الرئيسية / مـقالات / قصة بنى اسرائيل و الهكسوس فى مصر ( 1 )

قصة بنى اسرائيل و الهكسوس فى مصر ( 1 )

 

لوحة تمثل أحمس الأول يقاتل الهكسوس في معركة.

 

بنو إسرائيل اليهود العبرانيون :

شاع بين الناس خلط مسميات ثلاث ببعضها البعض، وهي في حقيقة الأمر مصطلحات ثلاث لابد من التمييز بينها.

يقول الدكتور (عبدالجليل شلبي) : ” إننا نتحدث عن هذا الشعب بشيء من التسامح في تسميته، فنقول مرة الشعب العبراني، وثانية الشعب الإسرائيلي، وثالثة اليهودي، مما يوهم أنها أسماء مترادفة وهي في واقعها ليست كذلك ” (1).

لقد أُطلق اسم العبرانيين على آل (إبراهيم) الخليل، الذين اجتازوا [عبروا] معه نهر الفرات (2). وحددت التوراة هؤلاء القوم فذكرت أنهم كانوا (تارح) وابنه إبرام [إبراهيم]، و(ساراي) [سارة] زوجة (إبراهيم)، و (لوط) حفيد (تارح) وابن (هاران)، الذي كان قد توفي : ” وأخذ (تارح) (إبرام) ابنه، و(لوط) ابن (هاران) ابن ابنه، (وساراي) كنته، امرأة (إبرام) ابنه. فخرجوا معاً من (أور) الكلدانيين إلى أرض كنعان ” (3).

ومبدأ الأمر أن هؤلاء العبرانيين كانوا قوماً من “البدو” الساميين، من أعراب الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية، ثم ارتحلوا – كعادة البدو – إلى بلاد الرافدين [العراق] حيث سكنوا أولاً بلدة (حاران)، ثم انتقلوا فيما بعد إلى (أور) عاصمة البلاد.

وتحت وطأة غارات العيلاميين والأموريين ؛ اضطرت هذه القبيلة الصغيرة إلى ترك البلاد كلها قاصدة أرض كنعان [فلسطين] (4). ويرى البعض أن الهجرة قد تمت في حوالي سنة 2000 قبل الميلاد (5).

أما الإسرائيليون فهم أبناء (يعقوب) الاثنا عشر، الذين عُرفوا بالأسباط، ونسلهم، وسنتناول ذلك فيما بعد بشيء من التفصيل.
وإسرائيل هو اسم لفرد واحد هو (يعقوب) نفسه، وهو لفظ عبراني يتكون من مقطعين “إسرا” بمعنى عبد أو “صفوة”، و”إيل” يعني الله (6).
أما اليهود فهي تسمية دينية اشتقت من اسم (يهوذا) ابن (يعقوب)، وذلك لاقتصار الرسالة الدينية عليه دون إخوته (7).
ويمكننا إيجاز تاريخ بني إسرائيل ذوي الأصل العبراني والديانة اليهودية في النقاط الأساسية التالية :

أولاً : إقامتهم في مصر :

دخل بنو إسرائيل مصر ضمن قبائل الهكسوس، التي زحفت على البلاد إثر مجاعة ضربت مناطق غرب آسيا. وأمكن تحديد ذلك بعام 1730 قبل الميلاد. وكان أول من دخل إلى مصر من بني إسرائيل [بنو يعقوب] النبي (يوسف).

وأثناء إقامة بني إسرائيل في مصر دارت أحداث قصة (موسى) عليه السلام ، التي انتهت بخروجه على رأس قومه إلى شبه جزيرة سيناء، وتاهوا هناك أربعين عاماً. ثم توفي النبي (موسى) تاركاً قيادة بني إسرائيل إلى صفيه (يوشع) بن (نون)(8).

ثانياً : احتلالهم أرض كنعان :

بعد خروج بني إسرائيل من مصر هاجموا أرض كنعان [فلسطين]، وبعد معارك ضارية وحرب إبادة استطاعوا فرض سيطرتهم على البلاد، ثم اقتسم الأسباط الأرض فيما بينهم ، وهكذا عرف بنو إسرائيل الاستقرار. إلا أنهم ظلوا على نظامهم البدوي [القبلي] ، فقد اختار كل سبط منهم زعيماً لهم ، وأسموا رؤسائهم هؤلاء : ” قضاة “. وقد بلغ عدد هؤلاء القضاة خمسة عشر قاضياً، حكموا بني إسرائيل لمدة أربعمائة سنة ، كما تقول التوراة، أو مائة عام كما يقول بعض المؤرخين(9).

وعن عهد القضاة يقول (جيمس هنري برستيد) :
” كانت الحياة العبرانية القومية لا تزال خاملة لا تكاد تعرف شيئاً من الحكم المركزي أو النظام القومي. فقد كان العبرانيون لا يزالون متأثرين كل التأثر بحياة القرون الطويلة التي قضوها في الرعي وتلمس الكلأ على حدود الصحراء، قبل أن يدخلوا فلسطين، فكانوا لا يزالون متمسكين بالعادات الساذجة المتبربرة الشائعة بين قبائل الصحراء ، بل ببعض التقاليد القريبة من الوحشية التي تلازم الحياة الفطرية ، مثل ذبحهم الولد البكر قرباناً لإله القبيلة “(10).

وقد انتهى عهد “القضاة” هذا بفوضى أدت إلى ثورة ، كانت إرهاصاً لعهد جديد ومختلف.

ثالثاً : عصر الدولة :

كان آخر حكام بني إسرائيل من القضاة يدعى (صموئيل) ، وفي نهاية حكمه طالبه بنو إسرائيل بأن يقيم ملكاً لهم مثل ما لجيرانهم : ” فأبى الشعب أن يسمع لصوت (صموئيل) وقالوا لا بل يكون علينا ملك. فنكون نحن أيضاً مثل سائر الشعوب.. ” (11).
فاختار هذا القاضي رجلاً يدعى (شاؤول) ملكاً لهم. وهكذا صار (شاؤول)، أو (طالوت) كما ذكر القرآن، أول ملك في دولة بني إسرائيل، التي قامت حوالي عام 1095 قبل الميلاد (12).
وخلف (شاؤول) أحد رجاله، وهو النبي (داود) (13). وقد تميز عهده الذي دام ستين عاماً بكثرة الحروب، التي انتهت بهيمنته على (أورشليم) [القدس]، واتخاذه لها عاصمة لدولته(14).
وبعد وفاة (داود) تولى ابنه (سليمان) الحكم مكانه، واستمر حكم (سليمان) مدة أربعين سنة، ويعرف عهد (شاؤول) و(داود) و(سليمان) بعهد الملوك الأول.
وحدث بعد وفاة (سليمان) [حوالي 975 ق. م] أن ابنه (رحبعام) لم يحظ إلا بمبايعة سبطين من أسباط بني إسرائيل الاثني عشر. أما الأسباط العشرة الآخرون فقد اختاروا (يربعام) ليكون ملكاً عليهم(15).
فصار هناك حاكمان على رأس مملكتين لبني إسرائيل، إحداهما في الجنوب وعاصمتها (أورشليم)، والأخرى في الشمال وعاصمتها (السامرة) (16).
وعن الأوضاع السياسية في هاتين الدولتين يقول د. (أحمد شلبي) : ” كانت دولة (إسرائيل) تمثل أغلبية الأسباط، وكانت أوسع رقعة من دولة (يهوذا)، ولكن دولة (إسرائيل) كانت مضطربة، كثيرة الانقلابات، في حين كانت دولة (يهوذا) أكثر استقراراً. ومن أجل هذا تقلب على عرش (إسرائيل) ملوك من أسر متعددة، وتغيرت عاصمتها مع الانقلابات. أما (يهوذا) فقد ظل المُلك بها في سلسلة متصلة من ذرية (سليمان) وظلت عاصمتها (أورشليم)(17).

وبينما استمرت دولة (يهوذا) قائمة طيلة 400 سنة، ثم انهارت تحت وطأة ضربات الملك البابلي (بختنصر)، عام 586 قبل الميلاد، نجد أن دولة إسرائيل كانت أسرع بالانهيار، فقد أسقطها الملك الأشوري (سرجون) عام 721 ق. م (18).

وقد عُرف هذا العهد بعهد الملوك الثاني، الذي تميز بكثرة الإضطرابات الداخلية وانتشار الفتن، وكان الضعف قد بدأ يسري في أوصال دولة بني إسرائيل في أواخر عهد (سليمان) نفسه، ويضيف (برستيد) سبباً هاماً آخر لانهيار هذه الدولة، فيصف موقع أرض (كنعان) [فلسطين] بقوله : ” (فلسطين) كانت قديماً كما هي الآن : كرة قدم دولية “(19).
ويفصل (ويلز) هذا الوصف فيقول : “.. أصبح تاريخ ملوك (إسرائيل) وملوك (يهوذا) تاريخ ولايتين صغيرتين بين شقي الرحى، تعركهما على التوالي سوريا ثم بابل من الشمال، ومصر من الجنوب “(20).

رابعاً : النهاية

بعد أن أزال الأشوريون مملكة(إسرائيل) من الوجود، وبعد تدمير البابليين لمملكة (يهوذا) ؛ لم تقم لبني إسرائيل قائمة في فلسطين، التي صارت تحكم حكماً أجنبياً دائماً من دول مختلفة، فقد توالى على حكم فلسطين : البابليون [586 – 538 ق. م]، وتبعهم الفرس [538 – 330 ق. م]، ثم أعقبهم اليونانيون [ 330 – 323 ق. م]، فالبطالمة [323 – 200 ق. م]، ثم السلوقيون [200 – 167 ق. م]، فالسلوقيون والمكابيون [167 – 63 ق.م]، ثم الرومان [63 ق. م – 614 ميلادية] (21).

العقيدة اليهودية :

لليهود كتاب مقدس أساسي هو التوارة.
والتوراة كلمة سامية عبرية تعني الشريعة، وهي تطلق على خمسة أسفار تنسب لـ(موسى)، وهي التكوين واللاويين والخروج والعدد والتثنية.

وتبدأ من أصل الكون، وتنتهي بدخول اليهود أرض كنعان(22) [فلسطين]. وتتناول الأسفار الخمسة، أي كتب (موسى)، قصص خلق العالم والإنسان، والطوفان، وقصص الأنبياء، وإقامة بني إسرائيل في مصر، وخروجهم منها، كما تشتمل كذلك على التقاليد والعبادات، وغير ذلك من المسائل الدينية وطقوسها، وكذلك بيان تعداد أسباطهم بالتفصيل. ويضاف إلى هذه الأسفار الخمسة أربعة وثلاثون سفراً كتبت بعد (موسى)(23).

ويعلق (موريس بوكاي) على أسفار (موسى) الخمسة، فيقول بأنها مجموعة من ” أقوال موروثة مختلفة، جمعها – بشكل يقل أو يزيد حذقاً – محررون وضعوا تارة ما جمعوا جنباً إلى جنب، وطوراً غيروا من شكل هذه الروايات بهدف إيجاد وحدة مركبة، تاركين للعين أموراً غير معقولة وأخرى متنافرة ” (24).

ويؤيد رأيه في ذلك ما جاء في بيان المجمع المسكوني للفاتيكان الثاني (1962 – 1965) : ” غير أن هذه الكتب تحتوي على شوائب وشيء من البطلان “(25).

وقد قام عدد من علماء الدين اليهود في القرنين الميلاديين الأول والثاني بتأليف كتاب آخر لتفسير التوراة اشتهر باسم التلمود، وظل هؤلاء يضيفون إلى التلمود روايات أخرى حتى صار يتكون من ثلاثة وستين سفراً(26).

وقد انقسم اليهود إلى عدة فرق، كان أشهرها : فرقة “الفريسيين”، واسم الفرقة يعني الذين انفصلوا أو انعزلوا عن بقية الشعب، وأفراد هذه الفرقة يتمسكون بالتعاليم النصية ويرفضون مبدأ الاجتهاد في هذه النصوص، كما أنهم يؤمنون بالبعث والحساب والجزاء، ويؤرخ لنشأة هذه الفرقة بالقرن الثاني قبل الميلاد.

أما فرقة “الصدوقيين” فقد اكتسبت هذا الاسم من أحد الكهان الذي كان يُدعى (صدوق)، وعاش في القرن الثالث الميلادي. وأهم ما يميز عقيدة هذه الجماعة هو إنكار “التلمود”، كما أن أتباع فرقة الصدوقيين لا يجعلون من قدسية التوراة قدسية مطلقة.

أما ما يهمنا هنا – بالنسبة لموضوع هذا البحث – فهو عدم إقرار هذه الجماعة بوجود بعث وحساب وجزاء.

وهناك أيضاً فرقة “الكتبة” التي كان يقوم أفرادها بنسخ الكتاب المقدس(27).

وعن الإله أو الآلهة التي عبدها بنو إسرائيل فقد يكون من الأفضل هنا أن نورد أقوال بعض العلماء.
يقول (هنري برستيد) : ” فيما هذا الشعب المضطهد في بلاد عدوانية ؛ كان لابد من ظهور قائد زعيم عبقري (..) وضع نصب عينيه تخليص مواطنيه من العبودية (..) هذا المشروع السياسي كان سيتم بإيحاء ديني باسم إله جديد “.

أما (فوستر كنت) فيقول : ” إن (موسى) حاول أن يُكوّن أمة من الجماعات التي تبعته، وقد وجد ألا مناص من تحديد إله يرعى جموعهم وتعبده الجموع، ويتم بينه وبين بني إسرائيل نوع من المنفعة المتبادلة، ويرتبط مصيرهما بالأخر ارتباطاً دقيقاً، وتبعاً لذلك أعلن (موسى) “يهوه” إلهاً لبني إسرائيل ” (28).

أما (جان بوتيرو) فيقول : ” نحن أمام حال اجتماعية قبلية بدوية، لم تكد تستقر على الأرض التي اغتصبتها وتتعلم من جيرانها أساليب المدنية ؛ حتى جاء من حطم غرورها وأبعدها بالقوة”(29).

ويقول (برستيد) : ” فإن هذا الشعب لم يقم له نظام قومي خالص إلا منذ العشر أو العشرين سنة السابقة لعام 1000 قبل الميلاد، ولم يبق أمة موحدة إلا نحو قرن واحد على أكبر تقدير ” (30).
ثم يضيف : ” أخذ بنو إسرائيل كل شيء وتعلموا كل شيء من الكنعانيين بما في ذلك لغتهم “.

ونقرأ في “سفر القضاة” [من كتاب اليهود المقدس] أن الإسرائيليين أقاموا بين الكنعانيين “وعبدوا آلهتهم “(31).

ويقول (ديورانت) : ” يبدو أن الفاتحين اليهود عمدوا إلى أحد آلهة كنعان فصاغوه في الصورة التي كانوا هم عليها، وجعلوا منه إلهاً”(32).

ويكمل (برستيد) : ” لم يقتصر الأمر على آلهة الكنعانيين، بل أضيفت إليهم – مع تطور العلاقات مع الدول المجاورة – بعض آلهة الفينيقيين والسوريين مثلاً ” (33).

يوسف المصري
(.. وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو )
سورة يوسف آية 100

بنو إسرائيل في مصر

” أكان هو غضب الله، حين باغتنا قوم ذو أصل وضيع من ربوع الشرق، فغزوا بلادنا ولم يجدوا مشقة في إخضاعها بالقوة، وإن كان قد تم لهم ذلك دون التحام معهم في معركة، فلما فرغوا من فرض هيمنتهم على حكامنا عمدوا إلى مدننا فأحرقوها وهدموا معابد الآلهة، واستغلوا الناس استغلالاً وحشياً، فقتلوا من قتلوا ثم ساقوا بنيهم وأزواجهم أسرى “(34).
كان هذا هو تعليق المؤرخ المصري [القديم] “(مانيتون)” (35) وهو يسجل أحداث فترة تاريخية عصيبة، تم خلالها احتلال مصر لأول مرة في التاريخ، ولم يكن المحتلون سوى خليط غريب من أقوام رعوية، عضها الجوع إثر مجاعة ضربت مناطق غرب آسيا، فاندفع أهل هذه المناطق في أمواج هائلة من البشر متجهين حيث الرزق الوفير والزاد الكثير… في أرض مصر. وقد عُرف هؤلاء البدو الجوعى في التاريخ باسم “الهكسوس”.
وكان غزو الهكسوس لمصر قد بدأ بتسللهم إلى شرق الدلتا، ثم أخذوا يفرضون سلطانهم على الدلتا كلها، واتخذوا لهم هناك عاصمة عُرفت باسم (أورايوس)، وهي تسمية محرفة للاسم المصري [لقديم] حت وعرت، أي “هوارة” اليوم(36).

وما لبث هؤلاء الحكام البدو أن تشبهوا بملوك البلاد الأصليين، وكذلك اتخذوا ألقابهم وكونوا أسرتين حاكمتين هما “الرابعة عشرة والخامسة عشرة”(37)، حكمتا البلاد فيما بين عام 1730 و1580 قبل الميلاد(38).
وقد تزامن غزو الهكسوس لمصر مع هجرة بني إسرائيل إليها، وهو ما أشارت إليه التوراة وربطت ذلك بحدوث المجاعة التي ذكرناها سابقاً.

تقول التوراة : ” فكان جوعٌ في جميع البلدان. وأما جميع أرض مصر فكان فيها خبز “(39).
ثم كان نزوح جماعي لسكان غرب آسيا : ” وجاءت كل الأرض إلى مصر.. “(40).
ومن بين هؤلاء كان بنو إسرائيل [يعقوب] : ” فلما رأى (يعقوب) أنه يوجد قمح في مصر قال (يعقوب) لبنيه لماذا تنظرون بعضكم إلى بعض. وقال إني سمعت أنه يوجد قمح في مصر. انزلوا إلى هناك واشتروا لنا من هناك لنحيا ولا نموت “(41).

وبينما لا يرى المؤرخ اليهودي “يوسيفوس” فرقاً بين الهكسوس وبين بني إسرائيل(42) يذكر المؤرخ الإسلامي (ابن كثير) أن ملك مصر حين دخلها (يوسف) بن (يعقوب) كان (الريان) بن (الوليد)، الذي ينسبه (ابن كثير) إلى العماليق، والعماليق هم نفسهم الهكسوس(43).

وبالإضافة إلى ما ذكره (مانيتون) من أسماء لهؤلاء الحكام الأجانب البدو الآسيويين ؛ فإنه تم العثور على شواهد أثرية أخرى تحمل أسماء بعض هؤلاء مثل : (أبوفيس) و (خيان)(44).
ويذكر الأستاذ (سليم حسن) أن (مانيتون) – المؤرخ المصري – ذكر ستة أسماء لملوك هكسوس كونوا الأسرة الخامسة عشرة، وهناك اثنان وثلاثون غيرهم ضمتهم الأسرة السادسة عشرة، أما الأسرة السابعة عشرة فتكونت من ثلاثة وأربعين حاكماً هكسوسياً(45).
ويرجع كثرة هذا العدد من هؤلاء الحكام – في رأينا – إلى سببين :

أولاً : النزاع المستمر بين زعماء قبائل الهكسوس للسيطرة على أوسع مساحة ممكنة من رقعة الأرض، التي تكفل لهم موارد الكلأ والماء، وهو ما اعتاده هؤلاء البدو.

ثانياً : إن هذا العدد الضخم من الحكام لم يكن يمثل سوى عدد زعماء هذه القبائل وشيوخ تلك العشائر البدوية، الذين لم يعتادوا العيش في وحدة سياسية في ظل دولة ذات مؤسسات حاكمة.

وكان (يوسف) – عليه السلام – أول من دخل مصر من بني إسرائيل، وهو (يوسف) بن (يعقوب) [إسرائيل] بن (إسحق) بن (إبراهيم). وكان أبوه (يعقوب) قد تزوج من ابنتي خاله، فأنجب منهما ومن جاريتين لهما اثني عشر ولداً كان من بينهم النبي (يوسف).

وتبدأ التوراة قصة (يوسف) بأن : ” وأما (إسرائيل) فأحب (يوسف) أكثر من سائر بنيه لأنه ابن شيخوخته..”(46)، فلما رأى أخوة (يوسف) حب أبيه له وإيثاره دونهم : ” أبغضوه ولم يستطيعوا أن يكلموه بسلام “(47).

ومن آيات القرآن الكريم نعلم أن (يوسف) قد حلم ذات يوم حلماً، فذهب ليرويه لأبيه :
( يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) (48).
وكان رد فعل أبيه (يعقوب) هكذا : ” فانتهره أبوه وقال له ماهذا الحلم الذي حلمت. هل نأتي أنا وأمك وإخوتك لنسجد لك إلى الأرض. فحسده أخوته. وأما أبوه فحفظ الأمر”(49).

ولكن إخوة (يوسف) كان لهم رأي آخر : ( إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلالٍ مبين. اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين )(50).

وذات يوم مضى هؤلاء الأخوة ليرعوا غنم أبيهم، فأرسل (يعقوب) ابنه (يوسف) إليهم : ” فلما أبصروه من بعيد قبلما اقترب إليهم احتالوا له ليميتوه “(51)، ولكن أخاه (رأوبين) اعترض على قتله :
( قال قائلٌ منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين)(52). اتفقوا على ذلك وألقوا بأخيهم في غيابات الجب “ثم جلسوا ليأكلوا طعاماً، فرفعوا عيونهم ونظروا وإذا قافلة إسمعيليين مقبلة من جلعاد “(53).

فاقترح أحد الأخوة، وكان يدعى (يهوذا)، بيع الصبي للإسماعيليين. أما الثمن الذي قبضه إخوة (يوسف) من الإسماعيليين فلم يزد على “عشرين فضة”(54). وهو الأمر الذي يؤكده القرآن أيضاً حين باع هؤلاء الإسماعيليون الصبي : ( وشروه بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين)(55)

يوسف في مصر

وهكذا جيء بـ(يوسف) إلى مصر، وتكمل التوراة قصة سيدنا (يوسف) : ” وأما (يوسف) فأُنزل إلى مصر واشتراه (فوطيفار) خصيّ فرعون رئيس الشرط رجل مصري من يد الإسمعيليين الذين أنزلوه إلى هناك “(56).
وكانت هذه مشيئة الله : ( وكذلك مكنّا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث)(57)، والأرض هي مصر التي تلقى فيها (يوسف) العلم والحكمة : (ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً)(58).

وكان العلم والحكمة وكذلك تأويل الأحاديث هو الذي أنقذ (يوسف) فيما بعد من سجنه، الذي سيق إليه بعد قصة الإغواء الشهيرة، فقد حدث : ” بعد هذه الأمور أن امرأة سيده رفعت عينيها إلى (يوسف) وقالت اضطجع معي “(59).
وألحت المرأة عدة مرات على (يوسف) حتى أنها ذات يوم أمسكت به ” قائلة اضطجع معي، فترك ثوبه في يدها وهرب وخرج إلى خارج “(60).
وهنا انقلب تدله المرأة بـ(يوسف) إلى حقد عليه، حتى : ” أنها نادت أهل بيتها وكلمتهم قائلة انظروا. قد جاء إلينا برجل عبراني ليداعبنا “(61).

وفي هذه المرة أُلقي بـ(يوسف) إلى غيابات السجن، وأثناء وجود (يوسف) بالسجن حدث : ” أن ساقي ملك مصر والخباز أذنبا إلى سيدهما ملك مصر. فسخط فرعون على خصييه رئيس السقاة ورئيس الخبازين. فوضعهما في حبس بيت رئيس الشرط في بيت السجن المكان الذي كان (يوسف) محبوساً فيه “(62).

وذات ليلة حلم كلٌ من الساقي والخباز حلماً كان سبباً في اضطرابهما، فلما رآهما (يوسف) سألهما عن سر تبدل حالهما، فروى كلٌ منهما حلمه له، فطمأن (يوسف) الساقي وبشره بعفو الملك عنه وعودته إلى مقامه الأول بعد ثلاثة أيام، أما الثاني فقال له : ” في ثلاثة أيام أيضاً يرفع فرعون رأسك عنك ويعلقك على خشبة وتأكل الطيور لحمك عنك “(63).
ثم طلب (يوسف) من الساقي أن يذكره عند سيده، أي يذكر له وجود (يوسف) بالسجن دون إثم ارتكبه، ولكن الساقي ينسى (يوسف) وما كان من أمره ( فلبث في السجن بضع سنين )(64).

وحدث بعد سنتين من الزمان ” أن فرعون رأى حلماً “(65). وكان حلم فرعون عبارة عن : ( سبع بقراتٍ سمانٍ يأكلهن سبعٌ عجافٌ وسبع سنبلاتٍ خضرٍ وأُخر يابسات )(66).
أزعج الحلم الفرعون فالتفت لمن حوله سائلاً إياهم تفسير الحلم، فأجابوه : ( أضغاث أحلامٍ وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين )(67).
وهنا تذكر ساقي الملك رفيقه بالسجن الذي فسر له حلمه : ( وقال الذي نجى منهما وادكر بعد أمةٍ أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون )(68).

” فأرسل فرعون ودعا (يوسف). فأسرعوا به من السجن. فحلق وأبدل ثيابه ودخل على فرعون”(69).
ففسر (يوسف) الحلم للفرعون، ولكنه لم يكتف بذلك، بل أسدى إليه بالنصح : ( قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون. ثم يأتي من بعد ذلك سبعٌ شدادٌ يأكلن ما قدمتم لهنّ إلا قليلاً مما تحصنون. ثم يأتي من بعد ذلك عامٌ فيه يغاث الناس وفيه يعصرون )(70).
وسر الفرعون ومن حوله بكلام (يوسف) : “فحسن الكلام في عيني الفرعون وفي عيون جميع عبيده. فقال فرعون لعبيده هل نجد مثل هذا رجلاً فيه روح الله. ثم قال فرعون لـ(يوسف) بعدما أعلمك الله كل هذا ليس بصير وحكيم مثلك. أنت تكون على بيتي وعلى فمك يقبل جميع شعبي إلا أن الكرسي أكون فيه أعظم منك. ثم قال فرعون لـ(يوسف) انظر. قد جعلتك على كل أرض مصر “(71).
ولم يكتف الفرعون بذلك بل كافأ (يوسف) مكافأة عظيمة : “وأعطاه (إسنات) بنت (فوطي فارع) كاهن (أون) زوجةً “(72). ومرت سنوات الرخاء السبع، ” وابتدأت سبع سني الجوع تأتي كما قال (يوسف) “(73).

ولكن فيما يبدو أن المجاعة الناتجة عن جفاف الأرض كانت قد داهمت قطاعات عريضة شرقي البلاد.. أي غرب آسيا وطالت أيضاً آل (يوسف) في فلسطين، فلما حاق بهم الخطر ارتحلوا جميعاً إلى مصر بما فيهم (يعقوب) [إسرائيل] نفسه :
” جميع النفوس لـ(يعقوب) التي أتت إلى مصر الخارجة من صلبه ماعدا نساء بني (يعقوب) ست وستون نفساً. وابنا (يوسف) اللذان ولدا له في مصر نفسان. جميع نفوس بيت (يعقوب) التي جاءت إلى مصر سبعون “(74).
” وعاش (يعقوب) على أرض مصر سبع عشرة عاماً “(75) قبل أن يتوفاه الله، ومات ابنه (يوسف) أيضاً في مصر ودفن بها.

وهنا نتوقف لنسجل عدة ملاحظات على قصة (يوسف) وآله في مصر :

أولاً : دخول (يوسف) مصر صبياً صغيراً لا يملك من أمر نفسه شيئاً، وهو ما يتضح من نسيج بدايات قصته، وهو ما يُفهم أيضاً من رواية القرآن، إلا أن التوراة تأبى إلا المخالفة فتحدد عمر (يوسف) حينذاك بسبعة عشر عاماً.

ثانياً : كان دخول (يوسف) – على ما يبدو – في نهاية حكم أسرة مصرية صميمة، وكان ذلك قبل بدء المجاعة والجفاف، وهو ما شهدت به التوراة نفسها، وهذا يعني أن (يوسف) جاء – أو جيء به – إلى مصر قبل حكم الهكسوس، وكان دخوله إلى البلاد طبيعياً وآمناً في ظل ظروف سياسية غير مضطربة، إذ حملته قافلة اعتادت دخول مصر للتجارة.
وقد وصلتنا وثيقة مصرية [قديمة] تثبت أن المصريين كانوا يقومون بتأمين طرق هذه القوافل التجارية، حتى بعد تجربة الهكسوس المريرة، وهذا ما يتضح من نص هذه الوثيقة التي تعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، إذ أرسل أحد الموظفين تقريراً إلى الملك يقول فيه : “هنا خبر آخر لصالحب الجلالة، لقد سمحت للبدو القادمين من (أيدوم) بالمرور.. حتى مستنقعات (بيرانتي) في منطقة (تيكو) لمساعدتهم بالحفاظ على حياتهم وحياة مواشيهم “(76).

ثالثاً : باعت القافلة التجارية (يوسف) لموظف مصري كبير يدعى (فوطيفار)، وقد حرص هذا الرجل على أن يتلقى (يوسف) تعليماً مصرياً وأن ينشأ نشأة مصرية، وعاش (يوسف) آمناً هانئاً في كنف الرجل الكريم، حتى حدث ما حدث بين (يوسف) وبين زوجة سيده.

ويربط (جيمس هنري برستيد) بين هذا الجزء من قصة (يوسف) وبين قصة من الأدب المصري القديم هي قصة الأخوين، فيقول : ” ويبلغ مغزى هذه القصة الجميلة [يقصد قصة (يوسف)] قمته في الثبات الخلقي، الذي كانت تنطوي عليه نفسية ذلك الشاب المبعد عن وطنه، فنراه وهو غريب في بلدة أجنبية يجازف بحياته محافظةً على سلامة أخلاقه وطهارتها (..) ومن الحقائق المدهشة أن هذه الحادثة التي توجت القصة كلها بتاج الفخر مستقاة من قصة مصرية قديمة شعبية كانت – لابد – قد انتشرت في فلسطين الكنعانية “(77).
وبدخول (يوسف) السجن يكون فصل من روايته قد انتهى وبدأ فصل جديد مختلف.

فعلى ما يظهر أن الهكسوس اجتاحوا مصر أثناء وجود (يوسف) بالسجن، ويبدو أيضاً أن الظروف السياسية في هذه الأثناء قد اضطربت، وهو ما نلمحه في قصة زميلي (يوسف) بالسجن.. وهو ما يوحي بوجود مؤامرة على حياة الملك نفسه، إذ كان أحد هذين النزيلين مسئولاً عن شراب الملك وكان الأخر مسئولاً عن طعامه أو خبزه على حد قول التوراة، وقد أُدين أحدهما بالفعل.
وفي السجن وأثناء حوار بين (يوسف) ورفيقيه من موظفي الفرعون، أورد القرآن عبارة على لسان (يوسف)، إذ يرجع (يوسف) قدرته على تفسير حلمهما إلى ما علمه له ربه : ( ذلكما مما علمني ربي ) ثم يضيف (.. إني تركت ملة قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالأخرة هم كافرون )(78). وقد لا نتعب أنفسنا كثيراً لمعرفة من هم هؤلاء القوم الذين ترك (يوسف) ملتهم، ولكن لابد أن نتوقف أمام جوهر إيمان هؤلاء القوم، فهم لا يؤمنون بالله، وهم كافرون بالأخرة.

وما يهمنا هنا أن (يوسف) لم يكن يقصد المصريين بالذين أشار إليهم “بالقوم”، حتى إذا اختلفنا حول شكل الإله الذي كان المصريون يؤمنون به، فإننا – وغيرنا – لا نستطيع الاختلاف حول عدم كفر المصريين بالأخرة. فلو أننا بحثنا عن موطن لفكرة الخلود والبعث والحساب بعد الموت لم نجد في أرجاء الدنيا – وعلى مر العصور – سوى مصر، فقد آمن المصريون منذ فجر تاريخهم بالأخرة – كما سنوضح فيما بعد تفصيلاً.
وما ذكره (يوسف) – في القرآن – من إيمانه بالأخرة – قام بتطبيقه عملياً – بنص التوراة، بل وعلى الطريقة المصرية الصحيحة، ولنقرأ سوياً ما فعله (يوسف) عند وفاة أبيه (يعقوب) [إسرائيل]، يقول كاتب التوراة : ” وأمر (يوسف) عبيده الأطباء أن يحنطوا أباه “(79).
لم تخبرنا التوراة قبل ذلك عن عملية تحنيط واحدة أُجريت لأحد من بني إسرائيل أو العبرانيين. ولكن التحنيط كان عملاً تطبيقياً لمبدأ أصيل من مباديء العقيدة الإيمانية المصرية، وكان ركناً أساسياً في الطقوس الدينية المصرية الأخروية، التي كان يجريها الكهنة، أي رجال الدين المصريين.

ثم تقول التوراة : ” فحنط الأطباء إسرائيل. وكمل له أربعون يوماً. لأن هكذا تكمل أيام المحنطين “(80).
وهكذا صرحت التوراة بأن أيام المحنطين تكمل باليوم الأربعين، وأظن أننا لسنا بحاجة لذكر أن يوم الأربعين [بعد الوفاة] مازال طقساً مصرياً خالصاً حتى اليوم، يحرص مسلمو مصر ومسيحيوها على أدائه.
ثم تبين التوراة ” وبكي عليه المصريون سبعين يوماً “(81).
والسبعون يوماً هي المدة الزمنية التي كانت تشتمل عملية التحنيط والطقوس المصاحبة لها، وهي فترة زمنية محددة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة المصرية [القديمة]، وهي الفترة التي يغيب فيها نجم الشعرى اليمانية عن السماء ثم يعود [يُبعث] من جديد. وهو ما سنعود إليه عند الحديث عن هذا النجم.
هكذا إذن تمت عملية تحنيط (يعقوب) [إسرائيل].

فلما عزم (يوسف) على دفن أبيه لم يجد بُداً من اصطحاب المصريين لإتمام ما بدأوه : ” فصعد (يوسف) ليدفن أباه. وصعد معه جميع عبيد فرعون شيوخ بيته، وجميع شيوخ أرض مصر”(82).
ومضى المصريون يؤدون مهمتهم الدينية : ” فأتوا إلى بيدر أطاد الذي في عبر الأردن وناحوا هناك نوحاً عظيماً وشديداً جداً. وصنع لأبيه مناحة سبعة أيام. فلما رأى أهل البلاد الكنعانيون المناحة في بيدر أطاد قالوا هذه مناحة ثقيلة للمصريين “(83).
كانت هذه “المناحة” أو “التراتيل” يعرفها أهل البلاد الأجنبية بأنها مصرية. وكان (يوسف) قد دفن أباه في أرض كنعان بناءً على وصيته، ولكن (يوسف) نفسه لم يُدفن هناك.. بل دُفن في أرض مصر بعد أن تم تحنيطه هو أيضاً. ” ثم مات (يوسف) وهو ابن مائة وعشر سنين. فحنطوه ووُضع في تابوت في مصر “(84).

فإذا عدنا إلى السجن مرة أخرى، نجد أن الفرعون قد استدعى (يوسف) إلى بلاطه : ” فأرسل فرعون ودعا (يوسف) فأسرعوا به من السجن فحلق وأبدل ثيابه “. هكذا كان (يوسف) حريصاً على أن “يحلق”، وهو ابن الحضارة المصرية أو المنتمي إليها حتى في مظهره، فكان حرصه على أن “يحلق” ليس سوى ممارسة للعادة المصرية التي اكتسبها أو شب عليها، وهي عادة تمسك بها الكهنة بالذات.

يقول (هيرودوت) : ” وفي غير مصر يطلق كهنة الآلهة شعورهم، أما في مصر فيحلقونها “(85).

فإذا انطلقنا مع (يوسف) من سجنه وذهبنا إلى بلاط ذلك الملك، الذي أزعجه حلم رآه في منامه فطلب تفسيراً له ممن حوله، فأعلنوا جهلهم بهذا العلم، لأنهم – ومليكهم – لم يكونوا مصريين ليعرفوا مثل هذه العلوم، أما (يوسف) [المصري] فكان يعلم ذلك، كما كان المصريون يعلمونه ويدرسونه ويطبقونه عملياً، بل وصلوا في هذا الشأن إلى حد تشخيص الأمراض النفسية من خلال تفسير الأحلام، وفي هذا يقول د. (عبدالمحسن الخشاب) : ” وكانت وسيلة الإتصال بالقوى الروحانية العليا عن طريق روحي، بالتنويم في المعبد وظهور الإله نفسه للمريض، ووصفه لهم الدواء. وكانت أحلامهم هذه عبارة عن تشخيص للمرض، وكان المفسرون لهذه الأحلام الكهنة الرسميين في المعبد، وغيرهم من مفسري الأحلام ومن غير سلك الكهنوت “(86).
وهذا ما نراه أيضاً في إحدى الأساطير المصرية [القديمة] التي تحكي عن زوجة ولي العهد العاقر التي ذهبت إلى المعبد ونامت هناك، فتجلى لها طيف الله في منامها وقدم لها نصيحة مناسبة، استطاعت بعدها الإنجاب(87).

ولم يقم (يوسف) بتفسير حلم الملك فحسب، بل أرشده أيضاً إلى الطريقة السليمة لتخزين القمح، وهو ما كان “الفلاحون” المصريون يقومون به خلال عهود طويلة سبقت (يوسف)، وهو ما كان يجهله حكام مصر البدو [الهكسوس]. فقد وصلنا من زمن الأسرة العاشرة ما كتبه (خيتي الثاني)، فقال :
” إنني غني بقمح الشمال حيث كانت الأرض في جفاف، فأعشت مدينتي وأذنت للصغير أن يحمل لنفسه من قمح الشمال مع زوجته، وللأرملة مع ولدها، ونزلت عن الضرائب التي وجدت آبائي قدروها “(88).
ومن عصر الأسرة الحادية عشر نقرأ الوثيقة التالية :
” لقد كلت قمح الصعيد، الذي يحيي تلك المدينة بأسرها، في قصر الحاكم أمير الكهان (جفاي)، في سنين الضيق والشدة”(89).
ويروي (أميني) من الأسرة الثانية عشرة : ” وكان أن حدثت أعوام المجاعة، فكان أن حرثت الحقول من إقليم الوعل حتى تخومه الجنوبية والشمالية، وأعشت أهله وكفيته غذاءه فلم يبق جائع فيه، إذ أعطيت الأيم كالسيدة ذات الزوج ولم أميز عظيماً على صغير “(90).

إن هذه الوثائق التاريخية – التي تعود إلى زمن يسبق وجود (يوسف) بمصر بسنوات قليلة – لهي دليل دامغ على أن المصريين– وهم مجتمع ذو حضارة زراعية عريقة – كانوا يقومون بتخزين القمح في زمن القحط أو المجاعات. وهذه الوثائق تشهد أيضاً للمصريين بخبرة طويلة وإدارة حسنة. ولم تولد هذه الخبرة فجأة، بل إنها امتدت إلى آلاف من السنين لم تسبق دخول بني إسرائيل مصر فحسب، بل وجودهم ذاته على كوكب الأرض. فقد تم العثور على مطامير لتخزين الحبوب في مدينة (الفيوم)، يبلغ عددها 165 مخزناً، ويعود تاريخها إلى الألف الخامسة قبل الميلاد(91).
وفي مكان آخر بـ(الفيوم) أيضاً عُثر على مطامير يعود تاريخها إلى أربعة آلاف سنة قبل الميلاد(92).
وعن أسلوب صُنع هذه المطامير يقول د.(إبراهيم يوسف الشتلة) إن : ” المصريين خرجوا بمطامير غلالهم عن منطقة المساكن، وحفروها فوق ربوة عالية بعض الشيء بعيدة عن مساكنهم، ورتبوها في ساحتين ترتفع إحداهما عن مستوى الأخرى، وحفروا كل مطمورة فيها على هيئة مستديرة، تفاوت قطرها بين القدم والثلاثة أقدام، وكسوا قاعها وجوانبها بأغشية من الخوص والقش والحصير وأعواد الأثل، كانوا يكسون جدرانها في أغلب الأحوال بالطين، واحتفظت مطاميرهم ببقايا نادرة من القمح والشعير وبذور الكتان ونباتات أخرى “(93).

كان (يوسف) ابن الحضارة المصرية الزراعية، يعلم ذلك يقيناً، فقد تعلم ذلك وغيره على أيدي علماء مصر وكهنتها.

ولما انتهى (يوسف) من تفسير الحلم وتقديم المشورة لحاكم مصر الأجنبي البدوي [الهكسوسي] كافأه الملك بمنصب عظيم : ” قد جعلتك على كل أرض مصر “، ولم يكتف بذلك بل زوجه من (إسنات) ابنة كاهن (أون)، أعظم مراكز مصر الدينية، ولم يكن كاهن مصر الأعظم ليقبل زواج ابنته من أجنبي بدوي إلا إذا كان (يوسف) غير ذلك، فالمصريون لم يكونوا يتزواجون مع البدو.. بل إن التوراة تخبرنا بأنهم كانوا يعتبرون البدو رجساً : ” لأن المصريين لا يقدرون أن يأكلوا طعاماً مع العبرانيين لأنه رجس عند المصريين “(94).
وكذلك : ” لأن كل راعي غنم رجسٌ للمصريين “(95).

وهكذا كانت قصة سيدنا (يوسف) في القرآن والتوراة غنية بتفاصيل هامة، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحضارة مصر وعلومها وثقافتها ودينها، ولا يسعنا في نهاية هذا الفصل إلا بختمه بخاتمة سورة (يوسف) نفسها : ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيءٍ وهدىً ورحمةً لقومٍ يؤمنون )(96).

( عن كتاب الإسلام و الدين المصري القديم – محمد أبورحمة )

عن admin

شاهد أيضاً

علماء عرب “اغتالهم” الموساد بطرق مشبوهة

  خنقا، وحرقا، وقتلا بالرصاص، وبقنابل لاصقة ومغناطيسية وتفجيرات عن بعد، وحوادث مرور مفتعلة، تعرض …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *