الرئيسية / تقارير وملفات / قصة بنى اسرائيل و الهكسوس فى مصر – 2

قصة بنى اسرائيل و الهكسوس فى مصر – 2

عــن مـــوســــــــى و فــــــــرعون – 1

ظل بنو إسرائيل يعيشون على أرض مصر، وكان (يوسف) قد ساهم في رفع شأنهم بين القبائل البدوية [الهكسوسية] الأخرى. فعندما جاء (يعقوب) [إسرائيل] وبنوه مصر، أوقفهم (يوسف) أمام الملك الذي سألهم : ” ما صناعتكم ؟ فقالوا لفرعون عبيدك رعاة غنم نحن وأباؤنا جميعاً “(1).
” فكلم فرعون (يوسف) قائلاً أبوك وأخوتك جاءوا إليك. أرض مصر قدامك. في أفضل الأرض أسكن أباك وأخوتك “(2).
” فأسكن (يوسف) أباه وأخوته وأعطاهم ملكاً في أرض مصر في أفضل الأرض…” (3).

وتمر أيام وأعوام.. ويتبدل الحال.. فقد : ” قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف (يوسف). فقال لشعبه هو ذا بنو إسرائيل شعبٌ أكثر وأعظم منا “(4).

ثم كان أن قام هذا الملك “الجديد” باضطهاد بني إسرائيل :
( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفةً منهم يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ) (5).

أما السبب الذي من أجله قام هذا الملك باضطهاد بني إسرائيل ؛ فيورده (ابن كثير) في كتابه “قصص الأنبياء” :
” وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرون عن (إبراهيم) عليه السلام من أنه سيخرج من ذريته غلامٌ يكون هلاك ملك مصر على يديه “. ولم يكن هذا الغلام سوى (موسى).
أما التوراة فتجري سبباً آخر على لسان الملك نفسه : ” لئلا ينموا فيكون إذا حدثت حربٌ أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا ويصعدون من الأرض “(6).
وهكذا سام الحاكم وقومه بني إسرائيل العذاب : ” ومرّروا حياتهم بعبودية قاسية.. “(7).
وتمضي التوراة لتذكر شيئاً من تفاصيل هذه الفترة : ” وكلم ملك مصر قابلتي العبرانيات “(8)، واتفق معهما على قتل ذكور بني إسرائيل والإبقاء على حياة بناتهم : ” إن كان ابناً فاقتلاه وإن كان بنتاً فتحيا “(9).
إلا أن هاتين القابلتين خدعتا الحاكم ، وأوحيتا إليه أن النساء العبرانيات لسن بحاجة إلى مساعدة المولدات، فالمرأة العبرية تلد قبل وصول القابلة. وفي هذه الأثناء وفي هذه الظروف : ” ذهب رجل من بيت لاوي وأخذ بنت لاوي “(10). ” فحبلت المرأة وولدت ابناً.. “(11).
وكان هذا الابن هو : (موسى) بن (عمران) بن (قاهث) بن (عازر) بن (لاوي) بن (يعقوب).
وكان بطبيعة الحال أن تخشى أم (موسى) بطش الحاكم ، فأوحى إليها الله : ( أن أرضعيه فإذا خفتِ عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني ) (12). وهذا ما فعلته أم (موسى).
و تكمل التوراة الرواية : ” فنزلت ابنة فرعون إلى النهر لتغتسل وكانت جواريها ماشيات على جانب النهر. فرأت السفط بين الحلفاء فأرسلت أمتها وأخذته “(13).
” ولما فتحته رأت الولد وإذا هو صبيٌ يبكي. فرقت له وقالت هذا من أولاد العبرانيين “(14).
ويذكر القرآن “ابنة الحاكم ” هذه بأنها “زوجته”.
( وقالت امرأة فرعون قرة عينٍ لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ) (15).
وتقول التوراة : ” ولما كبر الولد جاءت به إلى ابنة فرعون فصار لها ابناً. ودعت اسمه (موسى) وقالت إني انتشلته من الماء”(16).

***

كان هذا هو الفصل الأول من قصة (موسى)، الذي نتوقف عنده لنسجل التالي :
أولاً : إن الملك الجديد حين قال : ” هو ذا بنو إسرائيل أكثر وأعظم منا ” لم يكن يخاطب الشعب المصري بكل تأكيد، فهل قال مؤرخ واحد أن بني إسرائيل حتى في أزهى عصورهم وبعد تأسيس دولتهم في فلسطين كانوا أكثر وأعظم من المصريين ؟! ناهيك عن هذه القبيلة الرعوية القليلة الشأن التي كانت تعيش حينذاك في أرض مصر.

يقول (جان بوتيرو) في كتابه “ولادة إله، التوراة والمؤرخ” : “إن الشعب الإسرائيلي لم يكن سوى شعب مجهري (يكاد لا يُرى إلا بالمجهر) قياساً على تلك الشعوب العملاقة التي أشادت حضارات ضخمة (..) كالبابليين والأشوريين والمصريين “.
أما (جيمس هنري برستيد) فيقول عن هذا الشعب [الإسرائيلي] في أمجد فترات تاريخه : “.. شعب خامل الذكر سياسياً منزو في الركن الجنوبي من البحر المتوسط. فإن هذا الشعب لم يقم له نظام قومي خاص به إلا منذ العشر أو العشرين سنة السابقة لعام (1000) قبل الميلاد، ولم يبق أمة موحدة إلا نحو قرن واحد على أكبر تقدير “(17).
أما (ديورانت) فيقول عن هذه الفترة التاريخية : ” هي قصة ملوك همج يحكمون شعباً من الهمج “(18).
وهكذا يتضح أن هذا الملك الجديد لم يكن يخاطب شعب مصر، بل جماعة من الناس أو طائفة منهم، أو قبيلة من قبائل هؤلاء الهكسوس، الذين كانوا لا يزالون يعيشون – حينذاك – على أرض مصر.
ثانياً : ابنة هذا الحاكم ( في التوراة) أو زوجته (في القرآن) – حين عثرت على الطفل (موسى) في السفط – أدركت على الفور أن الطفل الرضيع إسرائيلي. فيا ترى ما هي تلك العلامة التي رأتها هذه الأميرة فأدركت على الفور أن الطفل الرضيع إسرائيلي ؟.
هي علامة بالتأكيد لم تستطع أم (موسى) أن تخفيها أو تمحوها مع أنها كانت – يقيناً – حريصة كل الحرص على إخفاء أو محو أية إشارة تدل على نسب (موسى) إلى العبرانيين..
نقول : على الأرجح أن (موسى) كان مختوناً، وهي عادة دينية اعتادها اليهود. فلو كانت هذه السيدة “مصرية” ما كان يلفت نظرها ختان الطفل، فالختان عادة مصرية أصيلة، وكان المصريون يمارسونها منذ بضعة آلاف من السنين قبل الميلاد.
وقد ذكر (هرودوت) أن المصريين عرفوا الختان منذ أقدم العصور، بل ويشهد أيضاً أن هذه العادة انتقلت من مصر إلى البلاد الأخرى. وفي مقبرة بـ(سقارة) توجد لوحة تسجل عملية الختان، ويرجع تاريخها إلى الأسرة السادسة أي حوالي 2300 قبل الميلاد(19).
هو أمر إذن مألوف، كما هو حتى اليوم، لا يلفت نظر مصريٍ أو مصرية، ولكنه لفت نظر هذه الأميرة، لأنها كانت تنتمي إلى البدو الآسيويين، الذين حكموا مصر في غفلة من الزمن، وعُرفوا باسم الهكسوس. وهذا أيضاً ما تؤيده المراجع العربية، إذ يذكر (ابن كثير) هذه الأميرة باسم (آسية)، ويقول أنها كانت بنت (مزاحم) بنت (عبيد) بن (الريان)، الذي كان حاكم مصر في زمن (يوسف) بن (يعقوب).
وهكذا يثبت أن أقرب الناس إلى “الملك الجديد” لم تكن مصرية، بل هي حفيدة الملك الهكسوسي الذي حكم مصر في زمن (يوسف).
ثالثاً : إن هذه الأميرة “الهكسوسية” هي التي أطلقت على الطفل اسم (موسى)، وقد استوحت هذه التسمية من لغتها “السامية”، ثم قدمت تفسيراً لغوياً لذلك : ” وقالت إني انتشلته من الماء “، وهذا دليل آخر على أن المرأة لم تكن مصرية، بل آسيوية الأصل والانتماء حضارياً ولغوياً.
***
ومما يؤكد أن حاكم مصر – حينذاك – وقومه لم يكونوا مصريين، أن الأسماء الواردة فى الرواية القرآنية و التوراتية كانت اسماءً آسيوية ؛ فحليف هذا الحاكم أو نائبه أو وزيره كان يُدعى (هامان)، ومن المعروف أن هذا الاسم ليس مصرياً بل أسيوياً ، و مازال متداولاً فى بعض مناطق آسيا حتى الآن .
وفي هذا السياق نستطيع أن نقول إن كاتب التوراة حرص على ذكر اسم كاهن في بلدةٍ صغيرة خارج حدود مصر، وهو (يثرون) كاهن (مدين)، وهو ما فعله في قصة (يوسف) أيضاً ؛ حين ذكر اسم رئيس الشرطة ” فوطيفار ” كما ذكر اسم ابنة كاهن مدينة “اون” : “إسنات ” كما ذكر القرآن ” قارون ” باسمه وأنه كان من قوم موسى .. وكذلك ذكر اسم حليف أو وزيرهذا الحاكم و لم يذكر لقبه قط ؟
وهنا يحق لنا أن نتساءل عما إذا كان كاتب التوراة يجهل اسم الحاكم نفسه ؟ أم أخفاه ؟ أم أنه ذكره صراحةً باسمه و ليس بلقبه ؟
إن منطق وسياق الرواية يتفقان على ذكر اسم هذا الحاكم صراحةً وبضوحٍ تامين ، إنه : ” فرعون” ، فهذا هو اسمه و ليس لقبه .
إنه اسم علم ، معرَّف بحد ذاته ، لذا لم يُذْكَر قط بأداة التعريف ،فلم يذكر قط بـ ” الفرعون ” .
و هو أمر تؤيده كافة آيات القرآن فنقرأ فى سورة يونس ( الآية 75 ) :” ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون ”
و فى السورة نفسها (الآية 79 ):” و قال فرعون أئتونى بكل ساحر عليم .” ، ” و قال موسى ربنا إنك أتيت فرعون و ملأه زينة و أموالاً ” ( يونس الآية 88 ) ، ” فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون ” ( يونس الآية83 ) ، ” إن فرعون لعال فى الأرض ” (يونس الآية83 )، “وجاوزنا ببنى إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون و جنوده ” (يونس 90)
و فى سورة الأعراف :”قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم ” (الآية 123) ، ” و دمرنا ما كان يصنع فرعون و قومه ” (الآية 137 ) ، ” ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون ” ( الآية 103 ) ، ” و جاء السحرة فرعون ” ( الآية 113) وفى سورة هود :”و لقد أرسلنا موسى بآياتنا و سلطان مبين . إلى فرعون و ملإه فاتبعوا أمر فرعون و ما أمر فرعون برشيد . ” (الآيتان 96 و 97). و فى سورة الإسراء :” فقال له فرعون إنى لأظنك يا موسى مسحوراً ” (الآية101 )
وعلى النقيض من ذلك كان ماجاء بآيات القرآن بأن “عزيز مصر” كان لقباً و ليس اسماً ، وهو ما تؤيده التوراة أيضاً وهكذا يكون عزيز مصر هو “لقب” لمنصبٍ ما حسب رواية التوراة ، و لهذا ذكره القرآن معرفاً ، كما جاء فى سورة يوسف :” قالوا يأيها العزيز إن له أباً شيخاً “( الآية 78) ، ” يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر” ( الآية 88)
أما الدليل اللغوى الحاسم الآخر الذى يؤكد أن “فرعون ” كان اسم علم ، أى اسم لشخصٍ بعينه و ليس لقباً لحكام مصر فهو ما يعرف فى قواعد اللغة العربية وغيرها بحالة الإضافة ، فالمضاف إليه لا يُعرَّف بأداة التعريف إذا كان علماً ، فمحمد – على سبيل المثال – اسم علم ولذا لايلحق به أداة التعريف فى حالة المضاف إليه كقولك : “آل محمد” ، و” قوم محمد ” ، لكننا فى حالة الإضافة إلى ” لقب ” نقول “آل النبى ” ، و ” قوم النبى ” و ” زوج الرسول ” ، و هو ماجاء أيضاً فى القرآن حينما تعرض للعزيز :” وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه “( سورة يوسف الآية 30 ) ، ” وقالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق ” ( سورة يوسف الآية 51 ) .
و النقيض من ذلك نجده فى حالة ” فرعون ” فيذكر القرآن :
” وقالت امرأة فرعون ” (سورة القصص الآية 9) ، ففرعون المذكور فى القرآن و التوراة اسم علم لذا لم يلحق به قط أداة التعريف فى حالة الإضافة ، وهو ما تؤكده كل آيات القرآن و منها : ، ” و إذ نجيناكم من آل فرعون ” ( سورة البقرة الآية 49 ) ، ” و أغرقنا آل فرعون ” ( سورة البقرة الآية 50 ) ، ” كدأب آل فرعون ” ( سورة آل عمران الآية 11 ) و (سورة الأنفال الآية 52 ) ، “قال الملأ من قوم فرعون ” ( سورة الأعراف الآية 109 ) ، و ” لقد أخذنا آل فرعون بالسنين ” ( سورة الأعراف الآية 130 )

***

رابعاً : قد ثبت تاريخياً وأثرياً ومقارنة مع بعض نصوص التوراة؛ أن بني إسرائيل دخلوا مصر مع غزو الهكسوس لها بعد انتشار المجاعة كما أسلفت. وقد حدد المؤرخون ذلك بعام 1730 قبل الميلاد، كما حُدد تاريخ خروج الهكسوس من مصر بعام 1580 ق. م، وهكذا تكون فترة حكم الهكسوس لمصر قد دامت زهاء 150 عاماً، فإذا عدنا إلى نسب (موسى) وعددنا الأجيال بينه وبين جده الأكبر (يعقوب)، لوجدناها أربعة أجيال، وهي نفس عدد الأجيال لحكام مصر الهكسوس، كما ذكر (المسعودي) في كتابه “مروج الذهب”، إذ يقول بأن فرعون (موسى) كان الرابع من فراعنة مصر، ولو جاز لنا إتمام عبارة هذا المؤرخ العربي فقلنا إن فرعون (موسى) ” كان الرابع من فراعنة مصر “الأجانب” أو “الهكسوس” “، لاستقام المعنى تماماً وصار ذلك برهاناً وحجة على كل ما ذهبنا إليه.
وإذا عرفنا أن (لاوي) جد (عمران) [والد (موسى)] هو أخو (يوسف) النبي، أول من دخل مصر من بني إسرائيل، لكان الفرق الزمني بين (يوسف) و(موسى) ما يعادل ثلاثة أجيال فقط، وهي فترة زمنية في حدود الستين سنة ، وهو ما ذهب إليه أيضاً هارفى بورتر فى كتابه موسوعة التاريخ القديم .
وهكذا تكون أحداث قصة سيدنا (موسى) – منذ ميلاده وحتى خروجه من مصر – قد وقعت أثناء حكم الهكسوس لمصر، وهكذا يكون حاكم مصر أيام (موسى) هكسوسياً.
ولم يخبرنا القرآن قط أن عشيرة هذا الفرعون كانوا مصريين، فهم دائماً “القوم” أو “الملأ”، المنتسبون إلى زعيمهم أو شيخهم ” فرعون ” ، حتى حين يحدد القرآن شخصاً بعينه هو (قارون)، قال إنه كان من قوم (موسى)، أي أنه لم يكن مصرياً(20).
***

لكن القرآن أشار إلى فرعون (موسى) هذا بإشارة واضحة، فوصفه بأنه ” فرعون ذو الأوتاد “(21). وهو وصف يتفق مع ما ذهبنا إليه بأن حاكم مصر في زمن (موسى) لم يكن مصرياً، بل كان هكسوسياً بدوياً، وهل هناك اقتران وتلازم أكثر من اقتران وتلازم الوتد بـ”البدو” ؟، فإذا ذكرنا الوتد ذكرنا البدوي، وإذا قلنا ملك [فرعون] ذا أوتاد، قلنا ملك [فرعون] بدوي، و”الملك البدوي” هو المرادف العربي للتسمية المصرية [القديمة] هكسوس، أي الحكام البدو.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان للوتد عند المصريين [القدامى] دلالة هامة، إذ كان المصريون يعتقدون أن “ست” – رب الصحراء – قد شُد وثاقه إلى “وتد” حتى لا يهاجم أخاه “أوزيريس”(22) رب الخصب والنماء، وكان “ست” [صاحب الوتد] هو رب الهكسوس وبني إسرائيل [اليهود].
وهكذا تكون الإشارة القرآنية إلى هذا الحاكم [فرعون (موسى)] إشارة جامعة مانعة، إذ احتوت المعنى الدنيوي للوتد، كذلك المعنى الديني له [عند المصريين] بالإضافة إلى اتفاقها (لغوياً) مع اللفظ المصري [القديم] : “هكسوس”.

وكان “ست” هو إبليس الحضارة المصرية [القديمة]، فـ”ست” هو ستن أو (Satan) في اللغات الأوروبية [حتى اليوم]، وهو شتن أو شطن أو شيطان.
وكان المسيح يدرك تماماً ما ذهب إليه عندما قال لليهود :
” أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا. ذاك كان قتالاً للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق. متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب “(23).

إبليس أو الشيطان “ست” كان قتّالاً للناس من البدء حقاً، فهو أول من قتل في تاريخ الإنسانية كما قالت بذلك الحضارة المصرية، فقد قتل أخاه الطيب “أوزيريس”، ثم احتل مكانه، ولكنه لم يثبت في الحق – على حد قول المسيح – إذ سرعان ما أطاح به “حورس” ابن “أوزيريس”.
ويعلق د.(عبد المحسن الخشاب) على ما جاء على لسان المسيح، فيقول : ” هكذا كان “ست”، أي الشيطان عند المصريين، وكان العبرانيون من عبدته المتعصبين، فقد اختاروه الإله لهم – على خلاف غالبية المصريين – مثلهم الأعلى، ثم إنهم بسبب ما رآه وعرفه المصريون فيهم من خلق وطباع، اختاروه أباً للعبرانيين منذ وجودهم بمصر “(24). وهو ما يؤكده المؤرخ الإغريقي (بلوتارخ) حين روى أن “ست” هرب من وجه “حورس” [ابن “أوزيريس”]، وبعد نجاته ولد له ابنان هما “هورسوليمون” و”ياهودايس”، وهما آباء العبرانيين(25).
***
ولننتقل الآن إلى فصلٍ تالٍ من قصة سيدنا (موسى) في مصر، وهي فترة يحددها القرآن الكريم كالتالي : ( ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكماً وعلماً ) (26)، أما التوراة فتحكي عن هذه المرحلة فتقول : ” وحدث في تلك الأيام لما كبر (موسى) أنه خرج إلى أخوته لينظر في أثقالهم. فرأى رجلاً مصرياً يضرب رجلاً عبرانياً من أخوته، فالتفت إلى هنا وهناك ورأى أن ليس أحدُ فقتل المصري وطمره في الرمل “(27).
ثم : ” خرج في اليوم الثاني وإذا رجلان عبرانيان يتخاصمان”(28).
ويحدد القرآن أحد هذين المتخاصمين بأنه هو نفسه الذي من أجله قتل (موسى) رجلاً آخر بالأمس : ( فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ) (29).
” فقال للمذنب لماذا تضرب صاحبك. فقال من جعلك رئيساً وقاضياً علينا، أمفتكرٌ أنت بقتلي كما قتلت المصري “(30).
وشاع خبر قتل (موسى) للرجل حتى وصل مسامع الحاكم : “فسمع فرعون هذا الأمر فطلب أن يقتل (موسى) “(31).

( وجاء رجلٌ من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك..) (32).

فلم يجد (موسى) بداً من الفرار : ” فهرب (موسى) من وجه فرعون وسكن في أرض (مديان) وجلس عند البئر “(33).
وعند هذا البئر قابل (موسى) ابنة كاهن (مدين)، التي تزوجها فيما بعد. وكان قد ساعدها وأخواتها على السقي، وكذلك سقى لهن أغنامهن. فلما عادت البنات إلى أبيهن : ” فقلن رجلٌ مصري أنقذنا من أيدي الرعاة وإنه استقى لنا أيضاً وسقى الغنم “(34). وينتهي الأمر بزواج (موسى) بـ(صفورة)، وإقامته معها هناك حيناً من الزمن يقدره البعض بعشر سنوات(35). وأثناء إقامة (موسى) بـ(مدين) كان الفرعون الذي يطلب دمه قد مات. ويبدو أن ذلك كان السبب في عودة (موسى) إلى مصر : ” وقال الرب لـ(موسى) في (مديان) اذهب ارجع إلى مصر. لأنه قد مات جميع القوم الذين كانوا يطلبون نفسك “(36).

كما يفهم من عبارة التوراة السابقة، فإن “جميع القوم” الذين كانوا يلاحقون (موسى) قد ماتوا، فلا يمكن أن يكون المعنى هنا مقصوداً به شعب مصر – أو الدولة المصرية – بل تقودنا عبارة التوراة إلى القول أن “جميع القوم” لم يكونوا سوى قبيلة أو عشيرة هكسوسية كانت تحكم مصر حينذاك، وهلكت أو تفرق شملها أثناء صراعها مع قبيلة أخرى.

وكان أن أخذ (موسى) أهله ورحل، وأثناء ذلك إذا به يلمح ناراً تتأجج في جانب “الطور”(37).
ويذكر القرآن هذا الحدث : ( فلما أتاها نودي من شاطيء الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين )(38).
أما “الرب” فحذره : ” فقال لا تقترب إلى ها هنا. اخلع حذاءك من رجليك. لأن الموضع الذي أنت واقفٌ عليه أرضٌ مقدسة. ثم قال أنا إله أبيك إله (إبراهيم) وإله (إسحق) وإله (يعقوب) “(39). وبعد ذلك كُلف (موسى) بالرسالة إلى الفرعون :
( اذهب إلى فرعون إنه طغى. قال رب اشرح لي صدري. ويسر لي أمري. واحلل عقدةً من لساني. يفقهوا قولي ) (40).
فلبى الله طلب (موسى)، وعضده بأخيه (هارون) ليكون لسانه لدن الفرعون : ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً ) (41).

( فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين. أن أرسل معنا بني إسرائيل ) (42).
ومضى (موسى) [عليه السلام] وأخوه (هارون) إلى الملك، فلما أبلغاه الرسالة وطلبا منه الذهاب ببني إسرائيل، اندهش الملك ولام (موسى)، وقال له : ( ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين. وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ) (43).
ثم دار جدل بين الرسول والحاكم.. ولكن قبل أن نصل إلى هذه المرحلة نتوقف قليلاً لنسجل النقاط التالية :

أولاً : كان النبي (يوسف) قد تربى وتعلم في مصر وتخلق بأخلاق أهلها، وكذلك كان (موسى)، بل إنه زاد على (يوسف) بأنه وُلد على أرض مصر، أو كما يقول (فرويد) في كتابه “(موسى) والتوحيد” : ” كان (موسى) مصرياً أولاً ثم كان كاهناً عظيماً عليماً بدقائق الأسرار والطقوس المصرية “. وهو ما أكدته التوراة نفسها على لسان بنات شيخ (مدين)، حين أخبرنه عن (موسى) فقلن : ” رجل مصري “.
ثانياً : على الرغم من ذلك يحرص كاتب التوراة على إثبات وتأكيد “عداء” بين (موسى) والمصريين، ففي الحادثة التي انتصر فيها (موسى) لأحد طرفيها على الأخر، نجد التوراة تحدد أحدهما بأنه مصري، وهو الذي قتله (موسى) : ” فقتل المصري”. وفي هذه الواقعة نجد القرآن – كعهده – يحدد هذين الخصمين بقوله : ( هذا من شيعته وهذا من عدوه ) (44). وهو تعريف أقرب إلى تحديد الهوية السياسية أو الدينية، ولا تشير من قريب أو بعيد إلى هذه العصبية القبلية العنصرية كما أرادها كاتب التوراة.
وإذا عدنا إلى بلاط الحاكم رأينا (موسى) وأخاه هناك، وسمعنا حواراً دار بينهما وبين هذا الحاكم على النحو التالي :

– ( فمن ربكما يا موسى ).
– ( ربنا الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى ).
– ( فما بال القرون الأولى ).
– ( علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى. الذي جعل لكم الأرض مهداً وسلك لكم فيها سبلاً وأنزل من السماء ماءً فأخرجنا به أزواجاً من نباتٍ شتى. كلوا وارعوا أنعامكم إنّ في ذلك لآياتٍ لأولي النُهى. منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى ) (45).
ولنقرأ معاً هذا النص المصري [القديم] : ” أنت رب السماء و رب الأرض، خالق كائنات السماء وخالق الكائنات على الأرض. أنت الإله الأوحد الذي خلق لأول مرة، الذي أنشأ البلاد الذي أوجد “نون” وخلق النيل، الذي أوجد الماء وأحيا كل ما يعيش بها، الذي شيد الجبال وخلق البشر والأنعام “(46).
هذا النص المصري السابق وغيره – قبله وبعده – الكثير، كان لا يعرفها هذا الحاكم، لأنه لم يكن منتمياً لهذه الحضارة، ولو كان هذا الحاكم المزعوم مصرياً لما رد على (موسى) الرد “الغريب” التالي، الذي يناقض تماماً إيمان المصريين بالإله الخالق لكل شيء ولكل البشر بما فيهم الحاكم نفسه : ( ما علمت لكم من إلهٍ غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً ) (47).
في هذه الآية يطلب فرعون من (هامان) أن يبني له صرحاً، وقبل أن يشرع في ذلك.. عليه أن يجهز مادة البناء (الطين) بأن يوقد عليه ناراً، أي أن يصنع له صرحاً من الطين المحروق، وهو أسلوب بناء لم يعرفه المصريون الذين – على مر عصورهم التاريخية – كانوا يصطنعون الطوب ” اللبن” من الطين، دون أن يحرقوه(48).
وفي الحوار بين (موسى) وفرعون، يؤكد (موسى) على مبدأ عقائدي راسخ وهو الإيمان باليوم الأخر، فيقول : (.. إن في ذلك لآياتٍ لأولي النُهى. منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى ).
إنه مبدأ أصيل في عقيدة (موسى)، وآمن به من قبله ومن بعده أنبياء الله المرسلون : إنه مبدأ البعث والحساب الذي أكد (موسى) [نفسه] جهل هذا الفرعون به عندما قال : ( إني عذت بربي وربكم من كل متكبرٍ لا يؤمن بيوم الحساب ) (49). وهو ما يؤكده القرآن مرة أخرى في سورة القصص : ( واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ) (50).
وهو نفسه المبدأ الذي آمن به (يوسف)، بعد أن جاء مصر وأقام بها، فأعلن : ( إني تركت ملة قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالأخرة هم كافرون ).
وكانت رسالة (يوسف) هي رسالة (موسى) إلى “نفس القوم”، أي حكام مصر البدو “الهكسوس”. وهذا ما يؤكده “مؤمن آل فرعون”، وهو يُذّكر هذا الحاكم الأجنبي وآله برسالة (يوسف) إلى أسلافه وجدوده، فيقول : ( ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شكٍ مما جاءكم به ) (51). وكما آمن (موسى) و(يوسف) بالأخرة والبعث والحساب، آمن بها المصريون من قبل هذين الرسولين الكريمين ومن بعدهما أيضاً.
فقد دلت أقدم الآثار في مصر على إيمان المصريين الأوائل بالبعث بعد الموت، فقد تم العثور على مقابر يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث، أي 5000 سنة قبل الميلاد. وقد عُثر في إحدى هذه المقابر في قرية (مرمدة بني سلامة) على بعض الحبوب بالقرب من القاهرة.
وفي منطقة (طرخان) عُثر على بعض الأواني الفخارية. وفي (حلوان) عُثر على زهور في بعض المقابر. وفي (البداري) بـ(أسيوط) اشتملت بعض المقابر على لوحات عليها بقايا ألوان كانت تستخدم في الزينة، وهناك أيضاً عُثر على جثة طفل ملفوفة بالجلود ومغطاة بالحصير، ومعه سوار من العاج وبعض المحار وإناءان.
وعُثر أيضاً على مقبرة لامرأة عجوز، لف جثمانها بسبع أو ثماني طبقات من الجلد، وبجوارها عقد محار وإناءان. ووُجد في مقبرة أخرى لوحة من الألباستر، بها أثار ألوان وملعقة من العاج وخلخلان من العاج أيضاً.
هكذا إذن قبل سبعة آلاف سنة كان المصريون قد آمنوا بالبعث بعد الموت، فقد اهتموا بحفظ جثث ذويهم من البلى والفناء، ووضعوا معهم بعض الأواني وأدوات الزينة وغيرها، كزادٍ لهم في الحياة الأخرة.
وينتقل المبدأ الإيماني من جيلٍ إلى آخر.
فمن العصر النحاسي، الذي يؤرخ له بالألف الرابعة قبل الميلاد، تم العثور على مقابر في (هليوبوليس) [حي المطرية بالقاهرة] بها جثث في حالة حفظ جيدة، وعُثر في هذه المقابر كذلك على أوانٍ فخارية ولوحات.
وقد تكرر هذا الأمر في منطقة جزرة بـ(الفيوم) وفي (البداري) و(المحاسنة) بـ(أسيوط)(52).

وإذا ما انتقلنا إلى العصور التاريخية وعصر الأسرات، لذهلنا لعدد المقابر العظيم، ولمتانة بنائها وبهاء زخرفها، وما احتوته من أثاث وحلي وكل متطلبات الحياة، وذلك بطول البلاد وعرضها، وهو ما يحتاج إلى مجلدات كثيرة لذكر بعض تفاصيلها.
ونضيف إلى ذلك أن الإيمان بالأخرة والبعث لم يكن منتشراً في غرب آسيا، تلك المنطقة التي انحدر منها الهكسوس وبنو إسرائيل، وقد تأصل عدم الإيمان بالأخرة بين بني إسرائيل واليهود أنفسهم، فهناك فرق يهودية لا تؤمن – إلى الآن – بالبعث والخلود.
يقول (ديورانت) : ” ولم تدر فكرة البعث في خُلد اليهود إلا بعد أن فقدوا الرجاء في أن يكون لهم سلطان في هذه الأرض، ولعلهم أخذوا هذه الفكرة عن الفرس أو لعلهم أخذوا شيئاً عن المصريين”(53).
وقد ثبت – كما سيتضح فيما بعد – أن الفرس أنفسهم أخذوا فكرة البعث عن المصريين. حتى أن ملوك الفرس كانوا يزينون قصورهم بصور رب البعث المصري “أوزيريس”(54).
ويقول د.(أحمد شلبي) : ” والدارس للكتب الإسرائيلية يجدها تسير مع الفكر الذي أوضحناه آنفاً، فلم يرد شيء عن البعث واليوم الأخر، وإنما ورد بها حديث عن الأرض السُفلى والجب التي يهوي إليها العصاة ولا يعودون “.
ثم يضيف (شلبي) : ” فالشعب اليهودي عند الباحثين اليهود قسمان، قسم عاش حياته الدنيا سعيداً، وهؤلاء يعدهم الفكر اليهودي قد حصلوا على الجانب المادي من رضا إلههم، أما القسم الأخر وهم الذين فقدوا هذا الجانب، فهؤلاء من حقهم أن يعودوا للحياة مرة أخرى لينالوا نصيبهم من المتعة أوالنعيم. وعلى العموم فإن فكرة البعث لم تجد أرضاً خصبة في عالم اليهود، وقد حاول بعض طائفة الفريسيين القول بها، ولكن هذه المحاولة لقيت معارضة شديدة، أما باقي الفرق اليهودية فلم تعرف عنها شيئاً”(55).

عن admin

شاهد أيضاً

التنصل من العروبة و مسودة الدستور الليبي !

التنصل من العروبة مباراة تتقاذف كرتها كل الأطراف الدولية والإقليمية ، كلها لا أستثني منها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *