الرئيسية / حوارات ناصرية / جمال عبد الناصر / من التأميم الى العدوان الثلاثي – بقلم الاستاذ سامي شرف

من التأميم الى العدوان الثلاثي – بقلم الاستاذ سامي شرف

 

 

 

عشت معركة التأميم

ـ 1 ـ

قدمت ثورة يوليو1952منذ يومها الأول نموذجا للتحدى لم تقدر القوى الاستعمارية التى كانت مسيطرة على النظام العالمى بعد الحرب العالمية الثانية على قبوله ، وكل ما سبق قيام الثورة من محاولات مماثلة إما أمكن إحباطها بالتدخل المباشر مثلما حدث مع حركة مصدق فى إيران،أو أمكن احتواؤها وتطويعها مثلما حدث مع عديد من الحركات الوطنية فى الدول العربية .

ولقد انعكس هذا التحدى بداية فى القبول لمنهج التحليل الإستراتيجى الذى تتبعه القوى الاستعمارية لشكل العلاقات المتبادلة مع مناطق العالم المختلفة والذى كان ينطلق من نقطة واحدة فقط هى مقاومة المد الشيوعى حيث استبدلت ثورة يوليو 1952 هذه النقطة بمدخل بديل آخر هو التحرر الوطنى والقومى من كل من أشكال النفوذ والهيمنة الخارجية .

ولا شك أن تبنى هذا المدخل قد استلزم خطوات مصاحبة يأتى فى مقدمتها بناء القوة الذاتية على الصعيد الإقتصادى والعسكرى فى إطار من الاستقلالية قدر الإمكان وحشد كل الإمكانيات المتاحة لصالح هذا الهدف و الاستفادة من كل المعارك السياسية أو العسكرية التى خاضتها شعوب المنطقة سواء قبل الثورة أو بعدها فى تقوية البناء الذاتى للدولة وللأمة .

ومعركة العدوان الثلاثى على مصر لم تأت من فراغ ، ولم تنتهى إلى فراغ ، لقد تم تدبيرها فى إطار رؤية للمصالح السياسية للدول التى شاركت فى العدوان ، وتأسست هذه الرؤية على أساس قراءة متعمقة لكل التطورات والأحداث التى أعقبت تاريخ 23يوليو1952 ، وما يمكن أن تقود إليه من نتائج مؤثرة على هذه المصالح فى المستقبل .
والموقف المصرى والعربى فى مواجهة العدوان لم يكن مجرد موقفا انفعاليا يعبر عن رفض الاحتلال أو التصدى للعدوان المسلح ، وإنما جاء تتويجا لسلسلة من المواقف كانت تؤكد طبيعة الاختيار الإستراتيجى الذى تتبناه ثورة 23يوليو والقوى القومية والتحررية التى تضامنت معها ، ومن ثم قبلت أن تتحمل ثمن هذا الاختيار إلى النهاية .
وفى كل القرارات والخطوات التى اتخذت قبل وقوع هذا العدوان لم يكن أى منها منفصلا عن الآخر ، بل جاءت كلها متداخلة ومتناغمة لتؤكد الارتباط فيما بينها ، وكان يكفى الامتناع أو التراجع عن قرار واحد من هذه القرارات حتى تأمن تداعيات كل القرارات الأخرى وتحتفظ لنفسها بالاستمرارية الهادئة ، ولكن كنظام أمكن تطويعه بنفس النسق والأسلوب الذى طبع نظم حكم أخرى سبقتها فى مصر أو عاصرتها فى الدول العربية .
من هنا كان التعرض لأحداث العدوان الثلاثى لابد أن يفتح أمامنا آفاقا لطرق العديد من القضايا ذات العلاقة المباشرة ، والتى تفجرت خلال السنوات الأربع التى سبقت وقوع العدوان، بل وقبل وقوع العدوان فى مرحلة تبلور الفكرة الثورية لدى قادة يوليو وبالتحديد منذ قيام الدولة العبرية ونشوب حرب فلسطين فى عام 1948 .

ـ 2

حرب فلسطين

تحديد مصدر التهديد الرئيسى

لقد ساهمت حرب 1948 فى فلسطين فى إلقاء الضوء مركزا على الواقع القائم فى الدول العربية ومدى سيطرة القوى الاستعمارية على قرارها السياسى من ناحية ، وعلى جوانب القصور فى الجبهات الداخلية وما يعترى القيادات العربية من مظاهر فساد وتردد من ناحية أخرى ، فبرغم تزايد نشاط العصابات الصهيونية فى أرض فلسطين فى حقبة الأربعينات ، وإعلان بريطانيا رسميا اعتزامها الانسحاب منها فى مايو1948 ، ووضوح الهدف النهائى الذى تعمل له العصابات الصهيونية منذ بداية القرن لم تستطع القوى الفلسطينية ، أو القوى العربية أن تنظم صفوفها وترسى خطة محكمة للمحافظة على عروبة فلسطين . ففى داخل فلسطين ورغم بروز اسم الحاج أمين الحسينى مفتى فلسطين كرمز للمقاومة ورئيسا للهيئة العربية العليا إلا أن المقاومة الفلسطينية كانت تعتمد إلى حد كبير على الارتجال ومحاولات الدفاع المحلى عن القرى والمناطق أكثر منها حركة مخططة و شاملة . وعلى الصعيد العربى جرت بعض المبادرات التى قادها متطوعين عرب ، ففى السادس من مايو1947 دخل البكباشى أحمد عبد العزيز فلسطين على رأس قوة من المتطوعين، كانت تضم إلى جانب المصريين الذين كان على رأسهم الصاغ كمال الدين حسين وآخرين ، وكذلك أفراد من كل من ليبيا وتونس فى حدود ألف مقاتل تقريبا لكن كان ينقصهم التدريب والسلاح الكافيين فضلا عن غياب التنسيق بينهم وبين متطوعين آخرين قدموا من دول أخرى ، بل لا أبالغ إذا قلت أن ثمة تنافس وقع بين هذه المجموعات وبعضها وانتهى الأمر باستشهاد واحد من أكثر العناصر كفاءة وإخلاصا للقضية هو البكباشى أحمد عبد العزيز .

أما على مستوى الحكومات ، فقد اجتمع فى الثانى عشر من ديسمبر1947 رؤساء الحكومات العربية الأعضاء فى الجامعة العربية للنظر فى أساليب نجدة الشعب الفلسطينى وذلك فى أعقاب صدور قرار الأمم المتحدة رقم181 فى نوفمبر1947 والخاص بتقسيم فلسطين إلى دولتين ، إحداهما يهودية والأخرى عربية ، وقد ظهر فى هذا الاجتماع اتجاهان :تمثل الاتجاه الأول : والذى تبنته كل من مصر والسعودية وأيده العراق فى الدعوة إلى عدم استخدام القوة المسلحة العربية النظامية فى المعارك الدائرة فى فلسطين ، والاكتفاء بإمداد الفلسطينيين باحتياجاتهم من الأسلحة والذخيرة وتزويدهم بالمتطوعين . أما الاتجاه الثانى : فقد تبنته الأردن وأيدتها كل من سوريا ولبنان وكان يصر على إشراك القوات النظامية فى الصراع ضمن حدود معينة . وقد لقى الاتجاه الأول تأييد الحاج أمين الحسينى الذى كان يرى أن الفلسطينيين قادرين على مواجهة الموقف بأنفسهم إذا ما تم تزويدهم بالسلاح والمتطوعين علاوة على توفير التدريب اللازم لهم .

لكن المؤتمر انتهى إلى التدخل بالقوات النظامية العربية فى 15مايو1948 ، والملفت للنظر هنا أن الملك فاروق قد أصدر أوامره بدخول القوات المصرية المعركة يوم13مايو1948 أى قبل التاريخ المحدد بيومين كنوع من المزايدة على باقى الدول العربية إلا أن اللواء أحمد المواوى قائد هذه القوات لم يتسلم أوامر القتال إلا فى اليوم التالى أى يوم 14مايو1948 أى أن التحرك قد بدأ دون صدور أوامر القتال . كانت هذه القوات المصرية عبارة عن مجموعة لواء يتراوح عددها بين ألف وألف وخمسمائة جندى ، ولحقت بها بعض المجموعات الرمزية من كل من السعودية والسودان لا يتجاوز عدة مئات ، وكانت قوات ينقصها السلاح والتدريب مثلها مثل باقى القوات العربية التى بلغ مجموع عددها فى فلسطين فى 15مايو1948 حوالى 14ألف جندى بينما كانت القوات الصهيونية فى حدود سبعة آلاف جندى يخضعون لقيادة موحدة وعلى درجة عالية من التدريب وخدم أغلبهم فى صفوف جيوش أجنبية مما دعم كفاءتهم القتالية ، والأهم أنهم يعملون وفقا لهدف سياسى واضح ويؤمنون به إلى حد التعصب . وكانت النتيجة الطبيعية هو فشل التدخل العسكرى العربى فى تحقيق أى من أهدافه اللهم إلا الاحتفاظ بالضفة الغربية وقطاع غزة كمناطق عربية وارتكاز الصراع على المواجهة بين إسرائيل والعرب ككل ، وما ينطوى على ذلك من تشابك عميق مع أوضاع منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة .

على أن النتيجة الأهم فى سياق هذه المذكرات هو دور هذه الحرب فى تفتيح أذهان الضباط الذين أسسوا تنظيم الضباط الأحرار فى مصر وشاركوا فى هذه الحرب فلم تضع أيديهم على مصدر الخطر الحقيقى فقط كما عبر عنه جمال عبد الناصر عندما كان محاصرا فى الفالوجة: ” بأن المشكلة ليست هنا فى فلسطين وإنما فى القاهرة . . ” ، بل وبدرجة أكبر فى بلورة الفكرة القومية فى إدراك قادة يوليو واقتناعهم الكامل بأن أمن مصر جزء لا يتجزأ من أمن الأمة العربية ولا يمكن الفصل بينهما بأى حال . فالمشكلة الكامنة فى القاهرة التى عبر عنها جمال عبد الناصر كانت تبدأ بالتغيير وتنتهى إلى عدة أهداف جوهرية كالتالى : تحرير القرار المصرى من السيطرة الأجنبية ، ومن ثم فإن قضية الجلاء يجب أن تتصدر كل الأولويات بعد التخلص من النظام الملكى مع بناء جبهة داخلية متماسكة تكون خير سند للقرار . بناء القوات المسلحة المصرية إلى الدرجة التى تجعلها قادرة على الدفاع عن أهداف الثورة وحماية مكتسباتها . وضع برنامج للتنمية الداخلية فى المجالين الإقتصادى والاجتماعى يتيح المجال للاستفادة بأقصى درجة ممكنة من الموارد الذاتية لمصر وقبول الاستعانة بأية موارد خارجية بعيدا عن التبعية والخضوع للهيمنة الأجنبية . بناء جبهة عربية داعمة لأهداف الثورة المصرية وأهداف الأمن القومى العربى بوجه عام مع إتباع سياسة التحرر من الاستعمار ليس فقط على مستوى الوطن العربى ، وإنما فى كل دول إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية .

– 3 –

محاولة تعزيز القوة الذاتية تمهد لكشف المواقف
انطلقت جهود الثورة خلال السنوات الأربع التى أعقبت 23يوليو1952 فى اقتحام هذه المجالات الأربعة بقوة ، وكانت أولى الخطوات إنشاء مجلس أعلى للإنتاج ، وآخر للخدمات لإدارة عملية التغيير الاجتماعى والاقتصادى فى الداخل ، وبدأ التفكير مبكرا فى توفير المصادر الممكنة لتسليح القوات المسلحة . بدأت المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على السلاح فى ديسمبر1952 ، وكان البكباشى جمال عبد الناصر هو الذى اقترح ذلك كوسيلة لاختبار مدى جدية التعاون مع أمريكا ، والمدى الذى يمكنه أن يصل إليه ، وتم إيفاد قائد الجناح على صبرى مع لجنة من الجيش والبحرية إلى واشنطن للتفاوض على صفقة سلاح ، واعتبر جمال عبد الناصر أن نجاح هذه المهمة يمكن أن يفتح المجال للتعاون فى مجالات أخرى سياسية أو اقتصادية ، وانضم إلى هذه اللجنة فى واشنطن اللواء عبد الحميد غالب الملحق العسكرى فى ذلك الوقت وسفير مصر فى لبنان فيما بعد .

وفى الولايات المتحدة الأمريكية طالت المفاوضات دون مبرر ، وكانت تقارير على صبرى تعبر عن التشاؤم حتى أبلغه الجنرال عمر برادلى رئيس الأركان المشتركة صراحة ، أنهم لا يستطيعون تدعيم مصر بالسلاح طالما أن هناك قضايا لم يتم حلها . وكان يقصد بهذه القضايا التى لم تحل ، مشاريع الدفاع عن الشرق الأوسط وقضية الجلاء البريطانى عن مصر والعمليات الفدائية ضد الإنجليز فى قناة السويس . وأشار الجنرال برادلى إلى أن بلاده مستعدة فقط لتزويد مصر بقنابل مسيلة للدموع وأسلحة خفيفة لقوات البوليس كانت هذه الاتصالات الرامية إلى الحصول على السلاح من الولايات المتحدة الأمريكية تهدف فى المقام الأول اختبار نوايا واشنطن تجاه ثورة يوليو ، وقد بدأت فى شكل تجديد للطلب الذى سبق أن تقدم به النحاس باشا فى عام1951 لنفس الغرض عقب قيامه بإلغاء معاهدة 1936 بقرار من جانب واحد . وفى الوقت الذى كانت فيه الاتصالات مع الولايات المتحدة الأمريكية تجرى على المستوى الرسمى بمعرفة على صبرى واللجنة المعاونة له ، كانت هناك قناة خلفية تشهد اتصالات موازية غير رسمية وتعمل على تبادل الرؤى وجس النبض من جانب كل طرف لدى الطرف الآخر ، وكانت هذه القناة يديرها من الجانب المصرى البكباشى زكريا محى الدين ومحمد حسنين هيكل وحسن التهامى وحسن بلبل ،

ثم تولى إدارتها بعد ذلك على صبرى وسامى شرف ثم صلاح نصر فأمين هويدى فحافظ إسماعيل ثم أحمد كامل ، أى أنها كانت تجرى تحت إشراف مؤسسة الرئاسة والمخابرات المصرية ، بينما يديرها من الجانب الأمريكى كيرميت روزفلت أحد العناصر الرئيسية التى استخدمتها واشنطن فى إحباط انقلاب مصدق فى إيران 1951 ، وكانت تعمل تحت إشراف المخابرات المركزية الأمريكية ، ويطلق على المجموعة المشاركة فيها اسم ” مجموعة ألفا ” وقد نشطت هذه القناة بشكل واضح خلال عامى 1953، 1954 ، ومن العناصر المشاركة فيها أيكل بيرجر ، ومن بعده مايلز كوبلاند أحد عملاء المخابرات المركزية الأمريكية ومن بعده ” لاتراش ” ، ثم تلاهم تشارلز كريمينز الذى كان يعمل أستاذا زائرا بالجامعة الأمريكية فى القاهرة وساعده فى تشغيل المجموعة شخص آخر يدعى فرانك كيرنز كان يعمل مراسلا لإذاعة NBC وآخر يدعى هارى كيرن ، كان يتخذ ساترا له كمندوب لإحدى شركات البترول الأمريكية فى مصر ولكن عمله الحقيقي كان إدارة شبكة مخابرات للحصول على المعلومات . فى أكتوبر1953 قام كيرميت روزفلت بزيارة للقاهرة وتجدد الحديث عن التسليح الأمريكى لمصر ،

ورغم التعاطف الذى أبداه مع المطالب المصرية إلا أن الحوار لم يسفر عن شىء يذكر على الصعيد العملى ، وإن كان قد واصل ممارسة دوره كقناة خلفية بين الإدارة الأمريكية والمخابرات المركزية من جانب ، وبين مؤسسة الرئاسة والمخابرات المصرية من جانب آخر ، من خلال ضباط اتصال مختصين بهذه المهمة . حدث فى عامى 1955/1956 أن كان ضابط الاتصال المكلف بالمهمة يدعى ” لا تراش ” ـ و كان من أصل عربى ” الأطرش ” ـ وتم إبعاده نتيجة واقعة محددة حدثت منه فى مكتبى أثناء أزمة ” تمبلر ” و ” جلوب ” فى الأردن ، حيث طلب موعدا لمقابلتى لإبلاغنا رسالة كان محتواها ” أن ترفع مصر يدها عن الأردن” ، وهنا قمت واقفا و ضغطت على زر الجرس أمامى فدخل سكرتيرى محمد السعيد الذى قلت له : ” فلتدلّ الضيف إلى الطريق إلى المصعد . . ! منهيا بذلك المقابلة فى الحال ، رافضا تصرفه هذا شكلا وموضوعا ، هذا التصرف حتى ولو كان خارج القناة الدبلوماسية أو الرسمية . ولما أبلغت الرئيس عبد الناصر بالواقعة عقب انصرافه من مكتبى ، أيدنى وقال لى “إنت إتصرفت التصرف الصحيح ” .

وقد تم إبلاغ واشنطن بهذا التصرف الغير مقبول من جانب مندوبهم فقاموا باستدعائه وعاد إلى بلاده بالفعل . وقد تبين للقيادة المصرية أنه لم يكن يوجد لدى واشنطن أية نية لبيع الأسلحة لمصر واكتشفت فيما بعد أن إلغاء الصفقة يرجع إلى مجموعة الأسباب التالية : احتجاج بريطانيا لدى الجانب الأمريكى حيث اعتبرت أن إتمام الصفقة سوف يؤثر على قدرات القوات المسلحة المصرية بما يضر بمركز وإمكانيات القوات البريطانية فى منطقة قناة السويس، وكان سببا فى التهرب الذى لجأ إليه الطرف الأمريكى سواء بدعوى مفاوضات الجلاء وطلب الانتهاء منها أولا ، أو المطالبة بعقد اتفاق للدفاع المشترك مع مصر ، الأمر الذى رفضه جمال عبد الناصر من حيث المبدأ ، وإن كانت هذه النقطة قد استخدمت من جانب مصر كورقة ضغط على مفاوضات الجلاء ، مما ساعد على اختصار الكثير من الوقت والجهد فى هذه المفاوضات . تزامن الاتصالات مع الولايات المتحدة الأمريكية مع تصاعد الدعوة التى أطلقها عبد الناصر لإقامة نظام للأمن العربى يرتكز على اعتبار الصهيونية هى مصدر الخطر الأساسى الموجه للأمة العربية وليس الخطر الشيوعى وكان ذلك يتعارض مع المحاولات الأمريكية الرامية لفرض وجهة نظر محددة تتماشى مع التوجهات الأمريكية تجاه موسكو والمعسكر الشيوعى .

إذن كان الاختبار الثانى للموقف الأمريكى من ثورة يوليو متمثلا فى قضية الأحلاف ، حيث كانت واشنطن مصممة ـ وفقا لرؤيتها فى ذلك الوقت ـ على محاصرة الاتحاد السوفيتى بالأحلاف والقواعد العسكرية فى كل مناطق العالم بما فيها منطقة الشرق الأوسط وأدركت واشنطن أن قيام حلف فى الشرق الأوسط بدون مصر سيكون حلفا عديم القيمة من الناحية الإستراتيجية ، ومن ثم جرى تكثيف العمل على ضم مصر لحلف بغداد . ولم تكتف مصر الثورة برفض الانضمام للحلف فقط ، بل خاضت معركة واسعة لمنع انضمام دول عربية أخرى إليه ، حيث رأت فيه إعادة للهيمنة الاستعمارية وللتبعية الأجنبية . ففى يوليو1954 استقبلت القاهرة زيارتين لكل من الأمير عبد الإله ولى عهد العراق ، والثانية قام بها عبد الله اليافى رئيس وزراء لبنان، واجتمعا والرئيس جمال عبد الناصر كل على حدة ـ وبحكم عملى فى القسم الخاص بالمخابرات العامة وقتها فقد كلفت بتسجيل محاضر الاجتماعات مع المسئولين العرب ، وفى هذه الاجتماعات طرح عبد الناصر بوضوح موقفه وأكد على رفض مقولة الانضمام إلى مقاومة الشيوعية مؤكدا على الأبعاد التالية :وفى أغسطس من نفس العام 1954 قام جمال عبد الناصر بأداء فريضة الحج ، والتقى بعدها بالملك سعود ، ودار النقاش مجددا حول قضية الأحلاف وسعى النفوذ الغربى لإحكام سيطرته على المنطقة العربية ، كما شملت المباحثات أيضا وضع إسرائيل فى المنطقة ، وطالب عبد الناصر ببلورة توجه عربى موحد لمقاومة التيارات الزاحفة على المنطقة ومحاولات الاحتواء الخارجى ، وأبدى الملك سعود وقتها تجاوبا كبيرا مع كل ما طرحه عبد الناصر .

وفى نفس الوقت كلف صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة ووزير الإرشاد القومى ، بالتوجه إلى كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن فى مهمة لشرح وجهة النظر المصرية فى سياسة الأحلاف والدعوة إلى مزيد من التضامن العربى ، وكان الوفد المصاحب له يضم كلا من محمود رياض وعبد القادر حاتم وفتحى الديب وسامى شرف ، وتشعبت الاتصالات وتضاعفت الجهود السياسية والدبلوماسية فى نفس الإطار حيث قام نورى السعيد رئيس وزراء العراق بزيارة القاهرة فى 14سبتمبر1954 ، وفى نفس الشهر نجحت الولايات المتحدة الأمريكية فى توقيع اتفاق مع الملك إدريس السنوسى ملك ليبيا لإقامة قاعدة عسكرية كبرى فى طرابلس أطلق عليها اسم ” قاعدة هويلس ” ، وكانت بريطانيا قد وقعت اتفاقا لإقامة قاعدة أخرى فى طبرق باسم ” قاعدة العضم ” ، وكان ذلك يعنى فى بعده الإستراتيجى تهديدا مباشرا للأمن القومى المصرى ، أى أن المقصود هو إحاطة مصر من حدودها الغربية . وفى 24فبراير1955 أعلن رسميا قيام حلف بغداد ولم تنضم له سوى العراق مما أعتبر من وجهة نظر الغرب فشلا لسياسة الأحلاف فى المنطقة ، ومن وجهة النظر العربية أعتبر قيام حلف بغداد تهديدا للأمن القومى العربى وقام إيدن فى أعقاب إعلان حلف بغداد

مباشرة بزيارة للقاهرة لمواصلة الضغط على الحكومة المصرية لإقناعها بالانضمام للحلف والعمل على استكمال مفاوضات الجلاء البريطانى . 1

أن الاتحاد السوفيتى الزعيم الأول للشيوعيين يقع على بعد آلاف الأميال من الوطن العربى ، ولا يوجد معه اتصال جغرافى .

2 – أن الدين الإسلامى يوفر لنا الحماية الضرورية من الشيوعية .

3- أن معركتنا الحقيقية ليست مع الشيوعية ، وإنما مع الاحتلال الإسرائيلى للأراضى العربية فى فلسطين ، وعندما ننتهى من هذه القضية يمكن النظر فى قضايا أخرى ، فالأولوية يجب أن توجه إلى فلسطين وإلى حماية أمتنا العربية وأمننا الوطنى و القومى . وتؤكد الوثائق الأمريكية عن هذه الفترة فاعلية التنسيق بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية فى جميع القضايا التى أثيرت مع حكومة الثورة فى ذلك الوقت ، والمحاولات المكثفة لاحتوائها ،

وانتهت هذه المرحلة بحدث كان بمثابة نقطة تحول فى التفكير الإستراتيجى المصرى ، ففى 28فبراير1955 ـ أى بعد قيام حلف بغداد بأربعة أيام ـ قامت إسرائيل بشن غارة مفاجئة على قطاع غزة بدون أى مقدمات وأسفرت عن إحداث خسائر كبيرة فى الأفراد والمعدات ، حيث بلغت الخسائر البشرية حوالى 38 ما بين ضابط وجندى ، وأحدثت هذه الغارة تحولا فى تفكير عبد الناصر وقادة الثورة تجاه إسرائيل . فقد كان عبد الناصر ينظر إلى إسرائيل باعتبارها عضوا دخيلا فى جسم الأمة العربية ، وأن هذا العضو مصيره إلى زوال ، والزمن كفيل بحل هذه المشكلة ويرى أن التوازن السكانى فى فلسطين يسير فى صالح العنصر العربى حيث أن معدل الزيادة السكانية فى العنصر اليهودى بطبيعة تكوينه وثقافته تتجه إلى التناقص فى وقت تتزايد فيه معدلات النمو السكانى فى العنصر العربى ، وبالتالى فسوف يعود اليهود إلى أقلية حتى داخل فلسطين

كذلك تبلور اتجاه داخل القيادة الثورية فى مصر يقوم على أن إسرائيل لن تبادر بالعدوان تجنبا لإثارة العالم العربى وتفجير أزمة مشابهة لأزمة1948 ، خاصة فى ظل تصاعد الوعى العربى والمد القومى الذى يرفض الخضوع للقوى الاستعمارية وأن هذا العدوان لن يجد مبررا لدى الغرب الداعم لإسرائيل . وقد خلص هذا التقويم إلى عدم المبادرة بالصدام العسكرى مع إسرائيل والتركيز بالدرجة الأولى على ضرورة تقوية مصر فى كل المجالات لتشكيل قوة ردع لإسرائيل ومنعها من التفكير فى شن أعمال عدوانية ضد مصر ، أى أن الهدف فى هذه المرحلة كان تحييد إسرائيل قدر الإمكان ، والتركيز على وضع مصر على عتبات التنمية الشاملة وبناء قوتها الذاتية . وكان دافيد بن جوريون قد سطر فى كتابه ” إسرائيل تاريخ شخصى ” ما يلى بالنص :” إنه يندر أن نجد أكاديمى أو سياسى إسرائيلى لم يتثقف على أيدى الموساد ، ومن خلال منظمات الإرهاب الإسرائيلى فى الأربعينات ” . كما كان دافيد بن جوريون أيضا له تفكير مختلف ، فعندما التقى وزير خارجية فرنسا “كريستيان بينو” فى عام 1954 ثم مع ” ناحوم جولدمان ” رئيس المنظمة الصهيونية العالمية سألهما عن رأيهما فى جمال عبد الناصر فكانت إجابتهما متقاربة وخلاصتها : ” إنه رجل يميل للتعاون مع الغرب من أجل إصلاح الشأن فى بلده وينادى بالتنمية بدليل أنه شكل مجلس أعلى للإنتاج وآخر للخدمات ، ويأخذ مجلس قيادة الثورة بتوصيات المجلسين فى تنفيذ مشروعات التنمية مثل التوسع فى إقامة المدارس والمستشفيات وإنشاء مجمع للحديد والصلب وتطوير صناعات للغزل والنسيج الخ” . وكان تعقيب بن جوريون ” إن هذا هو أخطر ما فى سياسة جمال عبد الناصر ، فالتنمية معناها القضاء على إسرائيل ” .

وجاءت الغارة على غزة كوسيلة قوية للتنبيه ، وسببا فى إعادة النظر فى كل التقويمات التى توصلت إليها الثورة بالنسبة لنوايا المستقبلية ، وكان تقدير عبد الناصر بعد الغارة أنها ليست عملية عادية ، وإذا كانت تمثل مجرد وسيلة لاختبار القدرات العسكرية المصرية فماذا يمكن أن يكون عليه الموقف إذا ما قامت عمليات عسكرية أوسع أى أن عبد الناصر اعتبر أن غارة غزة هى وسيلة لاختبار قدراتنا العسكرية فى المستقبل ، وإذا ما تكررت بحجم أكبر فسوف تؤدى إلى هزيمة الثورة ، وقد خلص من هذا البحث والتقدير إلى ضرورة العمل المكثف لأولوية تنفيذ أحد المبادئ الستة لثورة23يوليو1952 الذى كان ينص على بناء جيش وطنى قوى وتحديثه بأحدث الأسلحة كهدف رئيسى لهذه المرحلة ، مع انتهاج كل السبل الممكنة لتوفير هذا السلاح من أى مصدر فى نفس الوقت الذى يواصل فيه جهوده لبناء إطار عربى جماعى للأمن القومى ، أى إجراء إعادة ترتيب شامل لكل الأوراق . ففى نفس الأسبوع الذى وقعت فيه الغارة الإسرائيلية على غزة ، تم توقيع اتفاقية للدفاع المشترك مع سوريا ، يتم بموجبها إنشاء قيادة مشتركة للقوات المساحة فى البلدين ،

وقد انضمت كل من السعودية واليمن لهذه الاتفاقية بعد ذلك ، وكان معنى ذلك أن كلا من مصر وسوريا والسعودية واليمن لن تنضم إلى حلف بغداد، وقد أعلنت السعودية بوضوح عن تضامنها مع مصر فى مقاومة الأحلاف . وبدأ عبد الناصر يطرق أبواب الغرب من جديد للحصول على السلاح ، ففى العاشر من مارس 1955 التقى مع السفير الأمريكى فى القاهرة هنرى بايرود ، وإستعرض معه الموقف مجددا طلب الحصول على السلاح ومؤكدا أنه فى الوقت الذى تحرم فيه مصر من الأسلحة تواصل إسرائيل أنشطتها العدوانية وغاراتها المسلحة تحصل مع ذلك إلى جانب العراق ـ على المزيد من الأسلحة . ومرة أخرى جاءت الإجابة سلبية وأصبح على يقين أنه لن يحصل على السلاح من الغرب طالما أنه لم ينفذ شروطه فيما يتعلق بنظام الدفاع عن الشرق الأوسط ومن ثم كان الاتحاد السوفيتى هو البديل الأنسب للغرب فى توريد الأسلحة ، ولم يعد أمام الرئيس عبد الناصر إلا التفكير فيه بعد أن نفذ صبره وأوصدت كل الأبواب أمامه

عن admin

شاهد أيضاً

عبد الناصر.. الميلاد والرحيل – بقلم : يوسف القعيد

اليوم  الثامن والعشرين من سبتمبر، حيث رحل عنا جمال عبد الناصر سنة 1970، أى قبل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *