الرئيسية / حوارات ناصرية / جمال عبد الناصر / كتاب فلسفة الثورة – بقلم : جمال عبد الناصر

كتاب فلسفة الثورة – بقلم : جمال عبد الناصر


فلسفة الثورة – الجزء الأول – جمال عبد الناصر

مقـــــدمة

إن هذه الخواطر ليست محاولة لتأليف كتاب….

ولا هي محاولة لشرح أهداف ثورة 23 يوليو وحوادثها …. إنما هي شئ آخر تماما….

إنها أشبه ما تكون بدورية استكشاف…..

إنها محاولة لاستكشاف نفوسنا لكي نعرف من نحن وما دورنا في تاريخ مصر المتصل الحلقات….

ومحاولة لاستكشاف الظروف المحيطة بنا في الماضي والحاضر لكي نعرف في أي طريق نسير….

ومحاولة لاستكشاف أهدافنا و الطاقة التي يجب أن نحشدها لنحقق هذه الأهداف ….

ومحاولة لاستكشاف الظروف المحيطة بنا ، لنعرف أننا لا نعيش في جزيرة الماء من جميع الجهات ….

هذا هو الذي قصدت إليه ..

مجرد دورية استكشاف في الميدان الذي نحارب فيه في معركتنا الكبرى من أجل تحرير الوطن من كل الأغلال…

الجزء الأول

ليست فلسفة
محاولات لم تتم
ليست مجرد تمرد
كنا في فلسطين وأحلامنا في مصر
أحمد عبد العزيز قبل أن يموت
درس من إسرائيل
أيام التلمذة
الحقيقة والفراغ
لماذا كان لا بد أن يتحرك الجيش
الصورة الكاملة
الطليعة والجموع
أقفصى الأماني
نموذج من أعضاء مجلس الثورة
أزمات نفسية
ثورتان في وقت واحد
لكيلا يقع تصادم على الطريق

قبل أن أمضي في هذا الحديث أريد أن أقف قليلاً عند كلمة ((فلسفة))
إن الكلمة ضخمة و كبيرة….

وأنا أحس و أنا واقف حيالها أني أمام عالم واسع ليس له حدود ، و أشعر في نفسي برهبة خفية تمنعني من أن أخوض في بحر ليس له قاع ، و لا أرى له على بعد ، من الشاطئ الذي أقف فيه شاطئاً آخر انتهى إليه .
والحق أني أريد أن أتجنب كلمة فلسفة في هذا الذي سأقوله ثم أنا أظن أنه من الصعب علي أن أتحدث على فلسفة الثورة .
من الصعب لسببين:

أولهما :
إن الحديث عن فلسفة ثورة 23 يوليو يلزمه أساتذة يتعمقون في البحث عن جذورها الضاربة في أعماق تاريخ شعبنا.
وقصص كفاح الشعوب ليس فيها فجوة يملؤها الهباء وكذلك ليس فيها مفاجآت تقفز إلى الوجود دون مقدمات.
إن كفاح أي شعب ، جيلاً من بعد جيل ، بناء يرتفع حجر فوق حجر ..
وكما إن كل حجر في البناء يتخذ من الحجر الذي تحته قاعدة يرتكز عليها ، كذلك الأحداث في قصص كفاح الشعوب.
كل حدث منها هو نتيجة لحدث سبقه ، وهو في نفس الوقت مقدمة لحدث مازال في ضمير الغيب …

ولست أريد أن أدعي لنفسي مقعد أستاذ التاريخ….. ذلك أخر ما يجري به خيالي .

ومع ذلك فلو حاولت محاولة تلميذ مبتدئ ، في دراسة قصة كفاح شعبنا ، فأنا سوف أقول مثلاً أن ثورة 23 يوليو هي تحقيق للأمل الذي راود شعب مصر ، منذ بدأ في العصر الحديث يفكر في أن يكون حكمه بأيدي أبنائه ، وفي أن تكون له نفس الكلمة العليا في مصيره…
لقد قام بمحاولة لم تحقق له الأمل الذي تمناه ، يوم تزعم السيد عمر مكرم حركة تنصيب محمد علي والياً على مصر ، باسم شعبها …
وقام بمحاولة لم تحقق له الأمل الذي تمناه ، يوم حاول عرابي أن يطالب بالدستور…
وقام بمحاولات متعددة ، لم تحقق له الأمل الذي تمناه في فترة الغليان الفكري التي عاشها بين الثورة العرابية و ثورة سنة1919.
وكانت هذه الثورة الأخيرة _ ثورة 1919 بزعامة سعد زغلول _ محاولة أخرى لم تحقق له الأمل الذي تمناه.

وليس صحيحاً أن ثورة 23 يوليو قامت بسبب النتائج التي أسفرت عنها حرب فلسطين ، وليس صحيحاً كذلك أنها قامت بسبب الأسلحة الفاسدة التي راح ضحيتها جنود و ضباط . وأبعد من ذلك عن الصحة ما يقال أن السبب كان أزمة انتخابات نادى ضباط الجيش.
إنما الأمر في رأيي كان أبعد من هذا و أعمق أغوارا .

ولو كان ضباط الجيش حاولوا أ ن يثوروا لأنفسهم لأنه قد غرر بهم في فلسطين ، أو لان الأسلحة الفاسدة أرهقت أعصابهم لما كان الأمر يستحق أن يكون ثورة, ولكن أقرب الأشياء إلى وصفه أنه مجرد تمرد, حتى وإن كانت الأسباب التي أدت إليه منصفة عادلة في حد ذاتها.

لقد كانت هذه كلها أسبابا عارضة…

وربما كان اكبر تأثير لها أنها تستحثنا على الإسراع في طريق الثورة, ولكننا كنا من غيرها نسير على هذا الطريق.

وأنا احاول بعد كل ما مر بي من أحداث, وبعد سنوات طويلة من بدء التفكير في الثورة, أن أعود بذاكرتي وأتعقب اليوم الأول, الذي اكتشفت فيه بذورها في نفسي.
إن هذا اليوم أبعد في حياتي من أيام شهر نوفمبر سنة 1951 أيام ابتداء أزمة نادي الضباط, ففي ذلك كان تنظيم الضباط الأحرارا قائما يباشر عمله ونشاطه, بل أنا لا اغالي إذا قلت أن ازمة إنتخابات النادي أثارها أكثر من أي شيىء آخر في نشاط الضباط الأحرار, فقد شئنا في ذلك الوقت أن ندخل معركة نجرب فيها قوتنا على التكتل وعلى التنظيم.
وهذا اليوم – في حياتي أيضا – أبعد من بدء فضيحة الأسلحة الفاسدة, فقد كان تنظيم الضباط الأحرار موجودا قبلها, وكانت منشوراتهم أول نذير بتلك المأساة, وكان نشاطهم وراء الضجة التي قامت حول الأسلحة الفاسدة.

بل إن هذا اليوم في حياتي أبعد من يوم 16 مايو سنة 1948 1لك اليوم الذي كان بداية حياتي في حرب فلسطين.,
وحين أحالو الآن ان أستعرض تفاصيل تجاربنا في فلسطين أجد شيئا غريبا.
فقد كنا نحارب فيفلسطين, ولكن أحلامننا كلها في مصر, كان رصاصنا يتجه الى العدو الرابض أمامنا في خنادقه, ولكن قلوبنا كانت تحوم حول زطننا البعيد الذي تركناه للذئاب ترعاه.

وفي فلسطين كانت خلايا الضباط الأحرار تدرس وتبحث وتجتمع في الخنادق والمراكز.
في فلسطين جاءني صلاح سالم وزكريا محي الدين واخترقا الحصار الى الفالوجة, وجلسنا في الحصار لا نعرف له نتيجة ولا نهاية, كان حديثنا الشاغل وطننا الذي يتعين أن نحاول إنقاذه.

وفي لسطين جلس بجواري مرة كمال الدين حسين وقال لي وهو ساهم الفكر شارد النظرات :
هل تعلم ماذا قال لي أحمد عبد العزيز قبل أن يموت ؟..
قلت…
ماذا قال …؟
قال كما ل الدين حسين وفي صوته نبرة عميقة وفي عينيه نظرة أعمق :
لقد قال لي : إسمع يا كمال , إن ميدان الجهاد الأكبر هو في مصر…
ولم التق في فلسطين بالأصدقاء الذين شاركوني في العمل من اجل مصر, وإنما التقيت ايضا بالأفكار التي أنارت أمي السبيل.
وأنا اذكر أيام كنت أجلس في الخنادق وأسرح بذهني إلى مشاكلنا…

كانت الفالوجة محاصرة ، وكان تركيز العدو عليها ضربا بالمدفع و الطيران تركيزا هائلاً مروعاً .
وكثيرا ما قلت لنفسي :

(( ها نحن هنا في هذه الجحور محاصرين ، لقد غرر بنا ، دفعنا إلى معركة لم نعد لها ، ولقد لعبت بأقدارنا مطامع ومؤامرات و شهوات ، و تركنا هنا تحت النيران بغير السلاح )) .

وحين كنت أصل إلى هذا الحد من تفكيري كنت أجد خواطري تقفز فجأة عبر ميدان القتال ، وعبر الحدود ، إلى مصر ، وأقول لنفسي:

هذا هو وطننا هناك ، انه ((فالوجة)) أخرى على نطاق كبير ….
إن الذي يحدث لنا هنا صورة من الذي يحث هناك…. صورة مصغرة…
وطننا هو الآخر حاصرته المشاكل و الأعداء ، وغرر به
ودفع إلى معركة لم يعد لها ، ولعبت بأقدار مطامع و مؤامرات وشهوات ، وترك هناك تحت النيران بغير سلاح !.

وأكثر من هذا ، ولم يكن الأصدقاء هم الذين تحدثوا معي عن مستقبل وطننا في فلسطين ولم تكن التجارب هي التي قرعت أفكارنا بالنذر والاحتمالات عن مصيره ، بل أن الأعداء أيضاً لعبوا دورهم في تذكيرنا بالوطن و مشاكله…
ومنذ أشهر قليلة قرأت مقالات كتبتها عني ضابط إسرائيلي أسمه (( يردهان كوهين )) ونشرتها له جريدة (( جويشن أوبزرفر )) وفي هذه المقالات روى الضابط اليهودي كيف التقى بي أثناء مباحثات و اتصالات عن الهدنة وقال :
(( ولقد كان الموضوع الذي يطرقه جمال عبد الناصر معي هو كفاح إسرائيل ضد إنجليز ، وكيف نظمنا حركة مقاومتنا السرية لهم في فلسطين وكيف استطعنا أن نجد الرأي العام في العالم ورائنا في كفاحنا ضدهم )) .

ثم أن هذا اليوم _ اليوم الذي اكتشفت فيه بذور الثورة في نفسي _ أبعد من حادث 4 فبراير سنة 1942 الذي كتبت بعده خطاباً إلى صديق قلت له فيه :

(( ما العمل بعد أن وقعت الواقعة وقبلناها مستسلمين خاضعين خانعين؟ ))

الحقيقة أني أعتقد أن الاستعمار يلعب بورقة واحدة في يده بقصد التهديد فقط ، ولكن لو أنه أحس أن بعض المصريين ينوون التضحية بدمائهم ويقابلون القوة بالقوة لانسحب كأي امرأة من العاهرات….
وطبعاً هذا حاله أو تلك عادته ….

أما نحن ، أما الجيش ، فقد كان لهذا الحادث تأثير جديد على الروح المعنوية ، فبعد أن كنت ترى الضباط لا يتكلمون إلا عن الفساد واللهو اصبحوا يتكلمون عن التضحية و الاستعداد لبذل النفوس في سبيل الكرامة ، أصبحت تراهم وكلهم ندم لأنهم لم يتدخلوا _ مع ضعفهم الظاهر _ ويردوا للبلاد كرامتها ، ويغسلوها بالدماء ، ولكن غداً لناظره قريب…
لقد حاول بعضهم بعد الحادث أن يعملوا شئ بغية الانتقام ، ولكن الوقت كان قد فات ، أما القلوب فكلها نار و أسى ..

والواقع أن هذه الحركة….. إن هذه الطعنة ردت الروح إلى بعض الأجساد ، وعرفتهم أن هذه كرامة يجب أن يستعدوا للدفاع عنها وكان درساً قاسياً .
وكذلك فان هذا اليوم أبعد فبي حياتي من الفوران الذي عشت فيه أيام كنت طالبا أمشي مع المظاهرات الهاتفة بعودة دستور سنة 1923
وقد عاد الدستور 1923 بالفعل _في سنة 1935.. وأيام كنت أسعى مع وفود الطلبة ، إلى بيوت الزعماء نطلب منهم أن يتحدوا من أجل مصر ، وتألفت الجبهة الوطنية سنة 1936 بالفعل على أثر هذه الجهود .
وأذكر أنني في فترة الفوران هذه كتبت خطاباً إلى صديق من أصدقائي قلت فيه ، وكان التاريخ 2 سبتمبر سنة 1935 :

(( أخي
…خاطبت والدك يوم 30 أغسطس في التليفون وقد سألته عنك فأخبرني أنك موجود في المدرسة …
لذلك عولت على أن أكتب إليك ما كنت سأكلمك فيه تليفونياً قال الله تعالى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ..)… ))
فأين تلك القوة التي نستعد بها لهم ؟
إن الموقف اليوم الدقيق ، ومصر في موقف أدق ونحن نكاد نودع الحياة و نصافح الموت ، فان بناء اليأس عظيم الأركان ، فأين من يدم هذا البناء ..؟

ثم مضيت في هذا الخطاب إلى آخره ..
وإذن فمتى كان ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه بذور الثورة في أعماقي ..؟ انه بعيد .
فإذا أضيف إلى هذا كله ، أن تلك البذور لم تكن كامنة في أعماقي وحدي ، وإنما وجدتها كذلك في أعماق كثيرين غيري هم الآخرون بدورهم لا يستطيع الواحد منهم أن يتعقب بداية وجودها داخل كيانه ، لا تضح إذن إن هذه البذور ولدت في أعماقنا حين ولدنا ، وإنها كانت أملاً مكبوتاً خلقه في وجداننا جيل سبقنا …
ولقد استطردت وراء هذا كله لأشرح السبب الأول الذي من أجله وجدت من الصعب على أن أتحدث عن فلسفة الثورة وقلت إن هذا الحديث يلزمه أساتذة يتعمقون في البحث عن جذورها الضاربة في أعماق تاريخ شعبنا …

أما السبب الثاني : فهو أنني كنت بنفسي داخل الدوامة العنيفة للثورة .
والذين يعيشون في أعماق الدوامة قد تخفى عليهم بعض التفاصيل البعيدة عنها …
وكذلك كنت بأيماني وعقلي وراء كل ما حدث ، وبنفس الطريقة التي حدث بها ، وإذن فهل أستطيع أن أتجرد من نفسي حين أتكلم عنه ، وحين أتكلم عن المعاني المستترة وراءه ؟
أنا من المؤمنين بأنه لاشيء يمكن أن يعيش في فراغ ..
حتى الحقيقة لا يمكن أن تعيش في فراغ …
والحقيقة الكامنة في أعماقنا هي : ما نتصوره أنه الحقيقة أو بمعنى أصح : هو الحقيقة مضاف إليه نفوسنا …..نفوسنا هي الوعاء الذي يعيش فيه كل ما فينا وعلى كل هذا الوعلء سوف يتشكل كل ما يدخل فيه, حتى الحقائق.

وأنا أحاول بقدر ما تستطيع طاقتي البشرية أن أمنع نفسي من أن تغير كثيرا من شكل الحقيقة ، ولكن إلى أي حد سوف يلازمني التوفيق ؟

هذا سؤال…..
وبعده اريد أن أكون منصفا لنفسي, ومنصفا لفلسفة الثورة, فأتركها لتاريخ يجمع شكلها في نفسي, وشكلها في نفوس غيري, وشكلها في الحوادث جيمعا, ويخرج من هذا كله بالحقيقة كاملة ….

وإذن فما الذي أريد أن أتحدث عنه إذا كنت قد استبعدت كلمة (( فلسفة )) ؟ الواقع إن الذي أملكه في هذا الصدد شيئان:

أولهما : مشاعر اتخذت شكل الأمل المبهم ، ثم شكل الفكرة المحددة ، ثم شكل التدبير العملي ، موضع التنفيذ الفعلي في منتصف 23 يوليو حتى الآن ..
وعن هذه المشاعر والتجارب أريد أن أتحدث …..
لطالما ألح على خواطري سؤال ، هو :

(( هل كان يجب أن يقوم ، نحن الجيش ، بالذي قمنا به في 23 يوليو سنة 1952 ؟ ))

لقد قلت منذ سطور ، أن ثورة 23 يوليو كانت تحقيق لأمل كبير راود شعب مصر ، منذ بدأ العصر الحديث يفكر أن يكون حكمه في أيدي أبنائه ، وفي أن تكون له نفس الكلمة العليا . في مصيره
وإذ كان الأمر كذلك ، ولم يكن الذي حدث يوم 23 يوليو تمرداً عسكرياً ، وليس ثورة شعبية ، فلماذا قدر للجيش ، دون غيره من القوى ، إن يحقق هذه الثورة ؟
ولقد آمنت بالجندية طول عمري ، والجندية تجعل للجيش واجباً واحدا ، هو أن يموت على حدود وطنه ، فلماذا وجد جيشنا نفسه مضطراً للعمل في عاصمة الوطن ، لا على حدوده ؟
ومرة أخرى ، دعوني أنبه إلى أن الهزيمة في فلسطين ، والأسلحة الفاسدة ، وأزمة نادي الضباط …لم تكن المنابع الحقيقية التي تدفق منها السيل ، لقد كانت كلها عوامل مساعدة على سرعة التدفق ، ولكنها – كما سبق أن قلت – لا يمكن أبداً أن تكون هي الأصل و الأساس.
وإذن لماذا وقع على الجيش هذا الواجب؟
قلت : إن هذا السؤال طالما ألح على خواطري …
ألح عليها ونحن في دور الأمل والتفكير والتدبير بعد 23 يوليو .
وألح عليها في مراحل كثيرة من التجربة بعد 23 يوليو .
ولقد كانت أمامنا مبررات مختلفة قبل 23 يوليو تشرح لنا لماذا يجب أن نقوم بالذي قمنا به …
كنا نقول : إذا لم يقم الجيش بهذا العمل فمن يقوم به ؟.
وكنا نقول : كنا نحن الشبح الذي يؤرق به الطاغية أحلام الشعب ، وقد آن لهذا الشبح أن يتحول إلى الطاغية فيبدد أحلامه هو….
وكنا نقول غير هذا كثيراً ، ولكن الأهم من كل ما كنا نقوله ، إننا كنا نشعر شعوراً يمتد إلى أعماق وجودنا بأن هذا الواجب واجبنا ، وإننا إذا لم نقم به فإننا نكون كأننا قد تخلينا عن أمانة مقدسة نيط بنا حملها

ولكني اعترف أن الصورة الكاملة لم تتضح في خيالي إلا بعد فترة طويلة من التجربة عقب 23 يوليو …

وكانت تفاصيل هذه التجربة ، هي بعينها تفاصيل الصورة .
وأنا أشهد أنه مرت علي بعد يوم 23 يوليو نوبات اتهمت فيها نفسي و زملائي وباقي الجيش بالحماقة والجنون الذي صنعناه في 23 يوليو …

لقد كنت أتصور قبل 23 يوليو أن الأمة كلها متحفزة متأهبة ، وإنها لا تنتظر إلا الطليعة تقتحم أمامها السور ، فتندفع الأمة وراءها صفوفاً متراصة منتظمة تزحف زحفاً مقدساً إلى الهدف الكبير …

وكنت أتصور دورنا على دور طليعة فدائيين ، وكنت أظن أن دورنا هذا لا يستغرق أكثر من بضع ساعات ، ويأتي بعدها الزحف المقدس للصفوف المتراصة المنتظمة إلى الهدف الكبير ، بل كان الخيال يشط بي أحيانا فيخيل إلي أني أسمع صليل الصفوف المتراصة وأسمع هدير الوقع الرهيب لزحفها المنظم إلى الهدف الكبير ، أسمع هذا كله ويبدو في سمعي من فرط إيماني به حقيقة مادية ، وليس مجرد تصورات خيال

ثم فاجأني الواقع بعد 23 يوليو

قامت الطليعة بمهمتها ، واقتحمت سور الطاغيان ، و خلعت الطاغية ، ووقفت تنتظر وصول الزحف المقدس للصفوف المتراصة المنتظمة إلى الهدف الكبير…
وطال انتظارها
لقد جاءتها جموع ليس لها آخر.. ولكن ما أبعد الحقيقة عن الخيال ! .

كانت الجموع التي جاءت أشياعاً متفرقة ، وفلولا متناثرة ، وتعطل الزحف المقدس إلى الهدف الكبير ، وبدت الصورة يومها قاتمة مخيفة تنذر بالخطر ..
وساعتها أحسست وقلبي يملؤه الحزن وتقطر منه المرارة أن مهمة الطليعة لم تنته في هذه الساعة ، وإنما من هذه الساعة بدأت…
كنا في حاجة إلى النظام ، فلم نجد وراءنا إلا الفوضى …
كنا في حاجة إلى الاتحاد ، فلم نجد وراءنا إلا الخلاف…
وكنا في حاجة إلى العمل ، فلم نجد وراءنا إلا الخنوع والتكاسل …
ومن هنا وليس من أي شئ آخر ، أخذت الثورة شعارها .

ولم نكن على استعداد …
وذهبنا نلتمس الرأي من ذوي الرأي ، والخبرة من أصحابها.. .
ومن سوء حظنا لم نعثر على شئ كثير…
كل رجل قابلناه لم يكن يهدف إلا إلى قتل رجل آخر …
وكل فكرة سمعناها لم تكن تهدف إلا إلى هدم فكرة أخرى !

ولو أطعنا كل ما سمعناه ، لقتلنا جميع الرجال وهدمنا جميع الأفكار ، ولما كان لنا بعدها ما نعمله إلا أن نجلس بين الأشلاء الأنقاض نندب الحظ البائس ونلوم القدر التعس ! .
وانهالت علينا الشكاوي والعرائض بالألوف و مئات الألوف ، ولو كانت أن هذه الشكاوي والعرائض كانت تروي لنا حالات تستحق الأنصاف ، أو مظالم يجب أن يعود إليها العدل ، لكان الأمر منطقياً و مفهوماً ، ولكن معظم ما كان يرد إلينا لم يزد أو ينقص عن أن يكون طلبات انتقام … كأن الثورة قامت لتكون سلاحاً في يد الحاقدين و المبغضين !.

ولو أن أحد سألني في تلك الأيام ، ما أعز أمانيك ؟ قلت له على الفور :
– أن اسمع مصريا يقول كلمة إنصاف في حق مصري آخر.
وأن أحس أن مصريا قد فتح قلبه للصفح و الغفران والحب لإخوانه المصريين .
وأن أرى مصريا يكرس وقته لتسفيه أراء مصري آخر…
وكانت هناك بعد ذلك كلمة أنانية فردية مستحكمة …
كانت كلمة (( أنا )) على كل لسان …
كانت هي الحل لكل مشكلة ، وهي الدواء لكل داء …
وكثيرا ما كنت أقابل كبراء – أو هكذا تسميهم الصحف – من كل الاتجاهات والألوان ، وكنت أسأل الواحد منهم عن مشكلة ألتمس عنده حلالها، فلم أكن أسمع إلا (( أنا ))..

مشاكل الاقتصاد (( هو )) وحده يفهمها ، أما الباقون جميعاً فهم في العلم أطفال يحبون .
ومشاكل السياسة (( هو )) وحده الخبير ، أما الباقون جميعاً فما زالوا في (( ألف باء )) لم يتقدموا بعدها حرفاً واحداً .
وكنت أقابل الواحد من هؤلاء ، ثم أعود إلى زملائي فأقول لهم في حسرة :
لا فائدة .. هذا الرجل لو سألناه عن مشكلة صيد السمك في جزائر هاواي لما وجدنا عنده إلا كلمة ” أنا “… !

أذكر مرة كنت أزور فيها إحدى الجامعات ودعوت أساتذتها وجلست معهم أحاول أن أسمع منهم خبرة العلماء .
وتكلم أمامي منهم كثيرون …. وتكلموا طويلا ….
ومن سوء الحظ أن أحد منهم لم يقدم لي أفكار ، وإنما كل واحد منهم لم يزد على أن قدم لي نفسه ، وكفاياته الخلقية وحدها تعمل المعجزات ، ورمقني كل واحد منهم بنظرة الذي يؤثرني على نفسه بكنوز الأرض و ذخائر الخلود !.

وأذكر أني لم أتمالك نفسي فقمت بعدها أقول لهم :

(( إن كل فرد منا يستطيع في مكانه أن يصنع المعجزات ، إن واجبه الأول أن يعطي كل جهده لعمله ، ولو أنكم ،كأساتذة جامعات ، فكرتم في طلبتكم ، وجعلتموهم – كما يجب – عملكم الأساسي ، لا ستطعتم أن تعطونا قوة هائلة لبناء الوطن .
إن كل واحد منا يجب أن يبقى في مكانه ويبذل فيه كل جهده .
لا تنظروا إلينا ، لقد اضطرتنا الظروف أن نخرج من أماكننا لنقوم بواجب مقدس ، ولقد كنا نتمنى لو لم تكن للوطن حاجة بنا إلا في صفوف الجيش كجنود محترفين ، وإذن لبقينا فيه )) .

ولم أشأ ساعتها أن اضرب لهم المثل في أعضاء مجلس قيادة الثورة ولم أشأ أن أقول لهم أنهم قبل أن يدعوهم الطارئ الذي دعاهم إلى الواجب الأكبر كانوا يبذلون فبي عملهم كل جهدهم.

ولم أشأ أن أقول لهم إن معظم أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا أساتذة في كلية أركان حرب ، وهذا دليل امتياز من ناحيتهم كجنود محترفين

وكذلك لم أشأ أن أقول لهم أن ثلاثة من أعضاء مجلس قيادة الثورة ، هم عبد الحكيم عامر ، وصلاح سالم ، وكما الدين حسين ، رقوا ترقيات استثنائية في ميدان القتال في فلسطين .

لم أشأ أن أقول لهم شيئاً من هذا ، لأني لا أريد أن أفاخر الناس بأعضاء مجلس قيادة الثورة وهم أخوتي و زملائي .

وأعترف إن هذا الحال كله سبب لي أزمة نفسية كئيبة

ولكن التجارب فيما بعد ، وتأمل هذه التجارب واستخلاص معانيها الحقيقية ، خففت وقع الأزمة في نفسي ، وجعلتني ألتمس لهذا كله أعذار من الواقع عثرت عليها حين اتضحت أمامي – إلى حد ما – الصورة الكاملة لحالة الوطن ، واكثر من هذا أعطتني الجواب على سؤال الذي قلت انه لطالما راودني ، وهو : –

(( هل كان يجب أن نقوم ، نحن الجيش ، بالذي قمنا به في 23 يوليو ؟ ))
والجواب : نعم ، ولم يكن هناك مهرب أو مفر !.

وأنا الآن أستطيع أن أقول إننا نعيش في ثورتين وليس في ثورة واحدة .
ولكل شعب من شعوب الأرض ثورتان :

ثورة سياسية : يسترد بها حقه في حكم نفسه بنفسه من يد طاغية فرض عليها ، أو من جيش معتد أقام في أرضه دون رضاه .

ثورة اجتماعية : تتصارع فيها طبقاته ثم يستقر الأمر فيها على ما يحقق العدالة لأبناء الوطن الواحد.
لقد سبقتنا على طريق التقدم البشري شعوب مرت بالثورتين ولكنها لم تعشهما معاً . وإنما فصل بين الواحد و الثانية مئات من السنين ، أما فان التجربة الهائلة التي امتحن بها شعبنا هي أن تعيش الثورتان معاً في وقت واحد .

وهذه التجربة الهائلة مبعثاً أن لكل من الثورتين ظروفا مختلفة تتنافر تنافراً عجيباً ، وتتصادم تصادماً مروعاً .
وان الثورة السياسية تتطلب لنجاحها وحدة جميع عناصر الأمة و ترابطها وتساندها ونكرانها لذاتها في سبيل الوطن كله .
الثورة الاجتماعية ، من أول مظاهرها ، نزلزل القيم وتخلخل العقائد ، وتصارع المواطنين مع أنفسهم أفراد وطبقات ، وتحكم الفساد و الشك و الكراهية .. و الأنانية .

وبين شقي الرحى هذين ، قدر لنا أن نعيش اليوم في ثورتين :
ثورة تحتم علينا أن نتحد ، ونتحاب ، ونتفانى في الهدف ، وثورة تفرض علينا – برغم إرادتنا – أن نتفرق ، وتســـود البغضاء ولا يفكر كل منا إلا في نفسه .

وبين شقي الرحى هذين – مثلاً – ضاعت ثورة 1919 ولم تستطع أن تحقق النتائج التي كان يجب أن تحققها .

الصفوف التي تراصت في سنة 1919 تواجه الطغيان ، لم تلبث إلا قليلا حتى شغلها الصراع فيما بينها أفراد و طبقات .
.
وكانت النتيجة فشلاً كبيراً ، فقد زاد الطغيان بعدها تحكماً فينا ، سواء بواسطة قوات الاحتلال السافرة ، أو بصنائع الاحتلال المقنعة التي كان يتزعمها في ذلك الوقت السلطان فؤاد وبعده ابنه فاروق ، ولم يحصد الشعب إلا الشكوك في نفسه والكراهية و البغضاء والأحقاد فيما بين أفراده و طبقاته .
وشحب الأمل الذي كان ينتظر أن تحققه ثورة .1919

ولقد قلت لقد شحب الأمل ولم أقل تلاشى ، ذلك لآن قوى المقاومة الطبيعية التي تدفعها الآمال الكبيرة التي تراود شعبنا ، كانت لا تزال تعمل عملها وتستعد لمحاولة جديدة .
وكان ذلك هو الحال الذي ساد بعد ثورة 1919 والذي فرض على الجيش أن يكون وحده القوة القادرة على العمل .
كان الموقف يتطلب أن تقوم قوة يقرب ما بين أفرادها إطار واحد ، يبعد عنهم إلى حد ما صراع الأفراد و الطبقات ، وأن تكون هذه القوة من صميم الشعب ، وان يكون في استطاعة أفرادها أن يثق بعضهم ببعض ، وأن يكون في يدهم من عناصر القوة المادية ما يكفل لهم عملاً شريفاً حاسماً ، ولم تكن هذه الشروط تنطبق إلا على الجيش .
وهكذا لم يكن الجيش – كما قلت – هو الذي حدد دوره في الحوادث ، وإنما العكس كان أقرب إلى الصحة ، وكانت الحوادث و تطوراتها هي التي حددت للجيش دوره في الصراع الكبير لتحرير الوطن .

ولقد أدركت منذ البداية أن نجاحنا يتوقف على إدراكنا الكامل لطبيعة الظروف التي نعيش فيها من تاريخ وطننا ، فإننا لم نكن نستطيع أن نغير هذه الظروف بجرة قلم ، وكذلك لم نكن نستطيع أن نؤخر عقارب الساعة أو نقدمها ونتحكم في الزمن ….وكذلك لم يكن في استطاعتنا أن نقوم على طريق التاريخ بمهمة جندي المرور فنوقف مرور ثورة حتى تمر ثورة أخرى ، ونحول بذلك دون وقوع حادث اصطدام ، و إنما كان الشيء الوحيد الذي نستطيعه هو أن نتصرف بقدر الإمكان وننجو من أن يطحننا شقا الرحى

وكان لابد أن نسير في طريق الثورتين معاً .
ويوم سرنا في طريق الثورة السياسية فخلعنا فاروقا عن عرشه سرنا خطوة مماثلة في طريق الثورة الاجتماعية فقرننا تحديد الملكية .

ومازلت أعتقد حتى اليوم انه ينبغي أن تظل ثورة 23 يوليو محتفظة بقدرتها على الحركة السريعة و المبادأة ، لكي تستطيع أن تحقق معجزة السير في ثورتين في وقت واحد ، و مهما يبدو في بعض الأحيان من التناقض في تصرفاتنا.

وحين جاءني واحد من أصدقائي يقول لي :

(( أنت تطالب بالاتحاد لمواجهة الإنجليز . وأنت في نفس الوقت تسمح لمحاكم الغدر أن تستمر في عملها….))

استمعت إليه ، وكانت في خيالي أزمتنا الكبيرة ، أزمة شقي الرحى :

أزمة تقتضينا أن نتحد صفاً واحداً وننسى الماضي .
وثورة تفرض علينا أن نعيد الهيبة الضائعة لقيم الأخلاق ولا ننسى الماضي !.
ولم أقل لهذا الصديق : إن منفذا الوحيد إلى النجاة ، أن نحتفظ – كما قلت – بسرعة الحركة و المبادأة ، وبالقدر على أن نسير في طريقين في وقت واحد .
ولم أشأ أنا ذلك ، ولا شاءه كل الذين شاركوا في 23 يوليو .
ولكن القدر شاء ، وتاريخ شعبنا ، والمرحلة التي يمر بها اليوم .

فلسفة الثورة – الجزء الثاني

فلسفة الثورة 2 – جمال عبد الناصر ولكن ما الذي نريد أن نصنعه ؟.

وما الطريق إليه ؟.

الحق أني في معظم الأحيان كنت اعرف الإجابة عن السؤال الأول . وأخال أني لم اكن وحدي المنفرد بهذه المعرفة ، وإنما كانت تلك المعرفة أملاً أنعقد عليه إجماع جيلنا كله .
أما الإجابة عن السؤال الثاني (( وما طريقنا إلى هذا الذي نريد ؟ )) فأنا أعترف إنها تغيرت في خيالي كما لم يتغير شئ أخر ، وأكاد أعتقد أنها موضوع الخلاف الأكبر في هذا الجيل !.
ومما من شك في أننا نحلم بمصر المتحررة القوية .. ذلك أمر ليس فيه خلاف بين مصري و مصري .
أما الطريق إلى التحرر و القوة .. فتلك عقدة العقد في حياتنا .
ولقد واجهت تلك العقدة قبل 23 يوليو سنة 1952 ، وظللت أواجهها بعد ذلك كثيراً حتى اتضحت لي زوايا كثيرة كانت في الظلال تسقط عليها فتخفيها ، وبدت أما بصيرتي أفاق كان الظلام الذي ساد وطننا قروناً طويلة يلفها فلا أراها !
***
ولقد أحسست منذ انبثق الوعي في وجداني ، إن العمل الإيجابي و جب أن يكون طريقنا .. ولكن أي عمل !.
ولقد تبدو كلمة (( العمل الإيجابي )) على الورق كافية لتحل المشكلة . ولكنها في الحياة وفي الظروف العسيرة التي عاشها جيلنا وفي المحن التي كانت تنشب أظفارها في مقدرات وطننا ، لم تكن كافية .
وفي فترة من حياتي كانت الحماسة هي العمل الإيجابي في تقديري . ثم تغير مثلي الأعلى في العمل الإيجابي و أصبحت أرى أنه لا يكفي أن تضج أعصابي وحدي بالحماسة ، وإنما على أن أنقل حاستي كي تضج بها أعصاب الآخرين..
وفي تلك الأيام قدت مظاهرات في مدرسة النهضة ، وصرخت من أعماقي بطلب الاستقلال التام ، وصرخ ورائي كثيرون .. ولكن صرخنا ضاع هباءً بددته الرياح أصداء واهنةً لا تحرك الجبال و لا تحطم الصخور .
ثم أصبح العمل الإيجابي في رأي أن يجتمع كل زعماء مصر ليتحدوا على كلمة واحدة ، وطافت جموعنا الهاتفة الثائرة ببيوتهم واحداً واحداً تطلب إليهم باسم شباب مصر أن يجتمعوا على كلمة واحدة .. ولكن اتحادهم على كلمة واحدة كان فجيعة لإيماني .
فإن الكلمة الواحدة التي اجتمعوا عليها كانت معاهدة سنة1936 .
***

وجاءت الحرب العالمية الثانية و ما سبقها بقليل على شبابنا فألهبته و أشاعت النار في خلجاتهم فبدأ اتجاهنا ، اتجاه جيل بأكمله يسير إلى العنف.
وأعترف – ولعل النائب العام لا يؤخذني بهذا الاعتراف- إن الاغتيالات السياسية توهجت في خيالي المشتعل في تلك الفترة على أنها العمل الإيجابي الذي لا مفر من الإقدام عليه إذ كان يجب أن ننقذ مستقبل وطننا .

وفكرت في اغتيال كثيرين وجدت أنهم العقبات التي تقف بين وطننا وبين مستقبله , ورحت أفند جرائمهم , وأضع نفسي موضع الحكم على أعمالهم , وعلى الأضرار التي ألحقها بهذا الوطن ، ثم أشفع ذلك كله بالحكم الذي يجب أن يصدر عليهم .
وفكرت في اغتيال الملك السابق وبعض رجاله الذين كانوا يعبثون بمقدساتنا .
ولم أكن وحدي في هذا التفكير .
ولما جلست مع غيري انتقل بنا التفكير إلى التدبير .
وما أكثر الخطط التي رسمتها في تلك الأيام ، وما أكثر الليالي التي سهرتها ، أعد العدة للأعمال الإيجابية المنتظرة .
كانت حياتنا في تلك الفترة كأنها قصة بوليسية مثيرة .
كانت لنا أسرار هائلة ، وكانت لنا رموز ، وكنا نتستر بالظلام ، وكنا نرص المسدسات بجوار القنابل ، وكانت طلقات الرصاص هي الأمل الذي نحلم به !.
وقمنا بمحاولات كثيرة على هذا الاتجاه ، ومازالت أذكر حتى اليوم انفعالاتنا ومشاعرنا ونحن نندفع في الطريق إلى نهايته .
والحق أنني لم أكن في أعماقي مستريحاً إلى تصور العنف على أنه العمل الإيجابي الذي يتعين علينا أن ننقذ به مستقبل وطننا.
كانت في نفسي حيرة , تمتزج فيها عوامل متشابكة ، عوامل من الوطنية ومن الدين ، ومن الرحمة ومن القسوة ، ومن الإيمان ولم ومن الشك ، ومن العلم ومن الجهل …
ورويداً رويداً وجدت فكرت الاغتيالات السياسية التي توهجت في خيالي ، تخبو جذوتها وتفقد قيمتها في قلبي كتحقيق للعمل الإيجابي المنتظر ..
وأذكر ليلة حاسمة في مجرى أفكاري وأحلامي في هذا الاتجاه , كنا قد أعددنا العدة للعمل ز
و اخترنا واحداً قلنا أنه يجب أن يزول من الطريق .
ودرسنا ظروف حياة هذا الواحد ووضعنا الخطة بالتفاصيل . وكانت الخطة أن نطلق الرصاص عليه وهو عائد إلى بيته في الليل .
ورتبا فرقة الهجوم التي تتولى إطلاق النار , ورتبنا فرقة الحراسة التي تحمي فرقة الهجوم , ورتبنا فرقة تنظيم الإفلات إلى النجاة بعد تنفيذ العملية بنجاح .
وجاءت الليلة الموعودة وخرجت بنفسي مع جماعة التنفيذ .
وسار كل شئ طبقاَ كما تصورناه..
كان المسرح خالياً كما توقعنا ، وكمنت الفرق في أماكنها التي حددت لها ، اقبل الواحد الذي كان يجب أن يزول ، وانطلق نحوه الرصاص ..
وانسحبت فرقة التنفيذ ، وغطت انسحابها فرقة الحراسة ، وبدأت عملية الإفلات إلى النجاة ، وأدرت محرك سيارتي و انطلقت أغادر المسرح الذي شهد عملنا الإيجابي الذي رتبناه .
وفجأة دوت في سمعي أصوات صريخ و عويل ، ولوعة امرأة ورعب طفل ، ثم استغاثة متصلة محمومة .

وكنت غارقاً في مجموعة من الانفعالات الثائرة ، والسيارة تندفع بي مسرعة .
ثم أدركت شيئاً عجيباً.
كانت الأصوات مازالت تمزق سمعي .
الصراخ و العويل والولولة والاستغاثة المحمومة .
لقد كنت بعدت عن المسرح بأكثر مما يمكن أن يسري الصوت ، ومع ذلك بدأ ذلك كله يلاحقني و يطاردني .
ووصلت إلى بيتي ، واستلقيت على فراشي ، وفي عقلي حمى وفي قلبي وضميري غليان متصل .
وكانت أصوات الصريخ و العويل و الولولة والاستغاثة مازالت تطرق سمعي .
ولم انم طوال الليل …
بقيت مستلقياً على فراشي في الظلام ، أشعل سيجارة وراء سيجارة ، وأسرح مع الخواطر الثائرة ، ثم تتبدد كل خواطري على الأصوات التي تلاحقني .
*أكنت على حق ؟ .
وأقول لنفسي في يقين :
– دوافعي كانت من أجل وطني !
*أكانت تلك وسيلة لا مفر منها ؟.
وأقول لنفسي في شك :
– ماذا كان في استطاعتنا أن نفعل ؟.
*أيمكن حقاً أن يتغير مستقبل بلدنا إذا خلصناه من هذا الواحد أو من غيره ، أم المسألة أعمق من هذا ؟.
وأقول لنفسي في حيرة :
– أكاد أحس أن المسألة أعمق ….
*إننا نحلم بمجد أمة ، فما هو الأهم : أيمضي من يجب أن يمضي , أم يجئ من يجب أن يجئ ؟
وأقول لنفسي وإشعاعات من النور تتسرب بين الخواطر المزدحمة .
– بل المهم أن يجئ من يجب أن يجئ …إننا نحلم بمجد أمة … ويجب أن يبنى هذا المجد !.
وأقول لنفسي ومازلت أتقلب في فراشي في الغرفة التي ملأها الدخان و تكاثفت فيها الانفعالات :
– وإذن ؟
– أسمع. هاتفاً يرد علي :
– وإذن ماذا ؟
– وأقول لنفسي في يقين هذه المرة :
– إذن يجب أن يتغير طريقنا…. ليس ذلك هو العمل الإيجابي الذي يجب أن نتجه إليه.. المسألة أعمق جذوراً وأكثر خطورة وأبعد أغوارا.

وأحس براحة نفسية صافية ، ولكن الصفاء ما يلبث أن تمزقه هو الآخر أصوات الصراخ والعويل والولولة و الاستغاثة ، تلك التي مازالت أصدائها ترن في أعماقي ؟.
ووجدت نفسي أقول فجأة :
-ليته لا يموت !.
وكان غريباً أن يطلع علي الفجر وأنا أتمنى الحياة للواحد الذي تمنيت له الموت في المساء !.
وهرعت في لهفة إلى إحدى صحف الصباح …و أسعدني أن الرجل الذي دبرت اغتياله …قد كتبت له النجاة.
ولكن تلك لم تكن المشكلة الأساسية .
وإنما المشكل الأساسية….. هي العثور عن العمل الإيجابي !.
ومنذ ذلك الوقت بدأ تفكيرنا الحقيقي في شئ أعمق جذوراً وأكثر خطورة وأبعد أغواراً .
وبدأنا نرسم الخطوة الأولى في الصورة التي تحققت مساء 23 يوليو ، ثورة منبعثة من قلب الشعب , حاملة لأمانيه , مكملة لنفس الخطوات التي خطاها من قبل على طريق مستقبله .
ولقد بدأت هذا الحديث بسؤالين :
أولهما : ما الذي نريد أن نصنعه !؟.
و الثاني : وما طريقنا إليه ؟.
وقلت أن الإجابة عن السؤال الأول أمل أنعقد عليه الاجتماع .
أما السؤال الثاني : ما طريقنا إلى الذي نريد أن نصنعه ؟ فهو الذي أطلت فيه الكلام حتى وصلت إلى 23 يوليو !.
ولكن أكان الذي حدث بوم 23 يوليو هو كل ما نريد أن نصنعه ؟.
والمؤكد أن الجواب بالنفي ، فإن تلك لم تكن إلا الخطوة الأولى على الطريق .
والحق إن فرحة النجاح يوم 23 يوليو لم تخدعني ، ولم تصور لي أن الآمال قد تحققت ، وأن الربيع قد جاء …بل لعل العكس هو الصحيح …
لقد كانت كل دقيقة تحمل إلي انتصار جديداً للثورة .تحمل إلي في نفس الوقت عبئاً ضخماً ثقيلاً تلقيه بلا مبالاة فوق كتفي .
ولقد قلت في الجزء الأول من هذا الحديث : (( إني كنت أتصور فبل 23 يوليو أن الأمة كلها متحفزة متأهبة ، وأنها لا تنتظر إلا الطليعة تقتحم أمامها السور فتدفع الأمة ورائها صفوف متراصة منتظمة زاحفة )) .
وقلت : أنني تصورت أن دورنا دور الطليعة ، وكنت أتصور أنه لن يستغرق أكثر من بضع دقائق يلحق بنا بعدها زحف الصفوف المنتظمة .
ورسمت أيضاً في ذلك الجزء صورة للخلاف والفوضى والأحقاد و الشهوات التي انطلقت من عقالها في تلك اللحظات ، كل منها يحاول بأنانيته أن يستغل الثورة لتحقيق أهداف بعينها

ولقد قلت وسأظل أقول أن تلك كانت أقسى مفاجأة في حياتي .
ولكن أشهد أنه كان يجب أن أتوقع أن يحدث الذي حدث
لم يكن يمكن أن نضغط على زر كهربائي فتتحقق أحلامنا .
ولم يكن يمكن في غمضة عين أن تزول رواسب قرون ومخلفات أجيال .
ولقد كان من السهل وقتها – ومازال سهلاً حتى الآن – أن نريق دماء عشرة أو عشرين أو ثلاثين ، فنضع الربع والخوف في كثير من النفوس المترددة ونرغمها على أن تبتلع شهواتها وأحقادها وأهوائها .
ولكن أي نتيجة كان يمكن أن يؤدي إليها مثل هذا العمل ؟.
ولقد كنت أرى أن الوسيلة لمواجهة مشكلة من المشاكل هو ردها إلى أصلها ومحاولة تتبع الينبوع الذي بدأت منه .
وكان من الظلم أن يفرض حكم الدم علينا دون أن ننظر إلى الظروف التاريخية التي مر بها شعبنا والتي تركت في نفوسنا جميعاً تلك الآثار وصنعت منا ما نحن عليه الآن…
ولقد قلت مرة أني لا أريد أن أدعي لنفسي مقعد أستاذ التاريخ ، فذلك آخر ما يجري إليه خيالي ، وقلت أني سأحاول محاولات تلميذ مبتدئ في التاريخ .
ولقد شاء لنا القدر أن نكون على مفرق الطريق من الدنيا .
وكثير ما كنا معبراً للغزاة ، مطمعاً للمغامرين ، ومرت بنا ظروف كثيرة يستحيل علينا أن نعلل العوامل الكامنة في نفوس شعبنا إلا إذا وضعناها موضع الاعتبار .
وفي رأي أنه لا يمكن إغفال تاريخ مصر الفرعوني ، ثم تفاعل الروح اليوناني مع روحنا ، ثم غزو الرومان ، والفتح الإسلامي وموجات الهجرة العربية التي أعقبته .
وفي رأي أيضاً أنه يجب التوقف طويلاً عند الظروف التي مرت علينا في العصور الوسطى ، فأن تلك الظروف هي التي وصلت بنا إلى ما نحن عليه الآن .
وإذا كانت الحروب الصليبية بداية فجر النهضة في أوروبا ، فقد كانت بداية عهود الظلام على وطننا .
فلقد تحمل شعبنا وحده معظم أعباء الحروب الصليبية ، وخرج بعدها فقيراً ، معدماً ، منهوك القوى .
وفي نفس الوقت الذي هدته المعركة فيه ، شاءت له الظروف أن يعاني الذل تحت سنابك خيول الطغاة القادمين من المغول والشركس …
كان يجيئون إلى مصر عبيداً فيفتكون بأمرائهم ويصبحون هم الأمراء .
وكنوا يساقون إليها مماليك فلا تمضي عليهم فترة في البلد الطيب الوديع حتى يصبحوا ملوكا .
وأصبح الطغيان والظلم و الخراب ، طابع الحكم في مصر على عهدهم الذي عاشت مصر في مجاهله قرون طويلة .
في تلك الفترة تحول وطننا إلى غابة تحكمها وحوش ضارية .

كان المماليك يعتبرونها غنيمة سائغة ، وكان الصراع الرهيب بينهم على نصيب كل منهم في الغنيمة .
وكانت أرواحنا ، وثرواتنا ، وأراضينا ، هي الغنيمة .
وأحياناً حينما أعود إلى تقليب صفحات من تاريخنا ، أحس بالأسى يمزق نفسي إزاء تلك الفترة التي تكون فيها إقطاع طاغ لم يجعل له من عمل إلا مص دماء الحياة من عروقنا ، وأكثر من هذا سحب بقايا الإحساس بالقوة والكرامة من هذه العروق ، وترك في أعماق نفوسنا تأثيراً يتعين علينا أن نكافح طويلاً لكي نتغلب عليه …
والواقع أن تصوري لهذا التأثير يعطيني في كثير من الأحيان تفسيراً لبعض المظاهر في حياتنا السياسية ز
أحياناً مثلاً يخيل إلى أن كثيرين يقفون من الثورة موقف المتفرج الذي لا يعنيه من الأمر إلا مجرد انتظار نتيجة معركة يتصارع فيها طرفان لا تربطه بأيهما علاقة .
وأحياناً أثور على هذا الوضع ، وأحياناً أقول لنفسي ولبعض من زملائي :
لماذا لا يقدمون ، ولماذا لا يخرجون من المكامن التي وضعوا فيها أنفسهم ، ليتكلموا ويتحركوا ؟.
ولا أجد تفسيراً لهذا إلا رواسب حكم المماليك .
كان الأمراء يتصارعون ، ويتطاحن فرسانهم في الشوارع ويهرع الناس إلى بيوتهم يغلقونها عليم بعيدين عن هذا الصراع الذي لا دخل لهم فيه .
وأحياناً يخيل إلى أننا نلجأ إلى خيالنا نكلفه أن يحقق لنا في إطار الوهم ما نريد ، ونستمتع نحن بهذا الوهم ونعقد به عن محاولة تحقيقه .
ولم نتخلص كثيرون منا من هذا الشعور بعد ، ولم يهضموا أن البلد بلدهم وأنهم سادته وأصحاب الأمر فيه .
ولقد ظللت مرة أحاول أن أفهم عبارة كثيراً ما هتفت بها طفلة صغيرة حينما كنت أرى الطائرات في السماء .
((يا ربنا يا عزيز .. داهية تأخذ الإنكليز)).
ولقد اكتشفت فيما بعد أننا ورثنا هذه العبارة عن أجدادنا على عهد المماليك ، ولم تكن يومها منصبة على الإنكليز وإنما حورناها نحن أو حورتها الرواسب الكامنة فينا والتي لم تتغير وإن تغير اسم الظالم ، فقد كان أجدادنا يقولون :
(( يا رب يا متجلي.. أهلك العثملي ! )).
وبنفس الروح التي لم يتغير جرى المعنى على لساننا وان تغير أسم (( الإنكليز )) باسم العثمانيين طبقاً للتغيرات السياسية التي توالت على مصر بين العهدين !.
ثم ماذا حدث لنا بعد عهد المماليك ؟.
جاءت الحملة الفرنسية ، وتحطم الستار الحديدي الذي فرضه المغول علينا ، وتدفقت علينا أفكار جديدة ، وتفتحت لنا أفاق لم يكن لنا بها عهد .
وورثت أسرة محمد علي كل ظروف المماليك ، وإن حاولت أن تضع عليها من الملابس ما يناسب زي القرن التاسع عشر .

وبدأ اتصالنا بأوروبا والعالم كله من جديد .
وبدأت اليقظة الحديثة !.
وبدأت اليقظة بأزمة جديدة .
لقد كنا – في رأي – أشبه بمريض قضى زمناً في غرفة مغلقة ، واشتدت الحرارة داخل الغرفة المغلقة حتى كادت أنفاس المريض تختنق ..
وفجأة هبت عاصفة حطمت النوافذ و الأبواب ، وتدافعت تيارات الهواء البارد تلسع جلد المريض الذي مازال يتصبب عرقاً .
لقد كان في حاجة إلى نسمة هواء .فانطلق عليه إعصار عات و أنشبت الحمى أظافرها في الجسد المنهوك القوى .
هذا ما حدث لمجتمعنا تماماً ، وكانت تجربة محفوفة بالمخاطر !.
كان المجتمع الأوروبي قد سار في تطوره بانتظام ، واجتاز الجسر بين عصر النهضة من أعقاب القرون الوسطى إلى القرن التاسع عشر خطوة خطوة ، و تلاحقت مراحل التطور واحدة أثر أخرى .
أما نحن فقد كان كل شئ مفاجئاً لنا .
كنا نعيش داخل ستار من الفولاذ فانهار فجأة .
كنا قد انقطعنا عن العالم واعتزلنا أحواله ، خصوصاً بعد تحول التجارة مع الشرق إلى طريق رأس الرجاء الصالح ، فإذا نحن نصبح مطمع دول أوروبا ومعبراً إلى مستعمرتها في الشرق والجنوب .
وانطلقت علينا تيارات من الأفكار والآراء لم تكن المرحلة التي وصلنا إليها في تطورنا تؤهلنا لقبولها .
كانت أرواحنا مازالت تعيش في آثار القرن الثالث عشر ، وان سرت في نواحيها المختلفة مظاهر القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين .
وكانت عقولنا ، تحاول أن تلحق بقافلة البشرية المتقدمة التي تخلفنا عنها خمسة قرون أو يزيد ، وكان الشوط ماضياً والسباق مروعاً مخيفاً .
وما من شك في أن هذا الحال هو المسؤول عن عدم وجود رأي عام متحد قوي في البلاد ، فان الفارق بين الفرد و الفرد كبير ، والفارق بين الجيل و الجيل شاسع .
ولقد جاء علي وقت كنت أشكو فيه من أن الناس لا يعرفون ماذا يردون ، وان اجتماعهم لا ينعقد على طريق واحد يسيرون فيه ، ثم أدركت بعدها إنني أطلب المستحيل ، وإنني أسقط من حسابي ظروف مجتمعنا …
أننا نعيش في مجتمع لم يتبلور بعد ، ومازال يفور و يتحرك ولم يهدأ حتى الآن أو يتخذ وضعه المستقر ويواصل تطوره التدريجي بعد مع باقي الشعوب التي سبقتنا على الطريق.
وأنا أعتقد ، دون أن أكون في ذلك متملقاً لعواطف الناس ، أن شعبنا صنع معجزة ، ولقد كان يمكن أن يضيع أي مجتمع تعرض لهذه الظروف التي تعرض لها مجتمعنا ، وكان يمكن أن تجرفه هذه التيارات التي تدفقت علينا.. ولكننا صمدنا في للزلزال العنيف.

صحيح أننا نفقد توازننا في بعض الظروف ، ولكن بصفة عامة ، لم نقع على الأرض .
وأنا أنظر أحياناً إلى أسرة مصرية عادية من آلاف الأسر التي تعيش في العاصمة .
الأب مثلاً فلاح معمم من صميم الريف .
والأم سيدة منحدرة من أصل تركي .
وأبناء الأسرة في مدارس على النظام الإنكليزي .
وفتياتها في مدارس على النظام الفرنسي .
كل هذا بين روح القرن الثالث عشر ومظاهر القرن العشرين .
انظر إلى هذا وأحس في أعماقي بفهم للحيرة التي نقاسيها والتخبط الذي يفترسنا، ثم أقول لنفسي:

سوف يتبلور هذا المجتمع ، وسوف يتماسك ، وسوف يكون وحدة قوية متجانسة ، إنما ينبغي أن نشد أعصابنا ونتحمل فترة الانتقال .
تلك إذاً هي الأصول التي انحدرت منها أحوالنا اليوم ، وهذه هي الينابيع التي تجري منها أزمتنا ، فإذا أضفت إلى هذه الجذور الاجتماعية ، ظروفاً من أجلها طردنا (( فاروق )) ، ومن أجلها نريد تحرير بلادنا من أي جندي غريب – إذا أضفت هذا كله ، لخرجنا إلى الأفق الواسع الذي نعمل فيه ، والذي تهب عليه الرياح من كل ناحية . وتزمجر في جناباته العواطف الهوج ، وتتوهج البروق وتهدر الرعود ، والذي قلت أنه من الظلم أن يفرض فيه علينا حكم الدم ، مع مرعاة كل هذه الظروف والملابسات.

وإذاً ما هو الطريق ؟.

وما هو دورنا على هذا الطريق ؟.

إما الطريق فهو الحرية السياسية والاقتصادية .
وإما دورنا فيه فدور الحارس فقط؟ لا يزيد ولا ينقص …
الحارس لمدة معينة بالذات موقوتة بأجل .
وما أشبه شعبنا الآن بقافلة كان يجب أن تلزم طريقاً معيناً ، وطال عليها الطريق ، وقابلتها المصاعب ، وانبرى لها اللصوص وقطاع الطرق ، وضللها السراب ، فتبعثرت القافلة . كل جماعة منها شردت في ناحية ، وكل فرد مضى في اتجاه .

وما أشبه مهمتنا في هذا الوضع بدور الذي يمضي فيجمع الشاردين والتائهين ليضعهم على الطريق الصحيح ثم يتركهم يواصلون السير .
هذا هو دورنا ولا أتصور لنا دور سواه .
ولو خطر لي أننا نستطيع أن نحل كل مشاكل وطننا لكنت واهماً ، وأنا لا أحب أن أتعلق بالأوهام .
أننا لا نملك القدرة على ذلك ، ولا نملك الخبرة لنقوم به .
إنما كل عملنا أن نحدد معالم الطريق كما قلت وأن نجري وراء الشاردين فنردهم إلى حيث ينبغي أن يبدءوا المسير ، وان نلحــــق بالسائرين وراء السراب فنقنعهم بعبث الوهم الذي يجرون ورائه .
لقد كنت مدركاً منذ البداية أنها لم تكون مهمة سهلة ، وكنت أعلم مقدماً إنها ستكلفنا الكثير من شعبيتنا .

لقد كان يجب أن نتكلم بصراحة ، وأن نخاطب عقول الناس ، وكان الذين سبقونا قد تعودوا أن يعطوا الوهم ، وأن يقوا للناس ما يرد الناس أن يسمعوه !.
وما أسهل الحديث إلى غرائز الناس وما أصعب الحديث إلى عقولهم !.
وغرائزنا جميعاً واحدة ، أما عقولنا فموضع الخلاف والتفاوت وكان ساسة مصر في الماضي من الذكاء من حيثوا أدركوا هذه الحقيقة فاتجهوا إلى الغريزة يخاطبونها . أما العقل فتركوه هائماً على وجهه في الصحراء .
وكنا نستطيع أن نفعل نفس الشيء.
كنا نستطيع أن نملئ أعصاب الناس بالكلمات الكبيرة التي لا تخرج عن حد الوهم و الخيال ، أو تدفعهم وراء أعمال غير منظمة لم تعد لها العدة ولم تتخذ لها أهبةً ، أو كنا نستطيع ترك أصواتهم تبح من كثرة هتافهم :
(( يا ربنا يا عزيز .. داهية تأخذ الإنكليز )) .
تماماً كما كان أجدادنا تبح أصواتهم أيام المماليك من كثرة هتافهم :
(( يا رب يا متجلي .. أهلك العثملي )).
وبهدها لاشيء !.
لكن كانت تلك مهمتنا التي شاءها لنا القدر ؟.
وما الذي كنا نستطيع أن نحققه فعلا إذا سرنا في هذا السبيل ؟ ولقد قلت في الجزء الأول من هذا الحديث إن نجاح الثورة يتوقف على إدراكها لحقيقة الظروف التي تواجهها وقدرتها على الحركة السريعة . وأضيف الآن إلى ذلك أنها يجب أن نتحرر من أثار الألفاظ البراقة و أن نقدم على ما تتصور أنه واجبها مهما كان الثمن شعبيتها ومن الهتاف بحياتها والتصفيق لها !.
وإلا فإننا نكون قد تخلينا عن أمانة الثورة وعن واجباتها .

***
وكثيراً ما يجيئني من يقول لي :
– لقد أغضبتم كل الناس .
وعلى مثل هذه الملاحظة أرد دائماً :
– ليس غضب الناس هو العامل المؤثر في الموقف ، وإنما السؤال هل كان الذي أغضبهم يعمل لصالح الوطن أو لغيره ؟ .
أنا أدرك إننا أغضبنا كبار الملاك .
لكن ، هل كان يمكن ألا نغضبهم ونترك تربة وطننا فريسة لشهواتهمةوفسادهم وصراعهم على مغانم الحكم ؟ ..

وفينا من يملك من عشرات الألوف من الأفدنة وفينا من لا يملك قطعة يدفن فيها بعد أن يموت؟.

وأنا أدرك أننا أغضبنا الساسة القدماء !.
ولكن هل يمكن أن نغضبهم ونترك وطننا فريسة لشهواتهم وفسادهم و صراعهم على مغانم الحكم ؟.
وأنا أدرك أننا أغضبنا عدد كبير من الموظفين .
ولكن هل يمكن أن نعطي أكثر من نصف ميزانية الدولة مرتبات للموظفين و لا نستطيع- – كما صنعنا بالفعل – أن نخصص أربعين مليوناً من الجنيهات للمشروعات الإنتاجية ؟.
ماذا علينا لو كنا فتحنا – كما فعل غيرنا – خزائن الدولة ووزعنا ما فيها على الموظفين وليكن بعد ذلك الطوفان ، وليكن-أيضاً – أن يجئ العام القادم فلا تستطيع الحكومة أن تدفع المرتبات موظفيها أصلاً و أساساً . وما كان أسهل أن نرضي هؤلاء جميعاً وغيرهم … ولكن ما الثمن الذي كان وطننا سيدفعه من أماله و مستقبله في مقابل هذا الرضى ؟ .
***
ذلك دورنا الذي حدده لنا تاريخ وطننا ، ولا مفر أمامنا من أن نقوم به ، مهما كان الثمن الذي ندفعه .
ولم نخطئ أبداً في فهم هذا الدور ، ولا في إدراك طبيعة الواجبات التي نلقيها علينا .
تلك خطوات لإصلاح أثار الماضي ورواسبه مضينا فيها وتحملنا من أجلها كل شئ .
فلما جاء الكلام عن المستقبل قلنا أننا لا نملك هذا وحدننا.
***
فمن أجل ضمان الحياة السياسية في المستقبل ذهبنا إلى عدد من قادة الرأي من مختلف الطبقات والعقائد وقلنا لهم .
– ضعوا للبلد دستور يصون مقدساته .
وكانت لجنة وضع الدستور .
ومن أجل ضمان الحياة الاقتصادية في المستقبل ذهبنا إلى أكبر الأساتذة في مختلف نواحي الخبرة وقلنا لهم :
نظموا للبلد رخائه وضمنوا لقمة العيش لكل فرد فيه.
وكان مجلس الإنتاج .
تلك حدودنا لم نتعداها .
إزالة الصخور والعقبات من الطريق ، مهما يكن الثمن .
والعمل للمستقبل من كل نواحيه مفتوح لكل ذوي الرأي و الخبرة ، فرض لازم عليهم وليس لنا أن نستأثر به دونهم ، بل أن مهمتنا تقتضي أن نسعى لجمعهم من أجل مستقبل مصر …مصر القوية المتحررة !.

فلسفة الثورة 3 – جمال عبد الناصر

بعد غيبة ثلاثة شهور – الزمان والمكان – القدر لا يهزل – دوائر ثلاث – دور يبحث عن بطلة – فلسطين ليست بلداً غريباً – لقاء مع عرب فلسطين – أغلى أسرار الطيران – أفكار في ميدان القتال – الأرض و النجوم – نظرة إلى مذكرات وايزمان – الكفاح الواحد وعناصره – القوة بالأرقام – مسؤليتنا في أفريقيا – الحكمة الحقيقة من الحج .

مرة ثالثة أعود إلى فلسفة الثورة .
أعود إليها بعد غيبة طويلة امتدت إلى أكثر من ثلاثة شهور حافلة بالأحداث و التطورات السريعة المتلاحقة .
ثلاثة شهور حاولت من خلالها أكثر من مرة أن أجد ساعات التي أسجل فيها هذه الخواطر عن فلسفة الثورة ، فعصفت رياح الأحداث السريعة و التطورات المتلاحقة بهذه المحولات و بعثرتها في الفضاء .
ولكن الرياح التي عصفت بمحاولات التسجيل لم تعصف بالخواطر نفسها و صحيح أن هذه الخواطر لم تجر على ورق ، ولكنها ظلت تدور في تفكيري وتتفاعل مع غيرها وتبحث عن تفاصيل أخرى سواء في ذاكرتي أو في الأيام ، تضيفها إليها لتكمل بها صورة صحيحة واضحة.
ولكن ما الصورة الصحيحة الواضحة التي أريد أن أرسمها هذه المرة ؟ وما علاقتها بالمحاولات التي قمت بها قبل ذلك ، في الجزء الأول ثم في الجزء الثاني من هذه الخواطر عن فلسفة الثورة ؟.
لقد تحدثت في الجزء الأول عن بداية الثورة في نفوسنا كأفراد وفي نفوسنا كنماذج عادية من شباب جيلنا ،و عن الثورة في تاريخ أمتنا ، وعن يوم 23 يوليو في هذه الثورة.
وفي الجزء الثاني تحدثت عن محاولات على طريق الثورة ، وكيف حدد لنا تاريخ شعبنا هذه الطريق ، سواء في نظرتنا المليئة بالعبر إلى الماضي أو في تطلعنا المفعم بالأمل إلى المستقبل .
وإذاً فقد كان حديثي عن الجزأين السابقين عن الزمان ومن هنا أشعر بأن المكان يطالب بحقه ، وإذا فليكن الحديث في هذه المرة عنه .
وليس هدفي أن أدخل في بحث فلسفي معقد عن الزمان والمكان . وإنما الذي لا شك فيه هو أن العالم كله ، لا وطننا فحسب ، هو نتيجة لتفاعل الزمان والمكان وإذا كنت أقول أننا في تصويرنا لأحوال وطننا لا نستطيع أن ننسى عنصر الزمن ، فإننا ايضاً وبنسبة متساوية لا نستطيع أن ننسى عنصر المكان .
وبعبارة أبسط :
نحن الآن لا نستطيع أن نعود إلى القرن العاشر ، نرتدي ملابسه التي تبدو لعيوننا غريبة مضحكة ، ونتوه في أفكاره التي تظهر أمامنا اليوم أطباقاً من الظلام خلت من كل شعاع.
وكذلك نحن الآن لا نستطيع أن نتصرف على أننا قطع من ألا سكا المتعلقة بأقصى أصقاع الشمال ، أو على أننا جزيرة (( ويك )) النائية المهجورة في تيه الباسفيك .
الزمان إذاً يفرض علينا تطوره .
والمكان أيضاً يفرض علينا حقيقته .
ولقد حاولت مرتين أن امضي مع الزمان ، فلأحاول هذه المرة أن أتجول في عالم المكان .

وثمة شئ يجب أن نتفق عليه أولاً وقبل أن نمضي في هذا الحديث ذلك هو تعريف حدود المكان بالنسبة لنا .

إن قال لي أحد أن المكان بالنسبة لنا هو هذه العاصمة التي نعيش فيها فأني أختلف معه. وإن قال لي أحد أن المكان بالنسبة لنا هو حدود بلادنا السياسية فإني أيضاً أختلف معه .
ولو كان الأمر كله محصوراً في حدود عاصمتنا . أو في حدود بلادنا السياسية لهان الأمر ، ولأقفلنا على أنفسنا كل الأبواب وعشنا في البرج العاجي نحاول أن نبتعد به بقدر ما نستطيع عن العالم ومشاكله وحروبه و أزماته تلك التي تقتحم علينا أبواب بلادنا وتؤثر فينا دون أن يكون لنا فيها دخل أو نصيب .
ولقد مضى عهد العزلة.
وذهبت الأيام التي كانت فيها خطوط الأسلاك الشائكة التي تخطط حدود الدول تفصل وتعزل .
ولم يعد مفر أمام كل بلد أن يدير البصر حوله خارج حدود بلاده ليعلم من أين تجيئه التيارات التي تؤثر فيه ، وكيف يمكن أن يعيش مع غيره وكيف .. وكيف..
ولم يعد مفر أمام كل دولة من أن تجيل البصر حولها تبحث عن وضعها و ظروفها في المكان ، وترى ماذا تستطيع أن تفعل فيه وما هو مجالها الحيوي وميدان نشاطها ودورها الإيجابي في هذا العالم المضطرب .
وأنا أجلس أحياناً في غرفة مكتبي وأسرح بخواطري في نفس هذا الموضوع أسأل نفسي :
– ما هو دورنا الإيجابي في هذا العالم المضطرب ، وأين هو المكان الذي يجب أن نقوم فيه في هذا الدور ؟.
وأستعرض ظروفنا وأخرج بمجموعة من الدوائر لا مفر لنا أن يدور عليها نشاطنا وأن نحاول الحركة فيها بكل طاقتنا .
أن القدر لا يهزل ، ليست هناك أحداث من صنع الصدفة ولا وجود يصنعه الهباء .
ولن نستطيع أن ننظر إلى خريطة العالم نظرة بلهاء لا ندرك بها مكاننا على هذه الخريطة ودورنا بحكم هذا المكان .
أيمكن أن تتجاهل أن هناك دائرة عربية تحيط بنا ، وإن هذه الدائرة منا ونحن منها ، امتزج تاريخنا بتاريخها ، وارتبطت مصالحنا بمصالحها ، حقيقة وفعلاً لا مجرد كلام ؟.
أيمكن أن تتجاهل أن هناك قارة أفريقية شاء لنا القدر أن نكون فيها ، وشاء أيضاً أن يكون فيها صراع مروع حول مستقبلها ، وهو صراع سوف تكون أثاره لنا أو علينا سواء أردنا أو لم نرد .؟
أيمكن أن نتجاهل أن هناك عالماً إسلامياً تجمعنا وإياه روابط لا تقر بها العقيدة الدينية فحسب وإنما تشهدها حقائق التاريخ ؟.
وكما قلت مرة : أن القدر لا يهزل .
فليس عبثاً أن بلدنا في جنوب غرب أسيا يلاصق الدول العربية تشتبك حياته بحياتها .
وليس عبثاً أن بلدنا يقع في شمال شرق أفريقيا ، ويطل من على القارة السوداء التي يدور فيها اليوم أعنف صراع بين مستعمريها البيض و أهلها السود من أجل مواردها التي لاتحد .
وليس عبثاً إن الحضارة الإسلامية والتراث الإسلامي الذي أغار عليه المغول الذين اكتسحوا عواصم الإسلام القديمة – تراجع إلى مصر وأوى إليها فحمته مصر وأنقذته عندما ردت غزوا المغول على أعقابه في عين جالوت .
كل هذه حقائق أصيلة ذات جذور عميقة في حياتنا ، لا نستطيع مهما نحاول أن ننسها أو نفر منها .

ولست أدري لماذا أذكر دائماً عندما أصل إلى هذه المرحلة من أفكاري وأنا جالس وحدي في غرفتي شارداً مع الأفكار ، قصة مشهورة للشاعر الإيطالي الكبير (( لويدجي بيراندلو )) أسماها :

ست شخصيات تبحث عن ممثلين !

إن ظروف التاريخ مليئة بالأبطال الذين صنعوا لأنفسهم أدوار بطولة مجيدة قاموا بها في ظروف حاسمة على مسرحه .
إن ظروف التاريخ أيضاً مليئة بأدوار البطولة المجيدة التي لم تجد بعد الأبطال الذين يقومون بها على مسرحه ، ولست أدري لماذا يخيل لي دائماً إن في هذه المنطقة التي نعيش فيها دوراً هاماً على وجهه يبحث عن البطل الذي يقوم به ، ثم لست أدري لماذا يخيل لي إن هذا الدور الذي أرهقه التجوال في المنطقة الواسعة الممتدة في كل مكان حولنا ، قد أستقر به المطاف متعباً منهوك القوى
على حدود بلادنا يشير إلينا أن نتحرك ، وأن ننهض بالدور ونرتدي ملابسه فإن أحد غيرنا لا يستطيع القيام به .
وأبادر هنا وأقول أن الدور ليس دور زعامة.
وإنما هو دور تفاعل و تجاوب مع كل هذه العوامل ، يكون من شأنه تفجير الطاقة الهائلة الكامنة في كل اتجاه من الاتجاهات المحيطة بها ، ويكون من شأنه تجربة لخلق قوة كبيرة في هذه المنطقة ترفع من شأن نفسها و تقوم بدور إيجابي في بناء مستقبل البشر .
وما من شك إن الدائرة العربية هي من أهم هذه الدوائر وأوثقها ارتباطا بنا .
فلقد امتزجت معنا في التاريخ وعنبنا معها نفس المحن ، وعشنا نفس الأزمات ، وحين وقعنا تحت سنابك خيل الغزاة كانوا معنا تحت نفس السنابك .
وامتزجت هذه الدوائر معنا أيضاً بالدين ، فنقلت مراكز الإشعاع الديني من حدود عواصمها ، من مكة إلى الكوفة ، ثم إلى القاهرة ثم جمعها الجوار في إطار ربطته كل هذه العوامل التاريخية و المادية والروحية .
وأنا أذكر فيما يتعلق بنفسي أن طلائع الوعي العربي بدأت تتسلل إلى تفكيري وأنا طلاب في المدرسة الثانوية أخرج مع زملائي في إضراب عام في الثاني من شهر ديسمبر من كل سنة احتاجا على وعد بلفور الذي منحته بريطانيا لليهود ومنحتهم به وطنناً قومياً في فلسطين ، واغتصبته ظلماً من أصحابه الشرعيين .
وحين كنت أسائل نفسي في ذلك الوقت : لماذا أخرج في حماسة ، ولماذا أغضب لهذه الأرض التي لم أراها ؟ ولم أكن أجد بنفسي سوى أصداء العاطفة .
ثم بدأ نوع من الفهم يخالج تفكيري حول هذا الموضوع لما أصبحت طالباً في الكلية الحربية أدرس تاريخ حملات فلسطين بصفة خاصة ، وأدرس بصفة عامة تاريخ المنطقة و ظروفها التي جعلت منها في القرن الأخير فريسة سهلة يتخطفها أنياب مجموعة من الوحوش الجائعة!.
ثم بدأ الفهم يتضح و تتكشف الأعمدة التي تتركز عليها حقائقه لم بدأت أدرس وأنا طالب في كلية أركان الحرب حملة فلسطينية ومشاكل البحر المتوسط بالتفصيل .
ولما بدأت أزمة فلسطين كنت مقتنعاً في أعماقي بأن القتال في فلسطين ليس قتالاً في أرض عربية . وهو ليس انسياقا وراء عاطفة وإنما هو واجب يحتمه الدفاع عن النفس !.

وأذكر يوماً عقب صدور قرار تقسيم فلسطين في شهر سبتمبر سنة 1947 عقد فيه الضباط الأحرار اجتماعا واستقر رأيهم على مساعدة المقاومة في فلسطين وذهبت في اليوم التالي أطرق بيت الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين ، وكان لا يزال يعيـــــــــش في الزيتون، وأقول له :
– إنكم في حاجة إلى ضباط يقيدون المعارك ويدربون المتطوعين في الجيش المصري عدد كبير من الضباط يريد أن يتطوع وهم تحت أمرك في أي وقت تشاء!.
وقال لي الحاج أمين الحسيني أنه سعيد بهذه الروح ، ولكنه يرى أن يستأذن الحكومة المصرية قبل أن يقول شيئاً ثم قال لي الحاج أمين :
سوف أعطيك ردي بعد استأذن الحكومة .
وعدت إليه بعد أيام ، وكان رده ، الرد الذي حصله عليه من الحكومة وهو الرفض !.
ولم نسكت .
وبعدها كانت مدفعية أحمد عبد العزيز تدك المستعمرات اليهودية جنوبي القدس ، وكان قائد المدفعية هو كمال الدين حسين عضو اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار التي تحولت إلى مجلس قيادة الثورة .
أذكر سراً آخر كان ذات يوم أغلى أسرار الضباط الأحرار .
كان حسن إبراهيم قد سافر إلى دمشق ، واتصل ببعض ضباط القاوقجي . وكان القاوقجي يقود قوات التحرير العربية و يستعد لمعركة حاسمة فاصلة في المنطقة الشمالية من فلسطين .
ووضع حسن إبراهيم و عبد اللطيف بغدادي خطة جريئة للقيام بعمل حاسم في المعركة التي تستعد لها قوات التحرير .
كانت الخطوط البارزة في تلك الخطة هي أن قوات التحرير العربية لا تملك طيران يساعدها في المعركة ويرجح النصر إلى كفتها ، ولو أنها حصلت على معونة من الجو بضرب مركز فوق ميدان العملية ، لكان ذلك عملاً فاصلاً ، ولكن من أين لقوات التحرير العربية بالطيران لتحقيق هذا الحلم ؟.
ولم تكن مصر قد دخلت حرب فلسطين ، ولكن جو الرقابة على قوات المسلحة – بما فيها سلاح الطيران – حذرا متيقظاً !.
ومع ذلك لم يجد اليأس ثغرة ينفذ منها إلى تفاصيل الخطة وبدأت في سلاح الطيران حركة عجيبة ، وبرز فيها نشاط واسع لاصلاح الطائرات و إعدادها ، وجهود واضحة في التدريب سرت كالحمى في نفوس عدد من الطيارين ..
ولم يكن هنا إلا قلائل يعرفون السر …
يعرفون إن الطائرات و قوادها قد أعدوا ليوم تجئ فيه من سوريا إشارة سرية ، فينطلقون بعدها إلى الجو ليشتركوا بكل قواتهم في معركة حاسمة على الأرض المقدسة . ثم يتجهون بعد ذلك إلى مطار قرب دمشق ، ينزلون فيه ويترقبون الأحوال في مصر ، ويتعرفون صدى هذه الحركة التي أقدموا عليها ، ثم يقررون ماذا يتصرفون بعدها !.
وكان أرجح الاحتمالات أن يحاكم كل طيار اشترك في هذه العملية وأذكر أن كثيرون رتبوا أمورهم على أن الظروف ربما تحول بينهم و بين العودة إلى الوطن قبل سنوات قد تطول و تمتد …

وكان شعورنا في اللجنة التنفيذية للضباط الأحرار . والمؤكد أن نفس الشعور كان يراود خواطر كل الطيارين المشتركين في السر الكبير إن هذه المخاطرة الجريئة لم تكن حباً في المخاطرة ، ولا كانت رد فعل للعاطفة في نفوسنا ، إنما كانت وعياً ظاهراً لإيماننا بأن رفح ليست آخر حدود بلادنا ، وان نطلق سلامتنا يقضي علينا أن ندافع عن حدود إخواننا الذي شاءت لنا أحكام القدر أن نعيش معهم في منطقة واحدة .

ولم تتم الخطة يومها …لأننا لم نتلق الإشارة السرية من سوريا .
و قضت الظروف بعضها أن تدخل الجيوش العربية كلها الحرب في فلسطين .
ولست أريد أن أدخل في حرب فلسطين – الآن – فذلك بحث تتشعب فيه الأحاديث ، و إنما يعنيني من حرب فلسطين درس عجيب .
لقد دخلتها شعوب العرب جميعاً بدرجة واحدة من الحماسة ، و إذن فهذه الشعوب جميعاً تتشارك في شعورها و في تقديرها لحدود سلامتها .
ثم خرجت منها هذه الشعوب بنفس المرارة والخيبة ، و اذن فهي جميعاً ، كل منها في بلاده ، قد تعرض لنفس العوامل وحكمتها نفس القوى التي ساقتها إلى الهزيمة ونكست رأسها بالذل والعار .
ولقد خلت إلى نفسي مرات كثيرة في خنادق عراق المنشية وفي جحورها .
وكنت يومها أركان حرب الكتيبة السادسة التي كانت تقف في ذلك القطاع وتدافع عنه أحياناً و تهاجم في أكثر الأحيان .
وكنت أخرج إلى الأطلال المحطمة من حولي بفعل نيران العدو ثم أسبح بعيداً مع الخيال .
وأحياناً كانت الرحلة مع الخيال تمضي بي بعيداً إلى آفاق النجوم ، فأطل من هذا الارتفاع الشاهق على المنطقة بأكملها .
وكانت الصورة تبدوا في ذلك الوقت واضحة أمام بصيرتي .
هذا هو المكان الذين نقبع محاصرين فيه ، هذه موقع كتيبتنا وهذه مواقع الكتائب الأخرى المشتركة معنا على الخط .
وهذه قوات العدو تحيط بنا .
وهذه قوات أخرى لنا … وهي أيضاً محاصرة لا تستطيع الحركة الواسعة وان بقى لها مجال للمناورة المحدودة .
إن الظروف السياسية المحيطة بالعاصمة التي نتلقى منها الأوامر تحيطها بحصار و تلحق بها عجزا أكثر من الذي تصنعه بنا نحن القابعين في منطقة الفالوجة .
ثم هذه قوات إخواننا في السلاح وفي الوطن الكبير وفي المصلحة المشتركة وفي الدفاع الذي جعلنا نهرول إلى أرض فلسطين .

هذه هي جيوش إخواننا …جيشا جيشا …كلها هي أيضا محاصرة بفعل الظروف التي تحيط بها والتي كانت تحيط بحكومتها .. لقد كانت جميعا تبدو كقطع شطرنج لا قوة لها ولا إرادة إلا بقدر ما تحركها أيدي اللاعبين .
وكانت شعوبنا جميعاً تبدو في مؤخرة الخطوط ضحية مؤامرات محبوكة أخفت عنها عمداً ما يجري ، وضللتها حتى عن وجودها نفسه .
وأحيانا كنت أهبط من ارتفاع النجوم إلى سطح الأرض ، فأحس أنني أدافع عن بيتي وأولادي ، ولا تعنيني أحلامي الموهومة والعواصم و الدول و الشعوب والتاريخ .
وكان ذلك عندما ألتقي في تجوالي فوق الأطلال المحطمة ببعض أطفال اللاجئين الذين سقطوا في براثن الحصار بعد أن خربت بيوتهم وضاع كل ما يملكون ، واذكر بينهم طفلة صغيرة كانت في مثل عمر ابنتي ، وكنت أراها وقد خرجت إلى الخطر والرصاص الطائش مندفعة أمام سياط الجوع و البرد تبحث عن لقمة عيش أو خرقة قماش .
وكنت أقول لنفسي :
– فد يحدث هذا لابنتي !
وكنت مؤمنا أن الذي يحدث لفلسطين كان يمكن أن يحدث – ومازال حدوثه قائما – لأي بلد في هذه المنطقة مادام مستسلماً للعوامل والعناصر والقوى التي تحكمه الآن .

ولما أنتهي الحصار وانتهت المعارك في فلسطين وعدت إلى الوطن ، وكانت المنطقة كلها في تصوري قد أصبحت كلا واحدا .
وأيدت الحوادث التي جرت بعد ذلك هذا الاعتقاد في نفسي .
كنت أتابع تطورات المواقف فيها فأجد أصداء يتجاوب بعضها مع بعض .
كان الحادث يقع في القاهرة فيقع مثيل له في دمشق غدا ، وفي بيروت وفي عمان ، وفي بغداد ، وغيرها .
وكان ذلك كله طبيعياً مع الصورة التي رسمتها التجارب في نفسي 0
منطقة واحدة ، ونفس الظروف ، ونفس العوامل ، بل نفس القوى المتألبة عليها جميعا.
وكان واضحا أن الاستعمار هو أبرز هذه القوى .
حتى إسرائيل نفسها ، لم تكن إلا أثرا من آثار الاستعمار .
فلولا أن فلسطين وقعت تحت الانتداب البريطاني لما استطاعت الصهيونية أن تجد العون على تحقيق فكرة الوطن القومي في فلسطين …ولظلت هذه الفكرة خيالا مجنونا ليس له أي أمل في الواقع .
وأنا أكتب هذه المذكرات أمامي مذكرات حاييم وايزمان رئيس جمهورية إسرائيل ومنشئها الحقيقي ، وهي المذكرات التي نشرها في كتابه المشهور (( التجربة و الخطأ )) وثمة عبارات معينة ذات طابع خاص تستوقفني فيه .
يستوقفني قول وايزمان :
((لقد كان يجب أن تساعدنا دولة كبرى ، وكانت في العالم دولتان تستطيع كل منهما مساعدتنا ألمانيا و بريطانيا.

أما ألمانيا أثرت أن تبتعد عن كل تدخل .
وأما بريطانيا فقد أحاطتنا بالرعاية والعطف )).

ويستوقفني بعد ذلك قول وايزمان :
ولقد حدث في المؤتمر الصهيوني السادس الذي عقدناه في سويسرا أن وقف هرتزل يعلن يهود الدنيا أن بريطانيا العظمى،وبريطـانيا
العظمى وحدها دون كل دول الأرض ، قد اعترفت باليهود كأمة ذات كيان مستقل ، ومنفصل عن غيرها .
وإننا نحن اليهود خليقون بأن يكون لنا وطن ، وبأن تكون لنا دولة ، وقرأ هرتزل خطابا من اللورد لا ترسون نائب عن الحكومة البريطانية يتضمن هذا المعنى . وكان هذا الخطاب يقدم لنا أرض أوغندا لتكون وطنا قوميا.
وقرر أعضاء المؤتمر قبول هذا العرض .
ولكننا بعد ذلك كتمنا أنفاسه في المهد و دفناه دون ضجة .
وعادت بريطانيا تريد أن تسترضينا .
وعلى أثر هذا العرض ألفنا لجنة من عدد كبير من علماء اليهود سافروا إلى مصر لدراسة منطقة سيناء وقابلو في القاهرة اللورد كرمور المعتمد البريطاني في مصر الذي أظهر كل العطف على أمانينا في الوطن القومي .
ولكن اللجنة لم تجد في منطقة سيناء ما يفي بالغرض الذي كنا من أجله نريد الوطن القومي .
ولقد قابلت بعدها لورد بلفور وزير الخارجية بريطانيا الذي بادر بسؤال على الفور :
لماذا لم تقبلوا إقامة الوطن القومي في أوغندا ؟.
وقلت لبلفور :
إن الصهيونية حركة سياسية قومية ، هذا صحيح ، ولكن الجانب الروحي منها لا يمكن إغفاله ، وأنا واثق تمام الوثوق أننا إذا أغفلنا الجانب الروحي فإننا لن نستطيع تحقيق الحلم السياسي القومي .
ثم قلت إلى بلفور :
(( ماذا تقول لو أن أحدا قال لك خذ باريس بدلا من لندن هل تقبل ؟ )) .
ويستوقفني أيضاً قول وايزمان:
(( وعدت إلى لندن في خريف سنة 1921 وكان الغرض من رجوعي إنني دعيت إلى لندن لأشرف على كتابة مشروع وثيقة الانتداب البريطاني في فلسطين .
وكان يجب أن تعرض هذه المسودة على عصبة الأمم لتصدر بها القرار بعد أن وافق مؤتمر سان ريمو على فكرة الانتداب نفسها.
وكان لورد كيرزون قد ولى وزارة الخارجية محل بلفور ، وكان هو المسؤول عن وضع مشروع الوثيقة .
وكان معنا في لندن القانوني الشهير ابن كوهين ، وهو من أقدر واضعي الصيغ القانونية في العالم ، وكان إيرك فوريس آدام سكرتير كيرزون يتعاون معنا .
ووقع بيننا و بين كيرزون خلاف أول و أخير :

كتبنا نحن في مشروع الوثيقة عبارة أردنا أن نقيد بريطانيا فيها بوعد بلفور ، وبأن تكون خطتها في فلسطين قائمة على أساس الوطن القومي لليهود ، وكان نص العبارة التي كتبناها نحن:
(( والاعتراف بحقوق اليهود التاريخية في فلسطين ))
وقال كيرزون انه يقترح تخفيف العبارة حتى لا يهيج العرب عند قراءتها ،وقال أن تكون كما يلي:
(( والاعتراف بصلات اليهود وعلاقاتهم التاريخية في فلسطين ))
وكنت أود أن أستطرد طويلا مع وايزمان في (( التجربة والخطأ ))… ولكننا جميعا نعلم أن هذه الحوادث القديمة كانت الجريمة الأولى للمضاعفات التي مزقت كيان فلسطين ودمرت وجودها !.

وأعود للذي كنت أقوله من أن الاستعمار هو القوة الكبرى التي تفرض على المنطقة كلها حصارا قاتلا غير مرئي ، أقوى و أقصى مائة مرة من الحصار الذي كان يحيط بخنادقنا في (( الفالوجة )) وبجيوشنا جميعاً و بحكومتنا في العواصم التي كنا نتلقى منها الأوامر .
ولقد بدأت بعد أن استقرت كل هذه الحقائق في نفسي ، أومن بكفاح واحد مشترك ، وأقول لنفسي :

– مادامت المنطقة واحدة ، وأحوالها واحدة ، ومشاكلها واحدة ، ومستقبلها واحد …. والعدو واحد مهما يحاول أن يضع على وجهه من أقنعة مختلفة – فلماذا تشتت جهودنا ؟.

ثم زادتني تجربة ما بعد ثورة 23 يوليو إيمانا بهذا الكفاح الواحد و ضرورته .

فقد بدأت خبايا الصورة تنكشف ، والظلام الذي كان يحيط بتفاصيلها ينقشع .
وأعترف أني كذلك بدأت أرى العقبات الكبرى التي تسد طريق الكفاح الواحد ، ولكني بدأت أومن بأن هذه العقبات نفسها تنبغي أن تزول ، لأنها من صنع ذلك العدو الواحد نفسه .
ولقد بدأت أخيراً في اتصالات سياسية من أجل توحيد الكفاح مهما تكن وسيلته ، وخرجت بعد شهر من هذه الاتصالات بنتيجة هامة ، هي العقبة الأولى في طريقين هي (( الشك )) وكان واضحا أن بذور الشك قد بذرها في نفوسنا ذلك العدو الواحد نفسه ، ليجول بيننا وبين الكفاح الواحد !.
وأذكر أني جلست في الأيام الأخيرة أتحدث مع أخ من ساسة العرب ، وكان معنا زميل له ، وبدأت أتكلم ، وبدأ هو يرد على الذي أقوله …
وكان يقول العبارة ثم يلتفت لزميله ليرى أثر الذي يقوله في وجهه بدل أن يحاول استكشاف أثره في أنا …
وبدأت أقول له : تغلب على كل ما في نفسك من شكوك ، وقل لي كل ما في قلبك ، وانظر في عيني ولا تدر وجهك !.
ولست أريد بذلك أن أهون من أمر العقبات التي تحول بيننا وبين توحيد الكفاح ، فلا شك أن بعضها معقد تمتد أصوله إلى طبيعة البيئة و الظروف شعوبها التاريخية و الجغرافية ، ولكن المؤكد أنه يمكن مع شئ من المرونة القائمة على بعد النظر ، لا على التفريط ، إيجاد الخط الذي يستطيع الجميع أن يقفوا فيه ، بلا تحرج ، وبلا عنت ، لمواجهة الكفاح الواحد .

ولست أشك دقيقة في أن كفاحنا الواحد يمكن أن يعود إلينا وعلى شعوبنا بكل الذي نريده لها ونتمناه .
ولسوف أظل دائما أقول إننا أقوياء ولكن الكارثة الكبرى ، إننا لا ندرك مدى قوتنا !.
إننا نخطئ في تعريف القوة ، فليست القوة أن تصرخ بصوت عالي ، إنما القوة أن تتصرف إيجابيا وبكل ما تملك من مقوماتها .
وحين أحاول أن أحلل عناصر قوتنا لا أجد مفرا من أن أضع ثلاثة مصادر بارزة من مصادرها يجب أن تكون أول ما يدخل في الحساب .
أول هذه المصادر أننا مجموعة من الشعوب المتجاورة ، المترابطة بكل رباط مادي ومعنوي يمكن أن يربط مجموعة من الشعوب ، وأن لشعوبنا خصائص ومقومات و حضارة انبعثت في جوها الأديان السماوية المقدسة الثلاثة ، ولا يمكن قط إغفالها في محاولة بناء عالم مستقر يسوده السلام .
هذا هو المصدر الأول .

أما المصدر الثاني :
فهو أرضنا نفسها و مكانها على الخريطة العالم . وذلك الموقع الاستراتيجي الهام الذي يعتبر بحق ملتقى طرق العالم ، ومعبر تجارته ، وممر جيوشه .

ويبقى المصدر الثالث :
وهو البترول الذي يعتبر عصب الحضارة المادية ، والذي بدونه تستحيل كل أدواتها – المصانع الهائلة الكبيرة لكافة أنواع الإنتاج ، وسائل المواصلات في البر والبحر والجو ، أسلحة الحرب سواء في ذلك الطائرات المحلقة فوق الضباب أو الغواصة المستترة تحت أطباق الموج – تستحيل كلها قطع من الحديد يعلوها الصدأ لا تنبعث منها حركة .. أو حياة .
وبودي لو وقفت قليلاً عند البترول ، فلعل وجوده كحقيقة مادية تقررها الإحصائيات والأرقام يصلح لأن يكون نموذج للمناقشة في أهمية مصادر القوة في بلادنا .
ولقد قرأت أخيراً رسالة طبعتها جامعة شيكاغو عن ظروف البترول وبودي لو كان لكل فرد من أفراد شعوبنا أن يقرأها ويتدبر معانيها ويسرح بفكره في المعنى الكبير الكامن وراء أرقامها وإحصائيتها :
تقرر هذه الرسالة أن العمل لاستخراج بترول البلاد العربية لا يتكلف كثيراً من المال .
(( لقد صرفت شركات البترول 60 مليون من الدولارات في كولومبيا ابتداء من سنة 1916 ولم تعثر على قطرة زيت إلا في سنة 1936.
وصرفت هذه الشركات 44 مليونا من الدولارات في فنزويلا ولم تحصل على قطرة من الزيت إلا بعد مرور 15 سنة .
وصرفت هذه الشركات 39 مليونا من الدولارات في جزر الهند الهولندية وأخيراً عثرت على الزيت .))
وكانت النتيجة الأخيرة التي قررتها هذه الرسالة في هذا الموضوع :
إن رأس المال المطلوب لاستخراج برميل من الزيت في أمريكا هو 78 سنتا .
إن رأس المال المطلوب لاستخراج برميل من الزيت في أمريكا الجنوبية هو 78 سنتا
إن رأس المال المطلوب لاستخراج برميل من الزيت في البلاد العربية هو 10 سنتات .
إن عاصمة إنتاج البترول قد انتقلت من الولايات المتحدة التي استنزفت أبارها وارتفع ســعر الأرض فيها وزادت أجور الأيــــــدي العاملة لأبنائها
إلى المنطقة العربية التي مازالت آبارها بكراً ، والتي مازالت أراضيها بلا ثمن ، والتي مازالت يدها العاملة تقبل مادون الكفاف .
ولقد ثبت أن نصف الاحتياطي المحقق من البترول في العالم يرقد تحت أرض المنطقة ، والنصف الباقي موزع بين الولايات المتحدة و روسيا ومنطقة الكاريبي وغيرها من بلاد العالم .
وثبت أيضا أن متوسط إنتاج البئر الواحد في اليوم من الزيت هو :
11 برميلا في الولايات المتحدة .
230 برميلا في فنزويلا .
400 برميل في المنطقة العربية .
هل أوضحت مدى أهمية هذا العنصر من عناصر القوة ؟أرجو أن أكون قد وفقت .
وآذن فنحن أقوياء ، أقوياء ليس في علو صوتنا حين نولول ، ولا حين نصرخ ، ولا حين نستغيث ، إنما أقوياء حين نهدأ ، أو حين نحسب بالأرقام مدى قدرتنا على العمل ، وفهمنا الحقيقي لقوة الرابطة بيننا ، هذه الرابطة التي تجعل من أرضنا منطقة واحدة لا يمكن عزل جزء منها على كلها ، ولا يمكن حماية مكان منها بوصفه جزيرة لا تربطها بغيرها رابطة .
***
هذا عن الدائرة الأولى التي لا مفر من أن ندور عليها وأن نحاول الحركة فيها بكل طاقتنا ، وهي الدائرة العربية .
فإذا اتجهت بعد ذلك إلى الدائرة الثانية ، وهي دائرة القارة الإفريقية قلت دون استفاضة أو إسهاب . إننا لن نستطيع بحال من الأحوال – حتى لو أردنا – أن نقف بمعزل عن الصراع الدامي المخيف الذي يدور اليوم في أعماق أفريقيا بين خمسة ملايين من البيض ومائتي مليون من الأفريقيين .ولسوف تظل شعوب القارة تتطلع إلينا ، نحن الذين نحرس الباب الشمالي للقارة ، والذين نعتبر صلتهم بالعالم الخارجي كله .
ولن نستطيع بحال من الأحوال أن نتخلى عن مسؤليتنا في المعاونة بكل ما نستطيع على نشر النور والحضارة حتى أعماق الغابة العذراء .
ويبقى بعد ذلك سبب هام ، هو أن النيل شريان الحياة لوطننا يستمد ماءه من قلب القارة .
ويبقى إن السودان – الشقيق الحبيب – تمتد حدوده إلى أعماق أفريقيا ويرتبط بصلات الجوار مع المناطق الحساسة في وسطها .
والمؤكد أن أفريقيا الآن مسرح لفوران عجيب مثير ، وأن الرجل الأبيض الذي يمثل عدة دول أوروبية يحاول الآن إعادة تقسيم خريطتها ولن نستطيع بحال من الأحوال إن نقف أمام الذي يجري في أفريقيا ونتصور أنه لا يمسنا ولا يعنينا .
ولسوف أظل أحلم باليوم الذي أجد فيه القاهرة معهدا ضخما لإفريقيا يسعى لكشف نواحي القارة أمام عيوننا و يخلق في عقولنا وعيا أفريقيا مستنيرا ويشارك مع كل العاملين من كل أنحاء الأرض على تقدم شعوب القارة و رفاهيتها .
ثم تبقى الدائرة الثالثة …الدائرة التي تمتد عبر قارات و محيطات والتي قلت أنها دوائر أخوان العقيدة الذين يتجهون معنا أينما كان مكانهم تحت الشمس إلى قبلة واحدة وتهمس شفاههم الخاشعة بنفس الصلوات .
ولقد ازداد إيماني بمدى الفاعلية الإيجابية التي يمكن أن تترتب على تقوية الرباط الإسلامي بين جميع المسلمين أيام ذهبت مع البعثة المصرية إلى المملكة العربية لتقديم العزاء في وفاة عاهلها الراحل الكبير.

ولقد وقفت أمام الكعبة وأحسست بخواطري تطوف بكل ناحية من العالم وصل إليها الإسلام ثم وجدتني أقول لنفسي :

– يجب أن تتغير نظرتنا إلى الحج ، لا يجب أن يصبح محاولة الذهاب إلى الكعبة تذكرة لدخول الجنة بعد عمر مديد أو محاولة ساذجة لشراء الغفران بعد حياة حافلة .
يجب أن يكون الحجيج قوة سياسية ضخمة ، ويجب أن تهرع صحافة العالم إلى متابعة أنبائه ، لا بوصفه مراسم و تقاليد تصنع صورة طريفة لقراء الصحف و إنما بوصفه مؤتمراً سياسياً دورياً يجتمع فيه كل قادة الدول الإسلامية ورجال الرأي فيها وعلمائها في كافة أنحاء المعرفة وكتابها و ملوك الصناعة فيها وتجارها وشبابها ليضعوا في هذا البرلمان الإسلامي العالمي خطوطاً عريضة لسياسة بلادهم وتعاونها معه ، حين يحين موعد اجتماعهم من جديد بعد عام .
يجتمعون خاشعين .. ولكن أقوياء ، متجردين من المطامع .. لكل عاملين ، مستضعفين للله .. ولكن أشداء على مشــــــــاكلهم و أعدائهم ، حالمين بحياة أخرى .. ولكن مؤمنين إن لهم مكان تحت الشمس يتعين عليهم احتلاله في هذه الحياة.

وأذكر أني قلت بعض خواطري هذه لجلالة الملك سعود فقال لي الملك :

– أن هذه هي فعلاً ، الحكمة الحقيقية من الحج .
وفي الحق أني لا أستطيع أن أتصور للحج حكمة أخرى .
وحين يسرح بي خيالي إلى ثمانين مليون من المسلمين في إندونيسيا وخمسين مليون في الصين ، وبضعة ملايين في الملايو و سيام و بورما ، وما يقرب من مائة مليون في الباكستان و أكثر من مائة مليون في منطقة الشرق الأوسط ، وأربعين مليون داخل الاتحاد السوفيتي ، وملايين غيرهم في أرجاء الأرض المتباعدة- حين أسرح بخيالي إلى هذه المئات من الملايين الذين تجمعهم عقيدة واحدة ، أخرج بإحساسي الكبير بالإمكانيات الهائلة التي يمكن أن يحققها تعاون بين هؤلاء المسلمين ، تعاون لا يخرج عن حدود ولائهم لأوطانهم الأصلية بالطبع ، ولكنه يكفل لهم ولإخوانهم في العقيدة قوة غير محدودة.

ثم أعود إلى الدور التائه الذي يبحث عن بطل يقوم به ..

ذلك هو الدور ، وتلك هي ملامحه ، وهذا هو مسرحه .. ونحن وحدنا بحكم (( المكان )) نستطيع القيام به .

عن admin

شاهد أيضاً

لأنها «يوليو» «عبدالناصر»

الجمعة , 21 يوليو 2017 – 02:23 مساءٍ بقلم – حمدى الكنيسى تقضى من عمرها …

2 تعليقان

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *