الرئيسية / حوارات ناصرية / حرب الاستنزاف أول حرب خسرتها إسرائيل

حرب الاستنزاف أول حرب خسرتها إسرائيل

 

بقلم : عوني فرسخ

 

     في تقويم نتائج حرب 1967 كتب الخبير العسكري الإسرائيلي حاييم هرزوج يقول : “بعد حرب الأيام الستة تغير الموقف الاستراتيجي لصالح إسرائيل تغييرا جذريا . وأصبحت الأوراق بيد إسرائيل في شكل المناطق التي كانت تستخدم كنقاط انطلاق للهجوم على إسرائيل . وبشكل عام فإن الانتصار في حرب الأيام الستة كان مذهلا ” . وهو بلا شك انتصار عسكري مذهل توج ما غلب على معظم حروب إسرائيل مع أنظمة المشرق العربي من انتصار خلال السنوات العشرين السابقة . ما أسس لشيوع ثقافة الهزيمة لدى قطاع واسع من النخب العربية ، لدرجة أن كثيرين منهم لما تزل أنظارهم مسمرة عند الهزيمة العسكرية في الخامس من يونيو / حزيران 1967 .

 

    ولكن الانتصار العسكري الإسرائيلي المذهل لم يترجم لانتصار سياسي ، إذ فشل العدوان في إسقاط إرادة الممانعة والمقاومة العربية . إذ ما إن أعلن الرئيس عبدالناصر مساء 9 يونيو / حزيران تحمله المسؤولية الكاملة ، وتنحيه عن جميع مناصبه الرسمية ، واستعداده للعودة لصفوف الشعب لمقاومة الغزاة الصهاينة ، حتى انتفضت جماهير القاهرة رافضة تنحيه ومصرة على مواصلة الكفاح بقيادته . وكانت انتفاضة وطنية تلقائية كما وثق ذلك كثير من المراسلين الأجانب . وامتدت الانتفاضة في عموم مصر مؤكدة إرادة الصمود ، ومعبرة عن وحدة الجبهة الداخلية ، والتفاف الشعب حول القائد . وعمت الانتفاضات الوطن العربي من المحيط الى الخليج معلنة رفض الاستسلام ، مفشلة ما استهدفه العدوان الصهيوني المدعوم أمريكيا .

 

     واستجابة للارادة الشعبية ، وإجماع اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي ، ومجلس الوزراء ، تراجع عبدالناصر عن تنحيه . وقد تحددت رؤيته الاستراتيجية بأن مصر خسرت معركة ولم تخسر حربا ، وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة ، وأن الغاية استرداد الأرض العربية المحتلة ، وإنشاء الوطن الفلسطيني ، وأن لا بد  من ترتيب الجبهة الداخلية ، وإعادة تنظيم القوات المسلحة ، وبأن لا يجوز أن يشعر العدو بأي نوع من أنواع الاستقرار في مواقعه الجديدة ، ولا بد أن تبدأ المقاومة في الحال بالامكانيات المتاحة ، وأن تتصاعد بتصاعد قدرة مصر القتالية . وفي 11/6/1967 أصدر قرارات تنظيم الجيش ، بعد تطهيره من القيادات المترهلة والفاسدة ، وذلك بتعيين الفريق أول محمد فوزي قائدا عاما للقوات المسلحة ، والفريق مدكور أبو العز قائدا للقوات الجوية والدفاع الجوي ، والفريق عبدالمنعم رياض رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة ، وأمين هويدي وزيراً للحربية .

 

     وجرى تطوير بنية القوات المسلحة ، بأن أصبح المجند خريج الجامعة والمعاهد العليا أبرز عناصرها باعتباره الأقدر على استخدام الأسلحة والمعدات الحديثة  والمعقدة  . وجرى إنشاء لجنة للحرب النفسية لدراسة وسائل تدمير معنويات العدو ، ورفع معنويات القوات المسلحة المصرية بغرس روح القتال العالية للقادة والجنود ، كما جرى التركيز على القادة بإعداد القائد القدوة القادر على أن يحظى بثقة جنوده بما يتميز به من حكمة وإخلاص وشجاعة ولا تنقصه الطيبة والصرامة . كما تقرر تكوين مجلس عسكري في كل جيش يجتمع ويناقش الموضوعات ، وبحيث تصدر قرارات القائد حسب قرارات المجلس .

 

     وكانت اسرائيل قد احتلت شبه جزيرة سيناء عدا جزء صغير من الأرض شرق وجنوب مدينة بور فؤاد ، تمركزت فيه قوة صغيرة من الصاعقة والمشاة والمدفعية المضادة للدبابات فشل العدو باحتلالها في 1/7/1967 بحيث اعتبرت معركة راس العش باكورة المعارك الصغيرة في حرب الاستنزاف ، وبمعارك جوية ناجحة يومي 14 و 15 /7 تمكنت طائرات الميج 17 من السيطرة على منطقة قناة السويس ما أعاد ثقة الطيارين المصريين بأنفسهم وسلاحهم . وفي 21/10/1967نجح لنشأ صواريخ كومر السوفيتية يقودهما ضابطان من البحرية المصرية بإغراق المدمرة إيلات أكبر قطعة بحرية إسرائيلية مدشنين معارك الصواريخ البحرية . وتصاعدت العمليات العسكرية على جبهة القناة . وبدأت اسرائيل في 24/10/1967 قصف مستودعات الوقود ومعامل تكرير البترول في السويس بمدافع الميدان . فسارعت مصر بنقل المستودعات والمعامل التي لم تصب الى منطقة القاهرة ، كما أخلت نحو مليونين ونصف المليون مواطن من منطقة القناة في وقت قياسي كي لا يستغل العدو معاناتهم سياسيا . فيما تواصلت عملية إعداد منطقة غرب القناة عسكريا بإنشاء التحصينات ، بحيث لم ينته شهر نوفمبر / تشرين ثاني 1967 إلا وكان قد تمت إقامة أول نسق دفاعي مع احتياطي مدرع غرب القناة ، وبالتالي زال خطر عبور العدو للقناة وتهديد القاهرة .

 

     وتقرر الدفع بدوريات الاستطلاع من الضباط وضباط الصف إلى عمق سيناء ، ولتبقى كل دورية خلف خطوط العدو قرابة أسبوعين . بحيث نجح بعضها بتدمير عدد من مركبات العدو وعرباته المدرعة وضرب قوافل إمداده بالتموين والذخيرة بعمق 3 – 5 كلم شرقي القناة ، ما دفع العدو لاقامة خط بارليف من 35 نقطة أحاطها بالألغام والأسلاك الشائكة . كما نفذ عمليات جريئة في إطار عمليات الاستنزاف المضاد كالغارة على الجزيرة الخضراء إلى الجنوب من قناة السويس ، والغارة على محطة الرادار قرب رأس غارب ، وتكثيف الغارات على العمق المصري إلا أنها لم تستطع تقويض معنويات الجمهور المصري ، بل على العكس ضاعفت نقمته على العدو.  ولقد تحملت الجبهة المصرية دون سواها أعباء حرب الاستنزاف ، إذ لم يكن للجيوش النظامية العربية الأخرى  سوى دور ضئيل في التأثير على مجرى الأمور .

 

     وبرغم تصاعد عمليات الاستنزاف المضاد بالدعم الأمريكي المتزايد إلا ان محصلة حرب الاستنزاف كانت في صالح مصر جيشا ونظاما . وهذا ما يؤكده ماتي بليد ، عضو هيئة الأركان الإسرائيلية في حرب 1967 ، الذي نقل عنه زئيف شيف المراسل العسكري لصحيفة هارتس قوله . “لقد فشل الجيش الإسرائيلي من الناحية العسكرية في حرب الاستنزاف ، وهذه أول معركة نهزم  بها في ساحة القتال منذ قيام الدولة ، لدرجة أننا قبضنا على أول قشة القيت لنا ، أي وقف إطلاق النار . لأننا لم نستطع التسبب في انهيار النظام المصري بواسطة القصف في الأعماق . لأننا تخلينا عن سيطرتنا على سماء مصر ، لأن مصر هي التي حددت الأهداف في حرب الاستنزاف ، وهي التي فرضت على إسرائيل الدفاع عن النفس” – هارتس في 11/9/1971 – وبحيث كانت حرب الخامس من يونيو / حزيران آخر انتصارات إسرائيل في صراع الوجود واللاوجود مع شعب فلسطين وأمته العربية .

عن admin

شاهد أيضاً

«الناصرية».. مرجعية العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطنى

د. جمال زهران يمثل العام 2018م، ذكرى مرور (100) مائة عام على ميلاد الزعيم جمال …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *