الرئيسية / حوارات ناصرية / جمال عبد الناصر / حديث الرئيس جمال عبد الناصر إلى مندوب صحيفة “الصنداى تايمز” “دافيد مورجان

حديث الرئيس جمال عبد الناصر إلى مندوب صحيفة “الصنداى تايمز” “دافيد مورجان


١٩٦٢/٦/١٨ حديث الرئيس جمال عبد الناصر إلى مندوب صحيفة “الصنداى تايمز” “دافيد مورجان

– ” دافيد مورجان”: لقد مضت الآن عشر سنوات؛ منذ أن قام نحو تسعين من ضباط الجيش المصري بإنهاء النظام الإقطاعي في وطنهم، وبالاستيلاء على السلطة في بلادهم بين يوم وليلة؛ بعد انقلاب كاد أن يكون بلا قطرة من الدماء. وقد كانت هذه السنوات العشر سنوات من الثورة المستمرة، ومن التغيير المتصل، وهذه العملية التاريخية لا تزال مطردة؛ لكن لعل الوقت الحالي هو أنسب الأوقات للتطلع إلى الخلف؛ لا إلى أحداث هذه السنوات العشر الأخيرة وحدها، بل إلى ما هو أبعد من ذلك.. إلى بداية تكون الإحساسات الثورية لديكم .

* الرئيس: كثيراً ما سئلت هذا السؤال : متى أصبحت ثورياً لأول مرة؟ وهو سؤال تستحيل الإجابة عليه؛ فهذا الشعور أملته ظروف تكويني وتنشئتي، وغزاه شعور عام بالسخط والتحدي؛ اجتاح كل أبناء جيلي في المدارس والجامعات، ثم انتقل إلى القوات المسلحة .

وما زلت أذكر بوضوح أول صدام لي مع السلطة.. كان ذلك في سنة ١٩٣٣، وكنت يومئذ تلميذاً في الإسكندرية لم أبلغ بعد الخامسة عشرة من عمري، وكنت أعبر ميدان المنشية في الإسكندرية حين وجدت اشتباكاً بين مظاهرة لبعض التلاميذ وبين قوات من البوليس، ولم أتردد في تقرير موقفي؛ فلقد انضممت على الفور إلى المتظاهرين، دون أن أعرف أي شيء عن السبب الذي كانوا يتظاهرون من أجله، ولقد شعرت أنني في غير حاجة إلى سؤال؛ لقد رأيت أفراداً من الجماهير في صدام مع السلطة، واتخذت موقفي دون تردد في الجانب المعادى للسلطة .

ومرت لحظات سيطرت فيها المظاهرة على الموقف؛ لكن سرعان ما جاءت إلى المكان الإمدادات؛ حمولة لوريين من رجال البوليس لتعزيز القوة، وهجمت علينا جماعتهم، وإني لأذكر أنى – في محاولة يائسة – ألقيت حجراً، لكنهم أدركونا في مثل لمح البصر، وحاولت أن أهرب، لكنى حين التفت هوت على رأسي عصا من عصى البوليس، تلتها ضربة ثانية حين سقطت، ثم شحنت إلى الحجز والدم يسيل من رأسي مع عدد من الطلبة الذين لم يستطيعوا الإفلات بالسرعة الكافية .

ولما كنت في قسم البوليس، وأخذوا يعالجون جراح رأسي؛ سألت عن سبب المظاهرة؛ فعرفت أنها مظاهرة نظمتها جماعة مصر الفتاة في ذلك الوقت؛ للاحتجاج على سياسة الحكومة .

وقد دخلت السجن تلميذاً متحمساً، وخرجت منه مشحوناً بطاقة من الغضب، وقد مضى بعد ذلك زمن طويل قبل أن تتبلور أفكاري ومعتقداتي وخططي، ولكن حتى في هذه المرحلة الباكرة كنت أعلم أن وطني يخوض صراعاً متصلاً من أجل حريته .

– ” مورجان”: سيدي الرئيس.. ماذا عن نشأتك الأولى وجو الأسرة الذي عشت فيه مرحلة الطفولة؟

* الرئيس: إنني الابن الأكبر لأسرة مصرية من الطبقة المتوسطة الصغيرة، وقد كان أبى موظفاً صغيراً في مصلحة البريد، يبلغ مرتبه الشهري نحو عشرين جنيهاً، وهو مرتب يكفى بصعوبة لسد ضرورات الحياة .

وقد ولدت في الإسكندرية؛ لكن ذكرياتي الأولى تدور حول قرية الخطاطبة، وهى قرية تقع بين القاهرة والإسكندرية؛ حيث كان أبى يعمل وكيلاً البوسطة ، وكنا دائماً أسرة سعيدة يحكمها أبى، ولكن القوة الحافظة فيها كانت أمي التي كنت أنا وإخوتي نتفانى في حبها .

وكان أبى قلقاً بسبب آرائي السياسية حتى في أيام التلمذة؛ فقد سجن أخوه أيام الحرب العالمية الأولى بتهمة الإثارة السياسية، ولذا كانت مخاوفه أن يحل بي ما حل بعمى مخاوف طبيعية؛ فقد كان أمله أن نحيا جميعاً حياة آمنة بعيدة عن المزعجات .

ولكنى بعد اشتراكي في المظاهرة السياسية الأولى دخلت الميدان بكل جوارحي، وأصبحت رئيس لجنة لتنظيم المقاومة، ولاسيما مقاومة السيطرة الأجنبية، وكنا نجوب شوارع الإسكندرية بالمظاهرات الساخطة، ولقد كان ذلك متنفساً لابد منه لعواطفنا الحادة ولشعورنا بالكبت الذي يضغط على وطننا .

وفى نهاية الأمر ضاق المسئولون في المدرسة ذرعاً بنشاطي، ونبهوا أبى؛ فأرسلني إلى القاهرة لأعيش مع عمى، وألتحق بمدرسة أخرى هناك .

– ” مورجان”: لقد ذكر عدد كبير من الذين تعرضوا لكتابة قصة حياتكم أن مشاعركم الأولى المعادية لليهود تكونت هذه الفترة؛ فلقد كانت في نفس البيت الذي يسكنه عمكم بعض الأسر اليهودية؟

* الرئيس: هذا رأى أبعد ما يكون عن الحقيقة؛ فأنا لم أكن في أي يوم من الأيام معادياً للسامية على المستوى الشخصي، ومن العسير على أي مصري متعلم أن يكون كذلك. لقد كانت بيننا وبين اليهود – كشعب – روابط عديدة؛ فموسى نفسه كان مصرياً، وشعوري المعادى لإسرائيل وأعمالي الموجهة ضدها؛ إنما تولدت فيما بعد من شيء واحد لا سواه؛ وهو الحركة الصهيونية التي اغتصبت جزءاً من الأرض العربية .

– ” مورجان”: إن الذين كتبوا تاريخكم أيضاً يقولون إنه في تلك الفترة وقعت لكم صدمة نفسية !

* الرئيس: ذلك صحيح، ففي تلك الفترة حدث لي حادث أثر في عواطفي أكثر من أي شيء آخر في تلك السنوات الباكرة.. فقد كان أبى مصراً على معارضة مشاعري وأعمالي الثورية، أما أمي فقد كانت تنظر إلى السياسة نظرها إلى شيء لا يعنيها، وكانت العلاقة القائمة بيننا هي مجرد علاقة الحب الخالص الذي يربط بين الأم وولدها .

ولم أكن أفرط في رحلاتي لزيارة أسرتي، لكن حين انقطعت أنباء أمي فترة من الزمن سافرت لزيارة الأسرة، ولما بلغت البيت لم أجد لها أثراً، وعلمت أنها قد ماتت قبل ذلك بأسابيع، ولم يجد أحد الشجاعة الكافية لإبلاغي بموتها، ولكنى اكتشفت موتها بنفسي بطريقة هزت كياني .

وعدت لفوري إلى القاهرة؛ حيث كرست نفسي لنشاطي السياسي بصورة أعنف من ذي قبل، وخفف الزمن صدمتي، ولكنني ظللت مبتعداً عن أسرتي لعدة سنوات؛ فقد كان فقد أمي في حد ذاته أمراً محزناً للغاية، أما فقدها بهذه الطريقة فقد كان صدمة تركت في شعوراً لا يمحوه الزمن، وقد جعلتني آلامي وأحزاني الخاصة في تلك الفترة أجد مضضاً بالغاً في إنزال الآلام والأحزان بالغير في مستقبل السنين .

– ” مورجان”: إن بعض المؤرخين يقولون إن بحثكم عن مجال للعمل السياسي قادكم إلى محاولة واسعة لاستكشاف الأحزاب السياسية العاملة في مصر ذلك الوقت .

* الرئيس: في سنوات التكوين هذه شغلت اهتمامي كل الأحزاب السياسية التي كان هدفها الأول أن ترد للشعب المصري حريته، وقد انضممت مدة عامين بعد مظاهرة الإسكندرية إلى جماعة مصر الفتاة، ولكنى تركتها بعد أن اكتشفت أنها رغم دعواها العالية لا تحقق شيئاً واضحاً .

وقد فوتحت في عدة مناسبات للانضمام للحزب الشيوعي، لكنى رغم دراستي للمذهب الماركسي، ولكتابات “لينين”؛ وجدت أمامي عقبتين أساسيتين.. عقبتين كنت أعلم أنه لا سبيل إلى التغلب عليهما؛ العقبة الأولى هي أن الشيوعية في جوهرها ملحدة؛ وقد كنت دائماً مسلماً صادقاً، أؤمن إيماناً لا يتزعزع بوجود قوة فوق البشر؛ هي الله الذي يهيمن على كل مصائرنا، ومن المستحيل على أي إنسان أن يكون مسلماً صادقاً وشيوعياً صادقاً .

أما العقبة الثانية فهي أنى أدركت أن الشيوعية معناها بالضرورة سيطرة من نوع ما من الأحزاب الشيوعية العالمية، وهذا أيضاً ما كنت أرفضه رفضاً باتاً، وقد كان كفاحي وكفاح زملائي طويلاً وشاقاً لانتزاع السلطة من الطبقات الإقطاعية، ولتحطيم السيطرة الأجنبية على مصر، ولتحقق بلادنا الاستقلال الصادق الذي كانت تحتاج إليه احتياجها إلى أنفاس الحياة؛ وعلى هذا فلقد كان مجرد الظل لسيطرة أجنبية أمراً لا أستطيع أن أقبله .

وقد كانت لي اتصالات متعددة بالإخوان المسلمين؛ رغم أنى لم أكن قط عضواً في هذه الجماعة، وأحسست بقوة زعيمهم المرشد العام حسن البنا، وهنا أيضاً وجدت أمامي صعوبات دينية؛ فقد كان تصرف الإخوان المسلمين ضرباً من التعصب الديني، وما كنت أرضى لا بإنكار عقيدتي ولا بأن تحكم بلادي طائفة متعصبة. كنت واثقاً من أن التسامح الديني لابد أن يكون ركناً أساسياً من أركان المجتمع الجديد الذي كنت أرجو أن أراه قائماً في بلادي .

وتبلورت مشروعاتي لمستقبلي بعد عقد المعاهدة المصرية – الإنجليزية عام ١٩٣٦؛ التي نجم عنها أن حكومة الوفد أصدرت مرسوماً يقضى بفتح الكلية الحربية للشبان؛ بصرف النظر عن طبقتهم الاجتماعية أو ثروتهم، وكنت أنا – مع نفر من الآخرين الذين ظلوا فيما بعد رفقاء حميمين – من بين أول من استطاعوا الانتفاع من هذا الوضع، فالتحقت بالجيش بعد أن كنت أدرس في كلية الحقوق .

وتخرجت بعد سنتين في ١٩٣٨ من الكلية الحربية بالعباسية برتبة ملازم ثان، وفى نفس السنة تخرج اثنان من الضباط هما : زكريا محيى الدين، ومحمد أنور السادات؛ اللذان اقترن اسماهما فيما بعد اقتراناً وثيقاً بقصة الثورة .

كان الجيش المصري – حتى ذلك الوقت – جيشاً غير مقاتل، وكان من مصلحة البريطانيين أن يبقوه على حاله، أما بعد ذلك فقد بدأت تدخل طبقة جديدة من الضباط الذين كانوا ينظرون إلى مستقبلهم في الجيش بوصفه مجرد جزء من جهاد أكبر لتحرير شعبهم. وعُينا ثلاثتنا في حامية منقباد، وهى حامية بعيدة بالقرب من أسيوط في الصعيد. وذهبنا إلى منقباد تملؤنا المثل العليا، ولكن سرعان ما أصبنا بخيبة الأمل؛ فقد كان أكثر الضباط عديمي الكفاءة وفاسدين، وقد دفعت الصدمة بعض زملائي من الضباط إلى حد الاستقالة. أما أنا فلم أر جدوى من الاستقالة؛ رغم أن سخطي كان لا يقل عن سخط الآخرين، واتجه تفكيري بدلاً من ذلك إلى إصلاح الجيش وتطهيره من الفساد .

وفى عام ١٩٣٩ نقلت إلى الإسكندرية، وهناك التقيت بعبد الحكيم عامر، وكان يشاركني ذلك الاعتقاد الراسخ في الأعماق بضرورة الثورة والتغيير .

وبعد نشوب الحرب العالمية الثانية بزمن وجيز نقلت إلى كتيبة بريطانية تعسكر خلف خطوط القتال بالقرب من العلمين، وكان ذلك بقصد التدريب لمدة شهر، وكانت هذه أول مرة أحتك فيها احتكاكاً حقيقياً بالبريطانيين كجنود وكأشخاص؛ فتركوا في نفسي أثراً طيباً .

ولم يكن هناك أي تعارض بين استطاعتي أن أشعر بشعور ودي نحو عدد منهم على المستوى الشخصي، وأن أحترمهم أيضاً كجنود، وبين شعوري العميق بضرورة التخلص من السيطرة البريطانية، ومن النفوذ البريطاني بأي ثمن؛ فالأول كان شعوراً شخصياً، والآخر كان مسألة مبدأ، وليس هناك علاقة بين الشعوريين .

وفى هذه المرحلة رسخت فكرة الثورة في ذهني رسوخاً تاماً، أما السبيل إلى تحقيقها فكانت لا تزال بحاجة إلى دراسة، وكنت يومئذ لا أزال أتحسس طريقي إلى ذلك، وكان معظم جهدي – في ذلك الوقت – يتجه إلى تجميع عدد كبير من الضباط الشبان الذين أشعر أنهم يؤمنون في قراراتهم بصالح الوطن؛ فبهذا وحده كنا نستطيع أن نتحرك حول محور واحد؛ هو خدمة هذه القضية المشتركة .

– ” مورجان”: كيف بدأ العمل الجدي في تنظيم الخلايا الثورية؟

* الرئيس: كنا بحاجة إلى شيء يجعلنا جميعاً ندرك الضرورة الملحة والحتمية في حركتنا الثورية، فأعطانا الإنجليز ما نحتاج إليه؛ ففي ١٩٤٢ كانت بريطانيا تقاتل وظهرها للحائط، وكانت في الصحراء الغربية الحرب تمر في مرحلة حيوية، وكان البريطانيون مصممين على أن تقوم في مصر حكومة تؤازرهم مؤازرة إيجابية، وذهب السفير البريطاني – “السير مايلز لامبسون” – ليقابل الملك فاروق بسراي عابدين في القاهرة؛ بعد أن حاصر القصر بالدبابات البريطانية، وسلم الملك إنذاراً يخيره بين إسناد رئاسة الوزراء إلى مصطفى النحاس مع إعطائه الحق في تشكيل مجلس وزراء متعاون مع بريطانيا، وبين الخلع، وقد سلم الملك بلا قيد ولا شرط .

كان ذلك في ٤ فبراير سنة ١٩٤٢، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد شيء كما كان أبداً، وكنت يومئذ في العلمين حين جاءني هذا النبأ، وما زلت أذكر انفعالي الشديد؛ وقد كتبت في تلك الليلة إلى صديق أقول: ترى ماذا نحن فاعلون بعد هذا الحادث التعيس الذي تقبلناه بتسليم قوامه الخنوع والمهانة. الحقيقة هي أن الاستعمار ليس لديه إلا وسيلة واحدة يرهبنا بها، لكن يوم يدرك الاستعمار أن المصريين مستعدون للتضحية بأنفسهم، فإنه سيتراجع كالجعجاع الجبان .

إن حوادث ٤ فبراير قد ألحقت العار بمصر، لكنها رغم ذلك ألهمتنا بروح جديدة؛ فقد أيقظت هذه الحوادث أناساً كثيرين من سلبيتهم، وعلمتهم أن هناك كرامة تستحق أن يدافع عنها الإنسان بأي ثمن .

وبالنسبة لي كان عام ١٩٤٥ أكثر من مجرد عام انتهاء الحرب؛ فقد شهد العام بداية حركة الضباط الأحرار؛ تلك الحركة التي أشعلت فيما بعد شعلة الحرية في مصر، ومع ذلك فقد كان ينتظرنا حادث آخر؛ ليتحول استياؤنا وسخطنا المتزايد إلى خطة ملموسة للثورة .

وقد ركزت حتى سنة ١٩٤٨ على تأليف نواة من الناس الذين بلغ استياؤهم من مجرى الأمور في مصر مبلغ استيائي، والذين توفرت لديهم الشجاعة الكافية والتصميم الكافي للإقدام على التغيير اللازم. وكنا يومئذ جماعة صغيرة من الأصدقاء المخلصين؛ نحاول أن نخرج مثلنا العليا العامة في هدف مشترك وفى خطة مشتركة. وكانت بي رغبة عارمة للمعرفة؛ فأقبلت على الاطلاع بنهم، والتهمت كتب المفكرين من أمثال: “لاسكى” و”نهرو” بل و”أنيورين بيفان”.. وبدأت أفكار الاشتراكية تتكون شيئاً فشيئاً .

– ” مورجان”: وكيف تدافع الموج الثوري في مصر خصوصاً مع سنة ١٩٤٨ بأحداثها الخطيرة في فلسطين؟

* الرئيس: في مايو ١٩٤٨ أنهت بريطانيا انتدابها على فلسطين، وأحسسنا جميعاً بان اللحظة جاءت للدفاع عن حقوق العرب ضد ما اعتبرناه انتهاكاً صارخاً لا للعدالة الدولية وحدها ، ولكن للكرامة الإنسانية كذلك .

وفى دمشق كان يجرى تأليف فرقة من المتطوعين؛ فذهبت إلى مفتى القدس الذي كان لاجئاً يقيم في مصر الجديدة، وعرضت عليه خدماتي وخدمات جماعتي الصغيرة؛ كمدربين لفرقة المتطوعين، وكمقاتلين معها، فأجابني المفتى بأنه لا يستطيع أن يقبل العرض دون موافقة الحكومة المصرية، وبعد بضعة أيام رفض العرض .

تضايقت؛ فقد كان هذا يتيح الفرصة أمام الضباط المصرين الشبان ليثبتوا قدرتهم على العمل، وتقدمت بطلب إجازة حتى أتمكن من الانضمام إلى المتطوعين، لكن قبل أن يبت في طلبي أمرت الحكومة المصرية الجيش رسمياً بالاشتراك في الحرب .

وكان القرار الذي اتخذته الحكومة هو القرار الصائب، لكن الطريقة التي نفذ بها القرار كانت كارثة .

لم يكن هناك تنسيق بين الجيوش العربية، وكان عمل القيادة على أعلى مستوى في حكم المعدوم، تبين أن أسلحتنا في كثير من الحالات أسلحة فاسدة، وفى أوج القتال صدرت الأوامر لسلاح المهندسين ببناء شاليه للاستجمام في غزة للملك فاروق .

وقد بدا أن القيادة العليا كانت مهمتها شيئاً واحداً؛ هو احتلال أوسع رقعة ممكنة من الأرض بغض النظر عن قيمتها الإستراتيجية، وبغض النظر عما إذا كانت تضعف مركزنا العام في القدرة على إلحاق الهزيمة بالعدو خلال المعركة أم لا. وقد كنت شديد الاستياء من ضباط الفوتيلات أو محاربي المكاتب الذين لم تكن لديهم أية فكرة عن ميادين القتال، أو عن الآم المقاتلين .

وجاءت القطرة الأخيرة التي طفح بعدها الكيل؛ حين صدرت الأوامر إلىّ بأن أقود قوة من كتيبة المشاة السادسة إلى عراق سويدان التي كان الإسرائيليون يهاجمونها، وقبل أن أبدأ في التحرك نشرت تحركاتنا كاملة في صحف القاهرة، ثم كان حصار الفالوجا الذي عشت معاركه؛ حيث ظلت القوات المصرية تقاوم رغم أن القوات الإسرائيلية كانت تفوقها كثيراً من ناحية العدد، حتى انتهت الحرب بالهدنة التي فرضتها الأمم المتحدة .

وقد قتل القائم قام أحمد عبد العزيز الذي كان قائداً للمتطوعين أثناء هذه الحملة؛ حين هوجمت سيارته وهو في طريقه إلى اجتماع في القدس، وكان أحمد عبد العزيز يقول دائماً: “إن المعركة الحقيقية في مصر “.

كذلك أوشكت أنا أيضاً أن أُقتل في الحرب؛ فقد جرحت مرتين، وفى المرة الثانية مرت الرصاصة بما لايزيد عن خمسة سنتيمترات تحت قلبي، وبينما كنت طريح الفراش في المستشفى كانت أفكار كثيرة وتأملات تمر في خواطري .

– مورجان: يبدو أن الحوادث أسرعت كثيراً بعد حرب فلسطين .

* الرئيس: لقد اتضح لي عندئذ أن المعركة الحقيقية هي بالفعل في مصر؛ فبينما كنت ورفاقي نحارب في فلسطين، كان السياسيون المصريون يكدسون الأموال من أرباح الأسلحة الفاسدة التي اشتروها رخيصة وباعوها للجيش. ولقد كان من الضروري تركيز الجهود لضرب أسرة محمد على؛ فكان الملك فاروق هو هدفنا الأول من نهاية ١٩٤٨ إلى ١٩٥٢، وأقمنا تنظيمنا ونسقنا نشاطنا ببطْء، ونشبت في منطقة القنال حرب عصابات لتدمير المنشآت البريطانية، وكنت أعلم أن عدم قيامنا بأية محاولة كبرى للاستيلاء على السلطة قبل أن نستعد تماماً أمر حيوي بالنسبة لنا، وكان في نيتي أن نحاول القيام بثورتنا في سنة ١٩٥٥، لكن الحوادث أملت علينا قرار القيام بالثورة قبل ذلك بكثير .

وإزاء تطورات الحوادث العنيفة المتوالية في بداية سنة ١٩٥٢؛ كانت هناك فكرة ترى أن الحل الوحيد هو اغتيال أقطاب النظام القديم، وبدأنا باللواء سرى عامر؛ وهو أحد قواد الجيش الذين تورطوا تورطاً خطيراً في خدمة مصالح القصر، ومع أن ميولي الطبيعة كلها كانت معارضة لهذه السياسة؛ فقد أخذت على عاتقي مسئولية أول محاولة .

وكانت ليلة لا تنسى؛ فقد اختبأت أنا وزملائي الذين اخترتهم ليقوموا بالمحاولة معي تحت أسوار الشجيرات المحيطة بفيلا اللواء، وحين خرج من سيارته أطلق النار عليه اثنان من زملائنا كانا على استعداد بالمدافع الرشاشة، ولما جرينا لنلتمس الهرب لاحقني عويل سيدة يمزق القلب وصرخات مذعورة .

ولم أذق للنوم طعماً في تلك الليلة؛ فقد كنت أفكر فيما فعلته، وإني لأتذكر أنى صليت لله راجياً ألا يموت، وغمرتني روح الارتياح عندما قرأت في صحف الصباح أنه لم يصب حتى برصاصة واحدة. وكانت هذه هي محاولة الاغتيال الأولى والأخيرة التي قمت بها، وقد وافقني الجميع على العدول عن هذا الاتجاه، وصرف الجهود إلى تغيير ثوري أيحابى .

واشتد التوتر درجة درجة؛ حتى بلغ قمته، وهنا بدأت معركة التعبئة الثورية، وبدأنا نوالى إصدار منشورات ” الضباط الأحرار”، وكنا نطبعها ونوزعها سراً .

وكانت الأحداث تتطور بسرعة لا نملك السيطرة عليها؛ كان السياسيون يتراشقون بالاتهامات، وبدأت الجماهير تعبر عن غضبها وسخطها علناً. وفى ٢٦ يناير سنة ١٩٥٢ حدثت مأساة حريق القاهرة، ولم تتخذ السلطات أي إجراء، النحاس رئيس الوزراء لزم داره في جاردن سيتى، وظل الملك فاروق في قصر عابدين لا يحرك ساكناً، ولم تصدر الأوامر للجيش بالنزول إلا في العصر، بعد أن دمرت النار أربعمائة مبنى أنزلت بها خسائر فادحة، وتركت١٢ ألف شخص بلا مأوى، وقد بلغت الخسائر ٢٢ مليون جنيه .

ومن الصعب تحديد من يستحق اللوم في هذه المأساة؛ فقد بدأ اليوم بمظاهرة عنيفة قامت بها بعض الجماعات المتطرفة؛ لكن السخط الجماهيري سيطر عليها بعد ذلك، فخرج الزمام من يد أي تنظيم، وكان تردد الحكومة هو المسئول المباشر عن تدمير المدينة، وتدهورت الأمور من سيئ إلى أسوأ؛ فتألفت وزارتان ثم خرجتا من الحكم، ولم يبد على الملك ما يدل على استعداده لإيجاد حل للموقف، وهكذا وجدنا أنفسنا في وضع المعارضة الصريحة له .

– ” مورجان”: فيما فهمت فلقد كان الصراع العلني السافر بين الضباط الأحرار وبين الملك هو أزمة انتخابات نادي ضباط الجيش .

* الرئيس: كان ذلك صحيحاً؛ فقد تملك الملك الجزع من أن يصبح النادي مركزاً للتمرد؛ فصمم على أن يكون الرئيس الجديد مرشحاً من مرشحيه؛ وهو اللواء حسين سرى عامر .

وكنت لا أقل عنه تصميماً على الحيلولة دون وقوع ذلك؛ فرشحت أنا وزملائي من جماعة الضباط الأحرار اللواء محمد نجيب؛ الذي كان أحد اللواءات المعروفين في الجيش المصري، وقمنا بالدعاية له دعاية سافرة، وتم انتخاب اللواء نجيب بأغلبية كبرى، لكن الانتخاب أُلغى بتعليمات من الملك شخصيا. وكان الملك والحكومة قد انتقلوا في هذه الأثناء كالعادة كل صيف إلى الإسكندرية، ورغم كل ما بذلتاه من جهود للاحتياط ، فقد أصبح معروفاً عند مستشاري الملك أن شيئاً ما بسبيل أن يحدث، ومن المؤكد أن جهودهم في البحث والتقصي زادت واشتدت .

وحل الملك اللجنة التنفيذية لنادي الضباط، وأصدر وزير حربيته قراراً بتعيين اللواء نجيب مديراً لسلاح الحدود بالقاهرة، كما نقل كثير من الضباط إلى مراكز نائية خبطاً في الظلام .

ولقد أحسست أن تأخير محاولتنا القيام بثورتنا حتى سنة ١٩٥٥ مسألة مستحيلة؛ فإن الحوادث تتحرك بسرعة، والاستعداد الثوري أصبح متحفزاً، ثم أن هيبة فاروق كانت في الحضيض، لقد قدرت أن الموقف ساعتها مناسب للقيام بانقلاب إذا عرفنا كيف ننفذه بسرعة وبكفاءة .

وفى منتصف شهر يوليو دعوت الموجودين في القاهرة من أعضاء الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار إلى اجتماع، وأبلغتهم بأن احتمالات القيام بالثورة مفتوحة للنجاح، ولم يكن من رأيي إعدام الملك؛ فقد كنت أحس أن إراقة الدماء تؤدى إلى مزيد من الدماء، وكنت أريد للثورة أن تضع المقاييس التي ستحاسب دائماً بها .

وفى وضع خطتي الأساسية كانت أمامي جملة مشاكل، ولم أهتد إلى حل لبعض هذه المشاكل إلا بعد أن بدأنا فعلاً .

من هذه المشاكل – على سبيل المثال – مشكلة الحرس الملكي الذي كان مؤلفاً من نحو ست كتائب، وهذه تفوق بعددها كثيراً مما كنت أستطيع أن أعتمد عليهم من الرجال، لم أكن أعرف كيف يتصرف الحرس الملكي، كذلك كان من مصادر قلقي احتمال تدخل البريطانيين أو الأمريكيين في جانب الملك .

ومن مشاكلي أيضاً أن كثيرين من الضباط الأحرار كانوا في أماكن نائية لا تمكنهم من مساعدتنا، ولم يكن في القاهرة إلا ثلاثمائة ضابط يمكن أن يناصرونا بصورة محققة. ولقد قررت ألا أشرك الكثيرين من هؤلاء إشراكاً إيجابياً؛ فقد كان الاحتياط أمراً جوهرياً لنجاحنا، ومن ناحية أخرى فلقد تصورت أنه ربما كان خيراً لو تركنا قوة أخرى من زملائنا تغلي قلوبها بالثورة؛ لتواصل العمل إذا ما أخفقت محاولتنا .

ورسمت الخطة الأساسية بعد اجتماعات عقدناها في بيوت عدد منا، وسلمتها لعبد الحكيم عامر ليضع تفاصيلها، وكنا نريد أن نبدأ في التنفيذ بعد ٢٤ ساعة؛ أي في ليلة ٢١ يوليو، لكن كان من المحال استكمال خطتنا على هذا الأساس، وبناء عليه أجلت ساعة الصفر إلى الساعة الواحدة صباح ٢٣ يوليو .

– ” مورجان”: لقد كانت ليلة مثيرة دون شك، ولا بد أن ذكرياتها ستبقى زماناً طويلاً، فهل نستطيع أن نعرف الخطوط الرئيسية في سير الأحداث تلك الليلة ؟

* الرئيس: في نحو الساعة العاشرة من مساء ٢٢ يوليو جاء إلى بيتي ضابط من ضباط المخابرات وعضو من جماعتنا، وإن كنا لم نخطره بما اعتزمنا القيام به؛ لتحذيري بأن القصر قد تسرب إليه نبأ استعداد الضباط الأحرار للتحرك، وأنه قد اتصل برئيس أركان حرب الجيش، الذي دعا إلى عقد اجتماع عاجل في الساعة الحادية عشرة لاتخاذ الإجراءات ضدنا .

وكان لابد من اتخاذ قرار فوري؛ فلو أننا تركنا كل شيء ليتم في ساعة الصفر المتفق عليها، وهى الواحدة صباحاً؛ فقد يدركوننا قبل أن ندركهم، ومن ناحية أخرى كانت الأوامر قد وزعت، وكان من أصعب الأمور الاتصال بكل من له صلة بالموضوع .

وانضم إلينا ضباط المخابرات، وخرجت مع عبد الحكيم عامر لنجمع بعض القوات من ثكنات العباسية، ووصلنا متأخرين؛ فقد وجدنا أن البوليس الحربي قد أغلق الثكنات، فمضينا إلى ثكنات الفرسان والمصفحات، فوجدنا أيضاً أنهم سبقونا، وكان البوليس الحربي يحرس كل المداخل .

وبدا للحظات أن خطتنا كلها في خطر، ولم يبق على ساعة الصفر إلا تسعين دقيقة، وبدا أن خطة الثورة كلها تدخل في مرحلة من تلك المراحل الخطيرة في التاريخ؛ عندما تتدخل قوى أكبر منا لتوجيه الحوادث.. ولقد تأكد لي من تطورات الأمور أن عناية الله كانت تلك الليلة معنا .

فقد انطلقنا لنتوجه إلى ثكنات ألماظة كحل أخير، وكنت أسير بسيارتي الأوستين الصغيرة ومعي عبد الحكيم عامر، وفى طريقنا التقينا بطابور من الجنود قادمين في نفس الطريق تحت الظلام، وأخرجنا الجنود من السيارة، وألقوا القبض علينا؛ لكن الجنود كانوا في الحقيقة من قوات الثورة، وكانوا ينفذون أوامري بإلقاء القبض على كل الضباط فوق رتبة القائم قام دون مناقشة، ولم يكن الجنود يعرفون من أكون فتجاهلوا كل كلامنا لمدة عشرين دقيقة تقريباً، كل دقيقة منها أثمن ما يكون. ولم تصدر الأوامر فوراً بإطلاق سراحي وسراح عبد الحكيم عامر، إلا حين تقدم البكباشى يوسف صديق قائد المجموعة وأحد زملائي المقربين ليستطلع سر الضجة، ولم أسعد لرؤية أحد في حياتي كما سعدت حين رأيت يوسف صديق يخرج من الظلام؛ فقد تحرك في الوقت المحدد له، وكان ينتظر حتى تحل ساعة الصفر المعينة ليبدأ الهجوم .

وانضممنا إلى الطابور، وقررت ألا ننتظر، واتجهنا فوراً إلى القيادة، وكانت قواتنا لا تزيد عن قوة سرية، لكن عنصر المفاجأة كان في جانبنا .

لقد اعتقلنا في الطريق عدداً من قادة الجيش الذين كانوا يحضرون الاجتماع في القيادة لتوجيه الضربة ضدنا .

وحدثت مقاومة قصيرة خارج القيادة، ثم اقتحمنا مبنى القيادة نفسه، ووجدنا رئيس هيئة أركان حرب، وكان على رأس المائدة يضع مع مساعديه خطة الإجراءات التي ستتخذ ضد الضباط الأحرار، وقبضنا عليهم جميعاً .

وفى الساعة الثالثة صباحاً؛ التقت نفس مجموعة الضباط الذين كانوا قد التقوا قبل ذلك بعدة أيام – التقوا من جديد – لكن التقاءهم هذه المرة كان في حجرة الاجتماعات بالقيادة العامة، وأوفدت من يجيء باللواء محمد نجيب الذي كنا قد فاتحناه قبلها بيومين في احتمال انضمامه إلينا إذا ما نجحت المحاولة، ولم نكن قد أطلعناه على أحداث الليلة، لكن تبين لنا أنه كان له علم سابق بما حدث .

فقد اتصل به وزير داخلية الملك تليفونياً في الإسكندرية قبل ذلك بنصف ساعة؛ ليستفسر منه عما يجرى، وأمكنه أن يجيبه بأنه لا علم له بشيء، دون أن يكون كاذباً في كلامه .

كان نجاحنا تاماً في الخطوات الأولى، وبقى أن نستوثق تماماً أن الملك لن يتمكن من تنظيم هجوم مضاد. وفى الصباح أجرينا اتصالاً بالسفارة الأمريكية أولاً، ثم السفارة البريطانية لإبلاغهما أن الضباط الأحرار استولوا على السلطة، وأن كل شيء يجرى في نظام تام، وأن حياة الأجانب وممتلكاتهم ستؤمن ما لم يحدث تدخل خارجي .

وفى السابعة صباحاً أعلنا على الشعب المصري من محطة الإذاعة نبأ عزل الوزارة المصرية، وأن البلاد أصبحت أمانة في يد الجيش، وأن الجيش أصبح الآن تحت إشراف رجال يستطيع الشعب أن يثق ثقة تامة في كفاءتهم ونزاهتهم ووطنيتهم، وكان الملك قبل ذلك بنصف ساعة قد سأل قائد جيشه عما يجرى من أمور؛ فأجابه قائلاً: مجرد عاصفة في فنجان يا صاحب الجلالة !

والآن واجهتنا مشكلة كيف سيتصرف الملك، وكان من رأى بعضنا محاكمته وإعدامه، وكنت لا أزال على تصميمي أن تكون الثورة بيضاء ما أمكن ذلك، وقد كنت أرى إخراج الملك من البلاد على وجه السرعة .

ولجأ الملك إلى السفير الأمريكي، وطلب إليه أن يتدخل مع الوزارة التي تألفت بعد الثورة لإنقاذ حياته، ولم نكن نريد حياته وإنما كنا نريد خلعه عن العرش .

ووقع الملك وثيقة التنازل عن العرش مرتين؛ بعد أن قرأها وقعها أول مرة ويده ترتعش فاضطر إلى توقيعها من جديد، وكان في حاله شبه هستيرية، وسمحنا له بأن يأخذ معه ما بدا له، ولم نشترط إلا أن يكون على ظهر اليخت الملكي في ميناء الإسكندرية قبل السادسة مساء، وقد أمكن للملك – ورغم خوفه – أن يجهز ٢٧٣ حقيبة وصندوقاً !

و أُعلن نبأ تنازله على الشعب في السادسة مساء من محطة الإذاعة؛ في نفس الوقت الذي أبحر فيه الملك على ظهر اليخت الملكي من ميناء الإسكندرية، وهو يلبس الزى الرسمي الأبيض؛ زى القائد الأعلى للبحرية، وكان اللواء محمد نجيب يودعه على ظهر اليخت، فكانت آخر كلمات الملك: “لقد كنت أستعد لأفعل بكم ما فعلتم بي “.

لقد نجحت العملية الأولى للثورة؛ وبقى علينا أن نجعل المستقبل يستحق كل هذا العناء .

– ” مورجان”: لقد تابعت الحوادث حتى قامت الثورة ونجحت، ماذا حدث بعد ذلك وعندما بدأتم ممارسة الحكم؟

* الرئيس: نجحت الثورة ولكننا لم نكن راغبين في الحكم مطلقاً، لا أنا ولا زملائي من الضباط الأحرار. كنا مصممين على محو كل أثر للسيطرة الأجنبية وعلى إجراء إصلاح زراعي حاسم لإنهاء النظام الإقطاعي الذي اختفى من قبل في أوروبا منذ ثلاثمائة عام، وكنت أريد أن يضطلع بالمسئولية حزب يمكن أن يؤتمن زعماؤه على العمل في الحدود التي تلهمها روح الثورة .

وفى بداية الأمر صفقت كل الأحزاب وهللت، وتصور كل من الوفد والإخوان المسلمين والشيوعيين أن الثورة لهم، فقد كانوا يحسبون أن من اليسير عليهم تشكيل جماعة من شباب الجيش المتحمسين بما يتفق مع منهجهم؛ ولكنهم عجزوا عن إدراك ما يكمن وراء الثورة من قوة في الهدف .

وتحدثت مع زعماء كل الأحزاب، لكنى لم أجد بينهم من كان على استعداد لتقديم صالح الشعب على صالح حزبه، بل لقد ذهبت إلى أكثر من هذا، فعرضت على حزب الوفد أن أنقل إليه السلطة بشرط أن يضمن جلاء البريطانيين عن منطقة القنال، وأن يطبق الإصلاح الزراعي الذي يحدد حيازة الملكية الزراعية بمائتي فدان للشخص الواحد؛ ولكنهم رفضوا الإصلاح الزراعي وفضلوا أن يدوروا حول الفكرة ويبعدوا عنها .

وهكذا حملنا المسئولية على عاتقنا والأسف يملأ قلوبنا، ولقد كان عملي يسيطر على حياتي فقلما وجدت الوقت لشيء آخر غير العمل .

– ” مورجان”: لابد أن تجربة مسئولية الحكم كانت أمراً جديداً بالنسبة لعملكم السابق؟

* الرئيس: صحيح.. وسرعان ما اكتشفت أن حكم بلد من البلاد يختلف اختلافاً عظيماً عن قيادة كتيبة من الجنود، ومع ذلك فقد كانت هناك وجوه مشتركة بينهما؛ فقد عرفت في مرحلة باكرة جداً ضرورة التخطيط، فالإصلاحات التي أردنا إدخالها كان لابد من تنفيذها على أساس الخطة الطويلة الأجل، ولقد شغل التخطيط بالى في هذه المرحلة، ورحت أتحدث عنه إلى كل من تتيح لي الظروف فرصة أن التقى به، وتكون لديهم فكرة عنه أو تجربة .

وإني لأذكر أن موضوع التخطيط كان أول حديث طويل بين “البانديت نهرو” وبيني. وأثناء زيارة من زياراته للقاهرة، ركبنا يختاً في النيل وأخذنا نتناقش لمدة خمس ساعات حول تجاربه الخاصة بالتخطيط في الهند .

ولم أكن أستطيع أن أعتبر نفسي خبيراً، كما أنه لم يكن تحت تصرفنا إلا عدد محدود من الخبراء، ولاسيما في المجال الاقتصادي وهو مجال ذو أهمية حيوية. فالخبراء رغم كل شيء قد يكونون في بعض الأحيان عبئاً أكثر منهم عاملاً مساعداً، فلقد يكونون متحجرين فيما ألفوه من أساليب؛ ولهذا فإني أفضل المفكرين على الخبراء. إن التفكير يجب أن يرسم الإطار العام للحركة أولاً ثم يجيء دور الخبرة في خدمة الإطار العام .

– ” مورجان”: هل أستطيع أن أقفز إلى أزمة قناة السويس؟ كما تعلمون أن هذا الأمر يهم الرأي العام البريطاني .

إن الرأي العام البريطاني يتمنى لو عادت الظروف مرة أخرى لكي يختلف قراره عما كان. إن هناك أسفاً في بريطانيا على ما حدث، وأحب أن أسألكم هل كنتم تتصرفون بنفس الطريقة لو عادت الظروف مرة أخرى؟

* الرئيس: وأنا من جانبي فلست آسفاً على شيء مما كان، ولو تكرر الموقف لتصرفت بنفس الطريقة مرة أخرى .

ومع ذلك تعود وقائع هذه الأزمة التي تهددت العالم للحظة بأن تجرفه إلى حرب كبرى للمرة الثالثة منذ بدء هذا القرن.. ولندرس أصول هذه الأزمة .

فمن الأسس الثابتة التي وضعتها سياسة الثورة؛ إزالة السيطرة الأجنبية ورد الكرامة القومية إلى كل مصري.. تلك الكرامة هي ميراثه الطبيعي. وقد كنت مصمماً على أن أحقق استقلالنا التام، وأن أحرسه من كل دخيل مهما كلفني ذلك؛ وكانت السياسة معبرة عن الشعور العام الذي بدأ يجتاح كل العالم العربي .

ولم يفهم قادة الغرب هذه الحقيقة إلا بعد فوات وقت طويل، فقد ظنوا أنهم إنما يواجهون إصرار رجل واحد. كانت نظرتهم إلى العرب هي نفس نظرتهم إليهم قبل الحرب العالمية الثانية؛ فلم يفطنوا أنهم يواجهوا الآن شعوباً تريد أن تنشئ مستقبلها بنفسها، ولا ترضى بأية تبعية بعد الآن .

وكان “جون فوستر دالاس” – وزير الخارجية الأمريكية – هو أول من جرت بيني وبينه مناقشة طويلة، فقد جاء إلى القاهرة بقصد إقناعي بربط القاهرة بالتحالف الغربي. وفيما نحن نتحدث حاول” دالاس” إقناعي بأن الشيوعية هي المهددة الأكبر للعالم، وأنه لا سبيل إلى التغلب على تحديها إلا بإقامة حلف عسكري قوى .

وحاولت أن أقنعه بأن الصراع ليس صراعاً لرد العدوان من الخارج، فالحدود الجديدة حدود داخلية، والخطر لن يأتي من القنابل الذرية أو من الجيوش، لكن من المعركة للاستيلاء على عقول الناس وأرواحهم. وكنت أقدّر أخطار الشيوعية على مصر، ولكن هذه الأخطار لا ترد إلا برفع مستوى الشعب وإحلال الكرامة الحرة محل العبودية في أمة حرمت من المعنويات لفترة طويلة .

وأوضحت لـ “مستر دالاس” أنى بعد كل هذه الجهود التي بذلناها من أجل الاستقلال لن أكون أميناً مع أبناء وطني لو أنني ربطهم بحلف مع الدولة التي احتلت بلادنا أكثر من سبعين سنة ضد دولة أخرى ليس بيننا وبينها أية صلة؛ دولة جيوشها تبعد عنا بخمسة آلاف ميل .

كذلك أبلغته أن في نيتي أن أبنى قوتنا العسكرية بحيث نستطيع أن ندافع عن حدودنا بأنفسنا .

وبعد ذلك بوقت قابلت “أنتونى إيدن” وجهاً لوجه – حين كان وزيراً لخارجية بلاده ونائباً لرئيس الوزراء – وكان يومئذ يقضى ليلة في القاهرة وهو في طريقه إلى سنغافورة. وقد وجدت صعوبة في توضيح موقفنا تفوق الصعوبة التي وجدتها مع”دالاس” نفسه، قلت له: إننا لا نستطيع أن نربط أنفسنا بأي كتلة عالمية، وأنا في حالة وقوع غزو علينا من الشرق فمن المحقق أنى سأطلب المعونة من الغرب. وأضفت إلى ذلك قولى: إنه في حالة وقوع غزو علينا من الغرب فإنني لن أتردد في طلبي المعونة من الشرق. فأكد أن إمكانية قيام أية دولة من الغرب بغزونا إمكانية لا وجود لها، ولقد كان عجيباً أن تشترك دولتان من أكبر دول الغرب في عدوان مسلح علينا ولم يمر عام وبعض عام على هذا الكلام !

وكنت أعارض حلف بغداد الذي أقامته وأيدته بريطانيا وفرنسا في سنة ١٩٥٥ تأييداً قوياً، معارضة مريرة لنفس الأسباب. وأعود فأقول: إن الدول العربية كانت تستهدف لخطر؛ وذلك بربط نفسها بكتلة أوروبية ولخطر الاعتماد على هذه الكتلة .

وفى فبراير ١٩٥٦ زار “سلوين لويد” القاهرة ليحادثني في الموقف في الشرق الأوسط، وكان أشد استعدادا للاستماع لوجهة نظرنا ولتقديرنا بدرجة كبيرة، ولكنه عجز عن فهم أساس تفكيرنا فهماً تاماً. وكان قلقاً بشكل خاص بسبب حرب الدعاية التي كنا نشنها يومئذ في الشرق الأوسط على حلف بغداد بكل ما أوتيت من وسائل. وقلت لـ”سلوين لويد”: إني سبق أن أبلغت “أنتونى إيدن” في العام السالف بنيتي أن أشن حرب الدعاية هذه، وحاولت أن أقنعه بأن العالم العربي الذي صوره “لورانس” و”جلوب” لم يعد له وجود. فأجابني قائلاً: “لا تنسى أن “جلوب” لا يزال باقياً لنا في الأردن “.

وعند عودته إلى السفارة البريطانية تلك الليلة تسلم” لويد” رسالة تبلغه أن “جلوب” فصل من وظيفته في عصر ذلك اليوم نفسه، وأنه تلقى أمراً بمغادرة الأردن في اليوم التالي .

ولم يستطع “سلوين لويد” أن يدرك أن “جلوب” كان ينتمي إلى عالم في طريقه إلى الزوال .

وخلال ذلك كله كانت هناك مشكلة بناء السد في أسوان الذي ستتسع به رقعة الأرض القابلة للزراعة في مصر بنحو ٣٠%، وسنتمكن به عن طريق تخزين المياه ومن التحكم تحكماً مثمراً في ري كل الأراضي التي الآن تحت رحمة المناخ .

وكان مقدراً لنفقات بناء السد حوالي ٢٠٠ مليون جنيه، وكان لابد من تمويل مثل هذا المشروع الضخم من الخارج، ولكن المشروع كان رمزاً لمصر الجديدة، فإلى جانب ما سيعود به على البلاد من فوائد لا تحصى، فهو سيكون أضخم مشروع من نوعه في العالم، وسيكون مصدر اعتزاز دائم لكل مصري .

وبدت المفاوضات المبدئية لتمويل المشروع مبشرة بالخير؛ فوجدنا تشجيعاً من الولايات المتحدة الأمريكية ومن البنك الدولي، بل إن بريطانيا عرضت أن تساهم بستة عشر ملايين دولار، بشرط إتمام الموافقة على القرض الأمريكي. وحتى هذه المرحلة لم نكن قد فاتحنا الاتحاد السوفيتي لنجس مدى استعداده للتعاون معنا في بناء السد العالي في حالة سحب العرض الغربي، رغم أن الشائعات جرت في الغرب بأننا قد فاتحناه في ذلك، فالمفاوضات مع روسيا لم تجر إلا في سنة ١٩٥٨ .

وسرعان ما تكشفت العقبات؛ فالأمريكان أرادوا الإشراف على ميزانيتنا، وحتى فحص حساباتنا. وكنت معارضاً لهذا من حيث المبدأ معارضة شديدة، وعلى كل حال فقد خامرنى شعور بأن الأمريكان كانوا قد قرروا عدم المضي في هذا القرض .

وقد قال لي سفيرنا في واشنطن في يوليو ١٩٥٦: إنه واثق أن كل شيء سيسير على ما يرام لو أنني وافقت على شروط الأمريكان. وكنت مقتنعاً قبله تمام الاقتناع بعكس ذلك، ومع ذلك سمحت له أن يعود إلى واشنطن بمحاولة مقابلة “دالاس” في منتصف الطريق، وكنت واثقاً أن “دالاس” سوف يضطر إلى كشف موقفه صراحة .

في ذلك الوقت كنت قد سافرت إلى بلجراد لمدة أسبوع لإجراء محادثات مع “المارشال تيتو” و”البانديت نهرو” وجاءني النبأ في الطائرة وأنا في طريق العودة، وعدت إلى القاهرة لأواجه النتائج، فقد كنت مصمماً على بناء السد العالي الذي كان يمثل كل هذه المعاني .

– ” مورجان”: هل أستطيع سؤالكم عن قرار تأميم شركة قناة السويس، كيف اتخذ؟ وكيف كانت الترتيبات لمواجهة نتائجه؟ ثم كيف وصلت الأمور إلى الحرب المسلحة؟

* الرئيس: لقد عدت من اجتماع بريونى، ووجدت قرار “دالاس” بسحب عرض المساهمة في تمويل السد العالي، ولم أجد على الفور وقتاً للتفرغ لدراسة المشكلة؛ فقد كان “البانديت نهرو” ضيفاً في القاهرة في اليوم الأول، فوجهت كل اهتمامي إليه. ولم أتفرغ لأفكر في المشكلة إلا بعد أن غادر البلاد، وأصبحت المشكلة أساساً مشكلة بسيطة لا تعقيد فيها، أما وقد كان من المحال وضع المشروع على الرف؛ فقد تعين إيجاد المال اللازم، ولم يكن أمامي من وسيلة لزيادة الدخل القومي بهذه الدرجة الواضحة إلا بتأميم قناة السويس .

واليوم لا ينكر القانون الدولي على دولة حقها في تأميم الشركات المنشأة داخل حدودها الإقليمية، لكنني كنت أعلم أنى أجازف مجازفة مدروسة، وكنت أعلم – من تجربتي الخاصة مع “أنتونى ايدن” – أنه سيحس بضرورة القيام بعمل لحماية المصالح البريطانية؛ لكنني كنت أيضاً واثقاً ثقة كافية أن بريطانيا لم تكن تملك من القوات في كينيا وقبرص وعدن – وهى أقرب قواعد لها – ما يكفيها للقيام بهجوم فوري، وكنت أعتقد أنه ريثما يتاح له تعبئة القوات الكافية للغزو؛ يمكننا تعبئة الرأي العام العالمي، وتهيئته للوصول إلى حل سلمى .

ولزمت الصمت ثلاثة أيام، واستدعيت محمود يونس الذي كان زميلاً لي في هيئة التدريس بكلية أركان الحرب قبل ثورة ١٩٥٢، وكلفته بمسئولية عمليات الاستيلاء على شركة قناة السويس، وكان عليه أن يعد كل شيء انتظاراً لليلة ٢٦ يوليو؛ يوم مرور أربع سنوات بالضبط على تنازل الملك فاروق عن العرش، وكان على أن ألقى في تلك الليلة خطاباً في اجتماع سياسي يقام في الإسكندرية، وكان في نيتي أن أعلن في هذا الخطاب تأميم قناة السويس .

وكان كل شيء معداً سلفاً.. كان الجنود المصريون ينتظرون، ومعهم أوامر مختومة باحتلال مكاتب شركة قناة السويس ومنشآتها، وكان محمود يونس يعلم أن كلمة السر للبدء في العملية هي أن أذكر اسم “دليسبس” في خطابي. ولا أعرف شيئاً مر بهدوء كما مرت هذه العملية؛ فما أن فرغت من إلقاء خطابي هذا حتى كانت العملية كلها قد نفذت .

وحتى أنا؛ لم أكن أتصور مدى الفرحة التي استقبل بها تأميم القناة لا من الشعب المصري وحده، لكن في العالم العربي كله، وتكاد تكون هذه المرة الأولى التي تجلت فيها الوحدة العربية التامة على المستوى الشعبي. أما في الغرب؛ فقد كان رد الفعل كما توقعته، فالصحافة نادت باستعمال القوة، لكن القوة بكل بساطة – كما توقعت – لم تكن جاهزة حتى يمكن استعمالها .

وكنت مؤمناً تمام الإيمان بحقنا فيما أقدمنا عليه، وكان رفض القرض لبناء السد هو الدافع المباشر لاتخاذي هذه الخطوة؛ لكنني كنت من قبل قد شكلت لجنة لدراسة مستقبل قناة السويس، وتقديم مشروعات بشأنها، فالقناة مصرية، وأياً كان الأمر فقد كان محتماً في النهاية أن تتخذ خطوة مشابهة .

ورغم أنى حين اتخذت هذه الخطوة لم يكن في نيتي أن أتراجع مهما كانت الظروف؛ فقد كنت على استعداد للتفاوض على أي مستوى؛ لإعطاء تأكيدات لحرية الملاحة الدولية في القناة، بل لقد سمحت للسفن البريطانية والفرنسية بأن تمر دون دفع الرسوم المقررة عليها للإدارة الجديدة؛ حتى لا أفتح الباب لاحتمالات صدام سريع .

وقد جمد البريطانيون والفرنسيون أصولنا في لندن وباريس، ودعوا لعقد مؤتمر في لندن تحضره كل الدول الملاحية والمهتمة بقناة السويس، ودعينا لحضور هذا المؤتمر، وكنت عازماً على الحضور، وكان كل مستشارينا وكل وزرائنا يعارضون في ذلك؛ فقد كانوا يشعرون شعوراً أكيداً بأن الجو سوف يكون عدائياً سافراً في عدائه، ولم يروا أي وجه نافع في حضوري هذا المؤتمر .

وفى الليلة السابقة لموعد القرار النهائي ألقى “إيدن” حديثاً في التليفزيون قال فيه:”انظروا! هذا هو سجل عبد الناصر”، ثم عرض ورقة سوداء! فعرفت عندئذ أنه من العبث الجلوس إلى مائدة مع “إيدن” لمناقشة أي وجه من وجوه المسألة، عرفت أنه وصل إلى قراره الأخير، وألا فائدة من مناقشة رجل أعمته أحقاده، وكادت تصل به إلى الكراهية الشخصية .

ثم أوفد إلى بعد ذلك “روبرت منزيس” – رئيس وزراء استراليا – ومعه مشروع المؤتمر لتدويل القناة، ولم أجد إلا الرفض .

ثم أقدم البريطانيون والفرنسيون بعد ذلك على العمل الذي حسبوا أنه بغير شك سيشل حركتنا؛ فأمروا كل مرشديهم أن يتركوا خدمة القناة يوم ١٤ سبتمبر في منتصف الليل، وقد كان تسيير الملاحة في القناة يحتاج في الظروف العادية إلى ٢٥٠ مرشداً؛ فلم يبق لنا بعد تخلى المرشدين البريطانيين والفرنسيين عنا سوى ستة وعشرين مرشداً مدرباً وثلاثين مرشداً تحت التمرين .

طلبت محمود يونس وشرحت له الظروف، وأفهمته أن سلامة الموقف كله تتوقف على بقاء القناة مفتوحة، وقال لي محمود يونس: ستبقى القنال مفتوحة .

وفى تلك الليلة حضرت مؤتمراً صحفياً، فلما سئلت عما أزمعت عمله إزاء خروج المرشدين، أجبت ببساطة: إني قد أعطيت تعليماتي بتيسير حصولهم على تأشيرات الخروج. واستولت الصدمة على المراسل؛ فسألني قائلاً: أهذا كل ما هنالك؟ فقلت: لا، فقد أمرت الفرقة الموسيقية أن تعزف لهم عند رحيلهم (حفظ الله الملكة) أو (المارسيلييز ).

وكانت هذه كلمات ملؤها التحدي؛ لكن ثقتي في محمود يونس كانت تامة، ولم يخيب أملى فيه؛ فبعض المرشدين اشتغلوا ٧٢ ساعة دون توقف، لكن القنال ظلت مفتوحة، ولم يحدث فيها أي تعطيل أو حوادث؛ وهكذا أفسدنا آخر اعتراض ممكن على كفاءتنا لضمان سلامة الملاحة في القنال .

وأخيراً اعتقدت أن الأزمة قد انتهت، ولم أكن أعتقد أن في إمكان بريطانيا أو فرنسا- بعد كل هذا – أن تتحدى الرأي العام العالمي وتهاجمنا، ولاسيما بعد أن نظمت بريطانيا وفرنسا ومصر اجتماعات تحت رعاية الأمم المتحدة. وكان مقرراً أن يعقد الاجتماع في جنيف يوم ٢٩ أكتوبر، وفى الواقع لم يعقد هذا الاجتماع؛ فقد كان هناك ما يشغلنا في ذلك اليوم؛ ففي صبيحة ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦عبر الإسرائيليون حدود مصر. وقد انطوى الآن كل هذا مع التاريخ، وانطوى معه الإنذار البريطاني- الفرنسي المشترك؛ الذي جاء في اليوم التالي مطالباً بأن ينسحب كل من الجانبين إلى مواقع تبعد عشرة أميال عن قناة السويس قبل انقضاء أربع وعشرين ساعة؛ وإلا.. فالتدخل. ولم أكن أتصور أن يكون “إيدن” من الغباوة بحيث يهاجمنا بالتواطؤ مع إسرائيل؛ فيفقد بهذا كل صديق له في العالم العربي، ويعرض موارده من البترول للخطر، ويتحدى فوق ذلك الأمم المتحدة كل هذا التحدي الصارخ .

ورفضت الإنذار على الفور، وبدأت في إعداد الخطة لمقاومة العدوان البريطاني – الفرنسي. وفى عصر اليوم التالي سمعت أزيز طائرات نفاثة، وقلت على الفور إن هذه ليست طائرات إسرائيلية؛ فليس لدى الإسرائيليين قاذفات قنابل نفاثة، وصعدت على عجل إلى سطح بيتي في مصر الجديدة الذي استطعت منه أن أرى قاذفات القنابل تضرب مطار القاهرة الدولي .

وبهذا حلت لحظة العمل؛ فأقمت مقر حياتي في مجلس قيادة الثورة بالجزيرة، وجعلت فيها دارى حتى انتهت حرب السويس .

ولم تواجه الجيوش الإسرائيلية التي هاجمت صحراء سيناء إلا ست كتائب مصرية، وبمجرد بدء الهجوم أصدرت الأمر بأن تعبر قناة السويس فرقتان، وتتقدما لملاقاة الإسرائيليين والدخول معهم في معركة حاسمة، وقد تم بالفعل تنفيذ الأوامر، وانتقلت الفرقتان عبر القناة بكامل المعدات، وتحركتا لملاقاة العدو.. كان ذلك كله قبل التدخل البريطاني – الفرنسي .

ولكنى أدركت أن الموقف الآن يختلف تماماً عما كان عليه، وأنه لابد من تغيير خطتنا؛ لأن الإصرار عليها بعد تغير الظروف معناه أنى أعرض زهرة الجيش المصري للوقوع في الفخ، وربما للإبادة في الصحراء؛ فقد كان محتماً أن يقعوا بين الجيش الإسرائيلي من ناحية، والقوات البريطانية والفرنسية بطول القنال من ناحية أخرى .

وبناء عليه فقد أصدرت التعليمات للفرقتين بالانسحاب فوراً، وأن ترابطا في مواقع بغرب قناة السويس، وقد تم تنفيذ عملية الانسحاب كاملة أثناء الليل؛ لتتقى القوات ما أمكن خطر الهجوم الجوى عليها؛ فقد كان البريطانيون والفرنسيون مسيطرين على الجو .

وكان هدفي هو إعادة قوات الجيش إلى مواقعها قبل أن يبدأ البريطانيون والفرنسيون هجومهم على منطقة القناة، وقد نجحنا في هذا نجاحاً تاماً، وقد ترك هذا الانسحاب الطريق مكشوفاً أمام الإسرائيليين ليتقدموا ويجتازوا شبه جزيرة سيناء كلها؛ لكنه حفظ الجيش المصري سليماً في جوهره، وقادراً على القتال في حرب طويلة إذا لزم الأمر .

وأصدرت أوامري إلى القوات الجوية المصرية بألا تتصدى إلى قوات العدو الجوية التي تسيطر على الجو؛ فقد أردت أن أصون قواتنا الجوية، وأن أدخرها لتواجه الموقف في حالة نشوب قتال طويل، وقد فقدنا بعض طائراتنا القديمة وهى على الأرض نتيجة الهجوم الجوى، لكن النفاثات الروسية الجديدة من طراز “اليوشن” و”ميج” أمكنها كلها تقريباً أن تطير خارج مصر إلى قواعد في سوريا أو في السعودية، أو أن نخفيها بالتعمية في مطارات سرية تقع في الصحراء .

وفى هذه الأثناء كنت أقوم بحملتي لتعبئة الرأي العام في جانبنا؛ لهذا كان مركز القوات البريطانية والفرنسية مركزاً يائساً، حتى وهى تنزل بالمظلات في منطقة القناة؛ فالجمعية العامة للأمم المتحدة صوتت بأغلبية ساحقة في جانب انسحاب القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية، بلا قيد أو شرط، وأصرت الولايات المتحدة على إعلان وقف إطلاق النار، بل ورأينا كندا تعارض أمها الكبرى بريطانيا من منبر الأمم المتحدة .

وقد جعل الموقف الولايات المتحدة وروسيا يقفان في جانب واحد لأول مرة منذ الحرب، ولم يحدث أن وجهت نداءاً مباشراً للروس ليتدخلوا؛ لكن كان مقرراً أن يزور شكري القوتلى – رئيس الجمهورية السورية – موسكو في زيارة رسمية في اليوم التالي للهجوم الإسرائيلي، فاتصل بي وسألني إن كنت أستصوب تأجيل الزيارة؛ فأجبته بأني أعتقد أننا أكفاء للموقف، وبأن يمضى في مشروعاته .

وبينما كان شكري القوتلى في موسكو سأله الروس عما يمكن أن يقدموه لنا في سبيل المساعدة، وبعد أحد عشر يوماً من الهجوم الإسرائيلي قدم الروس مذكرتهم التي ذكروا فيها أنه من الجائز أن يقوموا بحرب ذرية خاطفة؛ ما لم تسحب كل من بريطانيا وفرنسا قواتها من منطقة قناة السويس. وقبل البريطانيون والفرنسيون وقف إطلاق النار، وقد انسحبت القوات البريطانية والفرنسية بلا قيد أو شرط .

وقد قدم “إيدن” أسباباً عديدة يفسر بها التدخل البريطاني في السويس؛ لكنني لا أجد بينها سبباً واحداً يمكن أن أقبل وجاهته، فزعمه أن التدخل كان عملاً بوليسياً قصد به الفصل بين الجيش المصري والجيش الإسرائيلي، إنما كان مجرد ذريعة مكشوفة؛ ففي ذلك الوقت كان لا يزال بين الجيشين مسافة ٢٠٠ ميل، فيما عدا كتيبة مظلات واحدة .

أما الأسباب الأخرى؛ وهى حماية قناة السويس وحماية موارد بريطانيا من البترول، وحماية أرواح البريطانيين وممتلكاتهم في مصر، فكلها أيضاً افتراضات زائفة؛ فقد سدت قناة السويس لمدة ستة أشهر بأعمال التخريب كنتيجة مباشرة للتدخل، وكذلك قُطعت خطوط أنابيب البترول البريطانية، وإذا كانت أرواح البريطانيين وممتلكاتهم في مصر لم تمس بأي سوء طوال الأزمة؛ فالفضل في هذا يرجع كله إلى الشعب المصري الذي سيطر على عواطفه، وأصر على عدم الانتقام من الرعايا البريطانيين انتقاماً شخصياً، وفى الواقع لم يصب بريطاني واحد من المدنيين طول مدة الأزمة .

وفى اعتقادي أن السبب الحقيقي في سوء تقدير “إيدن” للموقف على هذا الوجه الشامل؛ هو سوء فهمه التام لموقف العرب في بلاد الشرق الأوسط، ولاسيما في مصر، فقد كان لا يزال اعتقاده بأن في إمكانه إسقاط حكومة عن طريق التهديد بالتدخل؛ كما فعل “مايلز لامبسون” حين حاصر قصر الملك فاروق بالدبابات سنة ١٩٤٢ .

وأظن أنه كان يعتقد أن مجرد صدور إنذاره كاف لإسقاط النظام كله؛ فهو استهان تماماً بشعور الشعب المصري كله وبإصراره على أهدافه .

لقد عجز “إيدن” عن أن يدرك أن روح العزة قد بعثت في الشعب المصري بأكمله، وأن البلاد كلها قد اتحدت، وعقدت عزمها للمرة الأولى من أكثر من قرن للقتال في سبيل الوطن .

أما اليوم، فقد دخلت حرب السويس في ذمة التاريخ، وقد صفحنا عما كان، ولكن لا تنتظروا منا أن ننساه ما حيينا .

– ” مورجان”: بعد حرب السويس؛ هل استحال التعاون بين الجمهورية العربية وبريطانيا؟ وهل في نية القاهرة -كما يقول البعض في لندن- أن تقطع مرور البترول العربي إلى بريطانيا؟

* الرئيس: بيننا الآن وبين حرب السويس ست سنوات، وأعتقد أن العلاقات بين الجمهورية العربية المتحدة وبريطانيا تدخل اليوم في مرحلة جديدة، وما من شك في أن ميراثنا من مغامرة السويس كان الشك من الجانبين؛ فقد تحقق لنا أن الأفكار الاستعمارية لم تمت في بريطانيا، كما أنى أظن أنه ما زالت هناك عناصر في بريطانيا ترى فينا مصدر تهديد لمواردها من البترول في الشرق الأوسط .

وسيستغرق بناء الثقة من جديد لدى الطرفين بعض الوقت، وأنا حريص على إنشاء الصداقة بين الجمهورية العربية المتحدة وبريطانيا بمثل ما أنا حريص على التعاون مع بقية شعوب العالم، ولكن الصداقة التي أنشدها لابد وأن تكون صداقة بين أنداد، صداقة غير معلقة على شروط من أي من الجانبين؛ فهدفنا الأول هو قيام السلام والاستقرار في الشرق الأوسط كله، ففي جو السلام والاستقرار وحده يمكننا بناء مصر الحديثة وتطويرها .

ونحن بحاجة إلى كل قرش يمكننا أن نحصل عليه لتمويل مشروعاتنا الكبرى، وقناة السويس تمثل مصدراً من مصادر الإيراد لدينا، وعرقلة وصول البترول إلى غرب أوروبا من الشرق الأوسط سيفضى إلى هبوط كبير في إيرادات قناة السويس .

ونحن لسنا من كبار منتجي البترول في الشرق الأوسط، ومع ذلك فنحن – كسائر بلاد العالم العربي – لا يهم إلا بيع البترول الذي ننتجه، فالدول لا تستخرج البترول لتشربه ولكن لتبيعه .

فمن الناحية الاقتصادية وحدها إذن ليس هناك خطر على موارد الغرب من بترول الشرق الأوسط؛ على أساس تجارى عادل ومنصف .

– ” مورجان”: بعد عشر سنوات من الثورة، هل مازالت سياستكم التي ظهرت لأول مرة في كتاب “فلسفة الثورة” تعبر عن آرائكم ؟

* الرئيس: ربما كان مرور عشر سنوات على قيام الثورة مرحلة مناسبة لننظر إلى الوراء فنرى الطريق الذي قطعناه، وننظر إلى المستقبل لنبصر طريقنا إلى الأمام، وفى هذا أقول : إن كل الأهداف والمعتقدات الأساسية التي بينتها في كتابي ” فلسفة الثورة ” لا تزال ثابتة، لكن بينها أشياء كثيرة لا داعي لمحاولة تحقيقها قبل أوانها .

ففي كتابي الصغير هذا تحدثت عن الدوائر الثلاث التي تتداخل في حياتنا، ألا وهى: الوحدة العربية ، التعاون الإسلامي والتضامن الإفريقي. وليس بين هذه الدوائر تعارض من أي نوع كان. فنحن أولاً وقبل كل شيء أمة عربية؛ ولذا فإن الوحدة العربية هي في مقدمة ما نفكر فيه، كذلك فإن الأكثرية الساحقة من السكان في بلادنا مسلمة؛ ولذا فإن كل ما يؤثر في العالم الإسلامي يصبح تلقائياً موضع اهتمامنا، أما عن إفريقيا فلن نستطيع الفكاك منها، حتى ولو أردنا ذلك؛ فنحن جزء من القارة الإفريقية، والنيل، وهو سر وجودنا، ينبع من قلب هذه القارة .

وهذا الاهتمام الطبيعي بهذه العوالم الثلاثة ليس معناه أننا نسعى لتوحيدها سياسياً، وإنما معناه أننا نسعى لتحقيق التعاون الوثيق بيننا وبينها .

والوحدة العربية هي أهم ما يشغل بالنا، ومن الواضح أن الوحدة السياسية التامة لا يمكن فرضها، وإنما هي في اعتقادنا يجب أن تصدر عن الإجماع، وأول ما يمهد لهذا الإجماع هو وحدة في الفكر؛ ولهذا فإن أول ما نحاول إيجاده هو وحدة في التفكير بين الشعوب العربية؛ حتى يمكن تحقيق الوحدة فيما بعد بالإرادة التلقائية عند أبناء هذه الشعوب .

ولابد من أن نترك المجال أمام كل بلد من هذه البلاد، وهى تتفاوت في كيانها من المجتمع الإقطاعي إلى الدولة الاشتراكية الحديثة؛ لكي تخطو نحو التطور بحسب قدرتها. وإن الاضطراب والتقلبات الشديدة التي تجرى في بلاد الشرق الأوسط؛ إنما مردها إلى أن تطور هذه البلاد لا يمكن أن يتحقق ببطء فيستغرق القرون الطوال التي استغرقها في دول أوروبا الغربية، فقوى الضغط الأيديولوجي اليوم أعنف ما يكون، والتليفزيون والإذاعة يكافحان بلا انقطاع للسيطرة على عقول الناس، وقد كان علينا في مصر أن نحقق في عشر سنوات ما تحقق في بريطانيا في ثلاثمائة سنة، لا أقل من ذلك .

وتحقيق الوحدة التامة بين بلاد تتفاوت على هذا النحو في مستويات التطور أمر كبير؛ ثم هو عملية صعبة، والوحدة السياسية بين مصر وسوريا التي فصمت مؤقتاً قد تم تحقيقها في ١٩٥٨ بالرغم من العقبات الجسيمة .

فحين فاتحني ممثلو الشعب السوري في أمر الوحدة قلت لهم -بمنتهى الصراحة- إني لا أعتقد أننا مستعدون لها، واقترحت عليهم أن نقضى خمس سنوات في التحضير للوحدة السياسية الكاملة.. اقترحت عليهم أن نبدأ بالتعاون الاقتصادي والاجتماعي، وألا ندمج الدولتين تماماً إلا حين تبلغان مستوى واحداً من التطور؛ فأصروا على أن الوقت أضيق من ذلك، وأنه لابد من تحقيق الوحدة فوراً؛ وإلا تعرضت بلادهم للخطر .

وقد أثبتت الحوادث صدق نظرتي؛ فقد اعترضت طريقنا أشياء عديدة تكاثرت علينا؛ فالمصالح الرجعية حشدت كل قواها ضدنا، وهذا – مع الحواجز الجغرافية – عرض تجربة الوحدة للنكسة .

وقد هلل بعض أعدائنا للانفصال على أنه فشل ذريع لتجربة الوحدة، وهذا ما أخالفهم فيه، فرغم أن الوحدة السياسية انفصمت عراها، فقد تحققت مكاسب كثيرة: فقد عظمت اليوم الوحدة في التفكير بين شعبي البلدين؛ كما دلت على ذلك الثورة الأخيرة في سوريا .

ونحن في العالم العربي نستخدم لغة واحدة، ولنا تاريخ مشترك؛ فمن غير المعقول أن تبقى فرقتنا إلى الأبد .

واهتمامنا بإفريقيا وبالعالم الإسلامي بأجمعه ليس معناه أننا نرمى إلى إقامة وحدة سياسية داخل هذين الإطارين؛ فلست أعتقد أن اندماجنا مع أي دولة من دول إفريقيا أمر يسير، لكننا بالرغم من هذا حريصون على التعاون مع الشعوب الإفريقية التي نشترك وإياها في كثير من الأشياء، فمن الناحية الجغرافية نحن نحرس باب إفريقيا، وليس هناك سبيل لأن نهرب من مصيرنا .

– ” مورجان”: هل تعتقدون أن الدولة الشمولية لازمة لمرحلة التطور الأولى لدى الدول النامية؟

* الرئيس: كثيراً ما سئلت فيما إذا كنت أعتقد أن نظام الدولة الشمولية نظام لازم في مرحلة التكوين التي تمر بها البلاد النامية، والإجابة على هذا السؤل تتوقف على المقصود بالدولة الشمولية. والذي لاشك فيه أن النظرية الغربية المألوفة في الديمقراطية ليست النظرية الوحيدة ولا المحتومة للديمقراطية، ولقد قلت إنه من المهم أن ترتبط تذكرة الانتخابات برغيف العيش؛ فإن حرية التصويت يمكن التلاعب فيها مع رجل جائع .

وهذه كانت حقيقة الأحوال في ١٩٥٢، فلو أننا أقمنا بعد الانقلاب مباشرةً في يوليو ١٩٥٢ نظاماً على الطراز الغربي؛ لأفضى ذلك إلى انتخاب نوع من الحكومة الفاسدة، لا تختلف في شيء عن الحكومة التي أزلناها، فالسلطة كلها كانت مركزة في يد طبقة واحدة تتمتع بالامتيازات .

كان أول جوهريان الثورة إذن هو إزالة الحواجز بين الطبقات، وإعادة توزيع ثروة البلاد بطريقة أقرب إلى العدالة، ورد الحريات الأساسية للمصري العادي؛ كحرية العمل، وحرية القوت، وحرية تملك الأرض التي يفلحها؛ وكذلك حق حماية نفسه وأسرته، وحق المشاركة في الثروة القومية والأشراف عليها.. وهى جميعاً حقوق وحريات ساعدته على استرداد عزته وكرامته الشخصية، وهما حق طبيعي لكل إنسان .

والأحزاب السياسية محظورة في مصر في الوقت الحاضر؛ لأن بلادنا تجتاز ثورة شاملة، نحتاج فيها إلى وحدة قواها العاملة، مجردة عن مناورات الصراع الحزبي، ولا أعرف متى تجد الأحزاب السياسية لنفسها مكاناً في حياة أمتنا من جديد. ونحن في سبيلنا إلى وضع دستور جديد سوف يؤدى إلى إنشاء برلمان منتخب انتخاباً كاملاً على أساس الدوائر الانتخابية؛ فإنه من المحتم أن يتمتع كل مواطن بحق التصويت، وأن يتمكن من الإدلاء برأيه في كل مسألة قومية بحسب قيمتها. وفى هذه المرحلة لن يتقيد أحد بالقيود الضيقة التي تفرضها المذهبية الحزبية .

أما بالنسبة للمستقبل؛ فإن شعبنا لا يرضى بأي دكتاتورية من أي نوع كان؛ فقد حطمنا الدكتاتورية السابقة التي كانت تفرضها الطبقات العليا في المجتمع .

إن الشعب لمصمم بنفس القوة على ألا تقع البلاد فريسة لأي دكتاتورية بديلة لها .

– ” مورجان”: إن بعضهم يصور الإصلاح الزراعي الذي قمتم به في مصر على أنه أخذ لأموال الغير .

* الرئيس: وكثيراً ما صورت الصحافة في الخارج سياستنا في الإصلاح الزراعي – تلك السياسة التي غيرت وجه مصر- على أنها سياسة تقوم على أخذ أملاك الأغنياء، أما الحقيقة فغير ذلك؛ فقد خفضنا الحد الأقصى للملكية الزراعية بمائة فدان للأسرة الواحدة، وهذا مكن آلاف الفلاحين من أن يمتلكوا الأرض التي يفلحونها، وقد كانوا من قبل يعيشون في عبودية اقتصادية، وقد بلغ من جور الملكية الزراعية في الماضي أن عدد من تأثروا بقانون الإصلاح الزراعي لا يزيدون عن ٢١٠٠ شخص .

وليس معنى هذا أن كل مشاكلنا قد حلت، فلا تزال أمامنا مشاكل جسيمة، فهناك فرق كبير بين اتخاذ التدابير الحاسمة للإصلاح وبين تطبيقها بنجاح .

فنحن نواجه زيادة مطردة في السكان، وهذا مصدر من أقوى مصادر قلقنا. ومع ذلك فقد ازداد السكان العام الماضي بنسبة ٢.٥ في المائة؛ بينما ازداد الدخل القومي الكلى بنسبة تقرب من ٨ في المائة، ولابد من العمل بأساليب جديدة في الإنتاج الزراعي؛ كما أنه يتحتم علينا إقناع الفلاحين بالتعاون لبلوغ أقصى حد من الكفاية الإنتاجية، ثم إننا نحتاج إلى أموال طائلة لتصنيع البلاد. نعم، إن أمامنا مشاكل كثيرة، ولكنى أعتقد أننا نعالجها بروح واقعية؛ فهذه الأمة التي أخذت تتقدم وتكاد لأول مرة في تاريخها تحس بالاعتزاز بما تحقق، قد غدت الآن أمة ذات هدف وعزم .

– ” مورجان”: هل مازال اعتقادكم قائماً بأن الحياد ممكن في الجو الدولي الراهن؟

* الرئيس: أعتقد أن موقفنا من الشئون الدولية قد ازداد اليوم جلاء؛ فقد ظلت بريطانيا وأمريكا سنوات طوال تميلان إلى الاعتقاد بأن كل من ليس على استعداد للدخول في الكتلة الغربية فهو بالضرورة يعطف على الشيوعية، وكانتا – لفترة طويلة – تجدان عسراً في الاعتقاد بأن الحياد الصادق ممكن .

وإني لأعتقد أن هذا الموقف لابد أن يتغير، وأن صدق الأمم غير المنحازة، وقيمة عدم انحيازها الحقيقية في عالم منشق إلى معسكرين؛ لابد أن يصبحا الآن موضع تقدير. ولست أعتقد أن عدم الانحياز للشرق أو للغرب ممكن فحسب، بل أعتقد أنه لازم لزوماً جوهرياً .

وليس معنى الحياد الصادق البقاء على الحياد في كل أمر هام ينشأ، فمن المحال أن نقتل ضمير أمة من الأمم، وإنما معنى الحياد الصادق الحكم على كل مسألة بحسب حقيقتها، والتعبير عن الرأي دون التقيد بقيود الارتباط أو الأحلاف .

– مورجان: وماذا عن مشكلة إسرائيل؟

* الرئيس: إن وضع إسرائيل في منطقتنا وضع لا سبيل إلى قبوله بتاتاً.. فليس في إمكاننا أن نتراجع عن إصرارنا على الاعتراف بحقوق عرب فلسطين اعترافاً كاملاً، وأن ترد إلى المليون عربي اللاجئين في قطاع غزة دورهم التي شردوا منها. إن كل تفكير في إجراء مفاوضات للصلح مع الإسرائيليين ضرب من المحال، حتى ولو كانوا على استعداد لأن يقدموا تعويضات مالية من نوع ما، محال أن تشترى وطن إنسان أو أن تبتاع روحه أو حقوقه الإنسانية الجوهرية .

ولسوف يسوى الحساب في يوم من الأيام، وأعتقد أنه مما يساعد على ذلك أن نبنى اقتصاد العالم العربي، وأن نرفع مستوى معيشة أبنائه؛ لكي نبلغ المرحلة التي يتاح لنا فيها أن نمارس من الضغط على الإسرائيليين ومن وراءهم بما يجعلهم يدركون عبث مقاومتهم .

– ” مورجان”: لقد سمعت رأياً في المؤتمر الوطني للقوى الشعبية ينادى بانتخابكم رئيساً للجمهورية مدى الحياة ؟

* الرئيس: ذلك أمر لا أتصوره، إن الشعب في ظل الدستور الجديد يجب أن تكون له سلطة انتخاب رئيس جمهوريته، وليس من حق أحد أن يبقى رئيساً للجمهورية مدى الحياة؛ لأن ذلك يسقط عنصر المسئولية أمام الشعب .

– ” مورجان”: هل تعتقدون أن هناك حرباً عالمية محتملة ؟

* الرئيس: لست أعتقد – رغم ما يسود العالم من توترات – أن حرباً عالمية كبرى ستجتاح الدنيا، وإن محادثاتي مع “خروشوف” تجعلني واثقاً من أن الروس لا يرغبون في إشعالها .

– ” مورجان”: ما هو سبيل الجمهورية العربية إلى التأثير على العالم العربي؟

* الرئيس: نحن نريد أن نتقدم لقيادة العالم العربي، لا بالضغط العسكري ولا بالتهديد؛ ولكن بالمثل الصالح. ولابد لنا أن نثبت بطريقة واضحة وقاطعة أن أفكارنا تحقق خير الشعب .

– ” مورجان”: وماذا عن علاقات الجمهورية العربية ببقية دول العالم؟

* الرئيس: إن سياستنا هي السعي لإزالة الشكوك والريب حيثما وجدت في علاقاتنا بغيرنا من الأمم، وأعتقد أننا سننجح في ذلك.. فالفشل في ذلك يكلفنا باهظاً .

هذا الموقع تم بناءه بالتعاون المشترك بين مكتبة الإسكندرية و مؤسسة جمال عبد الناصر
مكتبة الإسكندرية – ص.ب. 138 – الشاطبي, الإسكندرية 21526, جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999(203)+ بريد إلكتروني: nasser@bibalex.org

عن admin

شاهد أيضاً

هل أضاع “عبد الناصر” السودان وتسبب فى انفصاله عن مصر؟!! – بقلم – عمرو صابح

انفصال السودان عن مصر من التهم التى يحاول خصوم “جمال عبد الناصر” إلصاقها به وبعهده، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *