليشياه (جيش الإسلام) ، وقرار “طور” أردوغان-بعد الانقلاب اعتزال الصراع على حلب والانكفاء شرق-شمال ليعالج  التمدد الكردي بمحاذاة حدود بلاده الجنوبية. 

في الأَوَّل، كان لمحاولة اختراق دمشق، التي اقتربت وقتها من فرصة نجاح، فعل الحسم عند بوتين… قرر إسقاط تلك المحاولة بالقوة. وازاه أهميةً كان قرار أوباما عدم اعتراضه رغم كرهه تجذر نفوذه فيها، إذ كان الأكثر كرهاً عنده أن يتسبب الاختراق ، في حال نجاحه ، في اصطراع الميليشيات ، المتباينة الولاءات إقليمياً ، داخل دمشق على صورة كابل ـ 1992 ليتأتي عنه اهتبال تنظيم الدولة (الرابض جنوب وشمال شرق وجنوب شرق دمشق) للفرصة فيلج دمشق ويعلنها عاصمة خلافته، وهنا الطامة الكبرى. في الثاني، تداعت ميليشيات حلب وانسحبت إلى غربها وادلب ، فيما امتصت تركيا بعضها في ميليشيا تقاتل الكرد شرقاً. باستعادة حلب أضحى النظام على منحنىً بياني صاعد، وإن متعرج الصعود ومتوسط السرعة. 

عند تلك النقطة دلف إلى المسرح لاعب جديد أزاح الستارة بشدة عنه فيما هو يزعق ويتمتم ويتمايل زهواً ويرطن بلغة غير معهودة من وعد ووعيد … أفضل ما يمكن وصف المشهد الجديد به هو أنه مشوش بفتح وكسر الواو معاً.

 القطبة المرئية في هذا الوافد هو خروجه على نص دولة الأمن القومي في اعتبار روسيا العدو الأول والأخير على الولايات المتحدة. هو اعتقد أن سابقة نيكسون مع الصين في 72 قابلة للاستنساخ مع روسيا في 2017 ، مغفلاً أن الظرف مختلف (انتفاع أمريكا حينها من الشقاق السوفييتي ـ الصيني) ، وتوازن القوى مختلف (ضعف الصين وقتها ​بيّن​) ووزن قوى الممانعة الداخلية مغاير (غائب وقتها ولاهب الآن)لذا فسرعان ما التهبت الأرض من تحته وتحددت الاصطفافات ضده وبان أن أمامه أحد سبيلين: إما أن يعود إلى صراط دولة الأمن القومي فينجو من عقابيل تمرده و​يُترك لحاله رئيساً اعتيادياً، ولكن تحت النظر، أو أن يتمسك برغباته «الروسية» فيحيق به عذاب الفظائع والتشهير والإفشال، وفي النتيجة إقعاده عن إنفاذ «رغبته».

في نقطة الفضائح، لا أقيس هنا على ووترغيت بمقدار ما أتمثل وايت واتر، وما مثلته من إجهاد نازف لكلنتن وعقيلته طيله أعوام 92-2000 (ناهيك بأثر اللوينسكية سلوكاً عليه). 

ما الذي يبلور مشتركات ومفرقات أمريكا الترامبية وأمريكا- دولة الأمن القومي؟

مسألتان: الموقف من رويسا والموقف من إيران … يشتركان في اعتبار روسيا خصماً، لكن الترامبية تعتقده قابلاً للغواية ولتطويع سلس، فيما الثانية ترفع مرتبته من مجرد خصم إلى عدو لا صلح معه …. يشتركان في اعتبار إيران خصماً، لكن الترامبية ترفع درجة خصومته إلى عدو مستحق للبطش بوسائط العمل الخفي والضغط الاقتصادي والحرب النفسية ، وعبر تجييش حلفائها الإقليميين (من تيسر منهم) ضده، أما دولة الأمن القومي فأميل إلى تبني وجهة أوباما في العناق «السمي» من جهة والنزال بالواسطة (في سوراقيا العربيّة) من جهة أخرى.

أمريكا الترامبية لذا ترى في صقور الخليج حواملها الجديرة ، فيما يرجح ويرشح أن أمريكا- دولة الأمن القومي تفضل من خبِرته​ مخضرماً وأكثر أهلية ومراساً، سيما وحرب اليمن 2015 -لتاريخه- تشهد بكم

​ّ​للانفعال من ضريبة وللاتزان من عائد، وهي التي ماشت الصقور فيها دعماً ومشاركة لم تحصد منهما إلا سوء السمعة.

والحال إن إسقاط معادلة “الأمريكيتين” على الأرض يأخذنا إلى المشاهد المرجحة التالية: 

في سورية: وبعلم أن مطلب تذويب النفوذ الإيراني ـ وبالواسطة ـ مشترك​ٌ​ مستدام عند “الأمريكيتين” إلا أن سبل تحصيله شبه مسدود. كل ما «تحاولاه» الآن هو إعاقة التواصل الإيراني “سوراقياً” ؛ من هنا معركة حدود سوريا الشرقية والجنوب شرقية. 

في العراق: المشترك المستدام هو ذاته هنا: تذويب النفوذ الإيراني ، وعبر رأي عام ـ شيعي سني ـ ضاغط باتجاه إزالة الشيعية الدينو-سياسية  من الحكم، ومرجعية

​ٍ​

تتساوق مع ضغطه، وعبر جيش هو المرتكز المؤسسي المأمون. النجاح هنا أكبر منه في سوريا ، سيما وغائب عن ساحة العراق دور روسي فارق ، كما الحال فيها.

في اليمن: عندي أن ما يتردد عن اندفاع أمريكي للمشاركة في فتح الحديدة لا يندرج تحت باب أفعال الضرورة – كما كان في حالة تنظيم الدولة مثلاً.

والحاصل أن نقطة اليمن تأخذنا الى ضرورة تلمس الفوارق البينية -بل والصراعية- داخل الحلف الواحد .. فالسعودية تريد يمناً موحداً ولكن رخواً (بالأقلمة أو الفدرلة) ومع التركيز على نفوذ مكثف في حضرموته ، سبيلاً الى بحر العرب ، فيما الأمارات تريد انفصالاً لجنوب اليمن عن شماله ليكون موطأً لإمساكها بناصية باب المندب من جانبيه الآسيوي والأفريقي ، وإطلالاته من عدن وسوقطرة وبربارة وعصب وجيبوتي. حسم هذه النقطة يتعلق أشد التعلق بحسم مسألة الخلافة السعودية ، والتي بذاتها مرآة للشرخ الراسي بين “الأمريكيتين”.

في الخليج: المشترك المستدام هو خفض جناح إيران ، لكن الترامبية تجمح الى الأشد (سابق الوصف) .. وهو ما يفسر بعض ما يجري مؤخراً مع قطر ؛ والتي يعني الحديث عنها ، في عموم ، محورها (التركو-قطري) ، والذي يخالف ايران ، بل ويصارعها أحياناً ، ولكن لا يعاديها ، والذي فوقها يرعى الاخوان المسلمين ويعتبرهم حليفاً وسنداً في طول الإقليم وعرضه ، فيما نظيره السعودي-اماراتي يعتبر وصول الاخوان الى الحكم في بلد عربي مركزي (الحديث عن سوريا والجزائر ومصر ، وجزئياً العراق) تهديداً وجودياً يستلزم حرباً مفتوحة من نواكشوط الى مسقط.

في ليبيا: يتكثف القتال القطري-الإماراتي/المصري على قواعد: إسلامي/علماني,وغرب/شرق وقبلي

بضراوة لا تعرف ضابطاً ، ولن يرجح كفة أحدهما بحسم إلا دور جزائري فارق.

بين المحورين التركو-قطري والسعودي-اماراتي إذن تناقض يتمحور حول الموقف من الاخوان في أساس ، وحول مدى التناقض مع ايران: أ عداء قصوي أم خصومة مضبوطة (تغشاها مشتركات تكتيكية) ؟ ، بل وحول مدى -أو حتى لزوم- العلاقة الإيجابية مع اسرائيل. والحال ان هذا التباين يتناظر مع ذلك البين- الخليجي بشكل ما ، إن لشيء فلأن المحور الثاني دفع بهامش الوصال مع روسيا الى تخوم متجاوزة في نظر دولة الأمن القومي ، مثلما دوره في الوصل بين موسكو وفريق الانتقال الترامبي. 

وكلما نأى هذان المحوران عن بعضهما كلما ضاقت مساحة الصراع بين التركو-قطري والإيرانو-سوري ، ليس من باب تدشين توافق بل تنظيم اختلاف، أمر إن أضفناه على انشغال المحورين (السعودي والتركي) بتنغيص بعضهما البعض لوجدناه يرتسم انحساراً لوتيرة اشتباكهما ومردود أدائهما الميدانيين في ساحات الصدام ، وهو ما يصب في قناة من سبق وتآلفا ضده فيها.

تحضر هنا جملة أمور تستحق الإضافة: هناك مثلاً شبه مشترك بين كل المحاور الأربعة هو انخفاض سعر النفط بلا قاع واضح ، والذي سيلجم اندفاعات يتلمضها هذا وذاك من هنا وهناك ، ويدفع باتجاه هدن على مضض. هناك أيضاً اقتراب مصر من حافة “فشل الدولة” وما يعنيه من كوارث فيها وحولها. ثم أن ليس من مبالغة اعتبار رجحان المحور الإيرانو-سوري في ميدان الحرب السورية صاعداً بجلاء الى مرتبة الفوز ، وهو تطور يسهم في ترجيح “اقتناع” المحور التركو-قطري بمحاسن التهدئة ، توطئة لانفراج.

لكن سؤال الختام الأهم هو: هل تجد المؤسسة الأمريكية الحاكمة لنفسها دواءً للتفرق أيدي سبأ أم هي لعنة البلاشفة ، مقيمة

​ٌ​

ما أقامت نزوعها ، وقد ناهز الثمانين من العمر ، الى الهيمنة الكونية الشاملة ؟

 

​د. كمال خلف الطويل
12 حزيران 2017​

عن admin

شاهد أيضاً

ثوابت إسرائيلية تحصد متغيّرات عربية

صبحي غندور*     هناك الآن حالة انتظار تسود المنطقة العربية لما ستسفر عنه هذه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *