الرئيسية / مـقالات / استراتيجية عسكرية تقليدية في مصر على الرغم من الهجمات الإرهابية- بقلم: اريك تراجر

استراتيجية عسكرية تقليدية في مصر على الرغم من الهجمات الإرهابية- بقلم: اريك تراجر


9 نيسان/أبريل، 2017

[في أعقاب] الهجمات الإرهابية المروّعة التي وقعت في التاسع من نيسان/أبريل، واستهدفت كنيستان لأقباط طنطا والإسكندرية خلال “رتبة قداس الشعانين”، وقُتل فيها العشرات وأصيب كثيرون بجراح، يجب على الجيش المصري أن يقتنع بتحديث استراتيجيته ضد الجهاديين المتمركزين في شبه جزيرة سيناء. وفي حين أن هذه التفجيرات ليست الأولى من نوعها التي يتبنّاها تنظيم «الدولة الإسلامية» بفرعه القائم في سيناء، إلّا أنّ الهجومين المزدوجين في التاسع من هذا الشهر يوحي بأن إمكانيات الجهاديين قد تنامت في الأشهر الأخيرة، وازدادت معها قدراتهم القاتلة، وتحسّنت اتصالاتهم لتتعدى نطاق قاعدتهم في شمال سيناء. ومع ذلك، فإن ديناميات السياسة المصرية الداخلية تجعل من غير المحتمل أن يتبنى الجيش المصري استراتيجية أكثر فعالية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في سيناء في المستقبل المنظور.

وتعتبر مصر نفسها في خضم حرب على الإرهاب منذ تموز/يوليو 2013 حين أقدم الجيش المصري بقيادة وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي على الاستجابة إلى الاحتجاجات الجماهيرية من خلال إسقاط أول رئيس منتخب بالسُبل الديمقراطية، وهو القيادي في جماعة «الإخوان المسلمين» محمد مرسي. وفي حين شكل «الإخوان المسلمون» أبرز أهداف القاهرة في هذه الحرب، لاسيما وأن كوادر «الجماعة» قد تورطت في هجمات محدودة طالت القوى الأمنية والبنى التحتية، فإن الجيش المصري قد بدأ أيضاً بشن حملة كبيرة ضد الجهاديين في شمال سيناء في أيلول/سبتمبر 2013.

ويحظر الجيش المصري على الصحفيين والباحثين زيارة سيناء لتقييم الوضع فيها، إلا أن الهجمات المستمرة داخل سيناء، والتي غالباً ما تكون مميتة، تشير إلى أن هذه الحملة تبوء بالفشل. وقد شنت الجماعة الجهادية الرئيسية في سيناء، التي أقسمت الولاء لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» في تشرين الأول/أكتوبر 2014، العديد من الهجمات. وكما أشار زميلي في معهد واشنطن ديفيد شينكر في تقرير صدر مؤخراً، استخدم تنظيم «داعش» أسلحة متطورة لإسقاط مروحيات عسكرية مصرية، وتدمير دبابة قتالية من نوع “أم 60″، وإغراق قارب دورية مصري قبالة ساحل العريش. كما تبنّى التنظيم تفجير طائرة ركاب روسية في تشرين الأول/أكتوبر 2015، مما أسفر عن مقتل 224 مدنياً. ويقدّر مسؤولون في الحكومة الأمريكية أن ما يقرب من 2000 جندي مصري قد قتلوا في سيناء منذ بدء العملية، وهو عدد مروّع، نظراً لأنّ عدد عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية» في سيناء يقدّر ما بين 1,000 – 1,500عنصر.

وفي حين نجح الجيش المصري بقطع رأس قيادة تنظيم «داعش» في سيناء في صيف عام 2016، إلا أنه ظهرت قيادة جديدة تبدو على صلة أوثق بالقيادة المركزية لـ تنظيم «الدولة الإسلامية»، التي تتخذ من الرقة، سوريا، مقراً لها. ونتيجة لذلك، ازداد استهداف فرع تنظيم «داعش» في سيناء للمدنيين المصريين، وخاصة المسيحيين. وأعلن التنظيم مسؤوليته عن الهجوم الذي وقع في كانون الأول/ديسمبر 2016 في “الكاتدرائية المرقسية” في القاهرة وأودى بحياة 25 شخصاً، ونجح في إخراج مئات المسيحيين من شمال سيناء بعد سلسلة من عمليات القتل التي ارتكبت خلال شباط/فبراير، ثم نفّذ الهجمات المروعة التي وقعت في التاسع من نيسان/أبريل في الإسكندرية وطنطا.

ولكن على الرغم من اتساع مدّ تنظيم «الدولة الإسلامية» وقدرته على القيام بأعمال القتل داخل مصر، إلّا أنّ الجيش المصري لم يغيّر نهجه. فالقيادات المصرية لا تزال تعتبر نفسها قادرةً على استخدام القوة الصارمة لـ “احتواء” الجهاديين، في حين تتجنب [استعمال] التقنيات الأخف والأكثر تركيزاً لمكافحة التمرد. ولذلك فإن عملية القمع الواسعة التي مارسها الجيش المصري تسببت بنفور أهم مكونات المجتمع في سيناء بمن فيهم بعض الأسر البدوية البارزة في المنطقة، التي رفضت التعاون مع قوات الأمن إلى حين الإفراج عن أقاربها من السجن، بدلاً من ضمان أمن المدنيين في سيناء ومن ثم حشدهم للكشف عن الإرهابيين ومحاربتهم.

والجدير بالذكر أن معارضة الجنرالات لتقنيات مكافحة التمرد تعزى جزئياً إلى دلالات لغوية: فالقيادات المصرية العليا تعتبر أن تسمية الجهاديين بـ “المتمردين” تمنحهم نوعاً من الشرعية. بيد تعكس هذه المعارضة أيضاً طبيعة الجيش المصري كمؤسسة. وعلى الرغم من أن هذا الجيش لم يشن حرباً برية منذ “حرب أكتوبر” عام 1973 ولم يشارك حتى في أي حرب برية منذ “حرب الخليج” عام 1991، تبقى عقيدة الحرب البرية لدى الجيش المصري ضرورية لوحدته الداخلية. فهذه العقيدة، التي ترتكز على هزيمة الجيش التقليدي عبر الدفاع عن الأراضي أو الاستحواذ عليها، تعتمد على اقتناء أنظمة الأسلحة الكبيرة، سواء من خلال المشتريات أو المساعدات الخارجية. ومن خلال امتلاك منظومات الأسلحة الكبيرة والحفاظ عليها – مع الإشارة إلى أن هذه الأخيرة شملت خلال السنوات الأخيرة غواصات جديدة، وحاملات طائرات، ومقاتلات – يستطيع الجيش المصري تبرير نظام التوظيف والتعاقد الذي يتبعه على نطاق مكثف، الأمر الذي يساعده على إبقاء قاعدته المحلية واسعة والحفاظ على رضا ضباطه.

كما أن عقيدة الحرب التقليدية في مصر تتيح للجنرالات تقديم أنفسهم على الصعيدين المحلي والإقليمي على حد سواء، كقادةٍ لأعظم جيش في العالم العربي – والجيش الأخير القادر على التصدي لأي تهديد إقليمي (على الرغم من أن الجنرالات امتنعوا بحكمة عن القيام ذلك، عندما طلبت المملكة العربية السعودية مساعدة مصر في سوريا والانخراط بشكلٍ أكبر في اليمن). وبالتالي، لا يميل الجنرالات إلى الانتقال نحو عقيدة خاصة بمكافحة الإرهاب أو مكافحة التمرد، لأن هذا التحول يخلّ بمصالح هامة داخل مؤسستهم الخاصة، بما فيها مصالحهم الخاصة، ويمكن أن يحفز قيام رد فعلٍ داخلي مدمر. وبينما يدرك الجنرالات أهمية هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» في مصر، فإنهم لا يعتبرون هذه الهزيمة بعظمة الهجوم العسكري الافتتاحي الناجح الذي شنه الجيش المصري في قناة السويس خلال حرب عام 1973، على سبيل المثال. وبالفعل، قبل أن يبدأ الجيش المصري حملته في سيناء خلال أيلول/سبتمبر 2013، كان يعتبر جهود مكافحة الجهاديين مهمةً (أقل شأناً) من مهام الشرطة.

ومن المغري أن نتساءل عما إذا كان الرعب الهائل لهجومي التاسع من نيسان/أبريل سيخلق ضغطاً سياسياً داخل مصر يرغم الرئيس عبد الفتاح السيسي على تجاوز جنرالاته وتغيير نهج الجيش. ولكن على الرغم من دعوة السيسي إلى إعلان حالة طوارئ لمدة ثلاثة أشهر، إلّا أن ذلك يبدو غير مرجح. وفي حين شجّع السيسي على التسامح مع المسيحيين ودعا رجال الدين المسلمين إلى محاربة الإيديولوجية الإسلامية المتطرفة، إلّا أنه لم يدعم كلماته بالأفعال قط، ربما لأن ذلك يعني الشجار مع المؤسسات والدوائر الانتخابية التي كانت، قبل أربع سنوات فقط، موحدة للإطاحة بسلفه. بيد، على ضوء التصريحات المختلفة التي صدرت عن «الإخوان المسلمين» في التاسع من نيسان/أبريل، بما فيها نظريات شنيعة بتآمر وضلوع الحكومة المصرية و بابا الكنيسة القبطية في الهجومين اللذين استهدفا الكنيستين، فضلاً عن الاعتقاد السائد في مصر بأن جماعة «الإخوان المسلمين» كانت مسؤولة عن مهاجمة عشرات الكنائس بعد الإطاحة بمرسي، سوف تدعم وجهة النظرالقائمة في مصر بأن السيسي والجيش المصري هما الضامنان النهائيان للأمن، حتى وإن كان كلاهما لا يخلو من العيوب.

ولهذا السبب يتعيّن على واشنطن توخي الحذر. ففي حين يدرك الكثيرون في الحكومة الأمريكية والكونغرس الأمريكي أن الحملة التي يشنها الجيش المصري ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في سيناء تُمنى بالفشل، إلا أن أي انتقاد علني للسيسي أو الجيش سيُفهم في مصر على أنه تهجّم على العاملَيْن الوحيدَيْن اللذين يقفان في طريق الفوضى العارمة. ومن هذا المنطلق، فإن الترحيب الحار الذي لقيه السيسي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض خلال الأسبوع الأول من نيسان/أبريل يوفّر فرصة نادرة لإجراء محادثة هامة. وبما أن الرئيس ترامب أثبت أنه شريك وصديق مخلص، فيمكنه الآن إجراء محادثة جادة مع السيسي حول ما تستطيع واشنطن فعله لمساعدة القاهرة على تحسين أدائها ضد الجهاديين في سيناء. ويجب أن يتطرق هذا الحوار إلى كيفية تغيير وجهة استعمال المساعدة العسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة بقيمة 1.3 مليار دولار سنوياً من أجل دعم تلك الجهود وتفادي تكرر الحادثة المروعة في التاسع من نيسان/أبريل، عوضاً عن تجهيز مصر [بأدوات] الحروب التقليدية من الماضي البعيد.

عن admin

شاهد أيضاً

العواقب البعيدة لاتفاقية الجزيرتين – بقلم : زياد بهاء الدين

مصر بعد اتفاق الجزيرتين زياد بهاء الدين نشر فى : الإثنين 19 يونيو 2017 – …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *